الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: حمل أمانة الدين بالدعوة إليه، أقول وبالله التوفيق:
(1) تعريف الدعوة إلى الله: الدعوة إلى الله تعالى تطلق على كل عمل يدعى فيه إلى الله أو إلى توحيد الله تعالى أو عبادته أو طاعته أو التزام دينه الحق (الإسلام) أو أي من عقائده أو شرائعه أو شعائره أو كل ما من شأنه إعلاء كلمة الإسلام، وأول من دعا إلى الله هو الله سبحانه دعا العباد جميعا إلى دينه الحق، قال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} ومعناه نداء الحق سبحانه وتعالى للخلق ليوحدوه ويعبدوه، قال علي بن أبى طالب رضي الله عنه: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} قال: التوحيد، وقال ابن عباس (شهادة لا إله إلا الله) ([1]) .والدعوة إلى الله تعالى علم واسع يشمل: (أ) تعريف الناس بهذا الدين وتبصيرهم بأهميته وتذكيرهم بضرورة اتباع هديه وقيمه وعقائده وشرائعه، ودعوتهم إلى اعتناق ما جاء به، وتبشير من اتبعه برضوان الله تعالى ونيل ثوابه وجنته والنجاة من عذابه وعقابه، وإنذار من تركه وأعرض عنه بالعذاب والهلاك، لأنّه دين الله تعالى الذي لا يقبل الله من عباده جميعا دينا سواه قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، (ب) نشر عقائد وشرائع وأخلاق هذا الدين والبناء على الدعوة لبناء الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، (ت) الأمر بكل معروف جاء به الدين والنهى عن كل منكر نهى عنه الدين، (ث) إعداد المسلمين للانتصار على أنفسهم وعلى أعدائهم، بالجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فرض كفاية إذا قام بها من يكفى لتبليغ رسالة الإسلام إلى مشارق الارض ومغاربها بلاغا صحيحا تقوم به الحجة على عباد الله تعالى أجمعين سقط الإثم عن الباقين، قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104 [، فهذه الآية من الأدلة التي تبين أنه لا بد أن يوجد من أفراد الأمة الإسلامية من يتصـدى للدعــوة إلى الله سبحانه وتعالى: سواء كان في صفوف المسلمين بتذكيرهم ووعظهم وإرشادهم وإعادتهم إلى الطريق المستقيم، أو في صفوف الكفار بدعوتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى حيّز التوحيد والإسلام، وقد تكون فرض عين على فئة من الناس قام على اكتافهم ثغر الدعوة إلى الله تعالى، أو توجب عليهم ذلك لضرورة الزمان أو المكان.
(2) وجوب تحمل المسلمين أعباء الدعوة إلى الله: حتى تعم الأرض كلها: لا مفر على أهل الإسلام ولا مناص لهم من القيام بأعباء الدعوة إلى الله تعالى حتى تعم الناس جميعا وذلك للأسباب التالية: (أ) ما دام أنّ الدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، (ب) وما دام أنّ الله تعالى لا يقبل من عباده جميعا دينا سواه، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، (ت) وما دام أنّ الرسول e هو خاتم الأنبياء لا نبي بعده، قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، (ث) وما دام أنّ دين الإسلام إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة: قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}، وقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، (ج) وما دام الله عز وجل تكفل بنفسه سبحانه أن بحفظ هذا الدين القيم، وذلك بحفظ مصادره الأساسية – القرآن والسنة – وذلك إلى قرب قيام الساعة وظهور علاماتها الكبرى حيث يرفع المولى جل وعلا كتابه كما أنزله محفوظا في التبديل والتحريف والزيادة والنقصان وتأتي ريح طيبة تأخذ كل نفس مؤمنه ولا يبقي إلا شرار الخلق ليس الله فيهم حاجة تقوم عليهم الساعة، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال تعالى {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، (ح) وما دامت شريعة الإسلام الحكيمة تامة كاملة شاملة بحيث أنّ أصولها وقواعدها العامة تناولت كل ما يحتاجه البشر في شئونه وحياتهم، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقال تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ثم تركت المجال لعلماء المسلمين المجتهدين أن يقرروا الأحكام التي تُلائم البشر وفق أصول الشريعة وقواعدها الحكيمة التي من أهم مقاصدها تحقيق مصالح البشر في دينهم ودنياهم، (خ) وما دامت كل تلك المعاني السابقة يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي e وإلى قيام الساعة، وكل من بلغته دعوة النبي e ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر، وهو من أهل النار وبئس المصير، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله –وقد سمع بدعوته e –لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي e ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله، وإلا فهو الكافر حقا، وأعد الله تعالى للكافرين عذابا مهينا، والأدلة على ذلك واضحة بينه: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150، 151]، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]،ـ وقال e: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار) ([2]) . يقول النووي في شرح الحديث: (وقوله e لا يسمع بي أحد من هذه الامه أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى) أهـــ([3]) .
فكل من سمع برسالة النبي e ثم لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به من عند الله عز وجل عقيدة وتشريعا فهو من أهل النار وبئس المصير، وعلى ذلك فالدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام الذي جاء به النبي e من عند الله عز وجل، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وهو الدين الذي لا يقبل من الناس جميعا بعد بعثته e وإلى قيام الساعة دينا سواه، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، ذلك الدين الذي أكمله الله عز وجل وأتم به على الإنسانية جمعاء النعمة ورضيه لعباده جميعا دينا لا يقبل منهم سواه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ما دامت هذه هي قطعيات الدين التي لا مراء فيها فإنّ فريضة الدعوة إلى الله عز وجل قائمة على جميع المسلمين، حتى يقوم بها من يبلغها إلى جميع الأرض وغلى جميع الإنس بما تقوم به الحجة عليهم.
(3) فضل الدعوة إلى الله: الدعوة إلى الله تعالى أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول e قال تعالى: {يَأَيّهَا النّبِىّ إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً} [الأحزاب: 45]، والدعوة إلى الله هي سبيل النبي e وأتباعه إلى يوم القيامة قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة يوسف: 108]، وحمل أمانة الدعوة إلى الله تعالى سبب خيرية هذه الأمة وفلاحها قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104] وقال تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران:110] والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع من فروع الدعوة إلى الله، والداعي إلى الله هو أحسن الناس قولاً، قال تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]، وأجر الداعي إلى الله عظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا…) ([4]) . وأخبر رسول الله e ما للداعية من أجر عظيم، فقال لعلي رضي الله عنه: (فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النعَم) ([5]) .
(4) أهمية الدعوة إلى الله: لولا الدعوة إلى الله لما قام لله على الأرض دين، ولا انتشر توحيد وإسلام، ولهذا أمر الله تعالى رسوله e بتبليغها إلى الناس كاملة، قال تعالى {يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ..} الآية. [المائدة: 67]، وأمره سبحانه بأن تكون الدعوة إلى الله تعالى هي سبيله وسبيل أتباعه إلى قيام الساعة، قال تعالى {قُلْ هـَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وأمر سبحانه المسلمين بأن يتخصص طائفة منهم لحمل تلك الأمانة (أمانة الدعوة إلى الإسلام)،قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران:104]
(5) حكم الدعوة إلى الله: الدعـوة إلى الله فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين، وذلك لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فى الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ}، [التوبة: 122]، وقوله تعالى: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، ويتعين الوجوب على أهل العلم من المسلمين الذين أخذ الله عليهم الميثاق ببيان العلم وعدم كتمانه كما قال تعالى: {وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه..} (آل عمران:187) والمقصود به تحذير العلماء من المسلمين من فعل ذلك، وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} (البقرة:159-160). وقـال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [البقرة:174]، ويتأكد الوجوب في هذه الأيام نظراً إلى بعد الناس عن الإسلام وجهلهم به وغفلة المسلمين عن دينهم وعن التمسك به وبعقائده وشرائعه وأخلاقه وآدابه وتزكيته و نظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة والدعوات المضللة التي تخالف الإسلام، فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت اليوم أكثر وجوبا على جميع العلماء ليبلغوا دين الله عز وجل ويحملوا أمانته.
(6) الداعية إلى الله على خطر عظيم: الدعوة إلى الله هي بالأساس مهمة الرسل، والرسل الكرام عليهم السلام اصطفاهم الله تعالى من الناس، لهم مؤهلات أخلاقية وعلمية وعملية خاصة، لأنهم حملة دينه سبحانه إلى الناس، قال تعالى: {اللّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ} الآية. [الحج: 75] والاصطفاء معناه الاختيار لمن هو أفضل وأجدر لحمل أمانة الدعوة إلى الله والحديث عن دين الله، الداعية إلى الله هو الركن المهم والمحور الأساس في الدعوة إلى الله تعالى، ومقامُه مقامٌ بالغُ الأهمية والخطورة، لأنه ينوب عن النبي e في تبليغ أعظم رسالة في الوجود، رسالة الإسلام دين الله القيم.
(7) البصيرة في الدين هي أساس الدعوة إلى الله: الداعية إلى الله تعالى لابد وان يتصف بالبصيرة في الدين، قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة يوسف]، والبصيرة أقوى وأعلى مراتب العلم، لأنها الفقه في دين الله، وفي الحديث (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين)، فالداعية إلى الله لابد أن يكون مؤهلا لحمل أمانة الدعوة بالعلم والفهم والبصيرة في الدين، وإلا أفسد من حيث مقصوده الصلاح، وأضل من حيث مقصوده الهدى والرشاد، ويكون والعياذ بالله داعية إلى البدعة أو الضلالة ويناله شيء من وعيد الله تعالى في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104]، فالأمر جد خطير، وخطره جسيم فإما أن يكون الداعية إلى الله عالما فقيها بالدين على بصيرة من دعوته فيتصدر لها، وإما أن يتأنى حتى يطلب العلم من منابعه الصحيحة، ثم يتصدر لها بعد ذلك، إذ سبيل الدعوة مستقيم لا اعوجاج فيه، وما أكثر السبل التي تؤدي إلى مهالك الداعية، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الْأَنعام: 153].
(8) أهداف الدعوة إلى الله: (أولا): بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام: قال الله تعالى لرسوله e: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67]، وقال تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}[آل عمران: 20]، وقال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: 21]، وقد امتدح الله تعالى الدعاة إلى الله تعالى بقوله: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39]، (ثانيا): إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة: قال الله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}، وأتباع الرسل يخلفونهم في هذه المهمة: وقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى}، قال تعالى في حق أصحاب السبت: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، (ثالثا): دعوة الناس إلى صراط الله المستقيم ودينه القويم: قال تعالى في حق رسوله e:{كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [إبراهيم:1 إلى 4]، وقال تعالى: {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} [المؤمنون:17]، وخاطب المولى تبارك وتعالى أمة الإسلام بقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} [آل عمران:110]، وجعلها خير الأمم لقيامها بحق الرسالة فقال سبحانه وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران:110]، وقد أجمل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام بقوله لرستم قائد الفرس يدعوه إلى الإسلام، فقال له رستم: لماذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. ([6]) . (رابعا): إيجاد المؤمن الصالح: إيجاد مؤمن واحد هو تحقيق عظيم لواحد من أهم أهداف الدعوة إلى الله، وفي ذلك جاء قول النبي e: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم) ([7]) .وقوله e: (يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك) ([8]) .
(خامسا): إيجاد المجتمع الصالح الملتزم بدين الإسلام: قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران:164]، (سادسا): نشر الدين وإظهاره وإقامة شرع الله في الأرض: قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32، 33]، وتحقيق هذا الهدف يكون بالدعوة إلى الله بكل الجهد والطاقة ليلا ونهارا جهرا وإسرارا، وقد وعد الله تعالى عباده الصالحين بتحقيق هذا الهدف، قال تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، [النور: 55]، (سابعا): نشر الخير والمعروف والصلاح والنهي عن الشر والمنكر والفساد: الإسلام دين الله تعالى الذي رضيه لعباده على الأرض لذا فهو دين الدعوة إلى كل خير والأمر بكل معروف ولإرشاد إلى الصلاح، وهو دين النهي عن أي شر أو منكر أو فساد، وكل ما في كلمات الخير والمعروف والصلاح من معاني وأعمال فإن الإسلام يأخذ به و يدعو إليه وكل ما في كلمات الشر والمنكر والفساد من معاني وأعمال فإن الإسلام يأباه وينهى عنه، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90]، وقال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117، 118]، فالصلاح والنهي عن الفساد هما سبب النجاة من الهلاك، وكل الرسل الذين أرسلهم الله نشروا الخير وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وعن الشر والفساد، وعلى الرغم من تركيزهم الشديد على التوحيد وهو أعظم الخير والمعروف والصلاح وضده الشرك وهو أعظم المنكر والشر والفساد إلا أن ذلك لم يشغلهم عن النهي عن الفساد في الأرض، وكان دائما منهاجهم قوله تعالى {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الْأَعراف: 74] وقوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85]، وقوله تعالى: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81]، وقوله تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 151، 152]، وقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الْأَعراف: 85] وقوله تعالى مخاطبا نبيه e {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]، وفي ذلك الهدف الجليل خاطب الله تعالى أمة الرسول بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)} [الحج: 77] وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وجعلهم خير الأمم لقيامهم بهذا الواجب فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ…} الآية [آل عمران: 110]، (ثامنا): عمارة الأرض بالأخلاق العظيمة والقيم الفاضلة: من أهداف الدعوة إلى الله عمارة الأرض بالأخلاق العظيمة كالصدق والأمانة والوفاء والرحمة والعدل والإحسان، والقيم الفاضلة كبر الوالدين وصلة الأرحام وتربية الأبناء وإكرام الضيف والإحسان إلى الجار ومساعدة المحتاج وكفالة اليتيم والعدل في الحكم ولو مع الأعداء، وقد وصف الله تعالى رسوله بالخلق العظيم فقال تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] وجعله سبحانه رحمة لجميع الخلائق فقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنْبياء: 107]، وجعل رسالته المتممة لمكارم الأخلاق، فقال e (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)([9]) . (تاسعا): التعارف مع الشعوب والقبائل والأجناس البشرية لنشر ثقافة الإسلام ومبادئ الدين القيم: قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:19] وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] وقال تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، وقد جعل الله تعالى أهل الإسلام شهداء على الأمم الباقية لما لهم من فضل علم عليهم بالله وبدينه، قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ…} الآية [الحج: 78]، وإن من أهم أهداف الدعوة الإسلامية التعارف مع الشعوب الأخرى المنتشرة على سطح الأرض من أجل إيصال دعوة الإسلام ومبادئ ذلك الدين القيم إليهم ونشر ثقافة الإسلام بينهم، قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات: 13]، (عاشرا): الدفاع عن الإسلام وتصحيح المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عن الإسلام: إن من أكثر ما يعوق الدعوة الإسلامية ونشر دين الإسلام هو الفهم الخاطئ لدين الله، مع أنه دين الفطرة والاعتدال، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، فدين الله يلائم فطرة الناس ولو أفسح المجال أمام الناس بصدق لكانوا أمة واحدة على دين التوحيد، ولما كان أعداء الله تعالى يعرفون ذلك أخذوا يحاربون انتشاره بين الناس بنشر المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عنه، ومن أهم أهداف الدعوة إلى الله الدفاع عن الإسلام ومحاربة الانحراف عن صراطه المستقيم وتصحيح المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عن الإسلام لأن ذلك من أعظم الدعوة والجهاد من أجل نشر الدين ونصرته.
(9) أهم صفات الداعية إلى الله: إنّ الداعية إلى الله تعالى ينبغي أن يتحلى بمنظومة متكاملة من الأخلاق العظيمة التي تكون زاداً له على طريق الدعوة إلى الله، وهذه المنظومة المتكاملة من الأخلاق تبلغ عشرين خلقا أساسيا مصدرها جميعاً الكتاب والسنة، فالقرآن الكريم وصف النبي e بقوله تعالى {وإنك لعلى خلق عظيم}، والقرآن الكريم خاطب المسلمين جميعا بقوله تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، وعندما سئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله e قالت: (كان خلقه القرآن)
ومن أبرز أخلاق الداعية إلى الله تعالى التي لا يصلح الداعية إلا بها: عشرون خلقا لابد وأن يتميز بها الداعية، وأن يتخلق بها ويتأدب بصفاتها: (1): الصدق فلا يكون الكاذب داعية إلى الله، (2) والأمانة فلا يكون الخائن داعية إلى الله، (3) والصبر فلا تصح الدعوة إلا بالصبر لها وعدم استعجال ثمرتها، (4) والرحمة فلا يكون الفظ غليظ القلب داعية إلى الله، (5) والتواضع فلا يكون الجبار المتكبر داعية إلى الله، (6) والعدل فلا يكون الظالم داعية إلى الله، (7) والعلم فلا يكون الداعية إلى الله تعالى جاهلا بما يدعو إليه، (8) والحلم، فإن الحلم سيد الأخلاق، (9) والبصيرة في الدين، فلا تكون الدعوة إلى الله تعالى إلا على بصيرة، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (10) والحكمة، (11) والموعظة الحسنة، وهما من أهم أخلاق الدعاة إلى الله، وبدون الحكمة والموعظة الحسنة يفسد الداعية من حيث يريد الإصلاح، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (12) والتجرد، واحتساب أجر الدعوة إلى الله عند الله تعالى وحده، قال تعالى: – آمراً نبيه e: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} وأمر سبحانه جميع رسله أن يقولوا {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} (13) والاستقامة بمعنى أن يصدق العمل القول وأن يكون عمل الداعية مطابق لما يدعو إليه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (14) والإخلاص في الدعوة إلى الله، فلا يريد بها إلا وجه الله، قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} و قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}، (15) واليقين في الله تعالى، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (16) وتقوى الله عز وجل، قال تعالى: {إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ}. (17) وحسن التوكل على الله والاتصال الوثيق بالله قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ ق والتجرد، (18) والحرص البالغ على هداية الناس، قال تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (19) والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (20) النزاهة والقدوة الحسنة، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} اللهم اجعلنا هداة مهديين، ولا تجعلنا ضالين ولا مضلين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([3]) شرح النووي على صحيح مسلم 2/188.
([4]) صحيح مسلم 4/2060 ح 2674.
([5]) صحيح البخاري 4/47 ح 2942، صحيح مسلم 4/1872 ح 2406.