الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: أتناول في هذا الدرس بمشيئة الله تعالى: نصرة النبي e وتوقيره وتعظيم أمره، أقول وبالله التوفيق، من أهم أخلاق المسلم مع الرسول: نصرة الرسول وتوقير الرسول وتعظيم أمر الرسول، وما أكثر الآيات التي تتناول وجوب نصرة النبي e وتوقيره وتعظيم أمره، ومن ذلك، قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8، 9]، والمعنى: [إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا] إنا أرسلناك يا رسول الله e، شاهدا على الخلق يوم القيامة، ومبشرا للمؤمنين بالجنة، ومنذرا للكافرين من عذاب النار، [لتؤمنوا بالله ورسوله] أي أرسلنا الرسول لتؤمنوا أيها الناس، بربكم ورسولكم حق الإيمان، إيمانا عن اعتقاد ويقين، لا يخالطه شك ولا ارتياب، [وتعزروه] أي تفخموا الرسول e وتعظموه، [وتوقروه] أي وتحترموا وتجلوا أمره، مع التعظيم والتكريم، والضمير فيهما للنبي [وتسبحوه بكرة وأصيلا] أي تسبحوا ربكم في الصباح والمساء، والضمير في التسبيح عائد إلى الله سبحانه، ليكون القلب متصلا بالله في كل حين وآن، ومن ذلك، قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]، الآية وضحت أنّ النبي المقصود هو النبي محمد e، وهذه صفاته {النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}، ثم علقت الآية الفلاح على من قام بالإيمان به وعزروه (أي وعظموه ووقروه) ونصروه، قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ومن ذلك، قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 81 إلى 83]، والمعنى: [واذ اخذ الله ميثاق النبيين] أخذ الله العهد المؤكد على النبيين [لما اتيتكم من كتاب وحكمة] أي لمن أجل ما اتيتكم من الكتاب والحكمة، [ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم] ثم جاءكم رسول من عندي بكتاب مصدق لما بين ايديكم، وهو (محمد) e [لتؤمنن به ولتنصرنه] أي لتصدقنه ولتنصرنه، قال ابن عباس: ما بعث الله نبيا من الانبياء الا اخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا وهو حي، ليؤمنن به ولينصرنه، وامره ان ياخذ الميثاق على امته، [قال أأقررتم واخذتم على ذلكم اصري] اي ” أأقررتم واعترفتم بهذا الميثاق واخذتم عليه عهدي؟ [قالوا اقررنا] أي اعترفنا [قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين] أي اشهدوا على انفسكم وأتباعكم، وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم [فمن تولى بعد ذلك] أي اعرض ونكث عهده [فاولئك هم الفاسقون] أي هم الخارجون عن طاعة الله، [افغير دين الله يبغون] الهمزة للإنكار التوبيخي أي ايبتغى اهل الكتاب دينا غير الاسلام، الذي ارسل الله به رسله؟ [وله اسلم من في السموات والارض] أي ولله استسلم وانقاد وخضع اهل السموات والارض [طوعا وكرها] أي طائعين ومكرهين قال قتادة: المؤمن اسلم طائعا، والكافر اسلم كارها لأنه تحت التسخير والقهر، والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع [واليه يرجعون] أي يوم المعاد فيجازي كلا بعمله] والشاهد أنّ الله تعالى أخذ على كافة الأنبياء الميثاق بالإيمان بالنبي e ونصرته، ومن ذلك، قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40]، والمعنى: [إلا تنصروه فقد نصره الله] أي ان لا تنصروا رسوله، فان الله ناصره وحافظه، وجواب الشرط محذوف تقديره: فسينصره الله دل عليه قوله [فقد نصره الله] والمعنى: إن لم تنصروه انتم فسينصره الله، الذي نصره حين كان ثاني اثنين، حيث لم يكن معه انصار ولا اعوان [إذ أخرجه الذين كفروا] أي حين خروجه من مكة مهاجرا الى المدينة، وأسند اخراجه الى الكفار، لانهم الجئوه الى الخروج وتآمروا على قتله، حتى اضطر الى الهجرة [ثاني إثنين] اي احد اثنين لا ثالث لهما هو ” ابو بكر الصديق ” [اذ هما في الغار] أي حين كان هو والصديق مختبئين في النقب في جبل ثور، [اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا] أي حين يقول لصاحبه وهو (الصديق) تطمينا وتطييبا: لا تخف فالله معنا بالمعونة والنصر، روى الطبري عن انس ان ابا بكر رضي الله عنه قال (بينا انا مع رسول الله e في الغار، واقدام المشركين فوق رءوسنا فقلت يا رسول الله: لو ان احدهم رفع قدمه لأبصرنا فقال: يا ابا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)([1]) . وكان سبب حزن أبى بكر، خوفه على رسول الله، ان يروه فيقتلوه، فطمأنه الرسول تسكينا لقلبه [فانزل الله سكينته عليه] أي انزل الله السكون والطمأنينة على رسوله [وأيده بجنود لم تروها] أي قواه بجنود من عنده من الملائكة يحرسونه في الغار لم تروها انتم [وجعل كلمة الذين كفروا السفلى] أي جعل كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة، اذل بها الشرك والمشركين، [وكلمة الله هي العليا] أي وكلمة التوحيد (لا اله الا الله) هي الغالبة الظاهرة، اعز الله بها المسلمين، واذل الشرك والمشركين، [والله عزيز حكيم] أي قاهر غالب لا يغلب، لا يفعل الا ما فيه الحكمة والمصلحة، والشاهد هو أنكم إن لم تنصروا الرسول فالله ناصره، وهوكما قال تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]، ومن ذلك، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، الله تعالى هو الناصر وهو الغالب وهو الغني الحميد وهو القوي العزيز، والمعنى: إن تنصروا رسول الله وتنصروا دين الله، ينصركم على أعدائكم، [ويثبت أقدامكم] أي ويثبتكم في مواطن البلاء والاختبار.
إن من أوجب أخلاق المؤمن مع الرسول e: الدفاع عنه e، وعن عرضه وعن دينه وعن آله وعن صحبه، والانتصار لكل ذلك بكل وسيلة شرعية ممكنة، فلا مناص من نصرته وتعزيره وتوقيره، ولذلك جاء ذكر النّصرة في القرآن في سياق بيان أخلاق أتباع النبي e قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] , بل وجاءت النصرة في سياق بيان أخلاق الانبياء أنفسهم مع رسول الله e، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]، إن التخلي عن نصرة الانبياء هو من دسائس أخلاق اليهود الذين ذكرهم الله تعالى في سورة المائدة في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 20 إلى 26]، لقد بلغ من سوء أخلاقهم أن نبي الله موسى عليه السلام أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة (بيت المقدس) وأنهم إن ساروا إليها فإنهم سيدخلوها فاتحين لأن الله تعالى وعدهم بذلك، فأبوا نصرته وكان من حالهم أن قالوا: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}، وقالوا: {نَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ}، تخلوا عن نصرة نبيهم موسى عليه السلام، فكان من حاله أن ناجى ربه تعالى بقوله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}، فحرم الله تعالى عليهم دخولها أربعين سنة يتيهون في الأرض، ولهذا خاطب القرآن الكريم أمة الإسلام بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 69 إلى 71]، والفرق عظيم بين أخلاق المسلمين الموحدين الذين رضي الله أخلاقهم، وبين اخلاق اليهود المغضوب عليهم، ففي غزوة بدر استشار النبي e الصحابة قبل بدء المعركة، فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم عمر بن الخطاب – رضي اللَّه عنه – فقال وأحسن، ثم استشارهم ثانياً، فقام المِقْدَاد فقال: يا رسول اللَّه، امض لما أمرك اللَّه فنحن معك، واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، [نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، ثم استشار الناس ثالثاً، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول اللَّه، إني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فو اللَّه لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدواً غداً، إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدقٌ في اللقاء، ولعل اللَّه يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة اللَّه، فأشرق وجه رسول اللَّه e وسُرَّ بما سمع، ونشطه ذلك، ثم قال: (سيروا وأبشروا، فإن اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم) ([2]) .
، إنّ من أوجب أخلاق المسلم تجاه الرسول e الدفاع عنه ونصرته كما قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، فأهل الفضل والعلم والجهاد والتضحية من أتباع الأنبياء قبلكم كانوا يقاتلون مع أنبيائهم ولم يصيبهم الوهن ولا الضعف، ولكنهم صَبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينه، وكما جاء في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]، وضحت الآية أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل معهم الكتب لبيان الحق وينتصر أهل الحق لحقهم، وأنزل لهم الحديد (أي آلة الحرب والجهاد) ليكون ذلك رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، وقد شرع الله تعالى ذلك ليقوم المؤمنون بنصرة نبيهم يرى الله تعالى ذلك منهم: {لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، وهو سبحانه قوي عزيز، ينصر من نصره.
لقد تبوأ الأنصار أعلى منازل الدين لأنهم تخلقوا بأخلاق النصرة لرسول الله e، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]، فساووا المجاهدين في الفضل والمنزلة، فالمهاجرون كان لهم الفضل بالهجرة والجهاد بالمال والنفس، والأنصار كان لهم الفضل بالإيواء والنصر والجهاد بالمال والنفس، ووصف الفريقين معاً بولاية بعضهم لبعض، وأثبت لهم معاً حقيقة الإيمان بقوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}، وقد خاطبنا الله تعالى من بعد المهاجرين والأنصار وإلى قيام الساعة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ} [الصَّف: 14] ونصرة الله القوي الغالب ليس لها معنى سوى نصرة رسوله e، كما في قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]، فنصرة الرسول نصرة لله، كما أن طاعة الرسول طاعة لله.
ومن الأدلة على وجوب النبي e قوله تعالى: {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد: 7]، وقوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، ونصرة الله القوي الغالب ليس لها معنى سوى نصرة رسوله e، فنصرة الرسول نصرة لله، كما أن طاعة الرسول طاعة لله، وكذلك: قوله تعالى: في حق المؤمنين {وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ} [الأنفال: 72]، فنصرة المؤمنين واجبة، ونصرة النبي e أوجب، ومثله قوله e: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) ([3]) . وبقوله e: (المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه) ([4]) .فكيف بنصر رسول الله.
إنّ الانصراف عن نصرة النبي e مع القدرة التامة شعبة من النفاق، وذلك لأن من علامات صدق الإيمان نصرة الحبيب e، قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8]، أي الصادقون في الإيمان، فلا يكون صادقا في إيمانه إلا من من كان حاله كما ذكرت الآية: {وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، كما أنّ من معاني الجهاد النصرة، ولهذا شُرط الجهاد والتضحية والنصرة كعلامة للإيمان الصادق، قال تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] , وأخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي e أنه قال: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات علي شعبة من نفاق) ([5]) .
ومن تدبر قول الله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ , الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ , يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ , خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 19-22]، من تدبر هذه الآية علم يقينا أنه لا يستوي من قام بنصرة النبي e، ومن آثر الدعة والنوم، {لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
ومن الوسائل الصحيحة لنصرته e: (1) تعلم الأدلة من القرآن والسنة على وجوب طاعة النبي e، والأمر باتباعه، والاقتداء به e، (2) العلم والمعرفة بحفظ الله لسنة نبيه e , وذلك من خلال الجهود العظيمة التي قام بها أهل العلم على مر العصور المختلفة , فبينوا صحيحها من سقيمها، وجمعوها على أدق الأصول التي انفردت بها هذه الأمة عن غيرها من الأمم السالفة، (3) استشعار محبته e في القلوب بتذكر كريم صفته الخَلقية والخُلقية، وقراءة شمائله وسجاياه الشريفة، وأنه قد اجتمع فيه الكمال البشري في صورته وفي أخلاقه e، (4) استحضار عظيم فضله وإحسانه e على كل واحد منا، إذ أنه هو الذي بلغنا دين الله تعالى أحسن بلاغ وأتمه وأكمله، فقد بلغ e الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، ورسولاً عن قومه، (5) عزو كل خير دنيوي وأخروي نوفق إليه ونتنعم به إليه e بعد فضل الله تعالى ومنته، إذ كان هو e سبيلنا وهادينا إليه، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، (6) استحضار أنه e أرأف وأرحم وأحرص على أمته.قال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} {الأحزاب: 6}، (7) التعرف على الآيات والأحاديث الدالة على عظيم منزلته e عند ربه، ورفع قدره عند خالقه، ومحبة الله عز وجل له، وتكريم الخالق سبحانه له غاية التكريم، (8) الالتزام بأمر الله تعالى لنا بحبه e، بل تقديم محبته e على النفس، لقوله e: (لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين)، (9) الالتزام بأمر الله تعالى لنا بالتأدب معه e ومع سنته لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} {الحجرات: 2} وقوله تعالى {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم} {الحجرات: 3} وقال تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً} {النور: 63}، (10) الانقياد لأمر الله تعالى بالدفاع عن النبي e ومناصرته وحمايته من كل أذى يراد به، أو نقص ينسب إليه، كما قال تعالى: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه}، (11) الحرص على الصلاة على النبي e كلما ذكر، وبعد الآذان، وفي يوم الجمعة، وفي كل وقت، لعظيم الأجر المترتب على ذلك، ولعظيم حقه e علينا، (12) قراءة سيرة النبي e الصحيحة، مع الوقوف على حوادثها موقف المستفيد من حكمها وعبرها، والاستفادة من الفوائد المستخلصة من كل حادث منها، ومحاولة ربطها بحياتنا وواقعنا، (13) تعلم سنته e، بقراءة ما صححه أهل العلم من الأحاديث المروية عنه e، مع محاولة فهم تلك الأحاديث، واستحضار ما تضمنته تلك التعاليم النبوية من الحكم الجليلة والأخلاق الرفيعة والتعبد الكامل لله تعالى، والخضوع التام للخالق وحده، (14) اتباع سنته e، والحرص على الاقتداء به e في المستحبات، (15) الحذر والبعد عن الاستهزاء بشيء من سنته e، (16) الفرح بظهور سنته e بين الناس، والحزن لاختفاء بعض سنته e بين البعض من الناس، (17) محبة آل بيته e من أزواجه وذريته، والتقرب إلى الله تعالى بمحبتهم لقرابتهم من النبي e ولإسلامهم، ومن كان عاصياً منهم أن نحرص على هدايته لأن هدايته أحب إلى رسول الله e من هداية غيره، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعباس عم رسول الله e: (مهلاً يا عباس لإسلامك يوم أسلمت كان أحب لي من إسلام الخطاب، ومالي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله e من إسلام الخطاب)، (18) العمل بوصية النبي e في آل بيته، عندما قال: (أذكركم الله في أهل بيتي) ثلاثاً، (19) محبة أصحاب النبي e وتوقيرهم واعتقاد فضلهم على من جاء بعدهم في العلم والعمل والمكانة عند الله تعالى، (20) محبة العلماء وتقديرهم، لمكانتهم وصلتهم بميراث النبوة فالعلماء هم ورثة الأنبياء، فلهم حق المحبة والإجلال، وهو من حق النبي e على أمته، (21) تربية الأبناء على محبة الرسول e، وتربية الأبناء على الاقتداء بالرسول e في جميع أحواله، وتشجيع الأبناء على حفظ الأذكار النبوية وتطبيق ذلك، (22) مخاطبة الناس ببيان خصائص دعوته ورسالته e، وبيان صفاته e الخلقية والخُلقية قبل وبعد الرسالة، وبيان فضائل الرسول e، وبيان مواقفه e مع أهله وجيرانه وأصحابة رضوان الله عليهم، وبيان كيفية تعامله e مع الناس أجمعين، (23) تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى عامة الناس حول سنة المصطفى e والدعوة إلى التمسك بما صح عنه e بأسلوب بسيط واضح، (24) ذكر فتاوى علماء الأمة التي تبين حكم من تعرض لرسول الأمة e بشيء من الانتقاص ووجوب بغض من فعل ذلك والبراءة منه، (25) دحض وتفنيد الشبهات والأباطيل التي تثار حول الرسول e وسيرته، اللهم ارزقنا الإيمان الحق بك وبنبيك ورسولك الكريم، اللهم ارزقنا حبه ونصرته واتباعه وتوقيره وتعظيم أمره والاقتداء بسنته وحبه حبا يفوق محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، اللهم ارزقنا شرف نصرة النبي وآله وصحبه ودينه وسنته وهديه، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([1]) صحيح البخاري 6/66 ح 4663.
([2]) سيرة ابن هشام، 1/615. وفتح الباري، 7/287
([3]) صحيح البخاري 3/128 ح 2443، صحيح مسلم 4/1998 ح 2584.