الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: القيمة الخامسة من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام: الاحسان إلى الجار: أوصى الإسلام بالإحسان إلى الجار، وحرم أذاه بالقول والفعل، وجعل منع الأذى عنه من خصال الإيمان، ونفى الإيمان عن من لا يأمنه جاره، وأخبر أن خير الجيران عند الله خيرهم لجاره، ومن أدلة الإحسان إلى الجار في الكتاب والسنّة: قول الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله e: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ([1]) . وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله e:: (يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك) ([2]) . وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي e قال:: (والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن) قيل من يا رسول الله؟ قال:: (الذي لا يأمن جاره بوائقه) ([3]) . وفي رواية لمسلم:: (لا يدخل الجنة من لا يأمن من جاره بوائقه) ([4]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e:: (يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) ([5]) . وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) ([6]) .وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: («مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ.») ([7]) . وأخرج مسلم عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أن النبي e قال:: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت) ([8]) . وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال:: (إلى أقربهما منك بابًا) ([9]) . وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله:e: (خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره) ([10]) .
والجار إذا كان مسلماً قريباً فله ثلاثة حقوق، حق الإسلام وحق الجوار وحق القرابة، وإذا كان مسلما وليس له قرابة فله حقان، حق الإسلام وحق الجوار، وإذا كان كافرا فله حق واحد وهو حق الجوار، ومن أهم حقوق الجار بدؤُهُ بالسلام والسؤال عن حاله ومعاونته عند الحاجة وعيادته إذا مرض وتعزيته وتهنئته وستره وغض البصر عن حريمه والتلطف مع أولاده وإرشادهم إلى الخير وأن ينصره إذا استنصره، وأن يعينه إذا استعانه، وأن لا يؤذيه بشيء، وخير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران خيرهم لجاره، ويعظم حق الجار إذا كان فقيرا أو مسكينا أو يتيما أو أرملة، والذي يؤذي جاره في النار لما أخرجه أحمد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا! قَالَ: ” هِيَ فِي النَّارِ ([11]) .
وإذا ابتلى المسلم بجار سوء فليصبر عليه، فقد أخرج الطبراني: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ: اطْرَحْ مَتَاعَكَ عَلَى الطَّرِيقِ فَطَرَحَهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ وَيَلْعَنُونَهُ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ قَالَ: «وَمَا لَقِيتَ مِنْهُمْ؟» قَالَ: يَلْعَنُونِي قَالَ: «قَدْ لَعَنَكَ اللهُ قَبْلَ النَّاسِ» قَالَ: فَإِنِّي لَا أَعُودُ فَجَاءَ الَّذِي شَكَاهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: «ارْفَعْ مَتَاعَكَ فَقَدْ كُفِيتَ») ([12]) .
وإذا كان الأذى بغير حق محرما، فإنّه في حق الجار أشد تحريمًا، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن مسعود عن النبي e أنه سأل: أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) ([13]) . وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله e:: (ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة فقال رسول الله e: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، قال: فما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرام حرمها الله ورسوله فهي حرام قال: لأن يسرق الرجل من عشر أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره) ([14]) . وقال المناوي: إسناده صحيح([15]) . وفي صحيح البخاري عن أبي شريح عن النبي e قال:: (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه) ([16]) . وأخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة أيضًا قال: قيل يا رسول الله إن فلانة تصلي بالليل وتصوم النهار وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة قال: لا خير فيها هي في النار، وقيل له: إن فلانة تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق، وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحدا قال: هي في الجنة) ([17]) .
وحد الجار قال الشافعي: وطائفة من السلف والعلماء: حد الجوار أربعون دارًا، مستدار أربعين دارًا من كل جانب، وفي مراسيل الزهري:: (أن رجلا أتى النبي e يشكو جارًا له، فأمر النبي e بعض أصحابه أن ينادي: ألا إن أربعين دارًا جار)، قال الزهري: أربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا، يعني ما بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله،([18]) . أخرج البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي e قال:: («لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ) ([19]) . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: واسم الجار يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق والصديق والعدو والغريب والبلدي والنافع والضار والقريب والأجنبي والأقرب دارا والأبعد وله مراتب بعضها أعلى من بعض فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك فيعطى كل حقه بحسب حاله وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي) أهـ([20]) .
وبعد فهذا ما يتعلق بالجار في زمان أُهمل فيه حق الجيران نسأل الله تعالى السلامة، اللهم إنا نسألك الإحسان إلى الجيران ونعوذ بك من الإساءة إلى أحد منهم، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([2]) صحيح مسلم 4/ 2025 ح 142، 143.
([3]) صحيح البخاري 8/10 ح 6016. صحيح مسلم 1/68 ح 46.
([5]) صحيح البخاري 8/10 ح 6017، صحيح مسلم 2/714 ح 1030.
([6]) صحيح البخاري 3/132 ح 2463، صحيح مسلم 3/1230 ح 1609.
([7]) صحيح البخاري 8/11 ح6018.
([9]) صحيح البخاري 3/88 ح 2259.
([10]) مسند أحمد 11/126 ح 6566. سنن الترمذي 4/333 ح 1944.
([11]) مسند أحمد 15/421 ح 9674، صحيح ابن حبان 5/318 ح 4465.
([12]) المعجم الكبير للطبراني22/134 ح 356
([13]) صحيح البخاري 8/164 ح 6811، صحيح مسلم 1/90 ح 86.
([14]) مسند أحمد 39/277 ح 23854، الادب المفرد للبخاري ص 50 ح 103.
([15]) التيسير بشرح الجامع الصغير2/288.