الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أخلاق المجتمع المسلم: خلق [التعاطف] وخلق [التعاون]:
خلق [التعاطف]: قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وقال تعالى: {مّحَمّدٌ رّسُولُ الله وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([1]) . وأخرج مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَدْرِ النَّهَارِ. قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ. مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ. عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ. بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ. فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَا رَأَى بِهِمْ من الفاقة. فدخل ثم خرج. فأمر بلال فإذن وأقام. فصلى ثم خطب فقال: ” {يا أيها النَّاسُ! اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحدة} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رقيبا}. وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ} تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ (حَتَّى قَالَ) وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ “قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا. بَلْ قَدْ عَجَزَتْ. قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الناس. حتى رأيت كومين من طعام وثبات. رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ. كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:”مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ. مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ. مِنْ غَيْرِ أَنْ ينقص من أوزارهم شيء”) ([2]) .
وأخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رضي الله عنهم قال: قال رسول الله e: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا) ([3]) .
ومن التعاطف الذي أوصى الله تعالى به ورسوله، وقام عليه المجتمع الإسلامي الأول في أكمل صورة، وأجمل مقام، بر الوالدين وصلة الأرحام، والوصية بالجار، وإكرام الضيف، قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذّلّ مِنَ الرّحْمَةِ وَقُل رّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 23،24]، وقال تعالى: {وَالّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} [الرعد: 21]، وقال تعالى: {وَاعْبُدُواْ الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36]، وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي e قال: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف” قيل: من؟ يا رسول الله! قال “من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة”) ([4]) . وأخرج الشيخان البخاري ومسلم: جاء رجل إلى رسول الله e فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟، قال: (أمك)، قال: ثم من؟، قال: (أمك)، قال: ثم من؟، قال: (أمك)، قال: ثم من؟، قال: (أبوك) ([5]) . وأخرج الشيخان البخاري ومسلم: قال رسول الله e: (إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم: فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟، قالت: بلى، قال: فذلك لك)، ثم قال رسول الله e: (اقرأوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ في الأرْضِ وَتُقَطّعُوَاْ أَرْحَامَكُمْ، أَوْلَـَئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} ([6]) .
وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي e قال: (ليس الواصل بالمكافيء، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) ([7]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي e قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن)، قيل: من يا رسول الله؟، قال: (الذي لا يأمن جاره بوائقه) ([8]) . وأخرج مسلم عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه، أن النبي e قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليسكت) ([9]) . وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله e: (خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره) ([10]) .ما أحوج المجتمع الإسلامي – اليوم – إلى التعاطف والتواد والتراحم، وإلى بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران، وإكرام الضيف والعطف على المحتاج والمسكين والفقير واليتيم، فما أعظم المجتمع إن تحلى بهذه الأخلاق.
خلق [التعاون]: قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرَّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخيرٍ فقد غزا) ([11]) . وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله e، بعث بعثاً إلى بني لحيان من هذيل، فقال: (لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما) ([12]) . وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟، قال: (الإيمان بالله والجهاد في سبيله) إلى أن قال: فإن لم أفعل؟، قال: (تعين صانعاً أو تصنع لأخرق) ([13]) . وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه،عن النبي e قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) ([14]) وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النبي e قوله: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة) ([15]) . وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله e: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبّك بين أصابعه) ([16]) .
ولو ذهبنا نضرب أمثلة على خلق التعاون من سيرة النبي e وصحبه الكرام رضي الله عنهم لطال بنا المقال، ولكن إشارة إلى بعض ذلك: (1) أخرج البخاري ومسلم: عن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها قالت للنبي e: (كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنَّك لتصل الرَّحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضَّيف، وتعين على نوائب الحقِّ) ([17]) . وكانت رضي الله عنها تخفِّف مِن روع النَّبيِّ e عند عودته مِن غار حراء بعد نزول الوحي عليه، وكلامها يدل على مدى التعاون الذي بلغه الرسول e، يصل الرَّحم، ويحمل الكلَّ، ويكسب المعدوم، ويقري الضَّيف، ويعين على نوائب الحقِّ، وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النَّبيُّ e يكون في مَهْنة أهله، فإذا حضرت الصَّلاة قام إلى الصَّلاة) ([18]) .(2) وأخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: (كان النَّبيُّ e ينقل التُّراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو أغبر بطنه يقول: والله لولا الله ما اهتدينا… ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا… فأنزلن سكينة علينا… وثبِّت الأقدام إن لاقينا.. إن الأُلى قد بغوا علينا. إذا أرادوا فتنة أبينا، ويرفع بها صوته: أبينا أبينا) ([19]) .(3) وأخرج البخاري ومسلم عن أنس ابن مالك: أنّ النبي e عندما أراد أن يتخذ المسجد، قال لبني النَّجار: (يا بني النَّجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله، فقال أنسٌ: فكان فيه قبور المشركين، وفيه خربٌ وفيه نخلٌ، فأمر النَّبيُّ e بقبور المشركين، فنُبِشَت، ثمَّ بالخرب فسوِّيت، وبالنَّخل فقطِّع، فصفُّوا النَّخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصَّخر وهم يرتجزون والنَّبيُّ e معهم، وهو يقول: اللَّهمَّ لا خير إلَّا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة) ([20]) .
(4) عندما هاجر المهاجرون إلى المدينة كانوا لا يملكون مِن أمر الدُّنْيا شيئًا، فلـمَّا قدموا المدينة آخى النَّبيُّ e بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الرَّبيع الأنصاريِّ، وعند الأنصاريِّ امرأتان، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلُّوني على السُّوق، عن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه قال: (آخى رسول الله e بيني وبين سعد بن الرَّبيع، فقال لي سعد: إنِّي أكثر الأنصار مالًا، فأقاسمك مالي شطرين، ولي امرأتان، فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها، فإذا حلَّت تزوجتها، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلُّوني على السُّوق، فدلُّوني على سوق بني قينقاع، فما رحت حتى استفضلت أقِطًا وسمنًا) ([21]) .
([3]) سنن الترمذي 4/321 ح 1919.
([4]) صحيح مسلم 4/1978 ح 2551.
([5]) صحيح البخاري 8/2 ح 5971. صحيح مسلم 4/1974 ح 2548.
([6]) صحيح البخاري 6/134 ح 4830، صحيح مسلم 4/1980 ح 2554.
([8]) صحيح البخاري 8/10 ح 6016. صحيح مسلم 1/68 ح 46.
([10]) سنن الترمذي 4/333 ح 1944.
([11]) صحيح البخاري 4/27 ح 2834، صحيح مسلم 3/1506 ح 1895.
([12]) صحيح مسلم 3/1507 ح 1896.
([13]) المصدر السابق 1/89 ح 84.
([14]) المصدر السابق 4/2074 ح 2699.
([15]) صحيح البخاري 4/35 ح 2891، صحيح مسلم 2/699 ح 1009.
([16]) صحيح البخاري 8/12 ح 6026، صحيح مسلم 4/1999 ح 2585.
([17]) صحيح البخاري 1/7 ح 3، صحيح مسلم 1/39 ح 160
([18]) صحيح البخاري 7/65 ح 5363.
([19]) صحيح البخاري 4/26 ح 2837، صحيح مسلم 1/373 ح 524.