الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أخلاق المجتمع المسلم: [محاسن الأخلاق] ويشمل: التواضع والتآلف والتودد والبشاشة، حسن الظن بالمسلمين، و تعظيم حرمات المسلمين، و الحرص على المسلمين، والعفو عن المسيء من المسلمين، والسَّتْرُ على المذنبين،
[حسن الخلق]: لما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه، قال: كَانَ رسولُ الله e أحْسَنَ النَّاس خُلُقاً. متفقٌ عَلَيْهِ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه، قَالَ: مَا مَسِسْتُ دِيبَاجاً وَلاَ حَرِيراً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ رسولِ اللهِ e، وَلاَ شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رسولِ اللهِ e، وَلَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ e عَشْرَ سنين، فما قَالَ لي قَطُّ: أُفٍّ، وَلاَ قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَه؟ وَلاَ لشَيءٍ لَمْ أفعله: ألاَ فَعَلْتَ كَذا؟ ([1]) . وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: لَمْ يكن رسولُ الله e فَاحِشاً وَلاَ مُتَفَحِّشاً، وكان يَقُولُ: (إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقاً) ([2]) . وما أخرجه الترمذي عن أَبي الدرداءِ رضي الله عنه: أن النبي e، قَالَ: (مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ) ([3]) .، وما أخرجه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رسول الله e: (أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ) ([4]) .وحسن الخلق يشمل على معانٍ عديدة وأخلاق ربانية عظيمة منها: التواضع، والتآلف، والتودد، والبشاشة، وحسن الظن بالمسلمين، وتعظيم حرمات المسلمين، والحرص على المسلمين، والعفو عن المسيء من المسلمين، والسَّتْرُ على المذنبين،
من أهم أخلاق المجتمع المسلم: التواضع وخفض الجناح للمؤمنين: لقول الله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، وقوله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ} وقوله e: (إنَّ الله أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أحَدٌ عَلَى أحَدٍ) ([5]) .وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله e، قَالَ: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زادَ اللهُ عَبْداً بعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ) ([6]) .
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: التآلف: التآلف هو الأنس والمحبة، والالتئام والاجتماع واتِّفاق الآراء مع المودة والمحبة، ومنه قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103]، وقوله تعالى{وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [ال عمران: 103]، فقد كانوا في الجاهليَّة بينهم الإحَن والعداوات والحروب المتواصلة، فألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبَّة، فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانًا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمرٍ واحد، قد تآخوا في الله، وتحابوا في الله، وقال سبحانه: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62-63]، قوله تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِم} فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوَّتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوَّة غير قوَّة الله، فلو أنفقت ما في الأرض جميعًا مِن ذهب وفضَّة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النُّفرة والفُرقة الشَّديدة،{مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} لأنَّه لا يقدر على تقليب القلوب إلَّا الله تعالى،{وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ومِن عزَّته أن ألَّف بين قلوبهم، وجمعها بعد الفرقة}، قال القرطبي: في قوله تعالى{: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي: جمع بين قلوب الأوس والخزرج. وكان تألُّف القلوب مع العصبيَّة الشَّديدة في العرب مِن آيات النَّبيِّ e ومعجزاته، لأنَّ أحدهم كان يُلْطَم اللَّطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها. وكانوا أشدَّ خَلْق الله حميَّة، فألَّف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرَّجل أباه وأخاه بسبب الدِّين) أهـ([7]) .
المجتمع المسلم الحقيقي مجتمع إلف متآلف، أخرج الطبراني عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف) ([8]) . فالمؤمن يأْلَف ويُؤْلَف لحسن أخلاقه وسهولة طباعه ولين جانبه، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف) لضعف إيمانه، وعُسْر أخلاقه، وسوء طباعه، والأُلْفَة سببٌ للاعتصام بالله وبحبله، وبه يحصل الإجماع بين المسلمين وبضِدِّه تحصل الـنُّفْرة بينهم، وإنَّما تحصل الأُلْفَة بتوفيقٍ إلهي، وقال الْغَزالِي (الأُلْفَة ثَمَرَة حُسْن الخُلُق، والتَّفرق ثَمَرَة سوء الخُلُق، فَحُسْن الخُلُق يُوجب التَّحبُّب والتَّآلف والتَّوافق، وسُوء الخُلُق يُثمر التَّباغض والتَّحاسد والتَّناكر([9]) .ومِن التَّآلف: بقاء الأُلْفَة وصلاح ذات البين مع وجود الاختلاف في الآراء، قال يونس الصَّدفي: (ما رأيت أعقل مِن الشَّافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثمَّ افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثمَّ قال: يا أبا موسى، ألَا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتَّفق في مسألة) ([10]) .
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: التَّودُّد: التَّودُّد من الوُدِّ، والوُدُّ: مصدر الموَدَّة: الوُدُّ: هو الحُبُّ، والتواد التحاب، وتودَّدَ إليه: تَحَبَّبَ إليه، قال تعالى{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]، أي سيجعل لهم الرحمن المحبة يحبهم ويحبونه كما في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، وأخرج الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (ألا أخبركم بمن يحرم على النَّار، وبمن تحرم النَّار عليه؟ على كلِّ هيِّن ليِّن قريب سهل) ([11]) .وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النُّعمان بن بَشير رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله e (مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى) ([12]) .
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: البَشَاشَة: البَشَاشَة: هي طلاقة الوجه، مع الفرح، والتَّبسُّم، وحسن الإقبال، واللُّطف في المسألة، والبشاشة: إشراقه الوجه حين مقابلة الخلق، وهو ضدُّ العبوس، وهي أيضًا: السُّرور بمن تلقاه، أخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، قال: قال لي النَّبي e: (لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق) ([13]) .وأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله e: (كلُّ معروف صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق) ([14]) . وأخرج الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله e (تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرَّجل في أرض الضَّلال لك صدقة، وبصرك للرَّجل الرَّديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشَّوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة) ([15]) . إنّ البشاشة تعني حسن الخلق، وطلاقة الوجه تعني المحبة والتودد، وتحمل معاني بذل المعروف، وكفُّ الأذى، والبشاشة وطلاقة الوجه تثمر المحبَّة بين المسلمين، والتآلف فيما بينهم، والنبي e معروف بَشَاشَته عند مقابلته للناس، ففي الصحيحين عن جرير رضي الله عنه قال (ما حجبني النَّبي e منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي) ([16]) .
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: حسن الظن: هو ترجيح جانب الخير على جانب الشَّر في حق المسلمين، قال الله تعالى: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌوقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} أخرج البخاري في الأدب المفرد والإمام أحمد في المسند عن النَّبي e، أنه قال: (إيَّاكم والظَّن، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا) ([17]) .
والمجتمع الإسلامي تشيع فيه صفات حسن الظن بجميع المسلمين، فإن الظن السيء أكذب الحديث وهو من الشيطان ليفرق المؤمنين ويغير قلوب بعضهم على بعض فيتدابرا ويتحاسدوا ويتباغضوا، اللهم ارزقنا حسن الظن بك وحسن الظن بعامة المؤمنين يا أرحم الراحمين.
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم، نجد قول الله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه} [الحج: 30]، وقوله تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، وقوله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88]، وقوله e: (مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى) ([18]) .وما أخرجه البخاري عن أَبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ: قَبَّلَ النَّبيُّ e الحَسَنَ بْنَ عَليٍّ رضي الله عنهما، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِس، فَقَالَ الأقْرَعُ: إن لِي عَشرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَداً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُول الله e، فَقَالَ: (مَنْ لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ!) ([19]) .، وما أخرجه البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله e:(مَنْ لاَ يَرْحَم النَّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ الله)([20]) . وما أخرجه البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنّ رَسُول الله e، قَالَ: (إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ للنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإن فيهِم الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبيرَ، وَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ) ([21]) وما أخرجه البخاري عن أَبي قَتادةَ الحارثِ بن رِبعِي رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله e: (إنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاة، وَأُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأسْمَع بُكَاءَ الصَّبيِّ فَأَتَجَوَّزَ في صَلاتي كَرَاهية أنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ) ([22]) . وما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رَسُول الله e، قَالَ: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ، وَلاَ يُسْلمُهُ. مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه، كَانَ اللهُ في حَاجَته، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ) ([23]) .، وما أخرجه البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رَسُول الله e، قَالَ: (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَريض، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَة، وتَشْميتُ العَاطِسِ) ([24]) . وفي رواية لمسلم: (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ: إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ، وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ) ([25]) .
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: [الحرص على المسلمين] يتمثل ذلك الحرص في: الحلم على المسلمين والأناة والرفق بهم: لقول الله تعالى: {وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ} [آل عمران: 134]، وقوله تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ} [الأعراف: 199]، وقوله تَعَالَى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34-35]، وقوله تَعَالَى: {وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: 43]، وما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قَالَ رسول الله e: (إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه) ([26]) . وما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ e، قَالَ: (إنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ في شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ) ([27]) . وما أخرجه مسلم عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ e، يقولُ: (مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ) ([28]) . وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه، عن النبيِّ e، قَالَ: (يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا) ([29]) . وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (مَا خُيِّرَ رسول الله e بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إِلاَّ أَخَذَ أيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إثماً، فَإنْ كَانَ إثماً، كَانَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رسول الله e لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ، إِلاَّ أن تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله، فَيَنْتَقِمَ للهِ تَعَالَى) ([30]) .، وما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسول الله e: (ألا أخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار؟ تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ، هَيّنٍ، لَيِّنٍ، سَهْلٍ) ([31]) .، وقال: (حديث حسن)،
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: العفو عن المسيء من المسلمين: نجد قول الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ} [الأعراف: 199]، وقوله تَعَالَى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85]، وقوله تَعَالَى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألاَ تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ} [النور: 22]، وقوله تَعَالَى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ} [آل عمران: 134]، وقوله تَعَالَى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: 43]، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أنّ النبي e لما كذبته قريش وثقيف أتاه مَلَكُ الجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّه، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ سَمِع قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأنا مَلَكُ الجِبال، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ، إنْ شئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ). فَقَالَ النبي e: (بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً) ([32]) . وما أخرجه مسلم عنها رضي الله عنها، قالت: مَا ضَرَبَ رسولُ الله e شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ، وَلاَ امْرَأةً وَلاَ خَادِماً، إِلاَّ أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلاَّ أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى، فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى([33]) .وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ أمشي مَعَ رسول الله e وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَبذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدةً، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ e، وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُر لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ. فَالتَفَتَ إِلَيْهِ، فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. ([34]) .
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: السَّتْرُ: السَّتْـرُ: تَغَطية الشَّيء، والمراد بالسَّتْر: السَّتْـرُ على المسلم إن وقع في معصية، شريطة أن لا يعلنها ويجهر بها، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النُّور: 19]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12]، وكان النَّبي e إذا بلغه عن الرَّجل الشَّيء،لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ وهذا مشهور عنه e في أحاديث كثيرة، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله e يقول: كلُّ أمَّتي معافى إلا المجَاهرين، وإنَّ من المجَاهرة: أن يعمل الرَّجل باللَّيل عملًا، ثمَّ يصبح وقد سَتَره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يَسْتُره ربُّه، ويصبح يكشف سِتْر الله عنه) ([35]) .وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة، ومن سَتَر على مسلم، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه) ([36]) وأخرج أبو داود والإمام أحمد في مسنده عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله e: (يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عَورَاتهم، فإنَّه من اتَّبع عَوراتهم يتَّبع الله عَوْرته، ومن يتَّبع الله عَوْرته يفضحه في بيته) “([37]) .
ومن أعظم الأدلة على حرص الرسول e والصحابة رضي الله عنهم على الستر على المسلم، أنّه e في قصَّة ماعز بن مالك الأسلمي عندما وقع في الزنا [والقصة أخرجها البخاري من حيث جابر ابن عبد الله، وأخرجها مسلم من حديث أبي سعيد الخدري] ([38]) . عندما جاء إلى رسول الله e واعترف على نفسه بالزِّنى، وسأله أن يقيم عليه الحدَّ ليطهِّره، فأمر النَّبي e برجمه، فإنَّ النَّبي e لم يسأله مع من زنيت، وكذلك في قصت المرأة الغامديَّة [والقصة أخرجها مسلم في صحيحه] ([39]) . عندما أقرَّت على نفسها،لم يسألها النَّبي e عن ذلك، بل الرواية التامة عند الإمام مالك في الموطأ تدل على مدى حرص الرسول e والصحابة رضي الله عنهم على الستر على المسلم، فقد أخرج الإمام مالك: أنّ ماعز جاء أولا إلى أبي بكر الصِّديق، فقال له: (إنَّ الآخر زنى -يريد نفسه- فقال له أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري؟ فقال: لا، فقال له أبو بكر: فتُب إلى الله، واسْتَتِر بسِتر الله، فإنَّ الله يقبل التَّوبة عن عباده، فلم تُقْرِره نفسه، حتَّى أتى عمر بن الخطَّاب، فقال له مثل ما قال لأبي بكر، فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر. فلم تُقْرِره نفسه حتَّى جاء إلى رسول الله e، فقال له: إنَّ الآخر زنى، فقال سعيد: فأعرض عنه رسول الله e ثلاث مرَّات، كلُّ ذلك يُعرض عنه رسول الله e، حتَّى إذا أكثر عليه، بعث رسول الله e إلى أهله فقال: أيشتكي، أم به جِنَّة؟ فقالوا: يا رسول الله، والله إنَّه لصحيح، فقال رسول الله e: أبِكْر أم ثيِّب؟ فقالوا: بل ثيِّب، يا رسول الله، فأمر به رسول الله e، فرُجِم) ([40]) .
إذن السَّتْر أولى بالمسلم على نفسه، وهو أفضل من الاعتراف، فإنَّ الله يقبل التَّوبة عن عباده، ويحبُّ التَّــوَّابين وفي رواية تالية عند الإمام مالك: (أنَّ رجلًا اسمه هَزَّال الأسلمي، هو الذي أشار على ماعز أن يأتي النَّبي e فيخبره، فقال له النَّبي e يا هَزَّال، لو سَتَرْته بردائك، لكان خيرًا لك) ([41]) . فكان ستْره بأن يأمره بالتَّوبة، وكتمان خطيئته، أفضل من الفضيحة وإشاعة الفضيحة، وهذا يدل على فضيلة الستر وأنّه من أعظم أخلاق المجتمع المسلم، أمَّا المجاهر بالفسوق والعصيان والذي لا يستحي من إظهار الفاحشة والمنكر، فهذا تُرْفَع قضيته إلى وليِّ الأمر، لأنَّ السِّتر على أمثال هؤلاء يُطْمِعهم في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات، أما المؤمنين، فإن الستر في حفهم واجب، وفيهم قال المولى تبارك وتعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النُّور: 19]، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
***
([1]) صحيح البخاري 4/189 ح3561، صحيح مسلم 4/1814 ح 2329.
([2]) صحيح البخاري 4/189 ح 3559، صحيح مسلم 4/1810 ح 2321.
([3]) سنن الترمذي 4/362 ح 2002.
([4]) المصدر السابق 3/458 ح 1162.
([5]) صحيح مسلم 4/2198 ح 2865.
([6]) صحيح مسلم 4/2001 ح 2588.
([8]) المعجم الأوسط 6/58 ح 5787.
([10]) سير أعلام النبلاء 10/16.
([11]) سنن الترمذي 4/654 ح 2488.
([14]) سنن الترمذي 4/347 ح 1970.
([15]) المصدر السابق 4/339 ح 1956.
([16]) صحيح البخاري 8/24 ح 6089، صحيح مسلم 4/1925ح 2475.
([17]) الادب المفرد ص 148 ح 410، مسند أحمد 13/247 ح 7857.
([19]) صحيح البخاري 8/7 ح 5997.
([20]) صحيح البخاري 9/115 ح 7376، صحيح مسلم 4/1809 ح 2319.واللفظ له.
([21]) صحيح البخاري 1/142 ح 703، صحيح مسلم 1/341 ح 467.
([22]) صحيح البخاري 1/143 ح 707.
([23]) صحيح البخاري 3/128 ح 2442، صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([24]) صحيح البخاري 2/71 ح 1240، صحيح مسلم 4/1704 ح 2162.
([25]) صحيح مسلم 4/1705 ح 2162.
([26]) صحيح البخاري 9/16 ح 2927.
([27]) صحيح مسلم 4/2003 ح 2593.
([28]) صحيح مسلم 4/2003 ح 2592.
([29]) صحيح البخاري 1/25 ح 69،صحيح مسلم 3/1359 ح 1734.
([30]) صحيح البخاري 8/30ح 6126، صحيح مسلم 4/1813 ح 2327.
([31]) سنن الترمذي 4/654 ح 2488.
([32]) صحيح البخاري 4/115 ح 3231.صحيح مسلم 3/1420 ح 17595.
([34]) صحيح البخاري 8/24 ح 6088، صحيح مسلم 2/730 ح 1057.
([35]) صحيح البخاري 8/20 ح 6069، صحيح مسلم 4/2291 ح 2990.
([36]) صحيح مسلم 3/128 ح 4242.
([37]) سنن أبي داود 7/242 ح 4881.
([38]) صحيح البخاري 8/167 ح 6824.صحيح مسلم 3/1320 ح 1694.