الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: أصول الأخلاق في القرآن الكريم: آيات من سورة المائدة: قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 48 إلى 56]،
[المعنى الإجمالي للآيات] جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [{وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق} أي وأنزلنا إِليك يا محمد القرآن بالعدل والصدق الذي لا ريب فيه {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب} أي مصدّقاً للكتب السماوية التي سبقته {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي مؤتمناً عليه وحاكماً على ما قبله من الكتب قال الزمخشري: أي رقيباً على سائر الكتب لأنه يشهد لها بالصحة والثبات قال ابن كثير: اسم المهيمن يتضمن ذلك فهو أمينٌ وشاهد وحاكم على كل كتابٍ قبله جمع الله فيه محاسن من قبله وزاده من الكمالات ما ليس في غيره ([1]) . {فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله} أي فاحكم يا محمد بين الناس بما أنزل الله إِليك في هذا الكتاب العظيم {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق} أي لا توافقهم على أغراضهم الفاسدة عادلاً عمّا جاءك في هذا القرآن قال ابن كثير: أي لا تنصرفْ عن الحق الذي أمرك الله به إِلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} أي لكل أمةٍ جعلنا شريعة وطريقاً بيناً واضحاً خاصاً بتلك الأمة قال أبو حيان: لليهود شرعةٌ ومنهاج وللنصارى كذلك والمراد في الأحكام وأما المعتقد فواحدٌ لجميع الناس توحيدٌ وإِيمان بالرسل وجميع الكتب وما تضمنته من المعاد والجزاء {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لو أراد الله لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ شيءٌ منها الآخر {ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} أي شرع الشرائع مختلفة ليختبر العباد هل يذعنون لحكم الله أم يُعرضون، فخالف بين الشرائع لينظر المطيع من العاصي {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي فسارعوا إِلى ما هو خيرٌ لكم من طاعة الله واتباع شرعه {إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي معادكم ومصيركم أيها الناس إِلى الله يوم القيامة فيخبركم بما اختلفتم فيه من أمر الدين ويجازيكم بأعمالكم {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} أي أُحكم بين أهل الكتاب بهذا القرآن ولا تتّبع أهواءهم الزائفة {واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ} أي احذر هؤلاء الأعداء أن يصرفوك عن شريعة الله فإِنهم كذَبةٌ كفرةٌ خونة {فَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أي فإِن أعرضوا عن الحكم بما أنزل الله وأرادوا غيره فاعلم يا محمد أنما يريد الله يعاقبهم ببعض إِجرامهم {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس لَفَاسِقُونَ} أي أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق منهمكون في المعاصي {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ والمعنى أيتولون عن حكمك ويبتغون غير حكم الله وهو حكم الجاهلية؟ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي ومن أعدل من الله في حكمه، وأصدقُ في بيانه، وأحكم في تشريعه لقومٍ يصدّقون بالعليّ الحكيم!!البَلَاغَة: {ياأيها الرسول} الخطاب بلفظ الرسالة للتشريف والتعظيم. {يُسَارِعُونَ فِي الكفر} إيثار كلمة «في» على كلمة «إِلى» للإِيماء إِلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه وإِنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه إِلى بعض آخر.{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} صيغة فعّال للمبالغة أي مبالغون في سماع الكذب.{لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ} تنكير الخزي للتفخيم وتكرير لهم {وَلَهُمْ فِي الآخرة} لزيادة التقرير والتأكيد وبين كلمتي «الدنيا والآخرة» طباقٌ.{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} تعجيبٌ من تحكيمهم لرسول الله e وهم لا يؤمنون به ولا بكتابه. {وَمَآ أولئك بالمؤمنين} الإِشارة بالبعيد للإِيذان ببعد درجتهم في العتو والمكابرة. {فَلَا تَخْشَوُاْ الناس} خطابٌ لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الإٍلتفات والأصل«فلا يخشوا» {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي بادروا فعل الخيرات وفيه استعارة حيث شبهه بالمتسابقين على ظهور الخيل إِذ كل واحد ينافس صاحبه في السبق لبلوغ الغاية المقصودة.
الفَوَائِد: قال الفخر الرازي: خاطب الله محمداً e بقوله {ياأيها النبي} [الأحزاب: 1] في مواضع كثيرة وما خاطبه بقوله {ياأيها الرسول} إِلا في موضعين أحدهما {ياأيها الرسول لَا يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر} والثاني في هذه السورة أيضاً وهو قوله {ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة: 67] وهذا الخطاب لا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم. ([2]) .
تنبيه: يقول شهيد الإِسلام «سيد قطب» طيَّب الله ثراه في تفسير الظلال ما نصه «إِن الجاهلية في ضوء هذا النص القرآني البليغ {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ} هي حكم البشر للبشر وعبودية البشر للبشر ورفض أُلوهية الله والخروج من عبوديته إلى عبودية غير الله، إنه مفرق الطريق فإما حكم الله، وإما حكم الجاهلية وشريعة الهوى ومنهج العبودية لغير الله، والجاهلية ليست فترة من الزمان ولكنها وضع من الأوضاع يوجد بالأمس واليوم وغداً والناسُ إما أنهم يحكمون بشريعة الله ويقبلونها ويسلمون بها تسليماً فهم إذاً مسلمون وإما أنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر فهم في الجاهلية وهم خارجون عن شريعة الله» .
المنَاسَبَة: لما حكى تعالى عن أهل الكتاب أنهم تركوا العمل بالتوارة والإِنجيل وحكم عليهم بالكفر والظلم والفسوق، حذّر تعالى في هذه الآيات من موالاة اليهود والنصارى، ثم عدّد جرائم اليهود وما اتهموا به الذات الإِلهية المقدسة من شنيع الأقوال وقبيح الفعال.
اللغَة: {دَآئِرَةٌ} واحدة الدوائر وهي صروف الدهر ونوازله قال الراجز:
تردُّ عنكَ القَدرَ المَقْدُورَا … ودائرتِ الدَّهر أنْ تَدُورا {حَبِطَتْ} بطلت وذهبت {تَنقِمُونَ} تنكرون وتعيبون {السحت} الحرام وقد تقدم {مَغْلُولَةٌ} مقبوضة والغلُّ: القيد يوضع في اليد وهو كناية عن البخل، وغلّة وضع القيد في يده {أَطْفَأَهَا} الإِطفاء: الإِخماد حتى لا يبقى هناك أثر {مُّقْتَصِدَةٌ} أي عادلة غير متغالية من القصد وهو الاعتدال.
سَبَبُ النّزول: 1 – عن ابن عباس قال: كان «رفاعةُ بن زيد» و «سُوَيْد بن الحارث» قد أظهرا الإِسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله {ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً … } الآية. ([3]) .
ب – عن ابن عباس قال: جاء نفرٌ من اليهود إِلى النبي e فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام، فقال: أومن بالله وما أُنزل إِلينا وما أُنزل إِلى إِبراهيم وإِسماعيل إِلى قوله «ونحن له مسلمون» فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: والله ما نعلم أهل دينٍ أقلَّ حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم فأنزل الله {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله} الآية. ([4]) .
التفِسير: {ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ} نهى تعالى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى ينصرونهم ويستنصرون بهم ويصافونهم ويعاشرونهم معاشرة المؤمنين {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي هم يدٌ واحدة على المسلمين لاتحادهم في الكفر والضلال، وملةُ الكفر واحدة {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أي من جملتهم وحكمهُ حكمهمُ قال الزمخشري: وهذا تغليظٌ من الله وتشديدٌ في مجانبة المخالف في الدين واعتزاله كما قال e «لا تراءى نارهما» {إِنَّ الله لَا يَهْدِي القوم الظالمين} أي لا يهديهم إِلى الإِيمان {فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي شك ونفاق كعبد الله بن أُبيّ وأصحابه يسارعون في مُوالاتهم ومُعاونتهم {يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} أي يقولون معتذرين عن موالاة الكافرين نخاف حوادث الدهر وشروره أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يتم الأمر لمحمد قال تعالى رداً على مزاعمهم الفاسدة {فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح} يعني فتح مكة وهذه بشارة للنبي eَ والمؤمنين بوعده تعالى بالفتح والنصرة {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} أي يُهلكهم بأمرٍ من عنده لا يكون فيه تسبّبٌ لمخلوق كإِلقاء الرعب في قلوبهم كما فعل ببني النضير {فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} أي يصير المنافقون نادمين على ما كان منهم من موالاة أعداء الله من اليهود والنصارى {وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ} أي يقول المؤمنون تعجباً من حال المنافقين إِذا هتك الله سترهم {أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} أي حلفوا لكم يا معشر اليهود بأغلظ الإِيمان إِنهم لمعكم بالنصرة والمعونة كما حكى تعالى عنهم {قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} [الحشر: 11] {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} أي بطلت أعمالهم بنفاقهم فصاروا خاسرين في الدنيا والآخرة {ياأيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} خطابٌ على وجه التحذير والوعيد والمعنى: يا معشر المؤمنين من يرجع منكم عن دينه الحق ويبدّله بدينٍ آخر ويرجع عن الإِيمان إِلى الكفر {فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} أي فسوف يأتي الله مكانهم بأناسٍ مؤمنين يحبّهم الله ويحبّون الله {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} أي رحماء متواضعين للمؤمنين أشداء متعززين على الكافرين قال ابن كثير: وهذه صفاتُ المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه متعززاً على عدوه كقوله تعالى {أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ} ومن علامة حب الله تعالى للمؤمن أن يكون ليّن الجانب متواضعاً لإِخوانه المؤمنين متسربلاً بالعزّة حيال الكافرين والمنافقين {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم} أي يجاهدون لإِعلاء كلمة الله ولا يبالون بمن لامهم فهم صلاب في دين الله لا يخافون في ذات الله أحداً {ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي من اتصف بهذه الأوصاف الحميدة فإِنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له {والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الإِفضال والإِحسان عليهمٌ بمن يستحق ذلك، ثمّ لما نهاهم تعالى عن موالاة الكفرة ذكر هنا من هم حقيقون بالموالاة فقال {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ} أي ليس اليهود والنصارى بأوليائكم إِنما أولياؤكم الله ورسوله والمؤمنون {الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ} أي المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف الجليلة من إِقام الصلاة وإِيتاء الزكاة وهم خاشعون متواضعون لله عز وجل قال في التسهيل: ذكر تعالى الوليَّ بلفظ المفرد إِفراداً لله تعالى بهما، ثم عطف على اسمه تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم َ والمؤمنين على سبيل التّبع، ولو قال «إِنما أولياؤكم» لم يكن في الكلام أصلٌ وتبع {وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون} أي من يتولّ الله ورسوله والمؤمنين فإِنه من حزب الله وهم الغالبون القاهرون لأعدائهم) ([5]) .
[أصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات]: (1) التمسك بالقرآن الكريم لأنه الكتاب المهيمن، (2) الحكم بما أنزل الله، (3) الابتعاد عن أحكام الجاهلية، (4) عدم موالاة اليهود والنصارى، (5) الحذر من النفاق وأهله، (6) صفات حزب الله الموعود من الله تعالى بالمحبة والفوز والغلبة، {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}، {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}، {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}، {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}، {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}، {وَهُمْ رَاكِعُونَ}.(1) التمسك بالقرآن الكريم لأنه الكتاب المهيمن: قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}، وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170].
(2) الحكم بما أنزل الله: قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}، (أ) إنّ تحكيم شرع الله تعالى هو جزء من شهادة التوحيد (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله) باب الإسلام الأوحد، وتحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من توحيد الربوبية، وتحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من توحيد العبودية، وتحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من تجريد الاتباع وتحقيق المتابعة لرسول الله e، ولا شك أن تنحية شرع الله تعالـى، وعــدم الـتـحـاكم إليه في شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف العقائدي والتشريعي والسلوكي في مجتمعات المسلمين، ولقد كانت عـواقـب الحكم بغـير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حلَّ بهم من أنواع الكفر والظلم والفسوق والعصيان والــذل والـمـحـق نسأل الله تعالى أن يردنا إلى ديننا رداً جميلا، (ب) تحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من شهادة التوحيد، فعندما يقول المسلم شهادة التوحيد التي هي باب الإسلام الأوحد، (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله) فمعنى ذلك أنه قد التزم وأقر بألا يتحاكم إلا إلى الله وإلى شرع الله، (ت) تحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من توحيد الربوبية: فتوحيد الربوبية يشمل توحيد الله تعالى في الحاكمية والتشريع: المراد منه أنّ للإنسان مرجع واحد في الحكم والتشريع، هو شرع الله تعالى وحده، وحكمه تعالى وحده، فالله تعالى هو الرب الحاكم المشرع وحده لا شريك له في حكمه وتشريعه، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما أنزل الله تعالى أربابًا لمتبعيهم، فقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31] والدليل على أنّ صفات الحكم والتشريع والسيادة من مفردات ربوبية الله تعالى لخلقه قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57]، وقوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62]، وقوله تعالى: {لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام:114]، وقوله تعالى: {ولاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف:26]، وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10]، ويتناقض مع هذا القسم من التوحيد كل من اعتقد أن لغير الله الحق في التشريع والحكم بين الناس بما يخالف شرع الله، فالتشريع من دون الله شرك في ربوبيته، وفاعله منازع لله في قسم الحكم والتشريع من أقسام الربوبية، فإن اعتقد أنّ له حقاً في ذلك فقد نصّب نفسه رباً، ومن استحل طاعته في تشريعه بما يخالف شرع الله تعالى، فقد اتخذه رباً من دون الله تعالى، وهذا كما جاء في تفسير الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، أخرج الطبري والمفسرون عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله e يقرأ “سورة براءة”، فلما قرأ: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، قلت: يا رسول الله، إما إنهم لم يكونوا يصلون لهم! قال: صدقت، ولكن كانوا يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون ما أحل الله لهم فيحرمونه، وأخرج عن حذيفة رضي الله عنه: أنه سئل عن قوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه، وأخرج عنه أيضاً: قال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم) أهـ ([6]) . وعلى ذلك إجماع أهل السنّة والجماعة: أنّ من استحل الحكم بغير ما أنزل الله فقد كفر وأشرك في ربوبية الله باتخاذه المشرع من دون الله تعالى رباً من دون الله، وقد تقدم في كتاب (مفاتيح علم الإيمان) بيان الضابط الفقهي للمسألة وهو الاستحلال، فمن استحل فقد كفر الكفر الأكبر، ومن أقر وحكم بغير ما أنزل الله، فهو كافر في إطار الملة (كفر دون كفر)، (ث) تحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله هو جزء من توحيد العبودية: الـحـكـم بما أنزل الله تعالى وحده هو إفراد الله تعالى بالحكم والتشريع والطاعة، وجميعها من أجل أنواع العبادة، فــلا تصرف إلا لله وحده لا شريك له وتوحيد التحكيم والتشريع: هو توحيد الله تعالى بتحكيم شرعه: لقوله تعالى: {و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَالِمُونَ}، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، (ج) تحكيم شرع الله تعالى والحكم بما أنزل الله ومنزلته من تجريد الاتباع: فتحقيق المتابعة لرسول الله e، لا يتم إلا بالحكم بما أنزل الله، قال تعالى: {فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 60]، (ح) لا شك أن تنحية شرع الله تعالـى، وعــدم الـتـحـاكم إليه في شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف العقدي والتشريعي والسلوكي في مجتمعات المسلمين، ولقد كانت عـواقـب الحكم بغـير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حلَّ بهم من أنواع الكفر والظلم والفسوق والعصيان، وصنوف الــذل والـمـحـق والغضب من الله تعالى الكثير والكثير، فقد فـرض الله تعالـى الـحـكـم بشريعته، وأوجب ذلك على عباده، وجعله الغاية من تنزيل الكتاب، فقال تعالى: {وأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة:213]، وقـال تعالى: {إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105]، وجـاءت الآيـات القـرآنـيـة مـؤكـدة على أن الحكم بما أنزل الله من صفات المؤمنين، وأن التحاكم إلى غير ما أنزل الله من صفات المنافقين، قال تعالى: {ويَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ ومَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وإن يَكُن لَّهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُـونَ. إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [النور: 47 إلى 51]، (خ) يجب على أولياء الأمور من المسلمين أن يسارعوا في اتخاذ الخطوات الجادة من أجل تطبيق شرع الله تعالى مستعينين بالله وحده على أداء تلك المهمة الجسيمة من مهام الدين وذلك المطلب العظيم من مطالب الإسلام والإيمان والتوحيد، فلا بد من خدمة دين الله تعالى بتطبيق شرعه، والاستعانة على ذلك بالله فهو أقوى من كل قوي وهو تعالى أعز من كل عزيز، وقد قال الله تعالى في سبعة مواضع من القرآن:{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، وإن من أصول الإيمان الثقة بالله تعالى وصدق التوكل عليه، والعلم بأنّه لا يكون إلا ما شاء، ولا ينفع غيره ولا يضر إلا بإذنه، فالأمر كله إلى الله وحده لا شريك، فهو الضار النافع، لا ينفع أحدٌ ولا شيء إلا بإذنه، ولا يضر أحد ولا شيء إلا بإذنه، فوجب أن لا تتعلق القلوب خوفا ورجاء إلا به، ولا استعانة وتوكلا إلا عليه سبحانه.
(3) الابتعاد عن أحكام الجاهلية: قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، ومن ذلك التحاكم إلى الطاغوت: كما جاء في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 60 إلى 65]، فمن تحاكم إلى غير ما جاء به الرسول e فقد حَكَّمَ الطاغوت، وتحاكم إليه، فطاغوت كل قومٍ من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله e، أو يعبدونه من دون الله.
(4) عدم موالاة اليهود والنصارى: يطلق الولاء في الشرع على عدد من المعاني الشرعية: وجميعها يرجع إلى أصلها اللغوي وهو القرب والدُنّـو، وأهم هذه المعاني ثلاثة: الأول: ولاء النصرة: وهو أظهر معاني الولاء في القرآن الكريم ومن ذلـك قوله تعالى {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ..} [البقرة: 257]، والمعنى أنّ الله تعالى هو الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين، وقوله تعالى{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51]، والمعنى: (هو مولانا) أي ناصرنا، وقوله تعالى{أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [يوسف: 101] ” أنت ولييّ ” أي ناصـري، وقوله تعالى{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196] {إنّ ولييّ الله} أي نصيـري وظهيري، وأظهر معاني الولاء في القرآن هو النصرة، وقوله تعالى{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] يستفاد منه أنّ النصـرة واجبـة بيـن المؤمنيـن والمؤمنات، والمعنى الثاني: ولاء المتابعة والطاعة: ومنه وقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ..} [الأعراف:3] والمعنى أنّ من اتبع ما أنزل الله فقد اتخذ الله تعالى ولياً، ومن اتبع غير الله فقد اتخذهم أولياء من دون الله، والمعنى الثالث: ولاء المحبة والمودة: ومنه قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 23 – 24] ومن تدبّر الآية يتضح تعلق الولاء بالمحبة وأنّ المحبة نوع من الولاء، ويجب صرف ولاء المحبة إلى الله ورسوله والجهاد في سبيله، ومن كان ولاؤه لشيء من أمور الدُنيا أشدّ من ولائه لله ورسوله ونصرة دينه فليتربص خذلانا من الله تعالى، والله لا يهدي القوم الفاسقين. ومنه قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} الآية [الممتحنة: 1] فالمودة ولاء وصرف ولاء المودة واجب لله ولرسوله والمؤمنين ومحرّم صرفه إلى الكافرين، وعلى ذلك فإنّ كل معانى الولاء يجب صرفها لله ورسوله ولدينه وللمؤمنين كما جاء في قوله تعالى{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة: 56]، وكما أوجبها المولى سبحانه في حق الله ورسوله ودينه والمؤمنين فقد أوجب ضدها في حق الكافرين وتتمثل في عدائهم وجهادهم: (أشداء على الكفار (، {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}[البقرة: 193]، {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].ويتمثل كذلك في بغضهم وإظهار الكراهية لكفرهم {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ..} [المجادلة: 22]، قد جعل المولى سبحانه لنا القدوة في الأنبياء في إظهار العداء والبراء لهم ومنه قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ..}[الممتحنة: 4]. وقوله تعالى{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[التحريم: 9] وحرّم المولى جل شأنه على المسلمين موالاة الكافرين وجعلها طريق عريض إلى الانسلاخ من ملة الإسلام إلى ملة الكفر. كما قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]. وقال تعالى {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ..} فالتحذير الرباني من موالاة الكافرين شديد تلحظه في قوله تعـالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ..} [المائدة: 51] وقوله تعالى{فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ}[أل عمران: 3] وقوله تعالى{وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1]، [تنبيه]: تقدم أنّ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة، ومع ذلك فالمفرّط فيهما ينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة، فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة. وهذا هو الفقه الذي حبى به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن، ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة: (هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين)، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم. فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة. وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة وصاحب الكفر دون الكفر عموماً على خطر عظيم لقربه من هاوية الكفر الأكبر، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
(5) الحذر من النفاق وأهله: إنّ خطر المنافقين على أهل الإسلام أشد خطرا من جميع الأعداء، وما ذاك إلا لكونهم يمثلون معول الهدم الداخلي لهذا الدين القيم، ولهذا قال الله تعالى – في حقهم -: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 145، 146]، والمنافقون لهم صفات كثيرة، منها (أنّ في قلوبهم مرض)، فلا هم قادرون على إعلان الإيمان الصريح الواضح، ولا هم قادرون على إعلان إنكارهم للحق، وسبب ذلك هو المرض الذي يتمكَّن من قلوبهم، فيحرفها عن طريق الإيمان: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]، ومنها أنهم (مُفسدون يزعمون الإصلاح): موازينهم مختلة، يفسدون في الأرض، ثم يزعمون أنهم مصلحون، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11، 12]، وهم (سفهاء) يظنون أنهم العقلاء وأن من عداهم سفهاء، وقد حكم الله تعالى عليهم بالسفه {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} [القرة: 13]، وهم (مخادعون متآمرون): يتصفون بالخسَّة واللُّؤم والجُبن والخبث، يتلوَّنون حسب الظروف، فهم أمام المؤمنين متستِّرون بالإيمان، وأمام الكافرين وشياطين الإنس يخلعون ذلك الستار عن كاهلهم، فيظهرون على حقيقتهم الخسيسة، قال تعالى – في فضح حالهم -: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [القرة: 14 إلى 16]، ومن صفاتهم الغدر، قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: 75 إلى 78]، يتولّون الكافرين على المؤمنين: زاعمين أنَّ العزة عند الكافرين، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا} [النساء: 139]، يفرحون لما يُصيب المؤمنين مِنْ سُوءٍ ومحنةٍ:، قال تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، يرفضون الحكم بما أنزل الله ويتحاكمون إلى الطاغوت:، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 إلى 62]، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف،، يَتَشَابَهُونَ فِي صِفَاتِهِمْ وَأَخْلاَقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ رِجَالاً ونساء، يَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِفِعْلِ المُنْكَرِ، كَالكَذِبِ وَالخِيَانَةِ، وَإِخْلافِ الوَعْدِ، وَنَقْضِ العَهْدِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ فِعْلِ الخَيْرِ وَالمَعْرُوفِ: كَالجِهَادِ، وَبِذْلِ المَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَضِنُّونَ بِالإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ البِرِّ وَالطَّاعَاتِ وَالإِحْسَانِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، ومن أخص صفاتهم، ما جاء في قوله e: (آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدث كذب، وإذا وعَد أخلف، وإذا ائتمن خان) ([7]) .قوله e: (أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَلَّةٌ منهن كانت فيه خَلةٌ من نفاقٍ حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصَم فجَر) ([8]) . اللهم إنا نعوذ بك من النفاق من شعب النفاق ومن صفات المنافقين،
(6) صفات حزب الله الموعود من الله تعالى بالمحبة والفوز والغلبة: فهذه الآيات الكريمات اشتملت على صفات حزب الله الذي يستحق من الله عز وجل وعلا الغلبة والفلاح في الدنيا والآخرة وأهم تلك الصفات: (1) (يحبهم) الله جل وعلا: والله يحب المحسنين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الصابرين ويحب المتوكلين ويحب المقسطين ويحب المتقين، وفي المقابل فإن الله عز وجل لا يحب الكافرين ولا يحب الظالمين ولا يحب المفسدين ولا يحب المعتدين ولا يحب الخائنين ولا يحب المستكبرين ولا يحب الفرحين ولا يحب كل مختال فخور ولا يحب كل خوان أثيم ولا يحب كل كفار أثيم، (2) (ويحبونه) وعلامة حبهم هم للمولى جل وعلا إتباع النبي e: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ..} [آل عمران: 31]، (3) أذلة على المؤمنين، (4) أعزة على الكافرين، (5) يجاهدون في سبيل الله، (6) لا يخافون لومة لائم، (7) الولاء لا يكون إلا لله وحدة ولرسوله e وللمؤمنين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([5]) صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني 1/323:319.