الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أخلاق المجتمع المسلم: خلق [التضحية] وخلق [الإيثار]
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: التضحية: التضحية: هي بذل النَّفس أو الوقت أو المال لأجل غاية أسمى، والتضحية في سبيل الله: معناها: بذل النَّفس أو الوقت أو المال لدين الله، مع احتساب الأجر والثواب على ذلك عند الله عزَّ وجلَّ، وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنّ جزاء تلك التضحية عظيم، وأنّه الشهادة في سبيل الله، وأجر تلك الشهادة عظيم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} [آل عمران: 140]، وقوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23]، وقوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، وكذلك جاء في السنّة النبوية المشرفة ما يدل على ذلك الأجر العظيم، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي e قال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي، وتصديق برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنَّة، ولولا أن أشقَّ على أمَّتي، ما قعدت خلف سريَّة، ولوددت أنِّي أُقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أُقتل ثم أحيا، ثم أُقتل) ([1]) .
والتضحية تكون بالنفس كما جاء في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216]، وتكون بالمال كما جاء في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} فهذه هي التضحية الصادقة المقبولة عند الله،أما التضحية الباطلة الكاذبة فهي مردودة على أصحابها، فمن الناس من يُقاتل حمية أو ليرى الناس موضعه ليُقال أنّه شجاع، ومن الناس من ينفق ليُقال أنّه سخي، وهذا كله هباء منثورا لا أجر فيه، فقد أخرج البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:(جاء رجل إلى النَّبي e فقال: يا رسول الله! ما القتال في سبيل الله؟ فإنَّ أحدنا يقاتل غضبًا، ويقاتل حَمِيَّةً، فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلَّا أنَّه كان قائمًا، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله عزَّ وجلَّ) ([2]) .
إنّ التضحية خلق عظيم وما أكثر الآيات التي تحث على التضحية كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 إلى 13]، وهناك آيات عديدة حذرت من التثاقل عن التضحية من أجل دين الله، ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38-39]، وكقوله تعالى: {هَا أَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]، ومن أعظم صور التضحية، ما أخرجه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله e : (لقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، وأخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون ليلة من بين يوم وليلة، وما لي ولبلال رضي الله عنه ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال) ([3]) .
ومن عظيم أمثلة التضحية، ما أخرجه الترمذي عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطَّاب، يقول: أمرنا رسول الله e أن نتصدَّق، فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكرٍ إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله e : (ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكرٍ بكلِّ ما عنده، فقال: يا أبا بكرٍ ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا) ([4]) . وأخرج مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحبَّ أمواله إليه بَيْرَحَاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله e يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّب، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية:{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، قام أبو طلحة إلى رسول الله e فقال: يا رسول الله، إنَّ الله تبارك وتعالى يقول{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحَاء، وإنَّها صدقة لله، أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله e : بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسَّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمِّه) ([5]) . وأخرج احمد وابن حبان عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ عمَّه أنس بن النَّضر رضي الله عنه: غاب عن بدر، فقال: (غبت عن أوَّل قتال النَّبي e ، لئن أشهدني الله مع النَّبي e ليرينَّ الله ما أجد، فلقي يوم أحد، فهزم النَّاس، فقال: اللهم إنِّي أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدَّم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد، إنِّي أجد ريح الجنَّة دون أحد، فمضى فقُتل، فما عُرف، حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم) ([6]) .
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: خلق [الإيثار]: من المعاني العظيمة، والأخلاق الكريمة، التي قام عليها المجتمع المؤمن على عهد رسول الله e ، بتوجيه منه إلى فضائل الأعمال، وغرس منه في النفوس لمكارم الأخلاق، ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الإيثار، الذي بلغوا به في المحبة أعلى المراتب، وتجاوزوا به حد المساواة بالنفس، إلى درجة تفضيل إخوانـهم، وتقديمهم على أنفسهم، وقد أثنى الله عليهم بذلك في كتابه الكريم، فقال: {وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
ومِن الأمثلة على الإيثار:(1): من ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: (لا)، قالوا: أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا) ([7]) . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال رسول الله e للأنصار:» إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم «. فقالوا: أموالنا بيننا قطائع. فقال رسول الله e:» أو غير ذلك؟ «. قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال:» هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر “. قالوا: نعم.) ([8]) .وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أخبرنا حميد بن أنس، قال: (قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قومٍ قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال: (لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم) ([9]) . عن أنس «قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَآخَى النَّبِيُّ e بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ) ([10]) .
(2) وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (جاء رجل إلى النبي e فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت: مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماء، فقال النبي e : (من يضيف هذا الليلة؟)، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله e، وفي رواية: قال لامرأته: هل عندك شيء؟، فقالت: لا، إلاّ قوت صبياني، قال: علليهم بشيء، وإذا أرادوا العشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فاطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، فقعدوا وأكل الضيف، وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبي e ، فقال: (لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة) ([11]) .
(3) وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله e : (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم) ([12]) .
(4) أخرج البخاري عن سهل بن سعد، قال: (جاءت امرأة ببردة، قال: أتدرون ما البردة؟ فقيل له: نعم، هي الشَّملة منسوج في حاشيتها، قالت: يا رسول الله، إنِّي نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النَّبيُّ e محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنَّها إزاره، فقال رجل مِن القوم: يا رسول الله، اكسنيها، فقال: (نعم)، فجلس النَّبيُّ e في المجلس، ثمَّ رجع فطواها، ثمَّ أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إيَّاه، لقد علمت أنَّه لا يردُّ سائلًا. فقال الرَّجل: والله ما سألته إلَّا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه) ([13]) .
(5) أخرج البخاري: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (إنَّا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدْيَةٌ شديدةٌ فجاءوا النَّبيُّ e فقالوا: هذه كُدْيَةٌ عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل ثمَّ قام – وبطنه معصوبٌ بحجر، ولبثنا ثلاثة أيَّام لا نذوق ذواقًا – فأخذ النَّبيُّ e المعول فضرب في الكُدْيَة فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم، فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت في النَّبيِّ e شيئًا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ فقالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشَّعير حتى جعلنا اللَّحم بالبرمة، ثمَّ جئت النَّبيَّ e والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج. فقلت: طعيِّم لي، فقم أنت – يا رسول الله – ورجل أو رجلان، قال: كم هو؟ فذكرت له، فقال: كثير طيِّب. قال: قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز مِن التَّنُّور حتى آتي. فقال: قوموا. فقام المهاجرون والأنصار، فلمَّا دخل على امرأته. قال: ويحك جاء النَّبيُّ e بالمهاجرين والأنصار ومَن معهم! قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللَّحم ويخمِّر البرمة والتَّنُّور إذا أخذ منه، ويقرِّب إلى أصحابه ثمَّ ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقيَّةٌ. قال: كلي هذا وأهدي، فإنَّ النَّاس أصابتهم مجاعة) ([14]) .
(6) أخرج البخاري ومسلم: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (قال أبو طلحة لأمِّ سليم: لقد سمعت صوت رسول الله e ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك مِن شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصًا مِن شعير، ثمَّ أخرجت خمارًا لها فلفَّت الخبز ببعضه، ثمَّ دسَّته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثمَّ أرسلتني إلى رسول الله e . قال: فذهبت به فوجدت رسول الله e في المسجد ومعه النَّاس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله e : آرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم. قال: بطعام؟ قلت: نعم. فقال رسول الله e لمن معه: قوموا. فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أمَّ سليم، قد جاء رسول الله e بالنَّاس، وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله e ، فأقبل رسول الله e وأبو طلحة معه، فقال رسول الله e : هلمِّي يا أمَّ سليم ما عندك، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله e ففتَّ، وعصرت أمُّ سليم عكَّة فأدمته، ثمَّ قال رسول الله e فيه ما شاء الله أن يقول، ثمَّ قال: ائذن لعشرة. فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال: ائذن لعشرة. فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال: ائذن لعشرة. فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال: ائذن لعشرة. فأكل القوم كلُّهم حتى شبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلًا) ([15]) .
(7) أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان يقول: (الله الذي لا إله إلَّا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض مِن الجوع. وإن كنت لأشدُّ الحجر على بطني مِن الجوع. ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية مِن كتاب الله ما سألته إلَّا ليشبعني، فمرَّ ولم يفعل، ثمَّ مرَّ أبو القاسم e فتبسَّم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي. ثمَّ قال: يا أبا هر! قلت: لبَّيك رسول الله. قال: الْحَق. ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبنًا في قدح، فقال: مِن أين هذا اللَّبن؟ قالوا: أهداه لك فلان- أو فلانة- قال: أبا هر! قلت: لبَّيك يا رسول الله. قال: الْحَق إلى أهل الصُّفَّة فادعهم لي. قال- وأهل الصُّفَّة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد. إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هديَّة أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها- فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللَّبن في أهل الصُّفَّة؟ كنت أحقَّ أن أصيب مِن هذا اللَّبن شربة أتقوَّى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني مِن هذا اللَّبن؟! ولم يكن مِن طاعة الله وطاعة رسوله e بدٌّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم مِن البيت. قال: يا أبا هر، قلت: لبَّيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم. فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرَّجل فيشرب حتى يروى، ثمَّ يردُّ عليَّ القدح حتى انتهيت إلى النَّبيِّ e وقد روي القوم كلُّهم. فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليَّ فتبسَّم، فقال: أبا هر، قلت: لبَّيك يا رسول الله. قال: بقيت أنا وأنت. قلت: صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت. فقال: اشرب. فشربتُ، فما زال يقول: اشرب. حتى قلتُ: لا -والذي بعثك بالحقِّ- ما أجد له مسلكًا. قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمَّى، وشرب الفضلة) ([16]) .
(8) أورد ابن كثير (في غزوة اليرموك قال عكرمة بن أبي جهل: قاتلت رسول الله e في مواطن وأفرُّ منكم اليوم؟! ثمَّ نادى: مَن يبايع على الموت؟ فبايعه عمُّه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة مِن وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدَّام فسطاط خالد حتى أُثْبِتُوا جميعًا جراحًا، وقُتِل منهم خلقٌ، منهم ضرار بن الأزور رضي الله عنهم، فلمَّا صرعوا مِن الجراح استسقوا ماء، فجيء إليهم بشربة ماء، فلمَّا قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر، فقال: ادفعها إليه. فلما دُفِعَت إليه نظر إليه الآخر، فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلُّهم مِن واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعًا ولم يشربها أحد منهم رضي الله عنهم أجمعين) ([17]) .
(9) إيثار أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها عمر بن الخطاب على نفسها: أخرج البخاري: لما طُعِن أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما قال لابنه عبد الله: (اذهب إلى أُمِّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فقل: يقرأ عمر ابن الخطَّاب عليك السَّلام، ثمَّ سلها أن أُدْفَن مع صاحبيَّ. قالت: كنت أريده لنفسي، فلأوثرنَّه اليوم على نفسي. فلمَّا أقبل، قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين، قال: ما كان شيء أهمَّ إليَّ من ذلك المضجع، فإذا قُبِضت فاحملوني، ثمَّ سلِّموا، ثمَّ قل: يستأذن عمر بن الخطَّاب، فإن أذنت لي فادفنوني، وإلَّا فردُّوني إلى مقابر المسلمين) ([18]) .
(10) أخرج مالك في الموطأ عن مولاة لأمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها دخل عليها مسكينٌ فسألها -وهي صائمة وليس في بيتها إلَّا رغيف- فقالت لمولاة لها: أعطيه إيَّاه. فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إيَّاه. قالت: ففعلتُ. قالت: فلمَّا أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يُهدِي لنا: شاة وكفنها. فدعتني عائشة فقالت: كلي مِن هذا، فهذا خيرٌ مِن قرصك) ([19]) .
(11) أخرج ابن عساكر: مرض ابن عمر فاشتهى عنبًا فأرسلت امرأته فاشترت عنقودًا بدرهم، فاتَّبع الرَّسول السَّائل، فلمَّا دخل به، قال السَّائل: السَّائل. فقال ابن عمر: أعطوه إيَّاه. فأعطوه إيَّاه. ثمَّ أرسلت بدرهم آخر، فاشترت عنقودًا، فاتَّبع الرَّسول السَّائلُ، فلمَّا دخل، قال السَّائل: السَّائل. فقال ابن عمر: أعطوه إيَّاه. فأعطوه إيَّاه، فأرسلت صفيَّة إلى السَّائل، فقالت: والله إن عُدتَ لا تصيبُ منه خيرًا أبدًا. ثمَّ أرسلت بدرهم آخر فاشترت به، قال: واشتهى يومًا سمكةً، فشُوِيَت وجيء بها على رغيف، فقام سائلٌ بالباب، فقال ابن عمر للغلام لفَّها برغيفها، وادفعها إليه. فأبى الغلام، فردَّه وأمره بدفعها إليه، ثمَّ جاء به فوضعها بين يديه، وقال: كُلْ هنيئًا -يا أبا عبد الرَّحمن-، فقد أعطيته درهمًا وأخذتها. فقال: لفَّها وادفعها إليه، ولا تأخذ منه الدِّرهم) ([20]) .
(12) أخرج الطبراني وأبي نعيم: أخذ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أربعمائة دينار، فجعلها في صرَّة، ثمَّ قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجرَّاح، ثمَّ تلكَّأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها، فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثمَّ قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السَّبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفدها، فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعدَّ مثلها لمعاذ بن جبل. وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل، وتلكَّأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا. فاطَّلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلَّا ديناران فنحا بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرَّ بذلك عمر، وقال: إنَّهم إخوة بعضهم مِن بعض) ([21]) .
(13) أخرج الحاكم: قال ابن عمر رضي الله عنه: أهدي لرجل مِن أصحاب رسول الله e رأس شاة، فقال: إنَّ أخي فلانًا وعياله أحوج إلى هذا منَّا. فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأوَّل، فنزلت: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}([22]) .
والأمثلة على الإيثار تطول، ويكفيهم ثناء الله تعالى عليهم في القرآن بقوله سبحانه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، اللهم ارزقنا خلق الإيثار، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت.
([1]) صحيح البخاري 1/16 ح 36. صحيح مسلم 3/1495 ح 1876.
([2]) صحيح البخاري 1/36 ح 123.
([3]) سنن ابن ماجة 1/105 ح 150، سنن الترمذي 4/645 ح 2472.
([4]) سنن الترمذي 5/614 ح 3675.
([6]) مسند أحمد 21/242 ح 13658. صحيح ابن حبان 5/211 ح 4279.
([7]) صحيح البخاري 3/104 ح 2325.
([8]) تفسير الطبري 22/526، البداية والنهاية 4/565.
([9]) مسند أحمد 20/361 ح 13076.
([10]) صحيح البخاري 5/69 ح 3937.
([11]) صحيح البخاري 5/34 ح 3798، صحيح مسلم 3/1624 ح 2054.
([12]) صحيح البخاري 3/138 ح 2486.صحيح مسلم 4/1944 ح 2500.
([13]) صحيح البخاري 3/61 ح 2093.
([14]) المصدر السابق 5/108 ح 4101.
([15]) صحيح البخاري 4/193 ح 3578، صحيح مسلم 3/1612 ح 2040.
([16]) صحيح البخاري 8/96 ح 6452.
([17]) البداية والنهاية لابن كثير 9/561.
([18]) صحيح البخاري 2/103 ح 1392.
([19]) موطأ الإمام مالك: 2 / 997 ح 5.
([20]) ابن عساكر في تاريخ دمشق 31/145.
([21]) المعجم الكبير للطبراني 20/33 ح46، حلية الاولياء 1/237.