الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: أصول الأخلاق في القرآن الكريم: آيات من سورة الضحى: قال تعالى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}
[المعنى الإجمالي للآيات]: جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[[والضحى والليل إذا سجى] أقسم تعالى بوقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، وأقسم بالليل إذا اشتد ظلامه، وغطى كل شيء في الوجود، قال ابن عباس: [سجى] أقبل بظلامه قال ابن كثير: هذا قسم منه تعالى بالضحى، وما جعل فيه من الضياء، وبالليل إذا سكن فأظلم وأدلهم، وذلك دليل ظاهر على قدرته تعالى، [ما ودعك ربك وما قلى] أي ما تركك ربك يا محمد منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبك، وهذا رد على المشركين حين قالوا: هجره ربه، وهو جواب القسم، [وللآخرة خير لك من الأولى] أي وللدار الآخرة خير لك يا محمد من هذه الحياة الدنيا، لأن الآخرة باقية، والدنيا فانية، ولهذا كان عليه السلام يقول: ” اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة “، [ولسوف يعطيك ربك فترضى] أي سوف يعطيك ربك في الآخرة من الثواب، والكرامة، والشفاعة، وغير ذلك إلى أن ترضى، قال ابن عباس: هي الشفاعة في أمته حتى يرضى، لما روي أن النبي، ذكر أمته فقال: اللهم أمتي أمتى وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد واسأله ما يبكيك؟ – وهو أعلم – فأتى جبريل رسول الله e وسأله فأخبره رسول الله e بما قال، فقال الله يا جبريل: اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك “([1]) . وفي الحديث (لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ. فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ. وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.) الحديث([2]) .، قال الخازن: والأولى حمل الآية على ظاهرها، ليشمل خيري الدنيا والآخرة معا، فقد أعطاه الله تعالى في الدنيا: النصر، والظفر على الأعداء، وكثرة الأتباع والفتوح، وأعلى دينه، وجعل أمته خير الأمم، وأعطاه في الآخرة الشفاعة العامة، والمقام المحمود، وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة.. ثم لما وعده بهذا الوعد الجليل، ذكره بنعمه عليه في حال صغره، ليشكر ربه، فقال سبحانه، [ألم يجدك يتيما فآوى]؟ أي ألم تكن يا محمد يتيما في صغرك، فآواك الله إلى عمك (أبي طالب) وضمك إليه؟ ([3]) .قال ابن كثير: وذلك لأن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، ثم توفيت أمه وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده (عبد المطلب) إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه ” أبو طالب ” ثم لم يزل يحوطه وينصره يرفع من قدره، حتى ابتعثه الله على رأس الأربعين، وأبو طالب على عبادة الأوثان مثل قومه، ومع ذلك كان يدفع الأذى عن رسول الله e، وكل هذا من حفظ الله له، وكلاءته وعنايته به([4]) . [ووجدك ضالا فهدى] أي ووجدك تائها عن معرفة الشريعة والدين فهداك إليها، كقوله تعالى: [ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان] قال الإمام الجلال: أي وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من الشريعة فهداك إليها، وقيل: ضل في بعض شعاب مكة وهو صغير، فرده الله إلى جده،([5]) .قال أبو حيان: لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى، لأن الأنبياء معصومون من ذلك قال ابن عباس: هو ضلاله وهو في صغره في شعاب مكة،([6]) . وقيل: ضل وهو مع عمه في طريق الشام، [ووجدك عائلا فأغنى] أي ووجدك فقيرا محتاجا فأغناك عن الخلق، بما يسر لك من أسباب التجارة.. ولما عدد عليه هذه النعم الثلاث، وصاه بثلاث وصايا مقابلها، فقال سبحانه، [فأما اليتيم فلا تقهر] أي فأما اليتيم فلا تحتقره ولا تغلبه على ماله، قال مجاهد: أي لا تحتقره، وقال سفيان: لا تظلمه بتضييع ماله، والمراد: كن لليتيم كالأب الرحيم، فقد كنت يتيما فآواك الله، [وأما السائل فلا تنهر] أي وأما السائل المستجدي الذي يسأل عن حاجة وفقر، فلا تزجره إذا سألك، ولا تغلظ له القول، بل أعطه أو رده ردا جميلا، قال قتادة: رد المسكين برفق ولين، [وأما بنعمة ربك فحدث] أي حدث الناس بفضل الله وإنعامه عليك، فإن التحدث بالنعمة شكر لها، قال الألوسي: كنت يتيما وضالا وعائلا، فآواك الله، وهداك، وأغناك، فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث، فتعطف على اليتيم، وترحم على السائل، فقد ذقت اليتم والفقر، وأرشد العباد إلى طريق الرشاد، كما هداك ربك]] ([7]) .
[أصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات]: (1) الرحمة باليتيم {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}، (2) الرحمة بالسائل: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ}، (3) التحدث بنعمة الله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}، (1) الرحمة باليتيم: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}: تعددت النصوص في التأكيد على حق اليتيم: قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 8 12]، وقال الله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} [النساء: 36]، وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220]؛ أي: تُعامِلونهم كما تُعامِلون الإخوان، وهذا أعلى درجات الإحسان والمعروف؛ وقد جعل الله تعالى الإحسان إلى اليتامى قُرْبة من أعظم القربات ونوعًا عظيمًا من البِر، فقال: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، وأهوال القيامة العظيمة وكُرباتها الشديدة، وقد جعل الله لكافل اليتيم منها نجاةً ومخرجًا، قال سبحانه: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} [البلد: 11 15]، وأوصى الله تعالى بالإحسان إلى اليتيم الذي ترَك له والدُه مالاً برعاية هذا المال وتنميته وتثميره، وعدم الاعتداء عليه بأي صورة من الصور، فقال: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152]، وقال: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤولًا} [الإسراء: 34]، وقال تعالى: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} قال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: 1 3]، وعدَّ الرسول e أكلَ مالِ اليتيم من السبع الموبِقات؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قال: (اجتنِبوا السَّبعَ الموبقات)، قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتْل النَّفْس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذْف المحصنات المؤمنات الغافلات) ([8]) .أخرج البخاري عن النبي e قال: أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى) ([9]) . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله e قال في المعراج: (فإذا أنا برجال وقد وكل بهم رجال يفكون لحاهم, وآخرون يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها بأفواههم, وتخرج من أدبارهم فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا) ([10]) .(2) الرحمة بالسائل: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 10]: هنا السائل لا تنهره ولا تَزجُره، أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: (قال رجل: لأتصدَّقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضَعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدَّثون، تُصُدِّق على سارق؟ فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدَّقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يدي زانية، فأصبحوا يتحدَّثون تُصُدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدَّقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدَّثون تُصُدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني، فأتي فقيل له: أما صَدقتُك على سارق، فلعله أن يَستعِفَّ عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تَستعِفَّ عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فيُنفِق مما أعطاه الله) ([11]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: : كُنْتُ أمشي مَعَ رسول الله e وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَبذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدةً، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ e، وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُر لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ. فَالتَفَتَ إِلَيْهِ، فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. ([12]) .
(3) التحدث بنعمة الله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]؛ النعمة: كلُّ ما أنعم الله به على العبد، وأعظم النعمة نعمة الإسلام، ولهذا قال المفسرون {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} أي بنعمة الإسلام فادع الناس إليه وحدث به، والنعمة تشمل الدين والهداية، وقيل نعمة ربك أي (القرءان)، فإنّ القرءانَ أعظَمُ ما أنعَم اللهُ بهِ على النبي e، والتّحديثُ به أن يَقرَأه ويُقرئ غيرَه ويُبيّنَ حقَائقَه لهم، وقيل: نعمة ربك أي (النبوة)، أي بلّغ مَا أُنزِلَ إليكَ مِن ربّك والحديث عن نعم الله يدخل في شُكْر تلك النعم، والله تعالى يقول: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]، وقال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، وقال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، وقال تعالى: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، وقال تعالى: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145]، وأخرج الترمذي عن النبي e قوله: (إنَّ الله يُحِبُّ أَن يَرَى ءاثَارَ نِعمَتِه على عَبدِه) ([13]) . وأخرج النسائي عن أبي الأحوص عن أبيه أنه أتَى النبيَّ e في ثَوبٍ دُون فقال له النبي e: (أَلَكَ مَالٌ قال: نَعَم مِن كُلّ المالِ، قال: مِن أَيِّ المال، قال قَد ءاتاني اللهُ مِنَ الإبلِ والغَنَم والخَيلِ والرّقِيق، قال: فإذَا ءاتَاكَ اللهُ مَالا فَلْيُرَ عَلَيكَ أَثَرُ نِعمَةِ اللهِ وكَرامَتِه) ([14]) . وقد أمرنا الله تعالى بشكره على تلك النعم، وعدم جحودها، فقال سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]، ظلوم صيغة مبالغة كثير الظلم لنفسه وإخوانه، وكفار صيغة مبالغة ترجع إلى كفرانه لنعمة الله تعالى فلا يشكرها، وقال سبحانه: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ}، وبين المولى تبارك وتعالى أنّ الإنسان إما أن يكون شاكرا وإما أن يكون كفورا، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}، وبين أن إغواء الشيطان إنما بهدف الكفر بنعمة الله تعالى وعدم شكرها، فقال تعالى: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ}، وبين سبحانه أنّ الشكر سبب في رفع البلاء، فقال سبحانه: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}، وقد كان سيدنا محمد e يجهد نفسه في العبادة وإحياء الليالي، والقيام بين يدي ربه خاشعاً متبتلاً متحققاً بمقام الشكر، ولهذا لما سئل عن سبب قيامه وإجهاد نفسه، حتى تورمت قدماه قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) ، أخرج مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـقالت:(كان رسول اللهe إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه.. قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال e: يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا) ([15]) .
إنّ نعم الله تعالى لا حصر لها، قال سبحانه: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار}، نعم الله تعالى كثيرة، لا تعد ولا تحصى، ولكن الإنسان ظلوم كفار، لا يشكر نعم الله عليه، ومن عادته أنه يكفر بالنعمة كما قال سبحانه عن الشيطان: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين}، لقد أمرنا ربنا بشكر نعمه فقال سبحانه: {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون}، وقال لنبيه e: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين}، والشكر مانع من العذاب، قال سبحانه: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما}، وشكر النعمة سبب لزيادتها، وكلما ازداد شكر المؤمن للنعمة زادت النعمة، قال سبحانه: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}، إنّ الطريق إلى شكر النعم: إنما يكون بتذكر النعم واستحضارها، قال سبحانه: {يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض}، ويكون بذكرها والحديث عنها، قال سبحانه: {وأما بنعمة بربك فحدث}، وعلمنا رسول الله e دعاء نردده كل صباح ومساء: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ([16]) .ىويكون بالدعاء إلى الله تعالى أن يعيننا على شكر نعمه، كما جاء في قوله تعالى: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي}، وثبت في سنن أبي داود أن النبي e قال لمعاذ: (يا معاذ والله إني لأحبك في الله، ثم أوصيك يا معاذ، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ([17]) .وبهذا تثبت النعم وتزيد النعم، قال سبحانه: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([2]) المصدر السابق 1/189 ح 199.
([6]) البحر المحيط في التفسير 10/497.
([7]) صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني 3/545- 546.
([9]) صحيح البخاري 8/9 ح 6005.
([10]) مسند الحارث ابن أسامة 3/326ح 1747.
([11]) صحيح البخاري 2/110 ح 1421.
([12]) صحيح البخاري 8/24 ح 6088، صحيح مسلم 2/730 ح 1057.
([13]) سنن الترمذي 5/123 ح 2819.
([14]) السنن الكبرى للنسائي 8/389 ح 9486.
([15]) صحيح مسلم 4/2172 ح 2820.