الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: أصول الأخلاق في القرآن الكريم: آيات من سورة المؤمنون: قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
[المعنى الإجمالي للآيات] جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[[قد أفلح المؤمنون] أي حقا واللهِ لقد فاز وسَعِد، وحصل على البغية والمطلوب، المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف الجليلة، و[قد] للتأكيد والتحقيق فكأنه يقول: لقد تحقق ظفرهم ونجاحهم بسبب الإيمان والعمل الصالح، ثم عدد تعالى مناقبهم فقال سبحانه: [الذين هم في صلاتهم خاشعون] قال ابن عباس: [خاشعون] أي خائفون ساكنون أي هم خائفون متذللون قي صلاتهم لجلال الله وعظمته، لاستيلاء الهيبة على قلوبهم، [والذين هم عن اللغو معرضون] أي عن الكذب والشتم والهزل، قال ابن كثير: اللغو: الباطل، وهو يشمل الشرك، والمعاصي، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، [والذين هم للزكاة فاعلون] أي يؤدون زكاة أموالهم للفقراء والمساكين، طيبة بها نفوسهم، طلبا لرضى الله، [والذين هم لفروجهم حافظون] هذا هو الوصف الرابع أي عفوا عن الحرام، وصانوا فروجهم عما لا يحل من الزنا واللواط وكشف العورات، [إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم] أي هم حافظون لفروجهم في جميع الأحوال، إلا من زوجاتهم أو إيمائهم المملوكات، [فإنهم غير ملومين] أي فإنهم غير مؤاخذين، [فمن ابتغى وراء ذلك] أي فمن طلب غير الزوجات والمملوكات، [فأولئك هم العادون] أي هم المعتدون المجاوزون الحد في البغي والفساد، [والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون] أي قائمون عليها بحفظها وإصلاحها، لا يخونون إذا ائتمنوا، ولا ينقضون عهدهم إذا عاهدوا، قال أبو حيان: والظاهر عموم الأمانات، فيدخل فيها ما ائتمن الله تعالى عليه العبد من قولٍ وفعل! واعتقاد، وما ائتمنه الإنسان من الودائع والأمانات، [والذين هم على صلواتهم يحافظون] هذا هو الوصف السادس أي يواظبون على الصلوات الخمس ويؤدونها في أوقاتها، فإن قيل: كيف كرر ذكر الصلوات أولا وآخراً؟ فالجواب أنه ليس بتكرار، لأنه قد ذكر أولا الخشوع فيها، وذكر هنا المحافظة عليها، فهما مختلفان، [أولئك هم الوارثون] أي أولئك الجامعون لهذه الأوصاف الجليلة هم الجديرون بوراثة جنة النعيم، [الذين يرثون الفردوس] أي الذين يرثون أعالي الجنة التي لتفجر منها أنهار الجنة، وفي الحديث: (إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة)، [هم فيها خالدون] أي هم دائمون فيها لا يخرجون منها أبدا، ولا يبغون عنها حولا]] ([1]) .
[أصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات] أخلاق أهل الفردوس الاعلى: أخلاق سبعة تتمثل في: الخلق الأولى: الإيمان، والخلق الثاني: الخشوع في الصلاة، والخلق الثالث: الإعراض عن اللغو، والخلق الرابع: الحرص على الزكاة، والخلق الخامس: العفة والبعد عن الفاحشة، والخلق السادس: الأمانة، والخلق السابع: المحافظة على الصلاة. [الخلق الأول: الإيمان]: [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ] (قد) هنا معناها التحقيق، بمعنى أن فلاح المؤمنين قد تحقق و انتهى، و هذا يدل على فضيلة أهل الإيمان، ومن أهم أخلاق المسلم مع الله الإيمان به سبحانه، والإيمان في اللغة: هو التصديق والاطمئنان، والإيمان في الشرع: هو التصديق والاطمئنان لكل ما أخبر به الله ورسوله أنه حق وصدق، ومعنى الإيمان: أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق وهو الرب لا رب غيره وهو المعبود بحق لا معبود سواه، انه لا إله إلا هو، وضده الكفر: وهو الإنكار والجحود والتكذيب، وللإيمـان أركان ستـة، هي بمثابة الأصول التي تندرج تحتها كافة مسائـل الإيمـان وجوانبـه، وهذه الأركان الستة لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه e، ومن جحد شيئاً من هذه الأصول – بعدما أقيمت عليه الحجة والبلاغ خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين، وهذه الأركان الستة هي: الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر، والأدلة على هذه الأركان الستة كثيرة منها: قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ..) وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[القمر: 49]، وقوله – e: وقد سئل عن الإيمان وذلك في حديث جبريل المشهور (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) ([2]) .وأهم تلك الأركان: الركن الأول من أركان الإيمان بالله: وهو أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو واجب الوجود وهو الواجد لكل موجود، ليس كوجوده وجود، وليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل أسمائه أسماء، ولا كمثل صفاته صفات، ولا كمثل افعاله أفعال، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وكل ما في الوجود فعله وخلقه، له توحيد الربوبية فلا رب سواه، وله توحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، وله توحيد الألوهية فلا إله إلا هو، وخلق الإيمان هو ثاني الاخلاق بعد الإسلام وأعظمها في حق الله تعالى، ومن تحقق بهذا الخلق فقد برئ من الكفر والشرك والفسوق والعصيان، وقد تأهل لمنازل الإحسان.
[الخلق الثاني: الخشوع في الصلاة]: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} يعني إذا صلّوا خشعوا، و سكنت جوارحهم، و أخبتت قلوبهم فهؤلاء هم الخاشعون في صلاتهم، والنبي صلى الله عليه و سلم يقول كما في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ، مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا نِصْفُهَا “) ([3]) . [الخلق الثالث: الإعراض عن اللغو]: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، واللغو: هو ما يُذم من الأقوال و الأفعال و يدخل في ذلك جميع الذنوب و يدخل فيها ما لا يُحمد العبد على فعله أو قوله، ولذلك قال تعالى عن عباد الرحمن: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]، إذا مرّوا باللغو كرّموا أنفسهم من أن يلجوا في اللغو و الباطل الذي لا فائدة منه. [الخلق الرابع: الحرص على الزكاة]: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}، والزكاة يدخل فيها الأعمال الصالحة بمعنى أنهم يزكون أنفسهم بالأعمال الصالحة و يدخل فيها زكاة الأموال، والزكاة في الإسلام ركن ركين من أركانه وهى رديف الصلاة التي هي عماد الدين فان الزكاة هي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها، قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277]، وقال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]، وهى من أوجب الواجبات بعد الصلاة: قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]، وحذر القرآن الكريم من تركها: قال تعالى: {الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35]، وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان) ([4]) . وفي التحذير من التفريط فيها أخرج البخاري عن أبى هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي e: (تأتي الإبل على صاحبها، على خير ما كانت، إذا هو لم يعط فيها حقها، تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت، إذا لم تعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها) وقال: (ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت) ([5]) .وعند مسلم كتاب الزكاة: عن جابر بن عبد الله عن النبي e قال: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن قلنا يا رسول الله وما حقها قال إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله ولا من صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعا أقرع يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه ويقال هذا مالك الذي كنت تبخل به فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه فجعل يقضمها كما يقضم الفحل) ([6]) .[الخلق الخامس: العفة]: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}، يعني الذين تجاوزوا حدهم و لو نظرنا إلى هذه الصفة (صفة العفة)، والعفة الكَفُّ عما لا يَحِلُّ ويَجْمُل، والعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة، وقد أمر القرآن الكريم بهذا الخلق القويم: قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} وقال سبحانه: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} أي: ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة، حَتَّى يوسع الله تعالى عليهم من رزقه.وأخرج أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله e:: (اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدُّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيديكم) ([7]) . عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي e أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) ([8]) . وقد سبق الحديث عنها في الدرس التاسع من الباب الرابع [خلق العفة]
[الخلق السادس: الأمانة]: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} والأمانة: ضد الخيانة، وأصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، ومن اتصف بالأمانة فهو أمين، والأمَانَة اصطلاحًا: هي كلُّ حقٍّ لزمك أداؤه وحفظه، وخلق الأمانة من أوجب الأخلاق على المسلم، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} ، أخرج البخاري عن ابن عباس أيضًا قال): بينما النَّبيُّ e في مجلس يحدِّث القوم، جاء أعرابيٌّ فقال: متى السَّاعة؟ فمضى رسول الله e يحدِّث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين أُراه السَّائل عن السَّاعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: فإذا ضُيِّعت الأمَانَة فانتظر السَّاعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر السَّاعة) ([9]) . وقد سبق الحديث عنها في الدرس الثاني من الباب الرابع [خلق الأمانة] [الخلق السابع: المحافظة على الصلاة]: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}، كرر الصلاة مرتين، في الأولى ذكر الخشوع: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، فإذا كان الخشوع مطلوبا فإن هناك مطالبة بأصل هذا الخشوع وهو المحافظة على الصلاة ذاتها، ويكون ذلك بالمحافظة عليها في أوقاتها و على شروطها و أركانها، {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، عظمها الله تعالى إذ فرضها على نبيه e من غير واسطة، وهي عمود الدين، وآخر ما يفقد المسلمون من دينكم، فهل يستقيم الدين بلا عماد، وهل يبقى في الدين شيء إذا ذهب آخره، من حافظ عليهن كانت له نوراً في قلبه وقبره، ويوم القيامة، وكانت له حجة، وبرهاناً، ونجاة من العذاب، قال النبي e: (من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة، أو قال: وجبت له الجنة) ([10]) .ولقد حذر الله تعالى من إضاعة الصلاة، والاستخفاف بها، فقال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ} وقال النبي e: (بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ – أَوِ الْكُفْرِ – تَرْكُ الصَّلَاةِ) ([11]) . وقال e:(من حافظ عليها يعني الصلوات كانت له نوراً، وبرهاناً، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عيها لم يكن له نور، ولا برهان، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) ([12]) .وقال e: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ،) ([13]) . وإن من أعظم المحافظة على الصلاة المحافظة على الخشوع فيها، أن يخشع فيها القلب بحضوره واستحضاره لما فيها من المعاني، وأن تخشع فيها الجوارح، بالحرص غاية الحرص على إتباع هدي النبي e في حركاته وسكناته في ركوعه وفي سجوده في قيامه وفي قعوده، وإن من المحافظة على الصلاة: الاطمئنان في القيام والقعود والركوع والسجود، فإنه ركن من أركان الصلاة.[أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]، وذلك مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} وأخرج البخاري عن النبي e قوله: (إذا سألتم الله فسألوه الفردوس الأعلى فإنه أوسط الجنة يعني (خيرها و أفضلها) وأعلاها وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة) ([14]) .نسأل الله عز و جل أن يدخلنا الجنة وأن يمنحنا الفردوس الأعلى وأن يعيننا على الأعمال التي تقربنا إليه، وصلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه وسلم، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([1]) صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني 2/277- 278.
([3]) مسند أحمد 31/189 ح 18894.
([5]) المصدر السابق 2/106 ح 1402.
([10]) سنن أبي داود 1/321 ح 430.
([11]) مسند أحمد 23/365 ح 15183.
([12]) المصدر السابق 11/141 ح 6576.