الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الثامن من أخلاق الفرد المسلم: [الحَيَاء]، الحياء في اللغة معناه الحشمة، ومعناه اصطلاحا: انقباض النَّفس مِن شيءٍ وتركه حذرًا عن اللَّوم فيه، وهو خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ، [وردت في تعريف الحياء عباراتٌ كثيرة]: قال بعضهم: الحياء: هو انْقِباضُ النَّفْسِ عن القَبائِحِ، وقيل: هو انفعال النفس وتألمها من النقص، وقيل: هو تغير وانكسارٌ يعتري ويصيبُ النفس بسبب فعلٍ مذمومٍ أو الوقوع في قبيحٍ , أو خوف ما يُعاب، وعرَّفه ابن حجر – رحمه الله – بقوله: ” هو خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق”([1]) . وعرَّفه أبو القاسم الجنيد رحمه الله فقال: (الحياء رؤية الآلاء أي النعم ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء) ([2]) . وجاء في الموسوعة الفقهية: الحياء: خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ , وَيُمْنَعُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ([3]) .
فهذه التعريفات لخلق الحياء جميعها متقاربة المعنى , وترمي إلى معنى معين هو خلق الحياء باجتناب القبيح وعدم التقصير في حق كل ذي حق، وقد جاء مدح الحياء في القرآن والسنة، قال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]، قال المفسرون: لباس التَّقوى هو الحَيَاء، وقال تعالى: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25]، قال مجاهد: (يعْني: واضعةً ثوبها على وجهها ليست بخرَّاجةٍ ولا وَلَّاجةٍ) ([4]) .
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} كان النبي e يسْتَحْيِي أن يقول لهم: قوموا، أو اخرجوا، وأخرج البخاري عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (إنَّ ممَّا أدرك النَّاس مِن كلام النُّبوَّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ([5]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستُّون- شعبة، أعلاها: قول: لا إله إلَّا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطَّريق. والحياء شعبة مِن الإيمان) ([6]) . وأخرج البخاري ومسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النَّبيُّ –e–: (الحَيَاء لا يأتي إلَّا بخير) ([7]) . قال ابن بطَّال: (معناه أنَّ مَن استحيا مِن النَّاس أن يروه يأتي الفجور ويرتكب المحارم، فذلك داعيةٌ له إلى أن يكون أشدَّ حياءً مِن ربِّه وخالقه، ومَن استحيا مِن ربِّه فإنَّ حياءه زاجرٌ له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه، لأنَّ كلَّ ذي فطرة صحيحة، يعلم أنَّ الله تعالى النَّافع له والضَّار والرَّزاق والمحيي والمميت، فإذا عَلِم ذلك فينبغي له أن يستحيي منه عزَّ وجلَّ) ([8]) . وقال ابن رجب(الحياء لا يأتي إلَّا بخير) فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِن خصال الإيمان بهذا الاعتبار) ([9]) . قال ابن حجر: (إذا صار الحَيَاء عادة، وتخَلَّق به صاحبه، يكون سببًا يجلب الخير إليه، فيكون منه الخير بالذَّات والسَّبب) ([10]) . فالحَيَاء فضيلة مِن فضائل الفطرة، وهو مادَّة الخير والفضيلة، وبهذا وصفه النَّبيُّ –e– بقوله (الحَيَاء خيرٌ كلُّه)، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النَّبيُّ –e– مرَّ على رجل، وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنَّك لتستحيى حتى كأنَّه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسول الله –e–(دعه، فإنَّ الحياء مِن الإيمان)، قال ابن بطَّال: (معناه أنَّ الحَيَاء مِن أسباب الإيمان وأخلاق أهله، وذلك أنَّه لما كان الحَيَاء يمنع مِن الفواحش، ويحمل على الصَّبر والخير، كما يمنع الإيمان صاحبه مِن الفجور، ويقيِّده عن المعاصي، ويحمله على الطَّاعة، صار كالإيمان لمساواته له في ذلك، وإن كان الحَيَاء غريزة، والإيمان فعل المؤمن، فاشتبها مِن هذه الجهة) ([11]) . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (استحيوا مِن الله حقَّ الحياء. قال: قلنا: يا رسول الله إنَّا لنستحيي، والحمد للَّه. قال: ليس ذاك، ولكنَّ الاستحياء مِن الله حقَّ الحياء: أن تحفظ الرَّأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتتذكَّر الموت والبِلَى، ومَن أراد الآخرة، ترك زينة الدُّنيا، فمَن فعل ذلك، فقد استحيا مِن الله حقَّ الحياء) ([12]) . عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (ما كان الفُحْش في شيء إلَّا شانه، وما كان الحَيَاء في شيء إلَّا زَانَهُ) ([13]) .
والحياء خلق الإسلام، يدل على ذلك قوله e: (إنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ) ([14]) .واتصف به النبي –e-، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (كَانَ النَّبِيُّ e أَشَدّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا , فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ) ([15]) . ولقد جعله النبي e جزءاً من الإيمان لا يتم إلا به, فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ , وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ , وَالْبَذَاءَةُ مِنْ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ) ([16]) .وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قال: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)([17]) .
والسر في كون الحياء من الإيمان: أنَّ كلاً منهما داع إلى الخير مُقرب منه صارف عن الشر مُبعد عنه، فالإيمان يبعث المؤمن على فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات. والحياء يمنع صاحبه من التفريط في حق الرب والتقصير في شكره. ويمنع صاحبه كذلك من فعل القبيح أو قوله اتقاء الذم والملامة، وقال النبي e: (الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ) ([18]) . وقال e: (الحياء خير كله) ([19]) .
فالحياء خلق رفيع يمنع الإنسان عن الاتصاف بالأخلاق الوضيعة, وذلك لأن الحياء يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق، والحياء يكون بين العبد وبين ربه عز وجل فيستحي العبد من ربه أن يراه على معصيته ومخالفته، و هو أعلى درجات الحياء فيستحي من ربه أن يجده حيث نهاه , وهذا الحياء الذي بين العبد وربه قد جاء في الحديث الذي رَوَاه التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: (اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. قَالَ: قُلْنَا: إنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ , قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنْ الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى , وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى , وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى , وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا , فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) ([20]) . فقد بيّن في هذا الحديث علامات الحياء من الله عز وجل أنها تكون بحفظ الجوارح عن معاصي الله، وبتذكر الموت، وتقصير الأمل في الدنيا، وعدم الانشغال عن الآخرة بملاذ الشهوات والانسياق وراء الدنيا، وأخرج البخاري عن عبدالله بن عمر أَنَّ النَّبِيَّ e مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ [أي: يعاتبه فيه لأنه أضرَّ به], فَقَالَ لَهُ النبي e (دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ) ([21]) .
[أقسام الحياء]: يشتمل الحياء على الحياء من الله، والحياء من الناس والحياء من النفس، وأهم ذلك: (الحياء من الله): وهو أعظم الحياء, ويكون بأن لا يقابل العبد إحسان الله ونعمته بالإساءة والكفر والجحود والطغيان، وأن لا يتضجر عند البلاء فينسى قديم إحسانه ومنته ورحمته به، وأن يلتزم أوامره سبحانه وتعالى ونواهيه وأن يخاف منه حق الخوف، ولا يتولد هذا الحياء إلا حين يطالع العبد نِعَمَ الله عليه، ويتفكر فيها، ويدرك تمامها وشمولها، ثم يراجع نفسه بعد ذلك ويحاسبها على الخلل والزلل والتقصير، قال بعض السلف: (خَفِ الله على قدر قدرته عليك, واستح منه على قدر قربه منك) ([22]) . فتجرؤ العبد على المعاصي, واستخفافه بالأوامر والنواهي الشرعية يدلُّ على عدم إجلاله لربه وعدم مراقبته له، فيكون الحياء من الله: باتباع الأوامر واجتناب النواهي. قال رسول الله e: (اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنْ اسْتَحَى مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظْ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى وَلْيَحْفَظْ الْبَطْنَ وَمَا وَعَى وَلْيَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ) ([23]) .معنى الحديث: (استحيوا من الله حق الحياء) أي: استحيوا من الله قدر استطاعتكم؛ لأنه من المعلوم أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يقوم بكل ما عليه تاماً كاملاً, ولكن كلٌّ على حسب طاقته ووسعه, قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}، (قال قلنا: إنا نستحي والحمد لله): أجابوا بذلك؛ لأنهم قصدوا أنهم يفعلون الحسن, ويتركون القبيح, على حسب استطاعتهم. فردَّ عليهم رسول الله –e-أنَّ المقصود ليس كذلك؛ لأنَّ هناك شروطاً للحياء الحق, وهي كما يلي: (أن يحفظ الرأس وما وعى) أي: ما جَمَعَ من الأعضاء: العقل والبصر والسمع واللسان، (وليحفظ البطن وما حوى) أي يحفظ بطنه, وما يتبعه من حفظ الفرج عن الحرام, فيحفظ بطنه من أن يدخله طعام حرام, أو من مال حرام. فالبدن ينبت ويقوى من الطعام. والرب عز وجل لا يقبل من عبده أن يتقوى على طاعته بمطعم حرامٍ, ولا مشرب حرام؛ لأن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، (وليذكر الموت والبلى): أنْ يذكر الموت دائماً؛ لأن المرء في هذه الدنيا ليس مخلداً , وإنما سيموت, وسيقف بين يدي الله تبارك وتعالى. قال النبي e (فأكثروا من ذكر هادم اللذات الموت) ([24]) . (ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا)، ويمكن أن يعبر عنه بالزهد: لأنه ترك مالا ينفع في الآخرة، فالمقصود أن الحياء من الله يكون باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه وزواجره, ومراقبة الله في السر والعلن، ومن أمثلة الحياء من الله: الحياء من نظر الله إليه في حالة لا تليق: كالتعري كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: عندما سأل رسول الله –e-فقال: (عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟) , فقال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك). قال: (يا نبي الله إذا كان أحدنا خالياً؟) , قال: (فالله أحق أن يستحي منه الناس) ([25]) . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يخطب الناس: (يا معشر المسلمين استحيوا من الله. فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطي رأسي؛ استحياء من ربي) ([26]) . وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه ليكون في البيت, والباب عليه مغلق, فما يضع عنه الثوب؛ ليفيض عليه الماء؛ يمنعه الحياء أن يقيم صلبه ([27]) . [الحياء من الناس]: ومن أسباب هذا الحياء مجالسة من يُستحيى منه, فلو لم يكن في صحبة الصالحين إلا أنها تمنع من اقتراف المعاصي لكفى، وهذا النوع من الحياء هو أساس مكارم الأخلاق, ومنبع كل فضيلة؛ لأنه يترتب عليه القول الطيب, والفعل الحسن, والعفة والنزاهة، والحياء من الناس على قسمين: قسمٌ صاحبه مستحيٍّ من الناس, جازمٌ بأنه لا يأتي هذا المنكر, والفعل القبيح إلا خوفاً من الله تعالى أولاً, ثم اتقاء ملامة الناس وذمهم ثانيا، فهذا يأخذ أجر حيائه كاملاً؛ لأنه استكمل الحياء من جميع جهاته, إذ ترتب عليه الكف عن القبائح التي لا يرضاها الدين والشرع ويذمه عليها الخلق، وهذا القسم أحسن الحياء وأكمله وأتمه، وقسم يترك القبائح والرذائل حياءً من الناس, وإذا خلا من الناس لا يتحرج من فعلها. وهذا النوع من الناس عنده حياءٌ, ولكنه حياءٌ ناقص ضعيف يحتاج إلى علاجٍ وتذكير بعظمة ربه وجلاله, وأنه أحقُّ أن يستحيا منه، وعلى ذلك فإن هذا العبد لا يليق به أن يستحي من الناس الذين لا يملكون له ضراً ولا نفعاً, لا في الدنيا ولا في الآخرة, ثم لا يستحي من الله الرقيب عليه المتفضل عليه الذي ليس له غنىً عنه، فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح، أما الذي يجاهر بالمعاصي ولا يستحي من الله, ولا من الناس فهذا من شر ما منيت به النفس, وانتهكت به العفة؛ لأن المعاصي داء سريع الانتقال, لا يلبث أن يعم شرها، ويتفاقم خطبها فشرها عظيم وخطرها كبير. [الحياء من النفس]: وهو حياء النفوس العزيزة من أن تَرضى لنفسها بالنقص أو تقنع بالدون، فيكون الإنسان ذا سمعة كريمة وضيئة مضيئة، في بيته ومجلسه وسوقه, فلا يتحدث بالذي يكون بينه وبين أهله، أو عن ماضيه القبيح وما كان فيه من الآثام والمعاصي، بل يحرص على تزكية نفسه وتنقيتها وحملها على الوقوف مواقف الخير والصلاح في كل موطنٍ, فضلاً عن الارتقاء بها إلى مراتب الحكمة والمسؤولية؛ لتكون الناصح الأقرب إليه, والواعظ الأكبر له، والرقيب الزاجر عن فعل السيء، ويكون هذا الحياء: بالعفة, وصيانة الخلوات, وحسن السريرة. فيجد العبد المؤمن نفسه تستحي من نفسه حتى كأن له نفسين تستحي إحداهما من الأخرى. وهذا أكمل ما يكون من الحياء. فإن العبد إذا استحى من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدر، قال بعض الحكماء: من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر. [أمثلة على خلق الحياء]: (حياء النبي e): الحياء من أبرز أخلاق الرسول e، أخرج البخاري ومسلم: عن أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ e أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا , وَكَانَ إذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ) ([28]) .وكان أعظم حيائه e مِن الله: أخرج البخاري ومسلم في حادثة المعراج لما طلب موسى عليه السَّلام مِن الرسول e في ليلة الإسراء أن يراجع ربَّه في تخفيف فرض الصَّلاة، قال النَّبيُّ e لموسى عليه السَّلام:(استحييت مِن ربِّي) ([29]) .
وأما حياؤه مِن النَّاس: فقد أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، حيث قال: (بُنِيَ على النَّبيِّ –e–بزينب ابنة جحش بخبز ولحم، فأُرْسِلتُ على الطَّعام داعيًا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثمَّ يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدًا أدعوه، فقلت: يا رسول الله، ما أجد أحدًا أدعوه. قال: ارفعوا طعامكم، وبقي ثلاثة رهط يتحدَّثون في البيت، فخرج منطلقًا نحو حُجْرة عائشة فما أدري أخبرته أم أُخْبِر أنَّ القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أُسكفَّة الباب داخله والأخرى خارجة، أرخى السِّتر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب) ([30]) .
وكان من شدة حيائه e، ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النَّبيُّ –e–)إذا بلغه عن الرَّجل الشَّيء لم يقلْ: ما بال فلانٍ يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوامٍ يقولون كذا وكذا) ([31]) . (حياء موسى عليه السلام): أخرج البخاري: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله –e-: (إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً, لا يُرى من جلده شيءٌ استحياء منه, فآذاه من آذاه من بني إسرائيل, فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيبٍ بجلده إما برص, وإما أدْرةٍ, وإما آفة. وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى, فخلا يوماً وحده فوضع ثيابه على الحجر, ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه, فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر, فجعل يقول: ثوبي حجر, ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأٍ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله, وأبرأه مما يقولون, وقام الحجر, فأخذ ثوبه فلبسه, وطفق بالحجر ضرباً بعصاه, فوالله إنَّ بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً, أو أربعاً, أو خمساً, فذلك قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)} ([32]) .
(حياء أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها): أخرج الإمام أحمد في المسند عن أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: (كنتُ أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله –e-وأبي فأضع ثوبي. فأقول: إنما هو زوجي وأبي. فلما دفن عمر معهم, فو الله ما دخلت إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي حياءً من عمر رضي الله عنه ([33]) .
[كيف يتحلى المسلم بخلق الحياء]: أنْ يُطهِّر المسلم لسانه من الفحش والرذيلة ومعيب الألفاظ، وأن يسلم المسلمون من لسانه ويده، ومن الحياء أن يحرص المسلم على سمعته فلا يقول أو يفعل ما يشوه سمعته، ويعرضه للهزء والسخرية والاحتقار، ومن الحياء أن يعرف لأصحاب الحقوق منازلهم ومراتبهم، فيؤتى كل ذي فضل فضله , ومن الحياء أن يستحي المسلم من كشف العورات وفعل المنكرات. [تنبيه مهم]: لا يدخل في باب الحياء، الخجل من قول الحق أو من الأمر بالمعروف، أو من إنكار المنكر، فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس، والحياء كمال، ولا علاقة للحياء بهذا الخجل والضعف الوهن في الدين والخلق، والحياء غير مانع له أن يقول حقاً أو يطلب علماً أو يأمر بمعروف أو ينهى عن منـكر، والنبي e كَانَ رَسُولُ اللَّهِ –e-أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا , ومع ذلك كان أعظم الناس أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وتعليما للناس أمور دينهم، وليس أدل على ذلك من موقفه –e-من المرأة المخزومية التي سرقت، فقد أخرج البخاري ومسلم: (أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم رسول الله e، ومن يجترئ عليه إلا أسامة؟!، حِبُّ رسول الله –e-. فكلم رسول الله –e– فقال: فلم يمنع الحياء رسول الله e أنْ يقول لأسامة في غضب: (أتشفع في حد من حدود الله). ثم قام فخطب، قال: (يا أيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) ([34]) .كما لم يمنع الحياء أم سليم رضي الله عنها أنْ تجيء إلى رسول الله –e-فتقول: يا رسول الله, إن الله لا يستحيي من الحق, فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟, قال النبي –e-: (إذا رأت الماء) , فغطت أم سلمة تعني وجهها وقالت يا رسول الله: وتحتلم المرأة؟, قال: (نعم تربت يمينك, فبم يشبهها ولدها؟!) ([35]) . ولذا قالت عائشة: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) ([36]) . اللهم ارزقنا الحياء، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت.
([2]) شرح النووي على صحيح مسلم، 2/5.
([3]) الموسوعة الفقهية، 18/259
([5]) صحيح البخاري 8/29 ح 6120.
([6]) المصدر السابق 1/11 ح9. صحيح مسلم 1/63 ح35.
([7]) صحيح البخاري 8/29 ح 6117، صحيح مسلم 1/64 ح 37.
([8]) شرح صحيح البخاري لابن بطال 9/298.
([9]) جامع العلوم والحكم ص 467.
([10]) فتح الباري لابن حجر 10/522.
([11]) شرح صحيح البخاري لابن بطال 9/298.
([12]) سنن الترمذي 1/231 ح 343.
([13]) المصدر السابق 4/349 ح 1974، سنن ابن ماجة 5/280 ح 4185.
([14]) سنن ابن ماجة 5/277 ح 4181.
([15]) صحيح البخاري 8/26 ح 6102، صحيح مسلم 4/1809 ح 2320.
([16]) سنن ابن ماجة 5/279 ح 4184.صحيح ابن حبان 3/423 ح 2686.
([18]) صحيح البخاري 8/29 ح 6117. صحيح مسلم 1/64 ح 37.
([19]) صحيح مسلم 5/213 ح 25343.
([21]) صحيح البخاري 1/14 ح 24.
([24]) سنن ابن ماجة 5/329 ح 4258.
([25]) سنن أبي داود 6/134 ح 4017. سنن ابن ماجة 3/106 ح 1920.
([26]) مصنف ابن ابي شيبة 1/100 ح 1127.
([29]) صحيح البخاري 1/78 ح 349، صحيح مسلم 1/148 ح 163.
([30]) صحيح البخاري 6/119 ح 4793.
([31]) سنن أبي داوود 7/166 ح 4787.
([32]) صحيح البخاري 4/156 ح 3404.
([33]) مسند أحمد 42/441 ح 25661.