الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الخامس من أخلاق المسلم مع الله: الإحسان في عبادة الله: والإحْسَان في اللغة ضِدُّ الإساءة، وأحسن أي جاء بفعل حسن، ومعنى الإحْسَان اصطلاحًا: الإحسان في عبادة الخالق: بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه، وخلق الإحسان هو الجِدُّ في القيام بحقوق الله على وجه الإتقان والكمال والتمام، إذن خلق الإحسان هو من أجل وأعلى أخلاق المسلم مع الله عز وجل، ويتمثل في إحسـان أعمال القلب، وإحسـان أعمال اللسان، وإحسـان أعمـال الجـوارح، والحرص على التقرب إلى الله بكل فضيلة حتى يُنعم الله تعالى عليه بأخلاق المحسنين، ومن تحقق بهذه الأخلاق فقد حاز محبة الله ومعية الله، قال تعالى:{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة البقرة: 195]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [سورة النحل: 128]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[سورة العنكبوت: 69]، والإحسان أعظم الأخلاق مع الله، وقد جعله شرع الإسلام أعلى مراتب الدين، لقـوله تعـالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}[فاطر: 32] ويسميها العلماء كذلك مرتبة المقربين لقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ *أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}[الواقعة: 10 – 12]، وهي مرتبة المشاهدة واليقين في الله، لما جاء في حديث جبريل عليه السلام في صحيح مسلم، (فأخبرني عن الإحسان؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فأول الإحسان المراقبة لقوله e (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ويرتقى المحسن في منازل المراقبة حتى يبلغ مرتبة المشاهدة وهي كما قال e (أن تعبد الله كأنك تراه)، ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الدين، وهي مرتبة الصديقين والسابقين والمقربين والمسارعين إلى عمل الخيرات والمتنافسين في القرب من رب العباد ونيل رضوانه. وهي مرتبة العارفين بالله السالكين طريقه الخائفين من مقامه وعذابه والطامعين في رضوانه والراجين لرحمته. وهي مرتبة القوامين بالليل الصوامين بالنهار المجاهدين في سبيل الله لا تأخذهم فيه لومة لائم. وهي مرتبة الدعاة إلى الله السالكين نهج النبي e الحاملين دعوته إلى الناس جميعاً. وهي مرتبة أئمة العلماء العاملين وأئمة المحتسبين والمجاهدين وجميع المسارعين في الخيرات المتنافسين في مرضاة الرحمن، وحدود مرتبة الإحسان: مرتبة الإحسان هي مرتبة الإيمان الكامل المستحب الجامع لكافة شعب الإيمان بأصله وفرعه، وعلى ذلك فالإحسان إتمام الإيمان الواجب ثم الزيادة عليه بأداء النوافل والسنن والمندوبات والتنـزه عن المكروهات والشبهات وهو إحسان الاعتقاد والعمل وتصويبه وإخلاصه وإتقانه ابتغاء مرضاة الله.
ولمرتبة الإحسان درجات عظيمة متفاوتة تبدأ بالمراقبة وهي تُعلم من قوله e (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ويندرج المحسن في منازلها حتى يبلغ مرتبة المشاهدة وهي كما قال e (أن تعبد الله كأنك تراه). فالمراقبة تكون بمراقبة الله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة مع اليقين الدائم بأن الله يراك في كل حين فتحسن العمـل وتخلصـه وتتقنـه لله. ويدرج المحسن بعد ذلك في منازل الإحسان عن طريق إتقان مقامات القلوب من التوبة والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا وإحسان أعمال القلوب من التقوى والمحبة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والصبر والشكر والتقوى. وعن طريق العبادات والقربات والطاعات من الصلاة والصيام والصدقة والإنفاق والقيام وتلاوة القرآن، وعن طريق التنـزه عن المكروهات فضلاً عن المحرمات، واتقاء الشبهات واجتناب الصغائر فضلاً عن الموبقات، فبإحسـان أعمال القلب، وبإحسـان أعمال اللسان، وبإحسـان أعمـال الجـوارح لا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يُنعم عليه بالصعود في منازل الإحسان وأعلى تلك المنازل منزلة المشاهدة وهي (أن تعبد الله كأنك تراه)، وهذه منزلة أهل اليقين بالله.
[مراتب اليقين ثلاثة]: (علم اليقين) و(عين اليقين) و(حق اليقين) وهذه المراتب ذُكرت في القرآن الكريم، قال تعالى – في سورة التكاثر -: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}، فها هنا (علم اليقين) و(عين اليقين)، وأشار القرآن الكريم إلى (حق اليقين) في سورة الواقعة، فقال تعالى: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ}، وفي سورة الحاقة فقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}، (علم اليقين) هو الخبر الموثوق، ثم (عين اليقين) المشاهدة العيانية للحدث، ثم (حق اليقين) وهي أن تعيش الحدث بنفسك وتتلمس تفاصيله بشكلٍ مباشر، فاليقين على ثلاث مراتب بعضها فوق بعض، فأدنى مراتب اليقين هي: (علم اليقين)، وفوقه (عين اليقين)، وأعلى المراتب هي: (حق اليقين)، فعلم اليقين: هو التصديق الكامل الجازم الذي لا تردد فيه، بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة، ولا ريب بحالٍ من الأحوال، فإذا زاد اليقين، يصير بمنزلة المُشَاهِد له فلا يشك فيه أبداً، وذلك كعلمنا بالجنة: بوجودها ونعيمها كما أخبرنا الله عز وجل، فنعلم أنها دار المتقين، ومقر المؤمنين، فهذه مرتبة علم اليقين، ثم إذا كان اليوم الآخر، ورأينا الجنة بأعيننا، فإن هذه المرتبة هي مرتبة عين اليقين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وتمتعوا بنعيمها، فهذه: مرتبة حق اليقين: حين يكون أهل الجنة في وسطها، فهم في هذا الحال قد بلغوا مرتبة حق اليقين، (فائدة): الفرق بين (علم اليقين) وبين (عين اليقين) هو الفرق بين العلم بالشيء وبين المشاهدة لهذا الشيء، والمشاهدة أقوى، ولذلك لا يجزئ المسلم في شهادة التوحيد أن يقول (أعلم أنه لا إله إلا الله) فإن الشهادة أقوى وأعظم وأعلى مرتبة من العلم، (أشهد أن لا إله إلا الله) أي أرى وأعلم و أجزم وأوقن أنه لا إله إلا الله، ومنه قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، ولهذا قال النبي e: {لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ} ([1]) .(فائدة أخرى): إبراهيم الخليل عليه السلام طلب من الله تعالى مقام المشاهدة (عين اليقين)، أراد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، فيرى ذلك بأم عينه، لينضم إلى المعرفة الإيمانية المجردة المعرفة اليقينية المشاهدة، كما جاء في سورة البقرة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260]، فأخذ أربعة أنواع من الطير فذبحهن وقطعهن، وفرق أجزاءها على الجبال ثم دعاهن فأحياهن الله تعالى وأتينه سعيا، فحصل على عين اليقين، وأما خير خلق الله كلهم، النبي صلى الله عليه فقد بلغ أعلى درجات اليقين (حق اليقين)، لأنّه e في معجزة المعراج رأى بعينه الجنَّة والنَّار، ورأى بعض أهلها فحصل له حقُّ اليقين، إذن: مقام (علم اليقين) هو مقام عموم أهل الإسلام، ومقام (عين اليقين) هو مقام أهل الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه).
وأهل الإحسان هم أهل المشاهدة (عين اليقين بالله تعالى)، اقترب عندهم علم اليقين في الله تعالى من عين اليقين ففتح الله تعالى عليهم من أنواع القربى والمعرفة وأعمال القلوب ما شاء، ومهما وصل العبد في القربى من الله، وفي المعرفة والعلم وفي العبادة والطاعة ففيه تقصير، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابين. وأهل مرتبة الإحسان السابقون بالخيرات، قد يُقصّر أحدهم في أوراده العبادية أو العلمية أو العملية فيكون ذلك في حقهم تقصير، وكما قيل(حسنات الأبرار سيئات المقربين)، وقد يكون منهم اللمم الذي وعدهم الله عليه المغفرة بقوله: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32]، ولهم في رسول الله e أعظم الأسوة والقدوة، فقد كان e يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، وفي اليوم والليلة أكثر من مائة مرة. وحاشى لله أن يكون لرسول الله e أكمل الخلق ذنب لله رب العالمين. حاشى لله أن يكون له ذنوب وخطايا من جنس ذنوبنا وخطايانا، بل هو من باب فضل الله العظيم على الرسول e وطاقة البشر المحدودة فيكون الاستغفار بموجب عظم النعمة التي منَّ الله تعالى بها على رسوله e، على أن الرسول e لم يأل جهداً في عبادة الله فهو أعبد الناس وأشكرهم وأحمدهم لله رب العالمين، ولذلك كانت المغفرة من الله تعالى له لكون ذلك الشكر خارج عن مقدور الخلق وجهدهم فمن من الخلق يستطيع القيام بحق الربوبية والألوهية وشكر الذات والأسماء والصفات والأفعال وهذه لا يقدرها قدرها إلاّ الله جل وعلا فهي فوق طاقة الخلق إلاّ أن أعظمهم شكراً لتلك الحقوق هو النبي e، وقد كان استغفاره e لعلمه بأن القيام بشكر الذات والأسماء والصفات والأفعال والقيام بحق الربوبية والألوهية هو فوق مقدور الخلق، وقد كان e أعلم الناس بربه جل وعلا صلى الله وسلم عليه وآله وصحبه أجمعين صلاة وتسليماً دائمين مضاعفين متناميين إلى يوم الديــن.
والإحسان من أعلى مقامات الدين، وأجر المحسنين عظيم، للمحسنين محبة الله: قال تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، ورحمة الله قريب من المحسنين: قال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، والله تعالى وعد المحسنين بالزيادة، قال تعالى: {سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}، ومعيه الله تعالى لعباده المحسنين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، و قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وقال في حق أنبيائه عليهم السلام: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}، وقال في حق يوسف عليه السلام: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}، وقال في حق موسى عليه السلام:
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}، وقال في حق نبيه المصطفى: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وخاطبه سبحانه بقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، وقال في حق المتقين من اوليائه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *}، وقال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ}، وقال تعالى – في بيان فضل الإحسان: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}، وقال تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، وقال تعالى – في صفات المحسنين: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ}.
وطالب الإحسان لابد له من زاد على طريق الإحسان، وأهم ذلك الزاد العلم الشرعي الصحيح، والآداب العالية، والتربية الحميدة، (أ) العلم الشرعي الصحيح: قال الله تعالى: {إنَّما يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [فاطر: 28]، وقال تعالى: {هل يستوي الذين يعلمونَ والذين لا يعلمونَ} [الزمر: 9]، وقال تعالى: {يَرفعِ اللهُ الذين آمنوا مِنكم والذينَ أوتوا العلمَ درجاتٍ}[المجادلة: 11]، وقال النبي e: (مَنْ سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لَتَضَعُ أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) ([2]) . إن المسلم السائر في طريق الإحسان، لا بد قبل ذلك أن يكون قد صحح إيمانه، وقام بجميع عباداته المفروضة واستقام في معاملاته، ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم الصحيح، (ب) الآداب الربانية، فقد اتفق المربون الربانيون على أن من لا أدبَ له لا سيرَ له في طريق الإحسان، ومن لا سيرَ له لا وصولَ له إلى مرتبة المشاهدة، وأن صاحب الأدب يَبلغ في قليل من الزمن مبلغَ الرجال، وأهم الأدب أدب المسلم مع الله، وهو أساس الأدب ورأسه، فأول آداب المسلم مع الله تعالى: توحيده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته لخلقه وإفراده بجميع انواع الطاعة , والإتيان بروح التوحيد , وهو التوكل على الله حق التوكل, وثاني تلك الآداب: اداء ما أوجب الله على عبده من جميع انواع العبادة، واجتناب جميع المعاصي، وثالثها: مراقبة الله في السر كما يراقبه في العلن، ثم الأدب مع رسول الله e، ويتضمن تقديم محبته e على محبة النفس وكل الناس، والصلاة والسلام عليه كل وقت e، وتعظيمه إذا ذكر أو ذكرت سنته e، ثم الأدب مع العلماء والصالحين، ثم الأدب مع الوالدين وذوي القربى والفضل وجميع الناس.
والإحسان من أعلى مقامات الدين، وطالب الإحسان لابد له من المجاهدة في ذات الله تعالى للنفس والشيطان والدنيا والهوى، و(المجاهدة): استفراغ الوسع في مدافعة الأعداء، والأعداء كثيرون منهم الظاهر ومنهم الباطن، وأشدهم خطراً أقربهم إليك وألصقهم بك: أربعة هم: النفس والشيطان والدنيا والهوى ثم العدو الظاهر كالكافر والمنافق والمبتدع والعاصي، وجميع الأعداء وجب جهادهم حق الجهاد لقوله تعالى: {وجاهدوا في الله حقَّ جِهادِهِ} [الحج: 78] وقوله: {وجاهدوا بأموالِكُم وأنفُسِكم في سبيل الله} [التوبة: 41]، وقد ضمن الله تعالى للصادقين المجاهدين في ذات الله تعالى بالهداية، قال تعالى: {والذينَ جاهَدوا فينا لنَهديَنَّهم سُبُلَنا وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69].
وأول المجاهدات مجاهدة الشيطان في ذات الله تعالى: قال تعالى: {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواً إنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]، وقوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: 60]، ومن رحمة الله تعالى بنا أن جعل كيد الشيطان ضعيفاً على كل مؤمن يستعين على عداوته بالله، قال تعالى: {إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}
والمنهج التربوي لمجاهدة الشيطان يتمثل في:
(أ) المداومة على ذكر الله تعالى، بعمل ورد ثابت من الذكر على مدار اليوم، وذكر الرحمن سبحانه أعظم سلاح لمقاومة الشيطان: والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]؛ (ت) والاستعانة عليه بالتوبة، والتوبة من الذنوب تضعف وسوسة الشيطان، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ…} فالذنب سبب من أسباب استزلال الشيطان للإنسان ومن ثم يضعف الإنسان في المقاومة، والتوبة من الذنوب تضعف وسوسة الشيطان، (ث) والاستعاذة بالله تعالى من الشيطان عند كل أمر، فالاستعاذة هي السلاح الرباني لمواجهة نزغات الشيطان ووسوسته، وبها أمر الله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200]، (ج) ولزوم الصحبة الصالحة: فهي التي تأخذ بيدك إلى الله، وتدلك على الخير حيث كان، وتردك عن الشر وهي أكثر ما يؤذي الشيطان قال رسول الله e: (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد) ([3]) .
وثاني المجاهدات مجاهدة النفس في ذات الله تعالى وتزكيتها، وإذا كان الشيطان هو العدو الأول الذي بارز الإنسان العداء، فإن العدو الحقيقي الأكبر والأصعب للإنسان هو نفسه التي لا تفارقه لحظة من لحظات عمره، وإذا كان كيد الشيطان للإنسان المؤمن ضعيف كما قال تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}، فإن كيد النفس ووسوستها للإنسان عظيمة، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، وقال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}، إن مجاهدة النفس من أصعب أنواع الجهاد وأشقها على العبد فإن النفس أمارة بالسوء، سريعة التأثر عند المصائب وعند الغضب وعند الشهوة وعند الشبهة، وتحتاج إلى صبر وجهاد كي يبعدها الإنسان عن الشهوات والشبهات المحرمة وكي يخضعها لطاعة الله جل جلاله،، فهذا الجهاد دائم ومستمر مع العبد، لا ينفك عنه لحظة ما دامت نفسه بين جنبيه، ولهذا قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} وقال e (الْمُجَاهِدُ من جَاهَدَ نَفْسَهُ في طَاعَةِ اللَّهِ عز وجل) ([4]) .جهاد النفس هو المركز الأول في جهاد جميع الأعداء بعدها، بل لو نظرنا إلى أكثر الجرائم لوجدنا أن وراءها النفس كما في قوله تعالى {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وعلى ذلك فالشيطان عدو خطر، ولكن النفس أخطر بكثير، فإن الشيطان كما قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}، ولكن النفس يظل سلطانها على البدن إلى موت الإنسان، إلا أن للنفس ميزة أنها إذا جاهدتها في الله تعالى تتحول من نفس أمارة بالسوء إلى نفس مطمئنة راضية، فتتحول من أعظم عدو يحجز الإنسان عن طاعة الله تعالى إلى أعظم موصل إليه وذلك أن النفس حينما تكون أمَّارة بالسوء لا تتلذذ إلا بالمعاصي والمخالفات، ولكنها بعد مجاهدتها وتزكيتها تصبح راضية مرضية لا تُسَرُّ إلا بالطاعات والاستئناس بالله تعالى، قال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}، وكجاهدة النفس حتى تبلغ هذا المبلغ طريق طويل لا يقوى عليه إلا أهل الإحسان، وهو يشتمل على خمسة مراحل، أول مرحلة في مجاهدة النفس في ذات الله تعالى: بمعنى (عدم رضى المرء عن نفسه)، وإيمانُه بأنها أمارة بالسوء، وعلمه بأنها أكبر قاطع عن الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فإذا عرف المسلم ذلك أقبل على نفسه يفطمها عن شهواتها المنحرفة وعاداتها الناقصة، ويلزمها بتطبيق الطاعات والقربات ويستعين بالله تعالى على نفسه الأمارة بالسوء، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}، وثاني مرحلة في مجاهدة النفس: (التخلية الظاهرة) ومعناها التخلي عن المعاصي الظاهرة، والمقصود بها التدرج في المجاهدة والابتداء بالتخلي عن المعاصي التي تتعلق بجوارحه السبعة، وهي: اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج، فيتخلى عن معاصي اللسان من الغيبة النميمة والكذب وشهادة الزور، ويتخلى عن معاصي الأذنان من سماع الفواحش والمعاصي والمعازف والغناء المحرم واللهو واللغو، ويتخلى عن معاصي العينان من النظر إلى ما حرم الله، ويتخلى عن معاصي اليدان من السرقة والبطش والغلول والرشوة، ويتخلى عن معاصي الرجلان من المشي إلى الحرام، ويتخلى عن معاصي البطن من أكل الحرام، ويتخلى عن معاصي الفرج من الزنا والفاحشة ومقدماتها.
وثالث مرحلة في مجاهدة النفس: (التحلية الظاهرة) ومعناها التحلي بالطاعات الظاهرة والباطنة، والمقصود بها أن يحلي المسلم هذه الجوارح السبعة (اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج) بالطاعات المناسبة لكل منها، يتحلى بطاعات اللسان من قراءة القرآن وذكر الله وقول الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتحلى بطاعات الأذنين من سماع القرآن والعلم، ويتحلى بطاعات العينين من النظر إلى القرآن والنظر في كتب العلم والنظر إلى الوالدين، ويتحلى بطاعات اليدين من الصدقات والطاعات، ويتحلى بطاعات الرجلين من المشي إلى المساجد والوقوف بين يدي الله، ويتحلى بطاعات البطن من أكل الحلال، ويتحلى بطاعات الفرج من العفة والستر، وغيرها من الطاعات والقربات، فهذه الجوارح السبعة منافذ على القلب إما أن تصب عليه ظلمات المعاصي فتكدره وتمرضه، وإما أن تُدخل عليه أنوار الطاعات فتشفيه وتنوره، ورابع مرحلة في مجاهدة النفس: (التخلية الباطنة) ومعناها التخلي عن معاصي القلب كالكبر والرياء والغضب والحقد والحسد، وخامس مرحلة في مجاهدة النفس: (التحلية الباطنة) ومعناها تحلية القلب بصفات القلب السليم: كالتواضع والإخلاص والحِلم والحب والرغبة والرهبة والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضا والتوكل، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، وثالث المجاهدات في طريق الإحسان مجاهدة الدنيا في ذات الله تعالى، فالدنيا والاهتمام بها وانشغال القلب بتقلباتها قاطع كبير عن الله تعالى، ومجاهدة الدنيا يكون بالزهد فيها والحث على التقلل منها، عملا بقوله تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكفار نباته، ثم يهيج فتراه مصفراً، ثم يكون حطاماً، وفي الآخرة عذاب شديد، ومغفرة من اللَّه ورضوان، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}، وقوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب}، وقوله تعالى: {يا أيها الناس إن وعد اللَّه حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور}، وقوله e: (إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُم مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِن زَهْرَةِ الدُّنيَا وَزيَنتهَا) ([5]) .وقوله e: (كُنْ في الدُّنْيا كأَنَّكَ غريبٌ، أَوْ عَابِرُ سبيلٍ) ([6]) .
ورابع المجاهدات في طريق الإحسان مجاهدة الهوى في ذات الله تعالى، ومجاهدة الهوى من أوجب الواجبات، ولقد حذرنا القرآن الكريم في ستة مواضع عن إتباع الهوى وعبادته من دون الله وجعل إتباعه من أضل الضلال، منها قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23]، وقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان: 43]، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50]، وقوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]، والهوى هو كل ما تهواه النفس وتعشقه مما يغضب الله ويبعد عن طريقه، والهوى يعمي ويصم، ولذلك كانت مجاهدته أعسر من مجاهدة النفس، لأن مجاهدة النفس تشمل حملها على فعل الطاعات عامة و حملها على اجتناب المحرمات والشهوات المحرمة عامة، ولكن الهوى هو نقطة الضعف داخل النفس البشرية، وهي تختلف من نفس إلى أخرى، ومتى تمكنت من الإنسان عبدها من دون الله، ولذلك كان طاعة الهوى عبادة من دون الله لأن الهوى يتمكن من قلب الإنسان وعقله وكل مفاصله وعروقه، ولما كانت مجاهدة النفس تستلزم مجاهدة الهوى، كان كل ما يتعلق بمجاهدة النفس من مخالفتها وتخليتها من دسائسها الظاهرة والباطنة، وتحليتها بفضائل الأخلاق الظاهرة والباطنة، يتعلق بمجاهدة الهوى، ولكن مع مزيد التركيز على مخالفة الهوى الذي قد يعبد من دون الله تعالى.
والإحسان من أعلى مقامات الدين، وطالب الإحسان لابد له من المداومة على ذكر الله تعالى، و(الذكر) هو الركن المكين الذي يأوي اليه الطالب الصادق لمرتبة الإحسان، وهو أساس الدرجات جميعها، وهو علامة الصدق والمحبة، ومن خصائص الذكر أن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإنه لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، وأمرهم بذكره في الأحوال كلها، فقال عز من قائل: {فاذكُروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جُنُوبِكُم} [النساء: 103]. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب: 41] أي بالليل والنهار، وفي البر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر، وفي الصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، (أ) دليل الذكر من الكتاب: قوله تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة: 152]، وقوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم} [آل عمران: 191]، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسَبِّحُوه بكرةً وأصيلاً} [الأحزاب: 41، 42]، وقوله تعالى: {واذكرْ ربَّك كثيراً وسبِّحْ بالعشي والإبكار) [آل عمران: 41]، وقوله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئِنُّ قُلوبُهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]، وقوله تعالى: {واذكُرِ اسمَ ربِّكَ بُكرَةً وأصيلاً} [الدهر: 25]، وقوله تعالى: {واذكر اسم ربِّك وتبتَّل إليه تبتيلاً} [المزمل: 8]، وقوله تعالى: {وَلَذِكرُ الله أكبرُ} [العنكبوت: 45]،، وقوله تعالى: {فإذا قضيتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبِكُم} [النساء: 103]، وقوله تعالى: {فإذا قُضيتِ الصلاةُ فانتَشروا في الأرضِ وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلَّكُم تُفلحون} [الجمعة: 10]، وقوله تعالى: {رِجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ} [النور: 37]، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تُلهِكُم أموالُكم ولا أولادُكم عن ذكر الله} [المنافقون: 9]، وقوله تعالى: {والذاكرين الله كثيراً والذاكراتِ أعدّ اللهُ لهُم مغفِرَةً وأجراً عظيماً} [الأحزاب: 35]، إن الطريق إلى الإحسان طويل وعر وشاق لا يسلكه إلا الرجال الصادقون ولا يصل إلى منازله العليا ولا إلى أخلاقه العظيمة إلا المحسنون، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
([3]) سنن الترمذي 4/465 ح 2165.
([4]) مسند أحمد 39/375 ح 23951.