الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أخلاق المجتمع المسلم: خلق [التناصر] وخلق [التكافل]
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: التناصر: التناصر هو نصرة المسلمين ظالمين أو مظلومين، أخرج البخاري عن النبي e قوله: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ.) ([1]) . ما أحوج المجتمع المسلم إلى صفة التناصر وإلى عقيدة الولاء والبراء في الله تعالى، يتولى بعضهم بعضا، كما جاء في قوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ الله وَالّذِينَ آوَواْ وّنَصَرُوَاْ أُوْلَـَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَالّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مّن وَلاَيَتِهِم مّن شَيْءٍ حَتّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ في الدّينِ فَعَلَيْكُمُ النّصْرُ إِلاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 72]، وقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا}، وقال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وقال تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}، لقد بنى الرسول e، المجتمع المسلم الأول، على الإخاء، والحب، والتعاون، والتراحم والتناصر الولاء في الله والبراء في الله، وأرسى تلك المبادئ في ذلك الميثاق النبوي العظيم، الذي كتبه الرسول e بين المهاجرين والأنصار، أول وصوله إلى المدينة، ليكون رباط حب وإخاء، وعهد فداء وولاء، وأساساً متيناً من أسس ذلك البناء المسلم الذي يشد بعضه بعضاً، ويقوم على التناصر والتآزر، قال ابن إسحاق: (وكتب رسول الله e كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود، وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي e، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربتعم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين،.، وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين وإن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره) اهـ. ([2]) .
إن من أهم أخلاق المجتمع المسلم التناصر، وما أحوج المسلمين إلى صفة التناصر وإلى عقيدة الولاء والبراء في الله تعالى، يتولى بعضهم في الله بعضا.
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: التكافل: لقول الله تعالى: {وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39]، وقوله تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272]، وقوله تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 273]، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رَجُلاً سَألَ رسول الله e: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) ([3]) . وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله e، قَالَ: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً، وَمَا تَواضَعَ أحَدٌ لله إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ عز وجل) ([4]) .
تعدَّد صور التكافل الاجتماعي في الإسلام، فتمتدُّ إلى كل العلاقات الاجتماعية، فهناك التكافل الاجتماعي العام، لإيجاد روح اجتماعية تُشيع المعروف وتُنكِر المُنكَر، قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وكل فرد في المجتمع الإسلامي، مسؤولٌ عن إشاعة المعروف وإزالة المنكر، قال e: (مَن رأى منكم منكرًا، فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) ([5]) .
وهناك التكافل الأسري، ويشمل رعاية الإنسان لأهله، لوالديه، وإخوته، وزوجته، وأولاده، فرض الله تعالى الإحسان إلى الوالدين، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24]، وفرض كذلك للأطفال والأبناء ما يكفيهم، قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233]، وقال الرسول e لهند بنت عتبة: (خُذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف) ([6]) .
وأخرج النسائي عن طارق المحاربي قال: (قدمت المدينة فإذا رسولُ الله e قائمٌ على المنبر يخطب الناس وهو يقول: (يد المُعطي العُليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، فأختك وأخاك، ثم أدناك، أدناك) ([7]) . ومِن ذلك أيضًا، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله e: (خيركم: خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) ([8]) .وفي هذا الحديث دليل عظيم على محاسن الإسلام التي جاء بها، ومن جملتها أنه جعل الإحسان إلى الزوجة والعيال من أفضل الأعمال والقربات، وفاعله من خيرة الناس، وقوله e: (خيركم خيركم لأهله): أي لعياله، وذوي رحمه، وأزواجه، وأقاربه، وذلك لدلالته على حسن الخلق، ومِن ذلك أيضًا، فقد أخرج مسلم: عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ e مَرْفُوعًا: (أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ , وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَدَأَ بِالْعِيَالِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمُ اللَّهُ أَوْ يَنْفَعُهُمْ اللَّهُ بِهِ وَيُغْنِيهِمْ. ([9]) . وأخرج مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: (دِينَارٌ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَدِينَارٌ أَنْفَقْته فِي رَقَبَةٍ , وَدِينَارٌ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ , وَدِينَارٌ أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك , أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك) ([10]) . وَفِي صحيح البخاري عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ لَهُ وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْت عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك} أَيْ فِي فَمِهَا) ([11]) .
إنّ الأسرة هي نواة المجتمع فإذا صلحت صلح المجتمع كله، وإذا فسدت فسد المجتمع كله، والتكافل الأسري يمتد ليشمل كل ذوي الأرحام، وقد أعطى الإسلام ذوي القربي حقوقًا، قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء: 26]، والتكافل يمتد ليشمل الجيران: قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء: 36]، وقال أبو ذر الغفاري – رضي الله عنه – عن رسول الله – e -: أوصاني خليلي – e -: (“يَا أَبَا ذَرٍّ! إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك”) ([12]) . وليس الجار هو المُلاصِق، فقد روي في الآثار أن أربعين دارًا جار، وفسَّرها بعضهم بأربعين مِن كل جهة مِن الجهات الأربع، أخرج الطبراني في الكبير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: («مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ) ([13]) . وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: قال رسول الله e: («لَيْسَ بِالْمُؤْمِنِ الَّذِي يَبِيتُ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ») ([14]) .
والتكافل يمتد ليشمل الفقراء والمساكين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25]، وقال الفقهاء: فرض على الأغنياء مِن أهل كل بلد أن يقوموا بفُقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكاة بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيُقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بدَّ منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يُكنُّهم مِن المطر والصيف والشمس وعيون المارة، ومن التكافل الاجتماعي: كفالة اليتيم: واليتيم مَن مات أبوه وتركه صغيرًا ضعيفًا يحتاج إلى مَن يكفله، وقد حثَّ الإسلام على إكرام اليتيم، فقال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}، وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152]، وقال: تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، وفي الحديث الشريف قوله e: («أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى) ([15]) .
ومن التكافل الاجتماعي، كفالة أصحاب العاهات والشيوخ والعجَزة والمَنكوبين: قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]، وقال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وقوله e: (المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يُسلمه، مَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومَن ستَر مُسلمًا، ستره الله يوم القيامة) ([16]) . بل يمتد التكافل ليشمل أهل الذمة المُنضوِين تحت مظلة المجتمع الإسلامي، والغير قادرين على العمل، وفي سلوك الرسول e في المدينة مع اليهود، ما يؤكد سمو المعاملة التي عُومل بها هؤلاء، وقصة عمر بن الخطاب مع اليهودي وفرضه له مالاً – راتبًا – من بيت مال المسلمين أكبرُ دليل على ذلك، اللهم ارزقنا التناصر والتكافل، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([1]) صحيح البخاري 9/22 ح 6952.
([2]) سيرة ابن هشام 1/501، البداية والنهاية 1/556.
([3]) صحيح البخاري 1/12 ح 12، صحيح مسلم 1/65 ح 39.
([4]) صحيح مسلم 4/2001 ح 2588.
([6]) صحيح البخاري 7/65 ح 5364.
([7]) السنن الكبرى للنسائي 3/50 ح 2323.
([10]) المصدر السابق 2/691 ح 995.
([11]) صحيح البخاري 1/20 ح 56.
([12]) صحيح مسلم 4/2025 ح 2625.
([13]) المعجم الكبير للطبراني 1/259 ح 751.