الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: أخلاق المسلم مع دين الإسلام، أقول وبالله التوفيق: قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، وفي الحديث: (ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد e نبيا) ([1]) .
[الإسلام] دين الله عز وجل لا دين سواه، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}، وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، [الإسلام] دين الله القيم، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، [الإسلام] جاء في اللغة العربية (لغة القران) على معان الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة دون اعتراض، وقد أيد القران الكريم هذه المعاني جميعها كما في قوله عز وجل: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، أي انقاد واستسلم وأذعن كل من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون، وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، أي أذعن واستسلم لأمر الله فأطاع لذلك دون اعتراض، وقال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان]، أي انقاد وأذعن وأطاع لله عز وجل. وعلى ذلك فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه دون أدنى اعتراض فهو المسلم لله رب العالمين، وكلما زادت تلك الصفات في قلب الإنسان وظهرت على جوارحه كلما ازداد علوا وصعودا في درجات الإسلام ومنازله، والنبي e هو أكثر الناس تحقيقا لهذه المعاني ولهذا كان النبي e أول المسلمين جميعا من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة، وكان هو e أعلاهم قدرا ومنزلة وذلك لأنه أسلم قلبه وجوارحه، فأسلم عبادته وأعماله، وحركاته وسكناته، ومحياه ومماته لله رب العالمين وحده لا شريك له، وفي ذلك يقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، والناس جميعا بعده e متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم وأقدارهم في (الإسلام) وفق تحقيق معانيه السابقة (الاستسلام والإذعان والخضوع والانقياد والطاعة دون أدنى اعتراض لأمر الله تعالى وشرعه ودينه وحكمه ومشيئته وقضائه وقدره)، والإسلام – على هذا المعنى – هو دين الأنبياء والمرسلين جميعا من لدن آدم وإلى رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}، وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وقوله e: (الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد) ([2]) . فأول الرسل الكرام نوح عليه السلام كان مسلما، قال تعالى – على لسان نوح عليه السلام -: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72]، وإبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام كان مسلما وجميع الأنبياء من بعده كانوا مسلمين، قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 130 إلى 133]، وموسى عليه السلام كان مسلما، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84]، وعيسى عليه السلام كان مسلما، قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 52]، فالدين واحد، يشمل إسلام الوجه لله في كل أمر، ويقوم على توحيد الله والتلقي في دين الله عن رسل الله، وبالرسول e اكتمل الدين وختمت الرسالات، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة]، فالدين واحد هو الإسلام وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام، ودين الإسلام الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا واحد من حيث اتفاقه على عقيدة التوحيد وإفراد الله عز وجل بالعبادة ومن حيث اتفاقه على طاعة ذلك الرسول ومتابعته في كيفية تلك العبادة ومن حيث المبادئ الأساسية، في العقائد وللتشريع والأخلاق، والتي فيها صلاح الناس وفلاحهم في الدنيا والآخرة، ولكنه يختلف سعة وشمولا وفق رسالة الرسول ويختلف تشريعا من رسول إلى أخر وفق حاجات قومه وعصره وما يصلحه، و جميع الرسل والمرسلين جاءوا بعقيدة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، والكفر بكل ما يعبد من دون الله، قال تعالى- مبيناً الغاية من خلق العباد جميعا -: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال تعالى- مخاطبا العباد جميعا -: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنْكبوت: 56]، وقال تعالى – في حق الغاية من إرسال الرسل أجمعين -: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]، وقال تعالى – في بيان أهم ما بدأت به وركزت عليه دعوة الرسل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وكل الأنبياء والمرسلين أمروا الناس بطاعتهم وإتباعهم لكونهم رسل الله ولأنهم الطريق الأوحد إلى عبادة الله عبادة صحيحة مقبولة، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}، وجميع المرسلين نادوا بالمبادئ الأساسية في العقائد وفي التشريع وفي الأخلاق تلك المبادئ الثابتة التي فيها في كل زمان ومكان صلاح الناس وفلاحهم في الدنيا والآخرة، فجميعهم أمروا بالتوحيد ونهي عن الشرك، وجميعهم أمر بتقوى الله وخشيته وتقوى ناره التي أعدها للعاصين من عباده، وجميعهم أمر بطاعة الله ورسوله وكلهم نهى عن معصية الله ورسوله، وجميعهم أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وجميعهم نهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وجميعهم عليهم السلام نهى عن المحرمات الأساسية التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنعام، قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 151- 153].
إذن دين الإسلام الذي بُعث به الأنبياء والمرسلون واحد من حيث الأصول، ولكنّه مختلف من حيث السعة والأحكام والتشريع: لقد تدرج التشريع سعة وشمولا وأحكاما حتى وصل إلى منتهاه الأسمى وكمال الرباني الأعلى متمثلا في دين الإسلام الذي جاء به النبي e النبي الخاتم الذي أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة ورضي دينه الذي جاء به من عند ربه عز وجل، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة]، وجعله تفصيلاٍ لكل شيء، وتبياناً لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، ودين الإسلام بعد بعثة النبي e وإلى قيام الساعة يعني الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والطاعة لله رب العالمين وحده لا شريك له ولا يكون ذلك الانقياد ولا تلك الطاعة إلا من طريق واحد هو طريق متابعة رسول الله e في كيفية عبادة الله وطاعته وإسلام الوجه له وحده، وهذا الدين القيم يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي e وإلى قيام الساعة وكل من بلغته دعوة النبي e ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر، وهو من أهل النار وبئس المصير، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله –وقد سمع بدعوته e –لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي e ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله، وإلا فهو الكافر حقا، وأعد الله تعالى للكافرين عذابا مهينا، والأدلة على ذلك واضحة بينه: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150، 151]، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]،ـ وقال e: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار) ([3]) .
يقول النووي في شرح الحديث: (وقوله e لا يسمع بي أحد من هذه الامه أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه المدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى) أهـــ([4]) .
فكل من سمع برسالة النبي e ثم لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به من عند الله عز وجل عقيدة وتشريعا فهو من أهل النار وبئس المصير، وعلى ذلك فالدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام الذي جاء به النبي e من عند الله عز وجل، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وهو الدين الذي لا يقبل من الناس جميعا بعد بعثته e وإلى قيام الساعة دينا سواه، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، ذلك الدين الذي أكمله الله عز وجل وأتم به على الإنسانية جمعاء النعمة ورضيه لعباده جميعا دينا لا يقبل منهم سواه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وقد اختص الله عز وجل دين الإسلام القيم الذي أرسل به نبيه e بخصائص لم تكن لما سبقه من الأديان والرسالات، وأهم تلك الخصائص: أنّه الدين الخاتم الذي ختمت به الرسالات جميعا والأديان جميعا، لقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، وقوله e) وأنا خاتم النبيين) ([5]) .
وأنّه إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة، لقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الاعراف، وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، وأنّه الدين الناسخ لما سبقه من الأديان والمهيمن عليه جميعا، لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، وأنّه الدين الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي e وإلى قيام الساعة دينا سواه، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وأنّه محفوظ بحفظ الله عز وجل له وإلى قيام الساعة، لقوله تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، وقوله تعالى:: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وأنّه دين كامل تام شامل تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174]، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، وقوله تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [ابراهيم: 1]، وكل عبادة بغير شرعه مردودة على صاحبها، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}، وقال e: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) ([6]) .
ومع شمول وتمام وتكامل شريعة الإسلام لم يجعل الله عز وجل للإنسان اختيارا في إتباعها والسير وفق أحكامها بل أوجب عليه الاحتكام إليها وجعل ذلك من أصل الإيمان وأصل الدين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 64، 65]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، وقال تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114]، وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]، فالله تعالى هو المشرع، وما على العباد إلا الطاعة والانقياد، واسلام الوجه لله، قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ} [المائدة: 44]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} [المائدة:45]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ فَأُولئكَ هُمُ الْفاسِقُونَ} [المائدة: 47]، هذا هو الدين القيم، الذي قال الله تعالى عنه: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، وأول أخلاق المسلم مع الدين القيم: الرضا به دينا، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، وفي الحديث: (ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد e نبيا) ([7]) .ويدخل في الرضى به: العلم الراسخ بالدين وبمراتبه وأركانه وعلومه وكافة جوانبه، ويدخل في الرضى به: اعتقاد عقائده وامتثال أوامره والكف عن نواهيه ومحارمه، والوقوف عند حدوده، والتخلق بأخلاقه، ويدخل في الرضى به: الرغبة فيما عند الله والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، ويدخل في الرضى به: التفاني في العمل من أجل هذا الدين، من نشر الدين بالدعوة إليه ومن حفظ الدين بالحسبة عليه ومن الدفاع عنه وإظهار أمره بالجهاد من أجل نصرته.
لقد كان من هدي النبي e أن يُعلّم المسلمين ويغرس في قلوبهم الرضا بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد e نبياً ورسولاً، وكان يندبهم لتكرارها فيقول: (من قال إذا أصبح وأمسى: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، كان حقاً على الله أن يرضيه) ([8]) .
ومن لوازم الرضا بالله تعالى رباً، الرضا بكل أفعاله في شؤون خلقه، من إعطاءٍ ومنع وخفض ورفع، وضر ونفع، ووصل وقطع، ومن لوازم الرضا بالإِسلام ديناً أن يعتقد المسلم عقائده، وأن يتمسك بأوامره وأن يبتعد عن نواهيه، وأن يستسلم لأحكامه ولو كان في ذلك مخالفة لهوى نفسه، ومعارضة لمصالحه الخاصة، ومن لوازم الرضا بسيدنا محمد e نبياً ورسولاً أن يقتفي المسلم أثره، ويتحلى بسنته، ويجاهد هواه حتى يكون تبعاً لما جاء به النبي e، وحتى يكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين، فمن تحلى بالرضا بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبسيدنا محمد نبياً ورسولاً، ذاق طعم الإيمان، ووجد حلاوة اليقين، قال e: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً) اللهم ارزقنا الرضا بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد e نبياً ورسولا، اللهم آمين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([2]) صحيح مسلم 4/1837 ح 2365.
([4]) شرح النووي على صحيح مسلم 2/188.
([5]) صحيح البخاري 4/186 ح 3535، صحيح مسلم 4/1791 ح 2286.