الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: أصول الأخلاق في القرآن الكريم: آيات من سورة الإسراء: قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا * وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا * وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا * وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 23 إلى 39]،
[المعنى الإجمالي للآيات]: جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: {وقضى رَبُّكَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ} أي حكم تعالى وأمر بأن لا تعبدوا إلهاً غيره وقال مجاهد: {وقضى} يعني وصَّى بعبادته وتوحيده {وبالوالدين إِحْسَاناً} أي وأمر بأن تحسنوا إلى الوالدين إحساناً قال المفسرون: قرن تعالى بعبادته برَّ الوالدين لبيان حقهما العظيم على الولد لأنهما السبب الظاهر لوجوده وعيشه، ولما كان إحسانهما إلى الولد قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسان الولد إليهما كذلك {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا} أي قد أوصيناك بهما وبخاصة إذا كبرا أو كبر أحدهما، وإنما خصَّ حالة الكِبَر لأنهما حينئذٍ أحوج إلى البر والقيام بحقوقهما لضعفهما ومعنى {عِندَكَ} أي في كنفك وكفالتك {فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} أي لا تقل للوالدين أقل كلمة تظهر الضجر ككلمة أفٍّ ولا تسمعهما قولاً سيئاً حتى ولو بكلمة التأفف {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} أي لا تزجرهما بإغلاظٍ فيما لا يعجبك منهما {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} أي قل لهما قولاً حسناً ليناً طيباً بأدب ووقار وتعظيم {واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة} أي ألنْ جانبك وتواضعْ لهما بتذلّل وخضوع من فرط رحمتك وعطفك عليهما {وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} أي أدع لهما بالرحمة وقل في دعائك يا رب ارحم والديَّ برحمتك الواسعة كما أحسنا إليَّ في تربيتهما حالة الصغر {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} أي ربكم أيها الناس أعلم بما في نفوسكم من إرادة البر أو العقوق {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} أي إن تكونوا قاصدين للبِرّ والصلاح دون العقوق والفساد فإِنه جلَّ وعلا يتجاوز عن سيئاتكم ويغفر للأوابين وهم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين قال الرازي: والمقصود من هذه الآية أن الأولى لما دلَّت على وجوب تعظيم الوالدين ثم إنَّ الولد قد يظهر منه ما يخلُّ بتعظيمهما فإن كانت تلك الهفوة ليست لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلَّة البشرية كانت في محل الغفران، وبمناسبة الإِحسان إلى الوالدين يأمر تعالى بالإِحسان إلى الأقارب والضعفاء والمساكين {وَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ} أي أعط كلَّ من له قرابة بك حقَّه من البر والإِحسان {والمسكين وابن السبيل} أي وأعط المسكين المحتاج والغريبَ المنقطع في سفره حقَّه أيضاً {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} أي لا تنفق مالكَ في غير طاعة الله فتكون مبذّراً، والتبذير الإِنفاق في غير حق قال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كلَّه في الحق لم يكن مبذّراً، ولو أنفق مُدّاً في غير حق كان مبذّراً وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى وفي غير الحق والفساد {إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين} هذا تعليل للنهي وهو غاية في الذم والتقبيح أي إن المبذرين كانوا أمثال الشياطين وأشباههم في الإِفساد، لأنهم ينفقون في الباطل وينفقون في الشر والمعصية فهم أمثالهم {وَكَانَ الشيطان لِرَبِّهِ كَفُوراً} أي مبالغاً في كفران نعمة الله لا يؤدي حقَّ النعمة كذلك إخوانه المبذرون لا يؤدون حق النعمة، وحقُّها أن ينفقوها في الطاعات والحقوق غير متجاوزين ولا مبذرين {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} أي إن أعرضتَ عن ذوي القربى والمساكين وابن السبيل إذا لم تجد ما تعطيهم فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدْهم وعداً جميلاً {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ} تمثيلٌ للبخل اي لا تكنْ بخيلاً منوعاً لا تعطي أحداً شيئاً كمن حبست يده عن الإِنفاق وشدَّت إلى عنقه {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} تمثيل للتبذير أي ولا تتوسع في الإِنفاق توسعاً مفرطاً بحيث لا يبقى في يدك شيء، والغرض من الآية لا تكن بخيلاً ولا مسرفاً {فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} أي فتصير مذموماً من الخَلْق والخالق، منقطعاً من المال كمن انقطع في سفره بانقطاع مطيته {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي يوسّع الرزق على من يشاء ويضيِّق على من يشاء، وهو القابض، الباسط المتصرف في خلقه، بما يشاء حسب الحكمة {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} أي إنه عالم بمصالح العباد، والتفاوتُ في الأرزاق ليس لأجل البخل بل لأجل رعاية المصالح فهو تعالى يعمل من مصالحهم ما يخفى عليهم {وَلَا تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} أي لا تُقدموا على قتل أولادكم مخافة الفقر {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} أي رزقُهم علينا لا عليكم فنحن نرزقهم ونرزقكم فلا تخافوا الفقر بسببهم {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} أي قتلُهم ذنبٌ عظيم وجرمٌ خطير قال المفسرون: كان أهل الجاهلية يئدون البنات مخافة الفقر أو العار فنهاهم الله عن ذلك وضمن أرزاقهم {وَلَا تَقْرَبُواْ الزنى} أي لا تدنوا من الزنى وهو أبلغ من «لا تزنوا» لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنى كاللَّمس، والقُبلة، والنظرة، والغمز وغير ذلك مما يجرُّ إلى الزنى فالنهي عن القرب أبلغ من النهي عن الفعل {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} أي إن الزنى كان فعلة قبيحة متناهية في القبح {وَسَآءَ سَبِيلاً} أي ساء طريقاً موصلاً إلى جهنم {وَلَا تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلَاّ بالحق} أي لا تقتلوا نفساً حرَّم الله قتلها بغير حقٍ شرعي موجبٍ للقتل كالمرتد، والقاتل عمداً، والزاني المحصن {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} أي ومن قُتل ظلماً بغير حقٍ يوجب قتله فقد جعلنا لوارثه سلطةً على القاتل بالقصاص منه، أو أخذ الدية، أو العفو {فَلَا يُسْرِف فِّي القتل إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} أي فلا يتجاوز الحدَّ المشروع بأن يقتل غير القاتل أو يُمثّل به أو يقتل اثنين بواحد كما كان أهل الجاهلية يفعلون، فحسبُه أن الله قد نصره على خصمه فليكن عادلاً في قصاصه {وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلَاّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ} أي لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالطريقة التي هي أحسن وهي حفظه واستثماره {حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي حتى يبلغ اليتيم سن الرشد ويحسن التصرف في ماله {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً} أي وفّوا بالعهود سواءً كانت مع الله أو مع الناس لأنكم تُسألون عنها يوم القيامة {وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ} أي أتموا الكيل إذا كلتم لغيركم من غير تطفيفٍ ولا بَخْس {وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم} أي زنوا بالميزان العدل السويّ بلا احتيالٍ ولا خديعة {ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي وفاء الكيل وإقامة الوزن خيرٌ في الدنيا وأحسن مآلاً في الآخرة {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تتَّبعْ ما لا تعلم ولا يَعْنيك بل تثبَّتْ من كل خبر، قال قتادة: لا تقل رأيتُ ولم تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله {إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} أي إن الإنسان يُسأل يوم القيامة عن حواسه: عن سمعه، وبصره، وقلبه وعما اكتسبته جوارحه {وَلَا تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً} أي لا تمش في الأرض مختالاً مشية المعجب المتكبر {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً} هذا تعليل للنهي عن التكبر والمعنى أنك أيها الإِنسان ضئيل هزيل لا يليق بك التكبر؟ كيف تتكبر على الأرض ولن تجعل فيها خرقاً أو شقاً؟ وكيف تتطاول وتتعظَّمْ على الجبال ولن تبلغها طولاً؟ فأنت أحقر وأضعف من كل واحدٍ من الجماديْن فكيف تتكبر وتتعالى وتختال وأنت أضعف من الأرض والجبال؟ وفي هذا تهكم وتقريع للمتكبرين {كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} أي كل ذلك المذكور الذي نهى الله عنه كان عمله قبيحاً ومحرماً عند الله تعالى {ذَلِكَ مِمَّآ أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة} أي ذلك الذي تقدم من الآداب والقصص والأحكام بعضُ الذي أوحاه إليك ربك يا محمد من المواعظ البليغة، والحِكَم الفريدة {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخَرَ فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} أي لا تشرك مع الله غيره من وثنٍ أو بشر فتلقى في جهنم ملوماً تلوم نفسك ويلومك اللهُ والخلق مطروداً مبعداً من كل خير قال الصاوي: ختم به الأحكام كما ابتدأها إشارةً إلى أن التوحيد مبدأ الأمور ومنتهاها، وهو رأس الأشياء وأساسُها، والأعمالُ بدونه باطلةٌ لا تفيد شيئاً ([1]) . [أقول]: إذن اشتملت الآيات على خلاصة الحكمة: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ}، خلاصة الحكمة الربانية والقرآنية في باب الأخلاق والآداب، وتشتمل على (1) بر الوالدين: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، (2) صلة الأرحام والقيام على حقوق المساكين والغريب: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}، (3) التوسط والاعتدال في النفقة والبراءة من التبذير: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}، (4) قتل الذرية مخافة الفقر: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا}، (5) البعد عن فاحشة الزنا: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}، (6) اجتناب كبيرة القتل وسفك الدماء: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}، (7) القيام على مال اليتيم والإحسان إليه: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}، (8) صفة الوفاء: الوفاء بالعهد، والوفاء في الحقوق والمعاملات: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}، (9) حسن الخلق: ويشمل على: ترك المرء ما لا يعنيه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}، ويشمل: التواضع: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا}، (10) التوحيد: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا}، هذه هي خلاصة الحكمة في الأخلاق والعقيدة: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا}، [شرح أصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات]: (1) بر الوالدين: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}: في هذه الآية قرن القرآن الكريم بين التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبودية وبين شكر الوالدين والإحسان إليهما، وهو كمثل قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}وقد سبق الحديث عنه في الدرس الثاني من الباب السادس.
(2) صلة الأرحام والقيام على حقوق المساكين والغريب: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}: [صلة الأرحام]: معناها الإحسان إلى الأقارب على حسب الجهد والطاقة، فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة، وتارة بالسلام، وتارة بطلاقة الوجه، وتارة بالنصح، وتارة برد الظلم، وتارة بالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة على حسب القدرة والحاجة والمصلحة، وقطيعة الأرحام معناها: هجر الأقارب، وترك وصلهم، وترك الإحسان إليه، وصلة الأرحام من أعظم الواجبات, وأفضل الطاعات، وقطيعتها من أعظم الذنوب وأخطر الآفات؛ للأدلة من الكتاب والسنة، قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36، 37]، وقال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} وقال تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}.
وقد سبق الحديث عنها في الدرس الرابع من الباب السادس[القيمة الأخلاقية الرابعة: صلة الأرحام]
{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}: و[المسكين]: هو العاجز عن توفير احتياجاته الضرورية , لذلك يحمله ذوو قرباه, فإن لم يكونوا قادرين علي حمله , فإن علي المجتمع المسلم حمله حتي تتم كفايته، فقد أمر الله تعالي الأغنياء والموسرين في المجتمع المسلم بأن يعطوا للفقراء والمساكين حتي يكفوهم غيلة الفقر والمسكنة، والإسلام العظيم يحض علي أداء حقوق المحتاجين من اليتامى والأرامل والمقعدين والعاجزين وغيرهم من الفقراء والمساكين , وجعل الإسلام العظيم لهم نصيبا في كل من الزكوات والصدقات والكفارات، وقد شجع رسول الله e لأغنياء علي حسن رعاية الفقراء والمساكين فقال: e: («السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ.) ([2]) . وكذلك نهى القرآن الكريم عن إهمال المساكين، فقال تعالى: {ولا يحض على طعام المسكين} [الحاقة: 34]، وقال تعالى: {أرءيت الذى يكذب بالدين * فذلك الذى يدع اليتيم * ولا تحض على طعام المسكين} [الماعون: 1 إلى 3]، وقال تعالى: {كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحضون على طعام المسكين} [الفجر: 17، 18]، وقال تعالى: {ما سلككم في سقر * قالوا لم نكن من المصلين * ولم نكن نطعم المسكين} [المدثر: 42 إلى 44]، و[وابن السبيل] يطلق علي المسافر إلي بلد غير بلده, وليس معه ما يستعين به علي متطلبات الحياة ولا علي دفع تكاليف عودته إلي بلده، والإسلام يأمرنا بجعل حق في الزكاة لابن السبيل , ولذلك يأمرنا النص القرآني الذي نحن بصدده بإعطاء ابن السبيل حقه, وجعل ذلك موازيا للإنفاق علي كل من الوالدين والأقربين والمساكين، قال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، وقال تعالى: {نَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60]، وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215]، والقادرون من المسلمين يتحملون حقوق الفقراء والمساكين وابن السبيل , وبذلك يسود المجتمع المسلم معاني الأخوة الإسلامية والتكافل الاجتماعي التي أوصى بها دين الإسلام القيم.
(3) التوسط والاعتدال في النفقة والبراءة من التبذير: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}، [ولا تبذر تبذيرا] أي لا تنفق مالكَ في غير طاعة الله فتكون مبذرا، والتبذير الإنفاق في غير حق، فلو أنفق إنسان ماله كله في الحق، لم يكن مبذرا، وكذلك فإن التبذير يكون بالنفقة في معصية الله تعالى، ولو كانت نفقة قليلة، لأنها نفقة في غير موضعها، وفي غير الحق، وفي الفساد، [إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين] هذا تعليل للنهي وهو غاية في الذم والتقبيح، أي إن المبذرين كانوا أمثال الشياطين، وأشباههم في الإفساد، لأنهم ينفقون في الباطل، وينفقون في الشر والمعصية، فهم أمثالهم في الشر، [وكان الشيطان لربه كفورا] أي مبالغاً في كفران نعمة الله، لا يؤدي حق النعمة، كذلك إخوانه المبذرون لا يؤدون حق النعمة، وحقُها أن ينفقوها في الطاعات والحقوق، غير بخلاء ولا مبذرين، إلى قوله تعالى: [ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك] الآية تمثيل للبخل، أي لا تكن بخيلا منوعا لا تعطى أحدا شيئا، كمن حُبِست يده عن الإنفاق وشدت إلى عنقه، [ولا تبسطها كل البسط] تمثيل للتبذير أي ولا تتوسع في الإنفاق توسعا مفرطا، بحيث لا يبقى في يدك شيء، والغرض من الآية لا تكن بخيلا ولا مسرفاً، [فتقعد ملوما محسورا] أي فتصير مذموما من الخَلق والخالق، منقطعا من المال، كمن انقطع في سفره بانقطاع مطيته، من أهم أخلاق المسلم: [الاعتدال في النفقة]، والمعنى: ليس المؤمن مبذرا، ولا بخيلا، [وكان بين ذلك قواما] أي وكان إنفاقهم وسطا معتدلا، بين الإسراف والتقتير، وجاء في التفسير عن مجاهد: ” لو أنفقت مثل جبل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله ما كان سرفا، ولو أنفقت صاعا في معصية الله كان سرفا “، وهذا من الفقه في دين الله، فإن الإسراف الحقيقي هو الإنفاق في معصية الله ولو كان أقل القليل، والإسراف هو مجاوزة الحد في النفقة وبذل المال، والإقتار والتقتير فهو التضييق الذي يعد نقيض الإسراف، وبين الإسراف والتقتير درجة الاعتدال، وهي الفضيلة التي حث القرآن عليها بقوله: (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاما) الفرقان 67، أي وسطا واعتدالا بين الغلو والتقصير، وبين الإفراط والتفريط، مع التنبيه على أنّ القاعدة تقول: ” لا إسراف في البذل والخير “، وأن الإمساك عن النفقة الواجبة هو الإقتار بعينه، ولذلك يقول عز وجل: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين} [البقرة: 195]، وتعني التهلكة الإمساك عن طاعة الإنفاق، وقال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون} [البقرة: 272]، وقال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39]، وأخرج الإمام أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ e الْتَفَتَ إِلَى أُحُدٍ فَقَال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أُحُدًا يُحَوَّلُ لِآلِ مُحَمَّدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمُوتُ يَوْمَ أَمُوتُ أَدَعُ مِنْهُ دِينَارَيْنِ إِلَّا دِينَارَيْنِ أُعِدُّهُمَا لِدَيْنٍ إِنْ كَانَ” فَمَاتَ وَمَا تَرَكَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا وَلِيدَةً وَتَرَكَ دِرْعَهُ مَرْهُونَةً عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) ([3]) . وكان السلف الصالح يرون من الورع ألا يجمع المرء ما لا يأكل ولا يبني ما لا يسكن، وذلك ما أشار إليه مجاهد بقوله: (لو أنفق رجل مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله تعالى لم يكن سرفا، ولو أنفق صاعا في معصية الله تعالى كان سرفا) وقال ابن عباس: (الإسراف الإنفاق في معصية الله، والإقتار منع حق الله) ([4]) .
(4) قتل الذرية مخافة الفقر: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا}: جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: سألت النبي e: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) وقد سبق الحديث عنها في الدرس السادس من الباب الثامن [أصول الأخلاق في القرآن الكريم أيات من سورة الأنعام]
(5) البعد عن فاحشة الزنا: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}: والزنا كبيرة من أكبر الكبائر، وفاحشة من أفحش الفواحش، وذنب من أسوا الذنوب، وخبث من أخبث الخبائث، لما فيه من اختلاط الأنساب وهلاك النسل، وضياع العفة والمرؤة والأخلاق، نهى الله تعالى عن مجرد الاقتراب منه، استدعاء دواعيه، فقال تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} ووصف القرآن الكريم أهله بالخبث، فقال تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات} [ونفى النبي e عن صاحبه الإيمان فقال:(لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ) ([5]) .والزنا من أبشع الفواحش التي حرمها الله جل وعلا وحرمها رسوله e، وأجمعت الأمة قاطبة على تحريمه، وقد رتب الشرع الحكيم عليه حداً صارماً وقاسياً، وهو رجم الزاني بالحجارة حتى الموت إن كان متزوجاً، والجلد والتغريب إن لم يكن متزوجاً، ليحصل بذلك الارتداع والابتعاد عن هذه الفاحشة القبيحة، وأدلة تحريم الزنا من القرآن الكريم كثيرة منها: قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} وقوله تعالى:{ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مُهاناً} وقوله تعالى:{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذ كم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} وقوله تعالى:{الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحُرم ذلك على المؤمنين} وقوله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} فصاحب الزنا خبيث وصاحبة الزنا خبيثة والخبيث للخبيثة، أما المؤمنون الطاهرون من هذه الفاحشة الشنيعة فهم الطيبون والطيبات فهؤلاء لبعضهم البعض، وأدلة تحريم الزنا من السنة كثيرة منها:قوله e:[خُذُوا عَنِّي. خُذُوا عَنِّي. قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ] ([6]) . وقوله e: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) ([7]) .، وقوله e: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابُ أليم: شيخٌ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر) ([8]) . وقد اتخذت الشريعة كافة الاحتياطات لمنع هذه الفاحشة، وأول ذلك عض البصر: قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ} [سورة النور: 30]، ثم حرم الإسلام على المرأة أن تخرج أمام الرجال الأجانب وهي متخذة زينتها، فقال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، ونهى الشرع الحكيم من الدخول على النساء، قال تعالى: {وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب} ثم ذكر المولى جل وعلا الحكمة البالغة من ذلك فقال: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} [الأحزاب: 53]، ثم أمر المولى جلت قدرته عباده الذين لا ستطيعون النكاح ولا يجدون له طريقاً ومسلكاً، أمرهم بالعفة إلى أن يكتب الله لهم ذلك، فقال تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله} [النور: 33]، ومنع النبي e كل الأسباب المؤدية إلى الزنا، وجميع الدوافع الدافعة إليه، فقال e: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية) ([9]) . وحذرe من الدخول على النساء أو الاختلاط لأن ذلك مما قد يدفع ضعاف النفوس إلى ممارسة هذه الفاحشة العظيمة المشينة المحرمة، فقال e: (إياكم والدخول على النساء، فذكر له رجل، فقال: أرأيت الحمو يا رسول الله، فقال: الحمو الموت) ([10]) . والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج ممن ليس بمحرم للزوجة، وعادة الناس المساهلة فيه، فيخلو الأخ بامرأة أخيه فهذا هو الموت، لتساهل الناس بعواقبه، كما منع الشرع من سفر المرأة بدون محرم: والمرأة هنا يقصد بها: الأم والأخت والبنت والزوجة والعمة والخالة وغيرهم من المحارم، فيحرم سفر المرأة بدون محرم لأن ذلك يفضي إلى مفاسد عظيمة، وقد نهى النبي e عن ذلك بقوله: [لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ] ([11]) .وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما) ([12]) . وقال عليه الصلاة والسلام: (أَلَا لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا محرم”.) ([13]) . والنبي e: أعظم الخلق عفة كان لا يصافح النساء، وكان يقول: (إني لا أصافح النساء) ([14]) . وقالت عائشة رضي الله عنها: («كَانَ النَّبِيُّ e يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ {لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا} قَالَتْ: وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ e يَدَ امْرَأَةٍ إِلَّا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا.) ([15]) . وأمر النبي e بحجز صفوف الرجال عن النساء في الصلاة وهي عبادة بل أهم عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه، فقال عليه الصلاة والسلام: (وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا. وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا) ([16]) . وما ذاك إلا لقرب أول صفوف النساء من الرجال فكان شر الصفوف.
إن الزنا خبث ونجس وفاحشة وساء سبيلا وما انتشر إلا وانتشرت معه الأمراض الفتاكة الخطيرة المهلكة، أمراض نفسية من زوال العفة والأخلاق وانتشار الفواحش والرذائل، وأمراض جسدية معدية مدمرة، وأمراض اجتماعية تؤول إلى دمار الأمم والمجتمعات.
(6) اجتناب كبيرة القتل وسفك الدماء: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}: قتل النفس داخل في جملة الفواحش، ولكن الله عز وجل أفرده في هذه الآية لخطورة الجريمة وعظم فحشها، والأصل الشرعي في قتل النفس هو الحرمة. وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل وقطعي، قال تعالى : (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، وما ذلك إلا لأن النفوس البشرية كلها خلقت من نفس واحدة، والجراءة على قتل الفرع جراءة على قتل الأصل، وليس مباشرة القتل وحدها هي الجريمة والفاحشة، بل الإعانة على القتل بأي طريق أو وسيلة تعد قتلا، ولو بكلمة أو إشارة، أو خبر يبلغ للقاتل، سواء كان شخصا حقيقيا أو شخصا اعتباريا، كرجال السلطة الظالمة التي تبحث عن الذرائع لقتل المؤمنين وسجنهم وتشريد أبنائهم.
وقد سبق الحديث عنها في الدرس السادس من الباب الثامن [أصول الأخلاق في القرآن الكريم أيات من سورة الأنعام]
(7) القيام على مال اليتيم والإحسان إليه: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}، {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: وهذا يقتضي من كافل اليتيم أن يرعى ماله وينميه، وألا يضيعه بتبذير أو إسراف، حتى إذا بلغ اليتيم راشدا غير سفيه سلمه ماله كله، يقول تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220]، وقد سبق الحديث عنها في الدرس السادس من الباب الثامن [أصول الأخلاق في القرآن الكريم أيات من سورة الأنعام]
(8) صفة الوفاء: الوفاء بالعهد، والوفاء في الحقوق والمعاملات: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}: [وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا]: الوفاء بالعهد يرتبط ارتباطا وثيقا بالصدق، والغدر أخو الكذب والجور، وذلك أنَّ الوفاء صدق اللسان والفعل معًا، والغدر كذب بهما، لأنَّ فيه مع الكذب نقض العهد، وقد عظم الله تعالى شأن الوفاء بالعهد فقال تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة:40]، وقال تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} [النحل: 91]، وقد وصف القرآن الذين يوفون بالعهد بأحسن الصفات فقال تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، وقال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76]، وأمر الله تعالى بالوفاء بالعهد، فقال سبحانه: {وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152]، كما حذر القرآن الكريم من نقض العهود فقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} [المائدة: 13]، [وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ]: من المحرمات الغش في الكيل والميزان، قال تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} [المطففين: 1 إلى 7]، وقال تعالى في سورة الأنعام: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، والقسط معناه العدل، والوفاء معناه التمام، لذلك يشترط في الكيل والميزان أخذا وعطاء، عدم انتقاص الحقوق، وإلا كان ذلك غشا وأكلا لأموال الناس بالباطل، ومن القسط تجنب الربا والنصب والخداع في التعامل التجاري مع جميع الناس.
(9) حسن الخلق: ويشمل على: ترك المرء ما لا يعنيه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}، ويشمل: التواضع: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا}، ترك المرء ما لا يعنيه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ: لا تسمع ولا تر ما لا يحل سماعه ولا رؤيته ولا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك، و لا تقل رأيت ما لم أر، ولا سمعت ما لم أسمع، ولا تشهد شهادة الزور، وهذه المعاني كلها صحيحة ; والإنسان مسؤول عن سمعه وقلبه وبصره فالواجب عليه ألاّ يقول سمعت كذا إلا عن بصيرة، ولا يقول نظرت كذا إلا عن بصيرة، ولا يعتقد بقلبه شيئاً إلا عن بصيرة، والواجب عليه أن يتثبت، حتى لا يتكلم إلا عن علم، ولا يفعل إلا عن علم ولا يعتقد إلا عن علم، ولهذا قال جل وعلا: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا}، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}، فجعل القرآن الكريم القول على الله بغير علم أعظم تلك المحرمات، وفي الحديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ([17]) . قال بعض العلماء: جماع آداب الخير و أزمته تتفرع من أربعة أحاديث: الحديث الأول: قوله e: (من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ([18]) . والحديث الثاني: قوله: e: (من حسن إسلام المرء تركة ما لا يعنيه) والحديث الثالث: قوله e: : (لا تغضب، فردد مراراً قال: لا تغضب) ([19]) . والحديث الرابع: قوله e: : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ([20]) . فمن حسن إسلام المسلم تركه ما لا يعنيه، وبالتالي يترك اللغو كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3]، الذي يعني المسلم هو فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات والمكروهات، وما عدا ذلك فضول يتنزه عنه وقت المسلم وماله وجهده، وقد أرشدنا النبي e في هذا الحديث، إلى الطريق الذي يبلغ به العبد كمال دينه، وحسن إسلامه، وصلاح عمله، فبيّن أن مما يزيد إسلام المرء حسنا، أن يدع ما لا يعنيه ولا يفيده في أمر دنياه وآخرته، إن اهتمام المرء وانشغاله بما يعنيه فيه فوائد عظيمة، فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، فمن اشتغل بالناس نسي أمر نفسه، وأوشك اشتغاله بالناس أن يوقعه في أعراضهم بالقيل والقال، ولهذا جاء الإرشاد القرآني بقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}، ثم قال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا}، وهذا يدل على صفة: التواضع: والتواضع من عظيم أخلاق المسلم، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63]، وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، كما أمر الله تعالى نبيه e أن يلين جانبه للمؤمنين، وأن يتواضع لهم، فقال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ووصف الله تعالى أصحاب النَّبيِّ e بأنَّهم يظهرون التَّواضُع للمؤمنين، ويظهرون الشِّدَّة والغلظة والتَّرفُّع على الكافرين) حيث قال سبحانه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} وقد رغَّب النبي e في خلق التَّواضُع وحثَّ عليه، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قوله: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زادَ اللهُ عَبْداً بعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ)([21]) . فما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله، جزاءً على تخلقه بخلق التواضع، وأن يكون ذلك علو منزلته في الآخرة، وأخرج مسلم: عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (إنَّ الله أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أحَدٌ عَلَى أحَدٍ) ([22]) .
(10) التوحيد: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا}: التوحيد: توحيد الألوهية وهو المرادف لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله)، و (لا إله إلا الله) يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس فلا شريك لله تعالى في ذاته، وتوحيد الأسماء الحسنى فلا شريك له في أسمائه، وتوحيد الصفات العلى فلا شريك له في صفاته، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله فلا شريك له في أفعاله، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه فلا شريك له في ربوبيته للعالمين، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ولا مستحق للعبودية سواه، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو، فإذا قال العبد (أشهد أن لا إله إلا الله) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، ليس له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، والله أكبر من كل تصور، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول، وتعالى عن أن تدركه الابصار، أو تبلغه الأوهام، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وللتوحيد أركان ثلاثة: اثنان في شهادة (لا إله إلا الله)، الأول: البراءة من الشرك (لا إله)، والثاني اثبات التوحيد لله وحده: (إلا الله)، والركن الثالث في شطر الشهادة (محمد رسول الله)، (لا إله) المقصود به نفي جميع الآلهة المعبودة من دون الله، ونفي جميع الأرباب المزعومة من دون الرب سبحانه، فلا معبود في الكون بحق سواه، ولا رب للعالمين غيره، ولا كمال إلا له، فلا إله إلا هو، والإثبات: (إلا الله) والمقصود به إثبات الألوهية الحقة لله وحده، واثبات استحقاق العبودية له وحده واستحقاق الربوبية له وحده، واثبات الكمال والجلال والإكرام له وحده، له وحده الأسماء الحسنى والصفات الحسنى والأفعال المثلى حكمة وعدلا، وقدرة وقهرا، وله الربوبية لا رب للعالمين سواه، وله العبودية لا معبود بحق سواه، ولا إله إلا هو، وهذا الركنان تضمنتهما آيات كثيرة في كتاب الله تعالى: منها قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} {فمن يكفر بالطاغوت} والطاغوت هو كل معبود سوى الله، والكفر به معناه إنكار إلهيته، {ويؤمن بالله} هو التوحيد وإفراد الله تعالى بالإلهية {فقد استمسك بالعروة الوثقى} هي شهادة التوحيد، وقوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} والآية توضح أيضاً ركني شهادة التوحيد بإثبات العبادة لله وحده لا شريك له {أن اعبدوا الله} ونفي العبادة عما سوى الله {واجتنبوا الطاغوت}، وقوله e (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل) ([23]) . والركن الثالث: الإيمان برسالة النبي e، وما خلق الله تعالى الجن والإنس لا لتحقيق ذلك التوحيد (توحيد الألوهية) كما في قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} والتوحيد هو أمر الله تعالى لعباده جميعا كما في قوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، و[التوحيد] يحرم الله تعالى أجسام أصحابه على النار: أخرج البخاري ومسلم في حديث عتبان رضي الله عنه قال رسول الله e: ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ([24]) ومن مات على [التوحيد] دخل الجنة، لقوله e: ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) ([25]) . وقوله e: (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) ([26]) . وقوله e: (“مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ”.) ([27]) . وكقوله e لأبي هـريرة: (فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ. فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ”) ([28]) . وكقوله e: (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ».) ([29]) . وكقوله e: (“أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شاك فيهما، إلا دخل الجنة”.) ([30]) .وخلاصة التوحيد اعتقاد أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا معبود بحق سواه اللهم ارزقنا التوحيد وخلق التوحيد وأخلاق الموحدين، وبعد هذه هي خلاصة الحكمة في الأخلاق والعقيدة: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا}، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت.
([1]) صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني 2/147:145.
([2]) صحيح البخاري 8/9 ح 6006.
([5]) صحيح البخاري 8/164 ح 6810، صحيح مسلم 1/77 ح 57.
([6]) صحيح مسلم 3/1316 ح 1690.
([7]) صحيح مسلم 3/1302 ح 1676.
([8]) المصدر السابق 1/102 ح 107.
([9]) مسند أحمد 32/483 ح 19711.
([10]) صحيح البخاري 7/37 ح 5232، صحيح مسلم 4/1711 ح 2172.
([11]) صحيح البخاري 3/19 ح 1862، صحيح مسلم 2/978 ح 1341.
([15]) صحيح البخاري 9/80 ح 7214.
([17]) سنن الترمذي 4/558 ح 2317.
([19]) صحيح البخاري 8/28 ح 6116.
([21]) صحيح مسلم 4/2001 ح 2588.
([22]) صحيح مسلم 4/2198 ح 2865.
([24]) صحيح البخاري 7/72 ح 5401، صحيح مسلم 1/455 ح 33.
([25]) صحيح البخاري 7/149 ح 5827، صحيح مسلم 1/95 ح 94.
([26]) مسند أحمد 36/443 ح 22126.
([28]) المصدر السابق 1/59 ح 31.