الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فإنّ أهم المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية يشملها قول الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قرأ الحسن البصري: هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ثمَّ وقف فقال: إنَّ الله جمع لكم الخير كلَّه والشَّر كلَّه في آية واحدة، فو الله ما ترك العدل والإحْسَان شيئًا مِن طاعة الله عزَّ وجلَّ إلَّا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي مِن معصية الله شيئًا إلَّا جَمَعه) ([1]) .
إذن أهم المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية: تشملها هذه الآية وتتناول: أربعة مبادئ ربانية عظيمة: أولها العدل في كل أمر وثانيها: الإحسان في كل شيء، وثالثها إيتاء ذي القربى جميعهم حقوقهم، ورابعها النهي عن كل دسائس الأخلاق مما يدخل في عموم الفحشاء والمنكر والبغي، وفي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان المبدأ الأول من المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية: العدل: العَدل: إعطاء كل ذي حق حقه من غير إفراط أو تفريط، والعدل من أوجب الواجبات في التشريع الإسلامي، وهو فضيلةٌ أمر الله تعالى بها: قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وقال سبحانه: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ}، وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي، إني حرمت الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تَظالموا) ([2]) .
أي: لا يظلم بعضكم بعضاً، ومن أسمائه سبحانه (العدل)، و(العدل) هو الحكم العدل المنزه عن الجور والظلم، ولهذا ركز القرآن الكريم على هذه القضية بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]، وقوله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، سبحان الله الحكم العدل الذي لا يظلم أحداً، ومن أسمائه سبحانه (المقسط)، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]، و (قائماً بالقسط) أي حاكماً بالعدل، وقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]، و(نضع الموازين القسط) أي موازين العدل، و(المقسط) سبحانه هو الذي ينتصف للمظلوم من الظالم،، فإذا رجع الظالم عن ظلمه وتاب إلى الله أكرمه الله المقسط بأن يضيف إلى إرضاء المظلوم إرضاء الظالم وذلك غاية العدل والإنصاف، ولما كان الله تعالى هو (المقسط) فإنه يحب من عباده المقسطين الذين ينصفون الناس حتى من أنفسهم، قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم e: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} وقال تعالى مخاطباً جميع المؤمنين: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]، والله تعالى كما أنه عادل مقسط فهو قد أوجب العدل والقسط على عباده، وأعلى منزلة العادلين والمقسطين، فقال سبحانه {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (المائدة:42) (الأعراف: الآية29)، وقال e: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ، عِنْدَ اللَّهِ، عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ. عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عز وجل. وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ؛ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وما ولوا) ([3]) .
وكما بيَّن e منزلة العادلين، فهو e إمام أهل العدل والقسط، قد التزم العدل في نفسه وأهله والناس أجمعين، أما مع نفسه، فقد كان يعطي لنفسه حقها من العبادة، ومن الراحة، ومن الطعام والشراب والحاجة، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله e يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، ([4]) .
وأما مع أهله، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله يقسم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) يعني القلب([5]) .
لقد ضرب لنا الرسول الكريم أروع الأمثلة في كمال العدل، ومن ذلك: ورد (أنَّ رسول الله e عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزيَّة حليف بني عدي ابن النجار قال: وهو مستنتل من الصف، فطعن رسول الله e بالقدح في بطنه، وقال: استو يا سواد. فقال: يا رسول الله، أوجعتني، وقد بعثك الله بالعدل، فأقدني. قال: فقال له رسول الله e: استقد. قال: يا رسول الله، إنَّك طعنتني، وليس عليَّ قميص. قال: فكشف رسول الله e عن بطنه، وقال: استقد قال: فاعتنقه، وقبَّل بطنه، وقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله، حضرني ما ترى، ولم آمن القتل، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا رسول الله e له بخير) ([6]) . وعن عائشة زوج النبي e: (أنَّ قريشًا أهمَّهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي e في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلِّم فيها رسول الله e؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله e. فأتى بها رسول الله e، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول الله e، فقال: أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله e فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال أما بعد: فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني -والذي نفسي بيده- لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ([7]) . ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها، وضد العدل الظلم. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه المختص به، وما أكثر الآيات الواردة في ذم الظلم والظالمين كثيرة ومتنوعة فمنها: آيات وردت في تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم، قال تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ}[غافر: 31]، وقال:{وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]، وقال: {وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108]، وقال سبحانه: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}[النساء: 40]، وقال: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[يونس: 44]، ومنها آيات تتحدث عن إهلاك الله تعالى للظالمين، وتوعدهم بعقوبات في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]، وقوله تعالى: {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [سبأ: 42]، وقال الله تعالى:{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، وقال تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [الحج:71]، {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18]، {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر:24]،{إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21]، وقال: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]، ومنها آيات جاء فيها وصف المعاصي بالظلم: ومنها قوله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]، وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، ومن أحاديث النبي e في ذم الظلم وأهله،: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (قال الله تبارك وتعالى: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا)، وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله e قال (اتقوا الظلم. فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم. حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم”.) ([8]) . وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (إنَّ الله ليُملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102]) ([9]) .
ومن آثار الظلم وعواقبه: أن الظالم مصروف عن الهداية: قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]، وأن الظالم لا يفلح أبدًا: قال تعالى:{إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام:21]، وأن الظالم عليه اللعنة من الله: يقول الله عزَّ وجلَّ: {يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 52]، وأن الظالم يحرم من الشفاعة: قال تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، وأن الظالم تصيبه دعوة المظلوم ولا تخطئه: قال e: (واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، كما أن الظلم سبب للبلاء والعقاب: قال تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج:45]، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102]، وقال سبحانه:{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [الكهف: 59]، إذن الله تعالى هو الحكم العدل، ومن أهم المبادئ الأخلاقية السامية التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم خلق العدل، اللهم ارزقنا العدل وجنبنا الظلم والظالمين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([2]) صحيح مسلم 4/1994 ح 2577.
([3]) صحيح مسلم 3/1458 ح 1827.
([4]) صحيح البخاري 3/38 ح 1969.
([5]) سنن أبي داود 3/470 ح 2135، المستدرك للحاكم 2/204 ح 2761.
([7]) صحيح البخاري 4/175 ح3475.