الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإنّ أصول الأخلاق وردت القرآن الكريم متفرقة في السور والآيات، ولا تكاد تخلوا سورة، بل لا تكاد تخلو آية من آيات القرآن الكريم عن إرشاد أخلاقي، وذلك مصداقا لما أخبرت به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه عندما سئلت عن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ e، قَالَتْ أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ بَلَى، قَالَتْ فَإِنَّ خُلُقَ نبي اللَّهِ e كَانَ الْقُرْآنَ([1]) . وقد تجمعت بفضل الله تعالى ورحمته ومنته، آيات تخصصت في بيان الأخلاق القرآنية، وذلك في العديد من المواضع من القرآن الكريم، منها على سبيل المثال: سورة الحجرات وكانت تسمى سورة الأخلاق وسورة الآداب لما حوته من أصول الأخلاق مع الله تعالى ومع الرسول كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}، ومن أخلاق ربانية مع دين الله تعالى، كقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ومع المسلمين، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}، ومع الناس جميعا كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، وكذلك آيات عديدة من سورة الفرقان، وسورة المؤمنون، وسورة الانعام، وسورة الإسراء، وسورة آل عمران، وسورة الأحزاب، وسورة الرعد، وسورة الشورى، وسورة الضحى، وسورة العصر، فقد تناولت تلك السور أصول الأخلاق الربانية في القرآن الكريم، وفي هذه الحلقة أتناول: أصول الأخلاق القرآنية في آيات من سورة الحجرات، أقول وبالله التوفيق: سورة الحجرات تسمى سورة الآداب، وقد شملت ما ينبغي أن يتحلى به المؤمن من مكارم الأخلاق وفضائل العادات، في علاقته بربه ونبيه محمد e، ثم مع عامة المؤمنين في غيبتهم وحضورهم، ثم مع الناس جميعا من كافة الأعراق الأجناس، ومناسبة لما سبقها في السورة المتقدمة عليها (سورة الفتح)، أن الله سبحانه وتعالى لما وصف في سورة الفتح أصحاب محمد e بأنهم ” أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ” عقّب على ذلك في هذه السورة – الحجرات – بالصفات التي ينبغي أن يتحلى بها أصحاب محمد e، ليكونوا أهلاً لهذه الصحبة النبوية في الدنيا والآخرة، لقد خاطب البارئ عزّ وجل المؤمنين في هذه السورة خمس مرات بـقوله: {يا أيها الذين آمنوا}، في كل نداء من هذه النداءات توجيه إلى مكرمة خلق ينبغي التحلي به، وتبدأ السورة في بيان كيف تكون الأخلاق مع الله تعالى، وكيف يكون الأدب مع الله تعالى، ثم كيف يكون مع رسوله e، ثم كيف يكون الأدب مع المسلمين، من وجوب التثبت من الأخبار، {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}، ومن وجوب الإصلاح بين المؤمنين وأنهم أخوة في الدين، {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}، وقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} (الحجرات 10)، ثم حوت الأخلاق والآداب والنصائح التي تتعلق بالمجتمع المسلم: ومنها النهي عن السخرية واللمز والنبز، ومنها وجوب اجتناب الظن السيء واجتناب التجسس والغيبة النميمة في تعامله مع إخوته المؤمنين، ثم تناولت الأخلاق مع الناس جميعا، ودعت إلى التعارف بين الإنسانية وإعلاء ميزان التفاضل بين الناس، قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات 13)، ثم تناولت الأخلاق مع دين الله تعالى: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[سورة الحجرات، مدنية وآياتها ثمان عشرة آية، وهي على وجازتها سورة جليلة ضخمة، تتضمن حقائق التربية الخالدة، وأسس المدنية الفاضلة، حتى سماها بعض المفسرين سورة الأخلاق، ابتدأت السورة الكريمة بالأدب الرفيع الذي أدب الله به المؤمنين، تجاه شريعة الله وأمر رسوله، وهو ألا يبرموا أمرا، أو يبدوا رأيا، أو يقضوا حكما في حضرة الرسول e، حتى يستشيروه، ويستمسكوا بإرشاداته الحكيمة [يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم]، ثم انتقلت إلى أدب آخر وهو خفض الصوت إذا تحدثوا مع الرسول e تعظيما لقدره الشريف، واحتراما لمقامه السامي، فإنه ليس كعامة الناس بل هو رسول الله، ومن واجب المؤمنين أن يتأدبوا معه في الخطاب مع التوقير والتعظيم والإجلال [يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي..] الآيات، ومن الأدب الخاص إلى الأدب العام، تنتقل السورة لتقرير دعائم المجتمع الفاضل، فتأمر المؤمنين بعدم السماع للإشاعات، وتأمر بالتثبت من الأنباء والأخبار، لاسيما إن كان الخبر صادرا عن شخص غير عدل أو شخص متهم، فكم من كلمة نقلها فاجر فاسق، سببت كارثة من الكوارث، وكم من خبر لم يتثبت منه سامعه، جر وبالا، وأحدث انقساما [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..] الآيات، ودعت السورة إلى الإصلاح بين المتخاصمين، ودفع عدوان الباغين [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما..] الآيات، وحذرت السورة من السخرية والهمز واللمز، ونفرت من الغيبة والتجسس، والظن السيء بالمؤمنين، ودعت إلى مكارم الأخلاق، والفضائل الاجتماعية، وحين حذرت من الغيبة جاء النهي في تعبير رائع عجيب، أبدعه القرآن غاية الإبداع، صورة رجل يجلس إلى جنب أخ له ميت ينهش منه ويأكل لحمه [ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه] الآية ويا له من تنفير عجيب إ! وختمت السورة بالحديث عن الأعراب الذين ظنوا الايمان كلمة تقال باللسان، وجاءوا يمنون على الرسول إيمانهم، وقد وضحت حقيقة الإيمان، وحقيقة الإسلام، وشروط المؤمن الكامل، وهو الذي جمع الإيمان، والإخلاص والجهاد، والعمل الصالح [إنما المؤمنون الذي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون..] إلى آخر السورة الكريمة.
[يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله] أي يا أيها المؤمنون، يا من اتصفتم بالإيمان، وصدقتم بكتاب الله، لا تقدموا أمرا أو فعلا بين يدي الله ورسوله، وحذف المفعول للتعميم ليذهب ذهن السامع إلى كل ما يمكن تقديمه من قول أو فعل، أي لا تبرموا أمرا، ولا تبدوا رأيا، ولا تقضوا حكما في حضرة النبي e مثله إذا عرضت مسألة في مجلسه e لا يسبقونه بالجواب، وإذا حضر الطعام لا يبتدئون بالأكل، وإذا ذهبوا معه إلى مكان، لا يمشون أمامه ونحو ذلك، قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه e وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم([2]) . وقال البيضاوي: المعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكم الله ورسوله به، ([3]) .
وقيل: المراد بين يدي رسول الله e وذكر اسم الله تعظيما له وإشعارا بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله، [واتقوا الله إن الله سميع عليم] أي واتقوا الله فيما أمركم به، إن الله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأحوالكم، وإظهار الاسم الجليل، لتربية المهابة والروعة في النفس..
ثم أرشد تعالى المؤمنين إلى وجوب توقير الرسول e، واجلاله واحترامه فقال سبحانه: [يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي] e أي إذا كلمتم رسول الله e فاخفضوا أصواتكم، ولا ترفعوها على صوت النبي، [ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض] أي ولا تبلغوا حد الجهر عند مخاطبته e، كما يجهر بعضكم في الحديث مع البعض، ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا فتقولوا: يا محمد، ولكن قولوا يا نبي الله، ويا رسول الله، تعظيما لقدره، ومراعاة للأدب، روى البخاري عن ابن أبى مليكة أنه قال: (كاد الخيران – أبا بكير، وعمر – أن يهلكا، رفعا أصواتهما عند النبي e حين قدم عليه ركب (بني تميم) فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس، وأشار الآخر برجل غيره، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي – أي مخالفة رأي – فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله [لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي] الآية، قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله e بعد هذه الآية حتى يستفهمه([4]) . قال المفسرون: نزلت في بعض الأعراب الجفاة الذين كانوا ينادون رسول الله باسمه، ولا يعرفون توقير الرسول الكريم،.[أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون] أي خشية أن تبطل أعمالكم من حيث لا تشعرون ولا تدرون!! فإن رفع الصوت والجهر بالكلام قي حضرته e استخفاف قد يودي إلى الكفر المحبط للعمل، قال ابن كثير: روي أن ثابت بن قيس كان رفيع الصوت، فلما نزلت الآية قال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله e، أنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهله حزينا، فافتقده رسول الله e، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقدك رسول الله e، ما لك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي e، حبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي e فأخبروه بما قال، فقال النبي e: لا بل هو من أهل الجنة وفي رواية أترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله تعالى ورسوله e ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله e،([5]) .
[إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى] أي إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة الرسول e، أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى، ومرنها عليها وجعلها صفة راسخة فيها، قال ابن كثير: أي أخلصها للتقوى وجعلها أهلا ومحلا له، [لهم مغفرة وأجر عظيم] أي لهم في الآخرة صفح عن ذنوبهم، ثواب عظيم في جنات النعيم، [إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ]: (سبب النزول): ذكر المفسرون أن بعض الأعراب الجفاة جاءوا إلى حجرات أزواج النبي e فجعلوا ينادونه: يا محمد أخرج إلينا، يا محمد أخرج إلينا فأنزل الله [إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون] ([6]) .
ذم الله تعالى الأعراب الجفاة الذين ما كانوا يتأدبون في ندائهم للرسول e فقال: [إن الذين ينادونك من وراء الحجرات] أي يدعونك من وراء الحجرات، منازل أزواجك الطاهرات، [أكثرهم لا يعقلون] أي أكثر هؤلاء غير عقلاء، إذ العقل يقتضي حسن الأدب، ومراعاة العظماء عند خطابهم، سيما لمن كان بهذا المنصب الخطير، قال البيضاوي: قيل إن الذي ناداه ” عيينة بن حصين ” والأقرع بن حابى ” وفدا على رسول الله e في سبعين رجلا من بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد، فقالا: يا محمد أخرج إلينا، [ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم] أي ولو أن هؤلاء المنادين، لم يزعجوا الرسول e بمناداتهم، وصبروا حتى يخرج إليهم لكان ذلك الصبر خيرا لهم وأفضل، عند الله وعند الناس، لما فيه من مراعاة الأدب في مقام النبوة، [والله غفور رحيم] أي الغفور لذنوب العباد، الرحيم بالمؤمنين حيث اقتصر على نصحهم وتقريعهم، ولم ينزل العقاب بهم.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] (سبب النزول): ذكر المفسرون أن النبي e بعث (الوليد بن عقبة) إلى الحارث بن ضرار ليقبض ما كان عنده من الزكاة التي جمعها من قومه، فلما سار الوليد واقترب منهم، خاف وفزع، فرجع إلى رسول الله e وقال يا وسول الله: إنهم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فهم بعض الصحابة بالخروج إليهم وقتالهم، فأنزل الله [يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..] الآية ([7]) .حذر تعالى من الاستماع للأخبار بغير تثبت، فقال سبحانه: [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ] أي إذا أتاكم رجل فاسق – غير موثوق بصدقه وعدالته – بخبر من الأخبار [فتبينوا] أي فتثبتوا من صحة الخبر، [أن تصيبوا قوما بجهالة] أي لئلا تصيبوا قوما وأنتم جاهلون حقيقة الأمر، [فتصبحوا على ما فعلتم نادمين] أي فتصيروا نادمين أشد الندم على صنيعكم، [واعلموا أن فيكم رسول الله] أي واعلموا – أيها المؤمنون – أن بينكم الرسول المعظم، والنبي المكرم، المعصوم عن اتباع الهوى، [لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم] أي لو يسمع وشاياتكم، ويصغي لإرادتكم، ويطيعكم في غالب ما تشيرون عليه في الأمور، لوقعتم في الجهد والهلاك، قال ابن كثير: أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله، فعظموه ووقروه، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ولو أطاعكم في جميع ما تختارونه، لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم، [ولكن الله حبب إليكم الإيمان] أي ولكنه تعالى – بمنه وفضله – نور بصائركم فحبب إلى نفوسكم الإيمان، [وزينه في قلوبكم] أي وحسنه في قلوبكم، حتى أصبح أغلى عندكم من كل شيء، [وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان] أي ويغض إلى نفوسكم أنواع الضلال، من الكفر، والمعاصي، والخروج عن طاعة الله، والمراد بالفسوق الذنوب الكبار، وبالعصيان جميع المعاصي، [أولئك هم الراشدون] أي أولئك المتصفون بالنعوت الجليلة هم المهتدون، الراشدون في سيرتهم وسلوكهم، والجملة تفيد الحصر أي هم الراشدون لا غيرهم، [فضلا من الله ونعمة] أي هذا العطاء تفضل منه تعالى عليكم وإنعام، [والله عليم حكيم] أي عليم بمن يستحق الهداية، حكيم في خلقه وصنعه وتدبيره، [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]، (سبب النزول): ذكر المفسرون عن أنس رضي الله عنه قال: قيل للنبي e لو أتيت ” عبد الله بن ابى ” – وهو رأس المنافقين – فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي e قال له: إليك عني – أي تنح وابتعد عني – فو الله لقد أذاني نتن حمارك، فقال رجل من الانصار: والله لحمار رسول الله e أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب للأنصاري آخرون من قومه، فكان بينهم ضرب بالجريد، والأيدي والنعال، فأنزل الله [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما..] الآية، ([8]) . [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما] أي وإن حدث أن فئتين وجماعتين من إخوانكم المؤمنين جنحوا إلى القتال فأصلحوا بينهما، واسعوا جهدكم للإصلاح بينهما، [فإن بغت إحداهما على الأخرى] أي فإن اعتدت إحداهما على الأخرى، وتجاوزت حدها بالظلم والطغيان، ولم تقبل الصلح، وصممت على البغي، [فقاتلوا التى تبغي حتى تفيء إلى أمر الله] أي فقاتلوا الفئة الباغية، حتى ترجع إلى حكم الله وشرعه، وتقلع عن البغي والعدوان، وتعمل بمقتض اخوة الإسلام، [فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا] أي فإن رجعت وكفت عن القتال، فأصلحوا بينهما بالعدل، دون حيف على إحدى الفئتين، واعدلوا في جميع أموركم، [إن الله يحب المقسطين] أي يحب العادلين الذين لا يجورون في أحكامهم، قال البيضاوى: والآية نزلت في قتال حدث بين ” الأوس ” و” الخزرج ” في عهده e كان فيه ضرب بالسعف والنعال([9]) .وهي تدل على أن الباغي مؤمن، وأنه إذا كف عن الحرب ترك، وأنه يجب تقديم النصح والسعي في المصالحة، [إنما المؤمنون إخوة] أي ليس المؤمنون إلا إخوة، جمعتهم رابطة الإيمان، فلا ينبغي أن تكون بينهم عداوة ولا شحناء، ولا تباغض ولا تقاتل، قال المفسرون: [إنما] للحصر فكأنه يقول: لا أخوة إلا بين المؤمنين، ولا أخوة بين مؤمن وكافر، وفي الآية إشارة إلى أن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب، بحيث لا تعتبر أخوة النسب، إذا خلت عن أخوة الإسلام، [فأصلحوا بين أخويكم] أي فأصلحوا بين إخوانكم المؤمنين، ولا تتركوا الفرقة تدب، والبغضاء تعمل عملها، [واتقوا الله لعلكم ترحمون] أي اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لتنالكم رحمته، وتسعدوا بجنته ومرضاته، [يا أيها الذين أمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم] أي يا معشر المؤمنين، يا من اتصفتم بالإيمان، ومذقتم بكتاب الله وبرسوله e لا يهزأ جماعة بجماعة، ولا يسخر أحد من أحد، فقد يكون المستهزئ منه، خيرا عند الله من الساخر (رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره) ([10]) .
[ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن] أي ولا يسخر نساء من نساء، فعسى أن تكون المحتقر منها، خيرا عند الله وأفضل من الساخرة، [ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب] أي ولا يعب بعضكم بعضا، ولا يذكر أو ينادي بعضكم بعضا بلقب السوء، وإنما قال: [أنفسكم] لأن المسلمين كأنهم نفس واحدة، [بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان] أي بئس أن يسمى الإنسان فاسقا بعد أن صار مؤمن، قال البيضاوى: وفي الآية دلالة على أن التنابز فسق، والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح، [ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون] أي ومن لم يتب عن اللمز والتنابز، فأولئك هم الظالمون بتعريض أنفسهم للعذاب، [يا أيها الذين أمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن] أي ابتعدوا عن التهمة والتخون، واساءة الظن بالأهل والناس، وعبر بالكثير ليحتاط الإنسان في كل ظن، ولا يسارع فيه بل يتأمل ويتحقق، [إن بعض الظن إثم] أي إن في بعض الظن إثم وذنب، يستحق صاحبه العقوبة عليه، قال عمر رضي الله عنه: ” لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا، ولا تعتقدن بها شرا، وأنت تجد لها في الخير حملا “([11]) .
[ولا تجسسوا] أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين، ولا تتبعوا معايبهم (وفي الحديث: ” يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته ” ([12]) .
[ولا يغتب بعضكم بعضا] أي لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته بما يكرهه، [أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا] تمثيل لشناعة الغيبة وقبحها بما لا مزيد عليه من التقبيح أي هل يحب الواحد منكم، أن يأكل لحم أخيه المسلم وهو ميت؟ [فكرهتموه] أي فكما تكرهون هذا طبعا، فاكرهوا الغيبة شرعا، فإن عقوبتها أشد من هذا.. شبه تعالى الغيبة بأكل لحم الأخ حال كونه ميتا، ثم إذا كان الإنسان يكره لحم الإنسان – فضلا عن كونه أخا، وفضلا عن كونه ميتا – وجب عليه أن يكره الغيبة بمثل هذه الكراهة أو أشد [واتقوا الله] أي خافوا الله واحذروا عقابه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، [إن الله تواب رحيم] أي إنه تعالى كثير التوبة، عظيم الرحمة، لمن اتقى الله وتاب وأناب، وفي الآية حث على التوبة، وترغي بالمسارعة إلى الندم، والاعتراف بالخطأ لئلا يقنط الإنسان من رحمة الله تعالى، [يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى] الخطاب لجميع البشر أي نحن بقدرتنا خلقناكم من أصل! واحد، وأوجدناكم من أب وأم، فلا تفاخر بالآباء والأجداد، ولا اعتداد بالحسب والنسب، كلكم لآدم وآدم من تراب، [وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا] أي وجعلناكم شعوبا شتى وقبائل متعددة، ليحصل بينكم التعارف والتآلف، لا التناحر والتخالف، قال مجاهد: ليعرف الإنسان نسبه فيقال فلان بن فلان من قبيلة كذا، وأصل تعارفوا تتعارفوا حذفت إحدى التاءين تخفيفا، قال شيخ زاده: والمعنى إن الحكمة التي من أجلها جعلكم على شعوب وقبائل؟ هي أن يعرف بعضكم نسب بعض ولا ينسبه إلى غير آبائه، لا أن تتفاخر بالآباء والأجداد، والنسب وإن كان يعتبر عرفا وشرعا، حتى لا تزوج الشريفة بالنبطي، إلا إنه لا عبرة به عند ظهور ما هو أعظم قدرا منه وأعز، وهو (الإيمان والتقوى)، كما لا تظهر الكواكب عند طلوع الشمس، [إن أكرمكم عند الله أتقاكم] أي إنما يتفاضل الناس بالتقوى لا بالأحساب والأنساب، فمن أراد شرفا في الدنيا ومنزلة في الآخرة، فليتق الله تعالى كما قال e: (من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله) ([13]) . وفي الحديث: ” الناس رجلان: رجل بر تقى كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى،([14]) .
[إن الله عليم خبير] أي عليم بالعباد، مطلع على ظواهرهم وبواطنهم، يعلم التقي والشقي، والصالح والطالح [فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى]، [قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (سبب النزول): ذكر المفسرون عن ابن عباس قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله e، فقالوا يا رسول الله: أسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، واخذوا يمنون عليه فنزلت الآية الكريمة [يمنون عليك أن أسلموا]، ([15]) .
[قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا] أي زعم الأعراب أنهم آمنوا قل لهم يا محمد: إنكم لم تؤمنوا بعد، لأن الإيمان تصديق مع ثقة واطمئنان قلب، ولم يحصل لكم، وإلا لما مننتم على الرسول بالإسلام، وترك المقاتلة، ولكن قولوا: استسلمنا خوف القتل والسبي، قال المفسرون: نزلت في نفر من بني أسد، قدموا المدينة في سنة مجدبة، وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله e أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وفلان، يريدون الصدقة، ويمتون على الرسول، وقد دلت الآية على أن الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام، الذي هو الاستسلام والانقباد بالظاهر، ولهذا قال تعالى: [ولما يدخل الإيمان في قلوبكم] أي ولم يدخل الإيمان إلى قلوبكم، ولم تصلوا إلى حقيقته بعد، ولفظة ” لما ” تفيد التوقع، كأنه يقول: وسيحصل لكم الإيمان عند اطلاعكم على محاسن الإسلام، وتذوقكم لحلاوة الإيمان، قال ابن كثير: وهؤلاء الأعراب المذكورون في هذه الآية ليسوا منافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك، ولو كانوا منافقين – كما ذهب إليه البخاري – لعنفوا وفضحوا، [وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا] أي وإن أطعتم الله ورسوله بالإخلاص الصادق، والإيمان الكامل، وعدم المن على الرسول e، لا ينقصكم من أجوركم شيئا، [إن الله غفور رحيم] أي عظيم المغفرة، واسع الرحمة، لأن صيغة ” فعول ” و” فعيل ” تفيد المبالغة.. ثم ذكر تعالى صفات المؤمنين الكمل، الصادقين في إيمانهم، فقال سبحانه: [إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله] أي إنما المؤمنون الصادقون في دعوى الإيمان، الذين صدقوا الله ورسوله، فأقروا لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، عن يقين راسخ، وإيمان كامل، [ثم لم يرتابوا] أي ثم لم يشتبهوا ويتزلزلوا في إيمانهم، بل ثبتوا على التصديق واليقين [وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله] أي وبذلوا أموالهم ومهجهم في سبيل الله، وابتغاء رضوانه، [أولئك هم الصادقون] أي أولئك الذين صدقوا في ادعاء الإيمان.. وصف تعالى المؤمنين الكاملين بثلاثة أوصاف: الأول: التصديق الجازم بالله ورسوله الثاني: عدم الشك والارتياب الثالث: الجهاد بالمال والنفس، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المؤمن الصادق، [قل أتعلمون الله بدينكم] الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي قل لهم يا محمد: أتخبرون الله بما في ضمائركم وقلوبكم؟ [والله يعلم ما في السموات وما في الأرض] أي وهو جل وعلا، العليم بأحوال جميع العباد، لا تخفى عليه خافية لا في السموات ولا في الأرض، [والله بكل شيء عليم] أي واسع العلم رقيب على كل إنسان، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الكون، [يمنون عليك أن أسلموا] أي يعدون إسلامهم عليك يا محمد منة، يستوجبون عليها الحمد والثناء، [قل لا تمنوا على إسلامكم] أي قل لهم: لا تمتنوا على بإسلامكم، فإن نفع ذلك عائد عليكم، [بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين] أي بل لله المنة العظمى عليكم، بالهداية للأيمان والتثبيت عليه، إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان، [أن الله يعلم غيب السموات والأرض] أي يعلم ما غاب عن الأبصار في السموات والارض، [والله بصير بما تعملون] أي مطلع على أعمال العباد، لا تخفى عليه خافية.. كرر تعالى الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وإحاطته بجميع المخلوقات، ليدل على سعة علمه، وشموله لكل صغيرة وكبيرة، في السر والعلن، والظاهر والباطن.
[خلاصة الأخلاق والآداب المستفادة من سورة (الأخلاق والآداب) سورة الحجرات]: قد جاء في هذه السورة الكريمة النداء بوصف الإيمان خمس مرات، وفي كل مرة إرشاد إلى مكرمة من المكارم، وفضيلة من الفضائل، وهذه الآداب الرفيعة نستعرضها في فقرات: أولا: وجوب الطاعة والانقياد لأوامر الله ورسوله، وعدم التقدم عليه بقول أو رأي [يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله]، ثانيا: احترام الرسول وتعظيم شأنه [يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي]، ثالثا: وجوب التثبت من الأخبار [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..]، رابعا: النهي عن السخرية بالناس [يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم]، خامسا: النهى عن التجسس والغيبة وسوء الظن [يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن]، وكانت تسمى سورة الأخلاق وسورة الآداب لما حوته من أصول الأخلاق مع الله تعالى ومع الرسول كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}، ومن أخلاق ربانية مع دين الله تعالى، كقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ومع المسلمين، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}، ومع الناس جميعا كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([4]) صحيح البخاري 6/137 ح 4845.
([10]) صحيح مسلم 4/2191 ح 2854.
([12]) مسند أحمد 33/40 ح 19801، سنن أبي داود 7/241 ح 4879.
([13]) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا 18/5.