الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: القيمة السادسة: من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام: إكرام الضيف: إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام، وهو من جميل الخصال التي تحلَّى بها الأنبياء، واتصف بها الأجواد الكرماء، والعرب لم تكن تعدُّ الجودَ إلا قِرَى الضَّيف، وإطعام الطعام، ولا تعدُّ السَّخيَّ من لم يكن فيه ذلك، وقد جاء القرآن الكريم والسنّة النبوية المشرفة بما يدل على أنّ إكرام الضيف من أعظم قيم الإسلام الأخلاقية، وقد نفى النبي e الإيمان عن من لم يكرم ضيفه، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ([1]) . أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي شُرَيحٍ خُويْلد بن عمرو رضي الله عنه قال: أبصرت عيناي رسول الله e وسمعتْهُ أذناي حين تكلم به، قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفَهُ جائزتَهُ، قالوا: وما جائزتُه؟ قال: يومٌ وليلةٌ، والضيافة ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدَقةٌ عليه) ([2]) . وفي رواية أخرى لمسلم عن النبي e قال: (الضيافةُ ثلاثة أيام، وجائزتُه يوم وليلة، ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يُؤثمه قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمُهُ؟ قال: يقيم عنده ولا شيء له يقْرِيه به) ([3]) .وأخرج الشيخان البخاري ومسلم قول النبي e لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (إن لزَوْرِك عليك حقًّا) ([4]) . وأخرج الترمذي إقرار النبي e لسلمان الفارسي على قوله لأبي الدرداء: (إن لضيفك عليك حقًّا) والحديث بتمامه لفائدته، (آخَى رَسُولُ اللَّهِ e بَيْنَ سَلْمَانَ وَبَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ مُتَبَذِّلَةً؟ قَالَتْ: إِنَّ أَخَاكَ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيَقُومَ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ: نَمْ، فَنَامَ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ فَقَامَا فَصَلَّيَا، فَقَالَ: ” إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ” , فَأَتَيَا النَّبِيَّ e، فَذَكَرَا ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: صَدَقَ سَلْمَانُ) ([5]) . وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله e فقال: إني مجهودٌ، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءٌ. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهنَّ مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق. فقال: “من يُضيف هذا الليلة رَحمه الله” فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحْلِهِ فقال لامرأته: هل عندك شيءٌ؟ قالت: لا إلا قُوتُ صِبياني. قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فاطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السِّراج حتى تُطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف فلما أصبح غدا على النبي e فقال: قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة) ([6]). وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (خطب رسول الله e يوم تبوك فقال: ما من الناس مثل رجل آخذ بعنان فرسه، فيجاهد في سبيل الله، ويجتنب شرور الناس، ومثل رجل في غنمه يقري ضيفَهُ ويؤدِّي حقَّهُ) ([7]) . وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله e ذات يوم أو ليلةٍ فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: “ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا، فقاموا معه، فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأتهُ المرأة قالت: مرحبًا وأهلاً وسهلاً، فقال رسول الله e: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء. إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله e وصاحبيه، ثم قال: الحمدُ لله، ما أحدٌ اليوم أكرَمَ أضيافًا مني، قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بُسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المُدية، فقال له رسول الله e: “إياك والحَلُوب”، فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا) ([8]) .
إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام، وهو من جميل الخصال التي تحلَّى بها الأنبياء، لنا وقفة مع موقف الخليل إبراهيم عليه السلام مع أضيافه، قال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 25 إلى 28]، والمتدبر لموقف الخليل إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يجد أموراً ومواقف تدل على مبلغ الغاية في إكرام الضيوف، فالتعبير القرآني يأخذنا إلى بيان ذلك، تبدأ آيات سورة الذاريات بقوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ}، إذ هم محل إكرام وترحيب من أبي الأنبياء إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ثم قوله تعالى (إذ دخلوا عليه) فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أنه عليه الصلاة والسلام كان قد عرف بإكرام الضيفان، واعتياد قِراهم فبقي منزله مضيفة مطروقًا لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان، بل استئذان الداخل دخوله وهذا غاية ما يكون من الكرم، ثم قوله لهم (سلامٌ) بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب والسلام بالرفع أكمل، فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد، فإبراهيم حيَّاهم أحسن من تحيتهم، ثم إنّه لما أنكر هيئتهم ولم يعرف أنهم ملائكة ولم يعرف ماذا يريدون احتشم من مواجهتهم بلفظ مباشر ينفر الضيف فقال: (سلام قوم منكرون) على التنكير وليس التعريف ” بنى الفعل على نائب الفاعل وليس الفاعل ” ليكون ألين في الحديث معهم، ثم جاء التعبير القرآني العظيم: {فراغ إلى أهله}، والروغان: هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف، وهذا من كرم ربِّ المنزل المضيف أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام بخلاف من يسمع ضيفه، ويقول له أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه، ثم جاء التعبير القرآني العظيم: {فجاء بعجل سمين}، الفاء للتعقيب والسرعة، فلم يمهل الضيفان حتى أتاهم بالعجل، وكانوا ثلاثة كما جاء في التفسير، وكان يكفيهم قدر قليل من اللحم، ولكنه عليه السلام جاء بعجل كامل بالإضافة إلى أنه عجل سمين فدل ذلك على تمام الكرم، ثم جاء التعبير القرآني العظيم: {فقربه إليهم}، والفاء تدل على التعقيب والسرعة، والخدمة للضيوف كانت من المضيف نفسه وهذا من تمام إقراء الضيف، والعرب كانوا يرون خدمةُ الضيف بالنفس من تمام إقراء الضيف وكانوا يقولون: لا يَذِلُّ من خدَم أضيافه، وكان إكرام الضيف عندهم من أهم مبادئ الأخلاق القيم، ثم جاء الإسلام ليتمم مكارم هذه الأخلاق، قال رسول اللَّهِ e: (إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ) وكذلك فإن التقريب كان للطعام إليهم وليس العكس، لأنّ هذا ابلغ في إكرام الضيف، أن يجلس الضيف ثم يقرب الطعام إليه ويحمله إلى حضرته، ولا يضع الطعام في ناحية ثم يأمر الضيف بأن يتقرب إليه، ثم جاء التعبير القرآني العظيم: {ألا تأكلون}، وهذا عرض وتلطف في القول وهو أحسن من قوله: ” تفضلوا ” أو ” كلوا “، ثم لما رآهم لا يأكلون، (أوجس منهم خيفة) أي: أحسها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم، فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا: {لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}، فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب. إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام، وهو من جميل الخصال التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم، قال الإمام النووي – رحمه الله-:” الأحاديث متظاهرة على الأمر بالضيافة والاهتمام بها وعظيم موقعها وقد أجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام ” ([9]) . وإن من إكرام الضيف طيبُ الكلام، وطلاقة الوجه، والخدمةُ بالنفس فإنه لا يَذِلُّ من خدَم أضيافه، كما لا يعِزُّ من استخدمهم، أو طلب لِقرَاه أجرًا، والكرام يقبلون على ضيوفهم، ويرفعون من قدرهم، ويُعلون من منزلتهم، والتقربُ تجمُّلُ الحديث، والبسطُ، والتأنيسُ، والتلقّي بالبشر من حقوق القِرَى، ومن تمام الإكرام، وقد قالت العرب وقد عرف من أخلاقهم إكرام الضيف، قالوا: من تمام الضيافة الطلاقة عند أوَّلِ وهْلَةٍ، وإطالةُ الحديث عند المأكلة، وأن يقبل المضيف بوجهه على ضيفه وأن يلتمس راحته ورضاه، وقد قال حاتم الطائي: (سَلِي الجـائـعَ الغَرْشـان يا أُمَّ مُنـذرِ… إذا ما أتـاني بَين ناري ومجْـزري… هل أبسطُ لـه وجُهي إنـه أولُ القِرَى… وأبـذل معـروفـي له دُونَ مُنْكَري)، وقال آخر: (وإني لطلق الــوجـــه للمـبـتــغـي القِــرَى… وإن فـنـائـي للقِـــرى لَرَحـيـــبُ… أضــاحـك ضَيـفــي قـبـل إنـزال رَحْـــلهِ… فيخصـبُ عندي والمكانُ جديبُ… وما الخَصْبُ للأضياف أن يكثر القِـرَى… ولكنَّمـا وجُــهُ الكـريــم خصيـبُ)، وقال آخر: (يـا ضيفنا لـو زرتنا لوجدتنـا… نحن الضيوف وأنت رب المنزل)، ولنا في رسول الله e أعظم الأسوة، فقد كان رسول الله e أكرم الناس لضيوفه، وكان يعطي كل واحدٍ من ضيوفه نصيبَهُ، حتى لا يحسبُ ضيفُهُ أن أحدًا أكرمُ عليه منه، وقد نفى e الإيمان عن الذي لا يكرم ضيفه، فقال e: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) (اللهم ارزقنا الجود والكرم وإكرام الضيوف، اللهم إنا نسألك خلق إكرام الضيوف ونعوذ بك من التقصير في حق أحد منهم، اللهم إنا نعوذ بك من الشح والبخل واللؤم ودسائس الأخلاق، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([2]) صحيح البخاري 8/11 ح 6019، صحيح مسلم 3/1352 ح 48.
([3]) المصدر السابق 3/1353 ح 48.
([4]) صحيح البخاري 3/39 ح 1974، صحيح مسلم 2/813 ح 1159.
([5]) سنن الترمذي 4/608 ح 2413 [قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ]