الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذه الحلقة أتناول: فقه مسائل واحكام البدعة في الدين، وفقه الأحاديث الواردة في ذم الابتداع في الدين: من يرد الله تعالى به خيرا يفقهه في الدين، أخرج البخاري ، ومسلم عن مُعَاوِيَةَ بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ e يَقُولُ: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) ([1]) .العلم هبة من الله فليسأل العبد ربه أن يزيده علماً، قال تعالى: {وقل رب زدني علما}، والفقه والفهم في الدين هبة من الله، قال e: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)، نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم آمين.
أقول وبالله التوفيق: هناك نصوص عديدة في السنة الصحيحة تحذر من البدع والإبتداع في الدين ويفهم منها أن كل المحدثات في الدين بدع ضالة مردودة على أصحابها وأصول تلك الأحاديث هي: قوله e: (أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) ([2]) . وفي رواية عند النسائي بزيادة (أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة؛ وكل ضلالةٍ في النار) ([3]) . وقوله e: (فإن من يعش منكم؛ فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) ([4]) . وقوله e: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد) ([5]) .وقوله e: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ([6]) . إلا أن هذه الأحاديث لابد من فقهها ومعرفة ضوابطها ومفاتيحها التي تساعد على فهمها الفهم الصحيح حتى لا نقع في الإفراط أو التفريط. [1]: فقه معنى الحديث الأول: قوله e: (أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة؛ ” وكل ضلالةٍ في النار”) هذا الحديث العظيم يستدل به البعض على ضلال كل محدثة في الدين وعلى أنه لا توجد بدعة في الدين تكون حسنة، ووجه الدلالة فيه: أن لفظ (كل) في الحديث يفيد العموم فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، ولكن هل من الممكن أن تأتي (كل) على معنى الغالب والأكثر وليس جميع مفردات البدع والمحدثات، وبالتالي يكون التحذير من بدع الضلالة التي تمثل غالب المحدثات والكثرة الكاثرة منها، ولا يمنع ذلك من وجود محدثات لها أصل من الشرع وتدل على خير لا خلاف لأحد فيه، فإنّ الذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك أن كلمة (كل) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ففي الآية لا تستطيع أن تتصور شيئاً لا يدخل في عموم ما دخل عليه لفظ (كل)، فالله تعالى بكل شيء عليم، ويستحيل أن تتصور شيئاً لا يدخل في علمه تعالى،، وقد تأتي (كل) والمراد بها تعميم هو دون التعميم الشامل لكل ما يصدق عليه اللفظ، ومن ذلك قوله تعالى: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ}، أي تدمر كل شيء أرسلت بهلاكه، لأنها لم تدمر هوداً عليه السلام ومن كان آمن به، ولم تدمر مساكنهم، وقال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}، (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء) أي من الأمور التي يحتاج إليها الملك في تدبير أمور المملكة، وعلى هذا يمكن أن نفهم من قوله e (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) هو الغالب أو العام المخصوص، والمعنى أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة، وإنّ من قواعد الأصول الثابتة أن في كلام الله وكلام رسول الله e كثيرا من الكليات والعموميات، من العام المخصوص، أو العام الذي أريد به الخصوص، والعموميات في الكتاب والسنة كثيرة وكلها دخلها التخصيص، ومن العام الذي أريد به الخصوص قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم: 39] مع أن هناك من الأدلة ما يبلغ التواتر في أن المسلم ينتفع بعمل غيره من إخوانه المسلمين ودعاء الملائكة، كما هو كمقرر في الشريعة، ويشهد لذلك حديث (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) ([7]) . فإن قال قائل: لم لا نحمل هذا اللفظ الوارد في الحديث الشريف على العموم؟! فالجواب: أنه إذا حملناه على العموم الشامل بإطلاق فإن هذا يؤدي إلى مخالفة ما كان عليه الهدي النبوي كما سيأتي عند بيان فقه قوله e: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) ([8]) . وقال النووي في شرح الحديث: ” وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص قَوْله e: (كُلّ مُحْدَثَة بِدْعَة وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة) , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُحْدَثَات الْبَاطِلَة وَالْبِدَع الْمَذْمُومَة ” أهـ([9]) .، وما فعله النووي هو الفقه في دين الله حتى لا تتعارض النصوص ويضرب بعضها بعضا، والقاعدة الأصولية تنص على أن الجمع بين الادلة مقدم على الترجيح بينها، وسيأتي مزيد بيان لهذا الأمر عند شرح قول عمر رضي الله عنه (نعم البدعة هذه)، ومن درر الفقهاء في فهم حديث (كل بدعة ضلالة): يقول الإمام النووي في فقه الحديث ما نصه: ” قوله e: (وكل بدعة ضلالة) هذا عام مخصوص , والمراد غالب البدع.. ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة , ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا. قوله: (كل بدعة) مؤكدا (بكل) , بل يدخله التخصيص مع ذلك , كقوله تعالى: (تدمر كل شيء) ” أهـ([10]) .ويقول الإمام النووي رحمه الله عند شرح حديث (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) ما نصه: ” وفي هذا الحديث تخصيص قوله e: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) , وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة ” أهـ ([11]) . ويقول السندي في شرح سنن النسائى في فقه الحديث – وهو يوضح ضابط البدعة – ما نصه: ” (وشر الأمور محدثاتها) يريد المحدثات التي ليس في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة وهي المسماة بالبدع([12]) . ويقول ابن حجر في كتابه فتح البارى: ” قوله (وشر الأمور محدثاتها إلخ) و” المحدثات ” بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث , وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع ” بدعة ” وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة , فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما , قال الشافعي: ” البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة , فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم ” أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي , وجاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال ” المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال , وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة ” انتهى، والمراد بقوله ” كل بدعة ضلالة ” ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام ” أهـ، إذن: من الدرر المستفادة من الحديث وأقوال الفقهاء عليه، وتتمثل في أن الحديث من العام الذي يشمل غالب البدع، وأنه يخرج من معنى الحديث كل محدثة لها أصل في كتاب الله، وأن كل محدثة لها أصل في الدين لا تكون بدعة ضلالة([13]) .
[2] فقه معنى الحديث الثاني: قوله e: (فإن من يعش منكم؛ فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) ([14]) . ومن درر الفقهاء في فهم الحديث: (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَات الْأُمُور إِلَخْ): قال الحافظ ابن رجب في كتاب جامع العلوم والحكم: ” فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله ” كل بدعة ضلالة ” والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه , وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة ” أهـ،([15]) .(قلت): وهاهنا اجمل الدرر المستفادة من الحديث ومن فقه الحافظ ابن رجب عليها، وتتمثل في: أنّ كل محدث له أصل من شرع الله فلا يكون بدعة شرعية (بدعة ضلالة) وإن كان يطلق عليه بدعة لغة، وأنّ كل ما أحدث من الدين وليس له أصل في شرع الله فهو بدعة ضلالة لا يختلف على ذلك فقيهان.
[3]: فقه معنى الحديث: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد) (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ومن درر الفقهاء في فهم الحديثين: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه: ” وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث ” الأعمال بالنيات ” ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء ” ([16]) . فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين ولم يأذن بها الله ورسوله، وقال بن حجر في فتح البارى في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه: ” وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده , فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه. “([17]) . فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، (قلت): وهاهنا اجمل الدرر المستفادة من الحديث: أنّ هناك شرطين للبدعة الضالة عند الحافظ ابن رجب وهما أن أن تضاف إلى الدين ولم يأذن بها الله ورسوله، وأنّهما نفس الشرطين للبدعة الضالة عند الحافظ ابن حجر وهما أن تضاف إلى الدين وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد معرفة الشرطين من الحديث الشريف فقوله e (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين،وقوله e (ما ليس منه) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه. ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله e (فهو رد).[4]: الأحاديث الدالة على إمكانية وجود البدعة الحسنة: هناك نصوص عديدة في السنة الصحيحة يفهم منها أن المحدثات في الدين ليست كلها ضالة بل قد يكون منها ما هو حسن وأصول تلك الأحاديث هي:
(1) ما أخرجه مسلم في صحيحه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) ([18]) . وفي رواية أخرى: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) ([19]) . وفي رواية أخرى: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ) ([20])ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، قال النووي: في شرح الحديث: ” وفي هذا الحديث تخصيص قوله e كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة ” أهـ([21]) . وقال أيضا: ” قوله e: (من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة) الحديث وفي الحديث الآخر (من دعا إلى الهدى ومن دعا إلى الضلالة)، هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة , وتحريم سن الأمور السيئة , وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه , أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه , سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه , أم كان مسبوقا إليه , وسواء كان ذلك تعليم علم , أو عبادة , أو أدب , أو غير ذلك. قوله e: (فعمل بها بعده) معناه إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته. والله أعلم.” أهـ، وقال – عند شرح حديث: (لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ; لأنه كان أول من سن القتل) -: ” وهذا الحديث من قواعد الإسلام , وهو: أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة , ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة , وهو موافق للحديث الصحيح: ” من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة ” وللحديث الصحيح ” من دل على خير فله مثل أجر فاعله ” وللحديث الصحيح: ” ما من داع يدعو إلى هدى وما من داع يدعو إلى ضلالة “. والله أعلم.” أهـ([22]) .وجاء في تحفة الأحوذي بشرح الترمذى: قوله: (من سن سنة خير) وفي رواية مسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة أي أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين، ومن سن في الإسلام سنة سيئة أي طريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين. “([23]) .
(2) وما أخرجه مسلم كذلك في صحيحه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) ([24]) .
(3) وأخرج ابن ماجة في سننه: عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا) ([25]) . وقال السندى في شرح الحديث: ” قوله (سنة حسنة) أي طريقة مرضية يقتدي فيها والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها ” أهـ([26]) .
(4) وأخرج البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ: عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله) ([27]) . قال بن حجر في شرح الحديث: قوله: (قال عمر نعم البدعة) في بعض الروايات ” نعمت البدعة ” بزيادة تاء , والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق , وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة “([28]) .
وجاء في المنتقى شرح المؤطأ: فقال نعمت البدعة هذه، وهذا القول تصريح من عمر رضي الله عنه بأنه أول من جمع الناس على قيام رمضان على إمام واحد بقصد الصلاة بهم ورتب ذلك في المساجد ترتيبا مستقرا لأن البدعة هو ما ابتدأ فعله المبتدع دون أن يتقدمه إليه غيره فابتدعه عمر وتابعه عليه الصحابة والناس إلى هلم جرا وهذا أبين في صحة القول بالرأي والاجتهاد وإنما وصفها بنعمت البدعة لما فيها من وجوه المصالح التي ذكرناها ” أهـ ([29]) .
(5) وأخرج الترمذى في سننه: عن كثير بن عبد الله هو ابن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي e قال لبلال بن الحارث:(اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال ما أعلم يا رسول الله قال إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا)([30]). وجاء فِي الْمِرْقَاةِ في شرح الحديث ” (ومن ابتدع بدعة ضلالة) قيد به لإخراج البدعة الحسنة ” أهـ([31]) .
(6) وأخرج ابن ماجة في سننه: حدثني كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله e يقول: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص من أجور الناس شيئا ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص من آثام الناس شيئا)، ([32]) . قال السندى في شرح الحديث: قوله (لا يرضاها الله تعالى) هذا تقبيح للبدعة وإلا فكل بدعة كذلك بالمعنى الذي ذكرناه وهو ما لا يوافق أصول الشرع وقيل فيه تنبيه على أن من البدع ما يرضاها الله ورسوله كالتصنيف وبناء المدارس ونحو ذلك قلت وهذا مبني على أن البدعة مطلق الأمر المحدث بعده ” أهـ([33]) .
(7) وأخرج البخاري في صحيحه: عن رِفاعة بن رافع الزَّرقي قال: (كنا يومًا نصلي وراء النبي e، فلما رفع رأسه من الركعة قال: ” سمع الله لمن حمده”، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: ” من المتكلم” قال: أنا، قال: ” رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول”)،([34]) . قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: ” واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور” ([35]) .
[5]: موقف فقهاء الأمة من تلك الأحاديث: (الفريق الأول من الفقهاء): يرى بأنّ كل المحدثات الدينية بدعة وأنها جميعها ضلالات، وأنه لا توجد بدعة حسنة ولا يمكن تصور ذلك في الدين لأن الدين مكتمل ولا يحتاج إلى اي إضافة، ويستدلون لذلك بالعديد من الآيات والأحاديث التي تدعم مذهبهم في ذم البدع والمحدثات، ولكنّهم لفقههم في الدين جعلوا لكون المحدثة بدعة ضلالة ضابطان: (الاول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و (الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة، وممن نُسب إليه هذا القول: إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله وعدد من المالكية والحنابلة والمحدثين منهم الطرطوشي والشاطبي، وهؤلاء جعلوا لفظ البدعة يتعلق بالدين فقط، ويحمل معنى الذم والضلال، وفي المقابل وسعوا في معنى المصالح المرسلة ووضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشروطها الربانية الهادية التي استنبطوها من فقه الكتاب والسنة، الشرط الأول: أن تكون محدثة بعد زمن التشريع، والشرط الثاني: أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، والشرط الثالث: أن تخالف الشرع، والشرط الرابع: ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله e، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست, أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف.و(الفريق الثاني من الفقهاء، وهم جمهور الفقهاء): يثبت وجود البدعة الحسنة، ويجزم بأن الدين تام كامل بأصوله وقواعده ولكن هذه الأصول والقواعد أشارت إلى وجود المحدث النافع والبدعة الحسنة التي تعود على المسلمين بالخير والأجر، واستدلوا لمذهبهم بالكثير من الأيات والأحاديث وأقوال الصحابة وأعمالهم، وهؤلاء فهموا من أدلة الشرع ما يدل على تقسيم المحدث إلى حسن يوافق الكتاب والسنة وقبيح يخالف الكتاب والسنة، وقالوا: أن الدليل الأول على تقسيم البدعة هو تقسيم الرسول e لها بقوله (من سن في الإسلام سنة حسنة…..ومن سن في الإسلام سنة سيئة)، ويؤيده ما جاء عن فقيه قريش الإمام الشافعي الذي ملأ الأرض علما رحمه الله: حيث روى الحافظ البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل: قال الشافعي رحمه الله ” البدعة بدعتان بدعة خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه ” أهـ،([36]) .
ومن أكابر العلماء الذين نصروا هذا الرأي: الإمام الشافعي عالم الأمة الإمام القرشي المطلبي الذي ملأ طباق الأرض علما وبه قال عامة الشافعية والأحناف والمالكية وعدد من فقهاء الحنابلة، وقد نقل الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي إجماع المالكية عليه في كتاب المعيار المعرب وقال به الكثير من علماء الأمة والمحدثين، منهم على سبيل المثال: الإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وسلطان العلماء الإمام العز بن عبدالسلام والإمام القرافي والفقيه الرباني الإمام النووي وأمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والإمام الزرقاني والأمام الكرماني وابن عابدين الشامي والإمام الحافظ ابن العربي المالكي والعلامة ابن الأثير الجزري والإمام شهاب الدين أبو شامة والإمام العيني وغيرهم كثير وهؤلاء هم ورثة النبوة وأركان العلم عند أهل السنة والجماعة فمن بدع هؤلاء الفقهاء في فهمهم لتقسيم البدعة فليراجع عقله أو يراجع دينه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم([37]) .
وهؤلاء العلماء الربانيون وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا يُطلق على المحدثة في الدين لفظ الحسنة إلا بشروط ربانية هادية استنبطوها من فقه الكتاب والسنة، الشرط الاول: أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، والشرط الثاني: أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة، والشرط الثالث: أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، وسيأتي تباعا بيان أقوال الجميع وأدلتهم على ما قالوا وما استنبطوا به شروطهم الضابطة لباب الاتباع والابتداع، والفريق الأول حق بضوابطه، والفريق الثاني حق بضوابطه، ولكن الخلل في المعاصرين من الأتباع، وذلك في عدم تطبيق القيود والضوابط فينفرط عقد البدعة ويحدث التشدد أو يحدث التساهل.
إذن المشكلة تكمن في أنصاف المتفيقهين ممن لم يشموا رائحة الفقه في هذا الباب، وإنما يكمن العلاج في أمرين: أولهما: تفعيل الضوابط الفقهية السديدة للبدعة عند الطرفين وحينها ينتظم الأمر للجميع بوحدة علمية عملية صحيحة في مجال البدعة، وذلك من خلال فقه الآيات والأحاديث ووضع الضوابط الصحيحة للبدعة من خلالهما بما يضبط أحكامها دونما غلو أو تقصير، والثاني: حمل ذم الفريق الأول للبدعة على أنها بدعة الضلالة (على المعنى الشرعي) التي يكون مجالها في الدين، ولا يكون لها أصل معتبر في الشرع، وحمل مدح الفريق الثاني للبدعة الحسنة (على المعنى اللغوي) أو اسمها الحقيقي السنّة الحسنة (على معناها الشرعي) وذلك للحديث (من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها) بشروطها المعتبرة عندهم وهي أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، وأن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، فإن تم لنا ذلك صار الخلاف لفظيا.
(تنبيه): إنّه مما يقرب الأمر بين فريقي أهل السنة – بعد النظر إلى الضوابط الرصينة التي وضعها فقهاء كلا الفريقين لضبط مسائل البدعة – مبادئ أهمها: (أ) أنّ الفريقين متفقان على أنّ أصول البدع الضالة التي تُخرج من إطار أهل السنّة والجماعة إنما هي الأصول العريضة التي قامت عليها فرق الضلال من الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة والمشبهة والمرجئة والجبرية،، وأنّ هناك أحيانا خلاف لفظي على مصطلح البدعة بين لغوي وشرعي يسبب الخلط أحياناً، فما له أصل في الدين يسميه الفريق الاول سنة حسنة أو مصلحة مرسلة، ويمتنع عليه تسميته بدعة لأن البدعة عنده لا تكون إلا سيئة، أما الفريق الثاني وفق تعريفه اللغوي للبدعة فيسميه بدعة حسنة على غرار تسمية الفاروق رضي الله عنه لجمع المسلمين على إمام واحد في قيام رمضان يصلي بهم عشرين ركعة نعم البدعة هذه، ويحدث الخلاف بسبب اختلاف التعريف، ولذلك قيل: كم للتعاريف من جناية على الألفاظ، (ب) أن الكل متفق على خطورة البدعة بمفهومها الشرعي المذموم الإحداث في الدين بما ليس فيه، وأنّه أخطر على الدين من الفسوق والعصيان، لأنّ مآله إلى تغيير معالم الدين وتحريف شرائعه، (ت) أنّ الذين لم يقسموا البدعة إلى حسنة وسيئة، أخرجوا كل محدث له أصل في الدين من مسمى البدعة وجعلوا له مسمى السنّة الحسنة، وكل محدث يؤول إلى خدمة الدين والشرع بالمصلحة المرسلة، (ث) أن الذين قسموا البدعة لم يتناسوا التعميم الحادث في قول الرسول (كل بدعة ضلالة)، فإنهم وإن خصصوه بأدلة من الشرع ولكن جعلوه من العام الذي يشمل غالب البدع وأكثرها إلا ما كان له أصل من الدين يشهد له وهذا وفق تعريف الفريق الأول يخرج من معنى البدعة لأنهم جعلوا من شروط البدعة أن لا يكون لها اصل من الدين، (ج) أن الدين تام كامل بأصوله وقواعده وليس بجميع الفروع والجزئيات إذ ليست محصورة ولم يقل بهذا فقيه قط والدين صالح لكل زمان ومكان والمحدثاث مستمرة لا تتوقف والفقه في الدين أن تعرض المحدثات على اصول الدين وقواعده فما كان له أصل من الدين كان سنة حسنة وما ليس له أصل كان بدعة سيئة، (ح) أن تطبيق القواعد الفقهية المقيدة والضابطة لمصطلح البدعة عند الفريقين سيؤول إلى نفس النتيجة عند تطبيقها التطبيق الصحيح على أرض الواقع ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، فالفريق الذي جعل كل محدثة بدعة ضلالة، وضع لها القيود الهادية فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشروطها، وأول تلك الشروط أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، والثاني: أن لا يكون لها أصل في الشرع يحث عليها، فإن كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة بالاصطلاح المقصود، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة، والفريق الذي قسّم البدعة إلى حسنة وسيئة، وضع لها القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بضوابط وشروط لابد منها، تجعلها مقبولة في ميزان الشرع، مندرجة تحت غطائه، وليس الأمر بالتشهي ولا باتباع الهوى، وهؤلاء الفقهاء وضعوا شروطا ثلاثة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بهذه الشروط التي استنبطوهما من فقه الكتاب والسنة هي: الاول: أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، والثاني: أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين. فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة، والثالث: أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، وبالنظر إلى ضوابط الطرفين من الفقهاء الذين في مجملهم يمثلون أهل السنة والجماعة، وعند التزام تلك الضوابط فلن يكون هناك خلاف حقيقي بين الطرفين إلا في أذهان المتنطعين أو المتساهلين، ومع تطبيق تلك الضوابط المقيدة للبدعة عند كلا الطرفين وفقه مسائلها تقترب وجهات النظر إلى حد كبير ويضيق الخلاف في فروع البدعة ويؤول إلى خلاف فقهي ناشئ عن اجتهاد معتبر للمصيب فيه أجران وللمخطئ فيه أجر واحد، ومع جمع الضوابط الفقهية للبدعة تتضح الصورة أكثر وتظهر الحلقة المفقودة بين الطرفين وتتواصل سلسلة الود والتفاهم بين كافة أطراف أهل السنة.
وبالتالي تتوحد جهود علماء أهل السنة والجماعة نحو محاربة البدع الأصلية التي تأخذ بأصحابها نحو الضلالة واستحقاق النار كبدع الخوارج والروافض والمرجئة والمشبهة والمجسمة والقدرية والجبرية والجهمية وغيرها من الفرق الضالة، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، إلى ها هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية هذا الدرس وقد تناولت فيه: معرفة المدارس المتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل الحق سواد المسلمين الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وإلى حلقة مقبلة من حلقات التجديد الإسلامي في الجانب الأخلاقي أتناول فيها – بمشيئة الله تعالى –: من أوجب أخلاق المسلم مع دين الإسلام الانتساب إلى جماعته الناجية، إلى ذلك الملتقى أستودعكم الله، وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
***
([1]) صحيح البخاري 1:25 ح 75، صحيح مسلم 3/1524 ح 1073.
([3]) السنن الكبري للنسائي 2/308 ح 1799.
([4]) مسند أحمد 28/375 ح 17145، سنن ابي داود 7/16 ح 4607.
([5]) صحيح البخاري 3/184 ح 2697، صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([6]) صحيح مسلم 3/13 43 ح 1718.
([7]) صحيح مسلم 3/1255 ح 1631.
([8]) صحيح مسلم بشرح النووي 2: 464.
([9]) شرح النووي علي مسلم 7/104.
([10]) شرح النووي علي مسلم 2/477.
([11]) شرح النووي علي مسلم 7/104.
([12]) حاشية السيوطي علي سنن النسائي 3/188.
([13]) فتح الباري 2/205. المدخل الي السنن الكبرى للبيهقي ص 206.
([14]) مسند أحمد 28/375 ح 17145، سنن ابي داود 7/16 ح 4607. المستدرك 1/174 ح 329.عون المعبو 4/329.الفتح الرباني 5/2229.
([15]) جامع العلوم والحكم لابن رجب 2/783.
([17]) فتح الباري لابن حجر 5/302.
([19]) صحيح مسلم 4/2059 ح1017.
([20]) المرجع السابق 4/2060 ح 1017.
([21]) شرح النووي علي مسلم 7/104.
([22]) شرح النووي علي مسلم 11/166.
([24]) صحيح مسلم 4/2060 ح 2674.
([25]) سنن ابن ماجة 1/140 ح 203.
([27]) صحيح البخاري3/45 ح 2010، موطأ مالك1/114 ح 3.
([30]) سنن الترمذي 5/45 ح 2677. سنن ابن ماجة 1/142 ح 206. وشرح السنة للبغوي1: 233.
([32]) سنن ابن ماجة 1/140 ح203.
([33]) حاشية السندي علي سنن ابن ماجة 1/90 ح203.
([34]) صحيح البخاري 1/159 ح 799.
([35]) فتح الباري: كتاب الصلاة 312: 8.