الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق التالي من أخلاق الفرد المسلم: [الرحمة]: الرَّحْمَة تشتمل على أخلاق الرقة والعطف والرأفة، وتراحم القوم: رحم بعضهم بعضًا، ومنها الرَّحِم: وهي عَلاقة القرابة، والرَّحْمَة رقَّة تقتضي الإحسان إلى الْمَرْحُومِ، وهي رِقَّة في النفس، تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه، والله تعالى من أسمائه الحسنى (الرحمن الرحيم) قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: 1، 2]، وقال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [الحشر:22]، و(الرحمن) أخص من (الرحيم) ولذلك لا يسمى به غير الله عز وجل، وهو كثير الرحمة، رحمته وسعت كل شيء وهو ارحم الراحمين، والرحيم هو المنعم ابدا، المتفضل دوما، فرحمته لا تنتهي، ورحمة الله تعالى وسعت كل شيء، وهي على قسمين: رحمة عامَّة لجميع الخلائق، وتشمل البَرِّ والفاجر، ورحمة أخري خاصَّة بالمؤمنين،، فمن رَحْمَته العامَّة جميع النعم التي عَمَّتْ كلَّ مخلوق المؤمن منهم والكافر، وأما المؤمنين فإن لهم رحمة خاصَّة بهم، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} وقال تعالى: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ *} حتى إذا أدخلهم الجنة برحمته خاطبهم فيها بقوله تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}. والرحمة من أخص أخلاق الرسول e قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} والرحمة من أخص أخلاق المؤمنين، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النُّعمان بن بشير رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللهe: (ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادِّهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا، تداعى له سائر جسده بالسَّهر والحمَّى) ([1]) . وأخرج البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: (جاء أعرابيٌّ إلى النَّبي e فقال: تقبِّلون الصِّبيان فما نقبِّلهم، فقال النَّبي e: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرَّحْمَة؟) ([2]) . وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النَّبي e : (من لا يرحم لا يرحم) ([3]) . وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول الله e يقول: (لا تنزع الرَّحْمَة إلَّا من شقيٍّ) ([4]) .وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن جرير بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (من لا يرحم النَّاس لا يرحمه الله) ([5]) . وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e:(إذا صلى أحدكم للنَّاس فليخفِّف، فإنَّ في النَّاس الضَّعيف والسَّقيم وذا الحاجة)([6]) وحين تنعدم أخلاق الرحمة وتحل القسوة بدلا منها يبتعد الإنسان عن الله، قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22]، وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي e قال: (وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي) ([7]) .
و[الله عز وجل هو الأصل لكل رحمة]: قال تعالى: {وربك الغني ذو الرحمة} [الأنعام: 133]، وذو الرحمة: أي المالك الأصلي للرحمة، ومن أسمائه الحسنى: (الرحمن) و (الرحيم)، قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 2، 3]، وقال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [الحشر: 22]، وقال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]،، وقال تعالى: {حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 1 إلى 3]، و(الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة والرحمة، و (الرحمن) أخص من (الرحيم) ولذلك لا يسمى به غير الله عز وجل، وهو كثير الرحمة، رحمته وسعت كل شيء وهو ارحم الراحمين، والرحيم هو المنعم ابدا، المتفضل دوما، فرحمته لا تنتهي، ورحمة الله تعالى وسعت كل شيء، وهي على قسمين: رحمة عامَّة لجميع الخلائق، وتشمل البَرِّ والفاجر، ورحمة أخري خاصَّة بالمؤمنين،، فمن رَحْمَته العامَّة جميع النعم التي عَمَّتْ كلَّ مخلوق المؤمن منهم والكافر، وأما المؤمنين فإن لهم رحمة خاصَّة بهم، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156]، وقال تعالى: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ *} [الأعراف: 56]، حتى إذا أدخلهم الجنة برحمته خاطبهم فيها بقوله تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]، والمسلم يفتتح قراءة سور القرآن الكريم بالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) وفيها إقرار الرحمة لله رب العالمين، ولا تصح الصلاة إلا بقراءة الفاتحة في كل ركعة، وفيها قول الله تعالى (الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم)، وأخرج البخاري حديث النبي e: (جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) ([8]) .
إن رحمة الله عز وجل العامة تشمل كل الخلق، تشمل كل الناس مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، وتشمل كل المخلوقات الأخرى من حيوانات وطيور وحشرات وأشجار ونباتات، قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156]، أي في الدنيا، والله تعالى يجعل هذه الرحمة في الآخرة خاصة للمؤمنين، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 156، 157]، وقال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم} [الأنعام: 54]، وقال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53]، وقال تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} [الفرقان: 70]، فهذه الرحمة الواسعة أكبر النعم التي أنعم الله تعالى بها على خلقه، ولا ينبغي للإنسان مهما كبرت ذنوبه أن يقنط من رحمة الله، قال تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]، فبرحمته سبحانه يزكو الإنسان، ولولاها لما نجى أحد، قال تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} [النور: 21]، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل اختصاص رحمته، قال تعالى: {والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105]، وقال تعالى: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56]، والقرآن الكريم كلام الله تعالى رحمة للمؤمنين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57، 58]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 52]، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 77]، والرسول الكريم e ما أرسل إلا رحمة للعالمين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، وقال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} والنبي e هو نبي الرَّحْمَة كما وصف نفسه فقال: (أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرَّحْمَة) ([9]) .
والنبي e أرحم الخلق بالخلق، ولو ذهبنا نضرب أمثلة على خلق الرحمة من سيرة النبي e لطال بنا المقال , ولكن إشارة إلى صور عظيمة من رحمته e: فمِن رحمته e، أخرج البخاري: عن عائشة رضي اللّه عنها زوج النَّبي e أنَّها قالت للنَّبي e : هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت. وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النَّبي e : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا) ([10]) .
ومِن رحمته e أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كنَّا مع رسول الله e في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حُمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمرةُ فجعلت تفرِش، فجاء النَّبي e فقال: (من فجع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: من حرَّق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنَّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنَّار إلَّا ربُّ النَّار) ([11]) .
وامتدت رحمته e إلى الجماد:، أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ النَّبي e: (كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: إن شئتم. فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النَّبي e فضمَّه إليه، تئنُّ أنين الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها) ([12]) .اللهم صلى وسلم وبارك دائما أبدا على من أرسلته رحمة للعالمين.
والعلماء من أمة النبي e رحمة، وهذه الرحمة تتجلى في هداية الناس إلى سواء الطريق، فهم مصابيح الأرض يبينون للناس الحلال من الحرام والحق من الباطل، والضار من النافع، والعلماء امتداد لرحمة الرسول e أخرج أبو داود والترمذي عن النبي e قوله: (العلماء ورثة الأنبياء) ([13]) . قال يحيى بن معاذ: (العلماء أرحم بأمة محمد e من آبائهم وأمهاتهم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن آبائهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة) ([14]) .
والمؤمن الحق رحمة، قال تعالى: {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} [آل عمران: 132]، وقال تعالى: {وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} [النور: 56]، وكل أعمال الدين رحمة، فبر الوالدين رحمة، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24]
والإحسان إلى الأهل والعيال رحمة، أخرج الترمذي وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله e : (خيركم: خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) ([15]) . وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: (ما ضرب رسول الله e شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله) ([16]) . وهذا انس يقول “خدمت رسول الله e عشر سنين فما قال لي أفٍ قط وما قال لي لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ و كان رسول الله e من أحسن الناس خلقاً) ([17]) .
وصلة الأرحام رحمة، والإحسان إلى الجار رحمة، وإكرام الضيوف رحمة، والإحسان إلى المسكين وابن السَّبيل رحمة، لقد بلغ من الاهتمام بالرحمة في الإسلام أنّ الشرع الحكيم أوصى بالرحمة بالحيوان، قال e إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة) ([18]) .
ودخل رجل الجنة لرحمته لكلب كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال e : (بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر) ([19]) .
فالرحمة في الإسلام يمتد ليشمل كل الكائنات الحية ولذلك غفر الله لبغى من بنى إسرائيل سقت كلباً يلهث من العطش،روي:( أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تَدَعْهَا تُصِيبُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا حَتَّى مَاتَتْ ” ([20]) . وأخرج أبو داود والترمذي عن النبي e قوله: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) ([21]) .
اللهم ارزقنا خلق الرحمة واجعلنا من عبادك الرحماء، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([1]) صحيح البخاري 8/10 ح 6011، صحيح مسلم 4/1999 ح 2586.
([2]) صحيح البخاري 8/7 ح 5998.
([3]) المصدر السابق 8/7 ح 5997، صحيح مسلم 4/1808 ح 2318.
([4]) سنن الترمذي 4/323 ح 1923.
([5]) صحيح البخاري 9/115 ح 7376، صحيح مسلم 4/1809 ح 2319.واللفظ له.
([6]) صحيح البخاري 1/142 ح 703، صحيح مسلم 1/341 ح 467.
([7]) سنن الترمذي 4/607 ح 2411.
([8]) صحيح البخاري 8/8 ح 6000.
([9]) صحيح مسلم 4/1828 ح 2355.
([10]) صحيح البخاري 4/115 ح 3231.
([11]) سنن أبي داود 4/308 ح 2674.
([12]) صحيح البخاري 3/61 ح 2095.
([13]) سنن أبي داود 5/485 ح 3641، سنن الترمذي 5/48 ح 2682.
([15]) سنن الترمذي 5/709 ح 3895، سنن ابن ماجة 3/148 ح 1978.
([16]) صحيح مسلم 4/1814 ح 2328.
([17]) المصدر السابق 4/1804 ح 2309.
([18]) المصدر السابق 3/1548 ح 1955.