الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق التالي من أخلاق الفرد المسلم: [التواضع]: التواضع التذلل، يُقَال: وضَعَ فُلانٌ نَفْسَهُ وضْعًا، أي أذلَّها. وتَوَاضَعَ الرَّجُلُ: إذا تَذَلَّلَ، ومن التَّواضُع ترك التَّرؤس، وإظهار الخمول، وكراهية التَّعظيم، والزِّيادة في الإكرام، وأن يتجنَّب الإنسان المباهاة بما فيه مِن الفضائل، والمفاخرة بالجاه والمال، وأن يتحرَّز مِن الإعجاب والكِبْر، وقيل خلق التواضع هو: رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقُّه فضله ومنزلته، وهو وسطٌ بين الكِبْر والضِّعَة، فالضِّعَة: وضع الإنسان نفسه مكانًا يزري به بتضييع حقِّه، والكِبْر: رفع نفسه فوق قدره، وخلق التواضع يختلف عن التذلل، فأنَّ التَّذلُّل: إظهار العجز أمام من يتذلَّل له رغبةً في دنياه، أما التواضع فهو إظهار الاحترام والتقدير لمن يتواضع له ابتغاء مرضاة الله ورسوله والمؤمنين، والتواضع من عظيم أخلاق المسلم، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63]، وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، كما أمر الله تعالى نبيه e أن يلين جانبه للمؤمنين، وأن يتواضع لهم، فقال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88]، وقال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشُّعراء: 215]، ووصف الله تعالى أصحاب النَّبيِّ e بأنَّهم يظهرون التَّواضُع للمؤمنين، ويظهرون الشِّدَّة والغلظة والتَّرفُّع على الكافرين) حيث قال سبحانه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}
وقد رغَّب النبي e في خلق التَّواضُع وحثَّ عليه، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قوله:(ما نقصت صدقة مِن مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلَّا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله) ([1]) .
فما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله، جزاءً على تخلقه بخلق التواضع، وأن يكون ذلك علو منزلته في الآخرة، وأخرج مسلم: عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله e : (إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ) ([2]) . وأخرج الترمذي عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله e : (مَن ترك اللِّباس تواضعًا للَّه، وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيِّره مِن أيِّ حلل الإيمان شاء يلبسها) ([3]) . وأخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب رضي الله عنه أنَّه سمع النَّبيَّ e يقول: (لا أخبركم بأهل الجنَّة؟ قالوا: بلى. قال e: كلُّ ضعيف متضعِّف، لو أقسم على الله لأبرَّه. ثمَّ قال: ألا أخبركم بأهل النَّار؟ قالوا: بلى. قال: كلُّ عتلٍّ جوَّاظٍ مستكبر) ([4]) . وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله –e– كان إذا أكل طعامًا لَعِقَ أصابعه الثلاث قال: (إذا سقطت لقمة أحدكم، فَلْيُمِطْ عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان)، وأمر أن تُسْلَتَ القَصْعَةْ قال: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) ([5]) . وأخرج النسائي في السنن الكبرى: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (إنَّكم لتغفلون أفضل العبادة: التَّواضُع) ([6]). وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (لا يبلغ عبدٌ ذُرَى الإيمان حتى يكون التَّواضُع أحبَّ إليه مِن الشَّرف، وما قلَّ مِن الدُّنْيا أحبَّ إليه ممَّا كَثُر، ويكون مَن أحبَّ وأبغض في الحقِّ سواء، يحكم للنَّاس كما يحكم لنفسه وأهل بيته) ([7]) .
[وضد التواضع، الكبر] و(الكبر) هو التعالي والتعاظم على الناس، و(الكبر) هو بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس، ومعنى (بطر الحق): رفض قبوله والاستعلاء عليه، ومعنى (غمط الناس)، أي احتقارهم والترفع عليهم وانتقاصهم، والكبر من أخلاق أهل جهنم الذين استكبروا عن عبادة الله وتكبروا على عباد الله، فلم ينقادوا للحق الذي أمرت به الرسل وجاءت به الكتب، قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]، وقال تعالى: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18]، وقال تعالى – في بيان عاقبة قارون المتكبر -: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} إلى قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} [الآيات من سورة القصص]، و قال تعالى – في بيان عاقبة الكبر -: {ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 72، و غافر:76]، وقال تعالى: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29]، وقال تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} .وأخرج مسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ص عن النبي e قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنةً؟ قال: (إن الله جميل يحب الجمال الكِبْرُ بَطَرُ الحقَّ وغمطُ الناس) ([8]) .بطر الحق: دفعه ورده على قائله، وغمط الناس: احتقارهم، وأخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلاً أكل عند رسول الله e بشماله، فقال: (كُلْ بيمينك)،. قال: لا أستطيع! قال: (لا استطعت)، ما منعه إلا الكبر. قال: فما رفعها إلى فيه) ([9]) . وأخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله e يقول: (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مستكبر) ([10]) . وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي e: (احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنار، فقالت النار: فيَّ الجَبَّارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم. فقضى الله بينهما: إنَّك الجنة رحمتي، أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي، أعذب بك من أشاء ولكليكما علىَّ مِلُؤها) ([11]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بَطَرًا) ([12]) .وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، ومَلِكٌ كذاب، وعَائِلٌ مستكبر) ([13]) .والعائل معناه الفقير، وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (قال الله عز وجل: العزُّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني عذبته) ([14]) .وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: (بينما رجل يمشي، في حلة تعجبه نفسه، مُرَجَّلٌ رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة) ([15]) .”مُرَجِّل رأسه”، أي: مُمَشَّطُهُ. “يتجلجل” بالجيمين، أي: يغوص وينزل، وأخرج الترمذي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم) ([16]) .”يذهب بنفسه” أي: يرتفع ويتكبر.
[عاقبة الكبر]: يصرف الله تعالى عن أهل الكبر الهداية والتوفيق، قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} [الأعراف: 146]، والقرآن يخبرنا أن المستكبرين كانوا أعصى الناس عن الاستجابة لدعوة الرسل لهذا حكى الله عن قوم نبيّه صالح: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 75-77]، وحكى الله عن قوم نبيه شعيب: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88]، وهؤلاء قوم عاد استكبروا عن سماع هداية الله فكان جزاؤهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ} [فصلت: 15-16]، ولهذا توعد الله المتكبرين بالعذاب الأليم في الآخرة فقال سبحانه: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60]، أي أليست النار كافية لهم سجنًا وموئلاً بسبب تكبرهم؟ نعوذ بالله من الكبر وأهله. [علامات الكبر]: الكبر له علامات تدل عليه، ومن أقبح تلك العلامات:(1) الاستكبار عن طاعة الله وعبادته، وقد صور القرآن الكريم ما أعده الله لهذا الصنف من البشر، وعلق دخولهم الجنة على أمر مستحيل، وهو دخول الجمل في ثقب الإبرة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} أخرج مسلم عن سلمة بن عمرو بن الأكوع: أن رجلاً أكل عند رسول الله e بشماله فقال له: (كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت. ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه)، فهذا النوع من الاستكبار عن طاعة الله ورسوله، قد يقع فيه كثير من الناس حين يعرض عن الامتثال لأوامر الله ورسوله في حكم من الأحكام. (2) ومن علامات الكبر: تصعير الخد للناس إعراضًا عن الناس, وتكبرًا عليهم, أو ازدراءً وتصغيرًا لهم، وقد نهانا الله سبحانه عن ذلك في قوله: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [لقمان: 18]. (3) ومن علامات الكبر: المشي في الأرض على وجه الخيلاء والعجب والغرور والتبختر والمرح, وقد نهانا الله عن ذلك في قوله: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً} [الإسراء: 37]، وقال تعالى {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} ومن مظاهر الكبر إطالة الثوب وجره على الأرض خيلاء: أخرجه البخاري عن عبدالله بن عمر عن النبي e قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) ([17]) . وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله e قال: (بينما رجل يمشي في حلة, تعجبه نفسه, مرجل رأسه, يختال في مشيته إذ خسف الله به, فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة) ([18]) .
(4) ومن علامات الكبر: الاستهزاء بالناس والسخرية منهم, ولذلك نهانا الله تعالى عن ذلك بقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]. (5) ومن علامات الكبر: الترفع عن مجالسة الفقراء والضعفاء من الناس، ولذلك حكى القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27]، وكان كفار قريش يعيبون على الرسول ذلك، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} وأمره ربه أن يصبر نفسه مع فقراء المؤمنين وضعفائهم فقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}. (6) ومن علامات الكبر: أن يحب الشخص أن يقف له الناس، وسيد البشر وسيد أهل التواضع e لم يكن له مجلس معين يعرف به بين قومه لأنه e كان يجلس حيث ينتهي به المجلس , فيجيء الغريب فلا يعرف من هو محمد من بين القوم , فيسأل: أين رسول الله؟ وكان e يكره أن يقوم له أصحابه إذا أقبل, ويقول:( فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي، فَلَا تَقُومُوا كَمَا يَفْعَلُ الْعَجَمُ، يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا) ([19]) . ويقولe:(من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار) ([20]) . وكان e ينهى أن يقام الرجل من مجلسه ليجلس فيه آخر, ولكن ينصحهم بالتوسع والتفسح, فإذا دعا شخص شخصًا ليجلس بجواره عن طيب نفسه – فليجبه, فإنما هي مكرمة أكرمه بها أخوه، (7) ومن علامات الكبر: الفخر وتزكية النفس وحب الظهور , والتفاخر بالنسب والأصل والقبيلة أو الوظيفة والرتبة , أو العقار والأموال، قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32]، وقال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، فتواضع يا أخي المسلم, يحبك الله ويحبك الناس, ولا تكن متكبرًا فتخسر محبة الناس في الدنيا, ونعيم الله في الآخرة.
[أجمل ما قيل في التواضع]: سئل الفضيل بن عياض عن التواضع؛ فقال: يخضع للحق، وينقاد له. ويقبله ممن قاله، وقيل: التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة. فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب، وقال الجنيد بن محمد: هو خفض الجناح، ولين الجانب، وقال أبو يزيد البسطامي: هو أن لا يرى لنفسه مقامًا ولا حالاً. ولا يرى في الخلق شرًّا منه، وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان، والعِزُّ في التواضع، فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار([21]) . [أمثلة عالية للتواضع]: أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: («كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ e فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ.») ([22]) . وكان من حال النبي e أنه يعلف بعيره ويعقله , ويكنس بيته, ويحلب شاته بنفسه, ويخصف نعله, ويرقع ثوبه, ويأكل مع خادمه, ويطحن عنه إذا تعب, ويشتري الشيء من السوق فيحمله إلى أهله بنفسه, ويصافح الغني والفقير, والكبير والصغير, ويبتدئ بالسلام على كل من استقبله، ودخل عليه رجل وهو يرتعد خوفًا من هيبته فقال له e: (هون عليك, فأنا لست بملك ولا جبار, إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة) ([23]) . وفي غزوة بدر كان يتناوب الركوب مع اثنين من أصحابه على بعير واحد كسائر أفراد الجيش ولما أراد أحدهما أن يؤثره بنوبته في الركوب, قال: (مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا) ([24]) . وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رآه بعض الصحابة يومًا يحمل على عاتقه قربة ماء, فقالوا له: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا, فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين, دخلتْ نفسي نخوة (عجب) فأردت أن أكسرها! وكان يتناوب مع خادمه الركوب على دابة واحدة حين ذهب إلى فلسطين فاتحًا ولما جاء دوره ليمشي صادف ذلك ساعة الوصول إلى بيت المقدس وكان في استقباله القساوسة والرهبان فأبي الخادم أن يركب, ولكن عمر أصر على عدالة القسمة بينه وبين خادمه, ودخل عمر المدينة وهو يقود زمام الناقة لخادمه, فما زاده ذلك في أعين القوم إلا إجلالاً وإكبارًا، ورُئيِ عمر بن الخطاب مرة حاملاً لحمًا بيده اليسرى، وفي يده اليمنى الدرّة وهو أمير المسلمين وخليفتهم يومئذ([25]) .روي أن عليًّا رضي الله عنه اشترى لحمًا فجعله في ملحفته فقيل له: يحمل عنك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، أبو العيال أحق أن يحمل، وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه أقبل من السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة بالمدينة لمروان، ويقول: أوسعوا للأمير ليمر، وهو يحمل حزمة الحطب، ولما تفاخر البعض بأحسابهم أمام سلمان الفارسي قال: (لكنني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة منتنة, ثم آتي الميزان, فإن ثقل فأنا كريم, وإن خفّ فأنا لئيم) ([26]) .وروي أن عمر بن عبدالعزيز أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد السراج يطفأ فقال الضيف: أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ فقال: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه. فقال الضيف: إذًا أنبّه الغلام؟. فقال عمر: إنها أول نومة نامها فلا تنبهه. وذهب إلى البطة وملأ المصباح زيتًا، ولما قال له الضيف: قمتَ أنتَ بنفسك يا أمير المؤمنين؟. أجابه قائلاً: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر، ما نقص مني شيء، وخير الناس من كان عند الله متواضعًا([27]) .إنّ التواضع من أعظم أخلاق المسلم يرفعه بين المسلمين قدرًا ويحوز محبتهم في الدنيا والرفعة في الآخرة، ويجعله من عباد الرحمن الذين قال الله تعالى فيهم: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63]، ومن الذين قال الله تعالى فيهم: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]، ويتحقق فيه قول النبي e: (وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله) ([28]) .
اللهم ارزقنا التواضع واجعلنا من عبادك المتواضعين، واجعلنا ممن قلت في وصف صفاتهم وأخلاقهم: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} اللهم آمين.
([1]) صحيح مسلم 4/2001 ح 2588.
([2]) المصدر السابق 4/2198 ح 2865.
([4]) صحيح البخاري 8/20 ح 6071. صحيح مسلم 4/2190 ح 2853.
([6]) السنن الكبرى للنسائي 10/405 ح 11852.
([7]) الزهد والرقائق لابن المبارك ص 52.
([8]) صحيح مسلم 1/93 ح 91.سنن الترمذي 4/361 ح 1999.
([11]) صحيح مسلم 4/2187 ح 2847.
([12]) صحيح البخاري 7/141 ح 5788، صحيح مسلم 3/1652 ح 2085.
([14]) مستد البزار15/55 ح 8271.
([15]) صحيح البخاري 4/177 ح 3485، صحيح مسلم 3/1653 ح 2088.
([16]) سنن الترمذي 4/362 ح 2000.
([17]) صحيح البخاري 7/141 ح 5784.
([19]) مسند أحمد 36/538 ح 22201.
([20]) المصدر السابق 28/121 ح 16918، سنن أبي داود 7/516 ح 5230.
([22]) صحيح البخاري 8/20 ح 6072.
([23]) المعجم الأوسط للطبراني 2/64 ح 1260.
([25]) البداية والنهاية 19/510.