في هذا الدرس: اتناول بيان ثلاثين خطأُ جليا في كتيب كشف الشبهات لإمام الدعوة النجدية محمد بن عبد الوهاب، ثلاثون خطأ جليا في كتيب صغير، وكلها يرمي إلى تكفير المسلمين واستحلال حرماتهم، وأعرضت بحمد الله عن الأخطاء الخفية واكتفيت بالجلية، ليعلم المسلمون مدى الخلل في فهم امام الدعوة النجدية للدين، أسأل الله عز وجل ان يهدي قلبي وأن يسدد قولي وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه، أقول وبالله التوفيق:
قال رحمه الله: ( اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وآخر الرسل محمد j، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين ) ( ) .
في هذا النص عدة أخطاء جسيمة ومغالطات كبيرة
[الخطأ الأول]: قوله: (اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة): فتعريف التوحيد بهذه الطريقة فيه قصور، لأن التوحيد أعم من ذلك فهو يشتمل على توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، كما يشتمل على توحيد الربوبية، وتوحيد العبودية، والشيخ رحمه الله قصر تعريف التوحيد على توحيد العبودية، وذهل بالكلية عن أهم أقسام التوحيد قسم توحيد الذات (غلم التنزيه والتقديس)، فمعنى (لا إله إلا الله): نفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والإلهية، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه، و (لا إله إلا الله) هي شهادة التوحيد وهي توحيد الألوهية، وهو يشمل أقسام التوحيد كلها وليس توحيد العبودية فحسب.
والأمر الثاني وهو الأخطر أنّ الشيخ ذهل عن ضابط التوحيد ألا وهو اعتقاد الإلهية والربوبية فيمن تصرف إليه العبادات والطاعات والذهول عن هذا الضابط سيجل صاحبه يُكفّر كل من يصرف عبادة في الظاهر لغير الله، وهذا نفسه لو رأى نبي الله يعقوب عليه السلام، وهو يخر هو وأبناؤه سجدا ليوسف، لكفّره واحل دمه، لأنه صرف السجود لغير الله، ولكان الشرك من نصيب (الأسباط) ذرية يعقوب جميعها، قال تعالى: { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [ يوسف:99 و 100]، وهذا نفسه لو رأى جنديا يقف بخشوع أمام قائده يطيعه في كل امر لأسقط عليه الكفر لمجرد الخضوع والخشوع والتسليم والانقياد والطاعة، فهل يقول هذا عاقل.
وكل ما حدث في زمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب من استحلال لدماء المسلمين في نجد والحجاز إنما كان بسبب هذا الخلل في تفسير العبادة، رأوا المسلمين يتوسلون بالصالحين وقد أجاز لهم ذلك عامة فقهاء المذاهب الأربعة ومع ذلك كفروهم بدعوى الشرك، ولنا ان نتساءل ألم يكونوا يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكيف نجعلهم كمثل أولئل الذين رفضوا الشهادة واتهموا النبي jبالكذب، قال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) } [ الصافات: 35 و 36]، وكانوا يقولون، كما حكى عنهم القرآن الكريم: { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ ص: 4 إلى 7]، وعلى مذهبهم السقيم كفرت الملائكة عندما سجدت لآدم وصرفت العبادة لغير الله وعبت آدم من دون الله، هذه والله طريقتهم، فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
[الخطأ الثاني]: قوله: (فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً) . (أقول): وهذا الخطأ من الشيخ هو سبب الغلو في التوحيد واتهام الأمة بالشرك، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، وذلك لأن الله تعالى ما أرسل نوحا عليه السلام إلى قوم غلوا في الصالحين، وإنما إلى قوم عبدوا الأوثان من دون الله واتخذوها آلهة من دون الله، قال تعالى حكاية عنهم، {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}، فقد سموها آلهة.
[الخطأ الثالث]: قوله: (وآخر الرسل محمد j، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين). (أقول): فإن النبي j لم يكسر صور الصالحين، وإنما كسر الأوثان والأصنام التي اتخذها الناس آلهة من دون الله، اعتقدوا فيها صفات الربوبية، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وهي التي كانت تعبد من دون الله.
[الخطأ الرابع]: قوله: (أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً). (أقول): هذا خلل شديد، حيث وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، وهذه مغالطة فجة، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله، وانكار رسالة الرسول j، كما في قوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5، 6]، ثم إنهم كانوا مشركين في العبادة، كما وصفهم الله تعالى بقوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، وهل كانت عبادتهم إلا المكاء والتصدية، كما في قوله تعالى: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُـوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}، فهل يصح بعد ذلك وصفهم بقوله: ((أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً)).
[الخطأ الخامس]: قوله: (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين). (أقول): أساس هذا الخطأ أنه جعل ضابط الشرك الأكبر هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء: بدون أن يصاحبه اعتقاد ألوهية الوسيط، مع أن الموجب لشرك العبادة الشرك الأكبر المخرج من الملة هو اعتقاد إلهية الوسيط، وسبب هذا الخطأ هو الخلل في فهم الآية: قوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، وقد مر بنا أنّ المشركين أقروا بعبادتهم لأصنامهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ}، وهذا لا يقر به مسلم أنه يعبد غير الله، ثم إن الله تعالى قد كذبهم في ادعائهم بأن الغرض من عبادتهم هو التقرب إلى الله سبحانه ولهذا ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وإنما كان شركهم الأكبر هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، وسبب هذا الخطأ أيضا: هو الخلل في فهم الآية قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]،، فالمتدبر للآية يفقه منها أمور ضرورية: الأول: الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والمسلم لا يقول ذلك أبدا، والثاني: اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، والثالث: تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، والرابع: ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، ومما سبق يعلم خطا الشيخ في جعل ضابط الشرك الأكبر في الآيتين هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء.
[الخطأ السادس]: قوله: (هؤلاء المشركون مقرون ويشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأراضين السبع ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره، فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله j يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون) وغير ذلك من الآيات) ( ) .(أقول): يشير رحمه الله إلى أنهم على توحيد الربوبية، وسوف يقولوها صراحة بعد عدة أسطر ((وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام))، وهذا باطل، لانهم كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية: كانوا على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الألوهية والربوبية في اعتقادهم، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله، كما أنه لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الألوهية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة، والقرآن الكريم يشير إلى الشرك الواقع في الربوبية عند مشركي قريش، الذين جعلهم الشيخ النجدي أهون شركا من مسلمي زمانه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} [هود: 101]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43]، كما أن الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، والمشركون كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية والربوبية: قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98]، فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، ونستفيد مما سبق أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً، كما أن المشركين كانوا يعتقدون بوجود آلهة مع الله لها قدرة ذاتية على النصرة أو الضر والنفع على نحو مستقل عن الله بل وبلا إذن من الله لأنهم شركاء لله {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام]، وأنّ الشيخ عندما ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن أبدا على صواب في ذلك.
[الخطأ السابع]: قوله:(فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله j، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد) ( ) . (أقول): أولا: ليس (توحيد العبادة) وحسب هو الذي جحدوه بل جحدوا كل أقسام التوحيد متمثلا في جحدهم لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ويدخل فيها كافة أقسام التوحيد، والشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفقه معنى (العبادة)، إذ توهم أنّ إتيان الأعمال التي تصلح للعبادة لا تقع إلا عبادة، وهذا خطأ جسيم آل به إلى اتهام أهل الإسلام بالوقوع في الشرك الأكبر وآل به ذلك إلى استحلال دماءهم واموالهم، فإنه لما رأى أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود وغيره من مفردات العبادة تخيَّل أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك.
ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين خطأ هذا المفهوم، وأن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الإلهية او لربوبية، ولو كان مجرد إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به – من دون اقتران نية العبادة لمن يعتقده رباً – هو الشرك إن وقع لغيره تعالى، لما جاء بعض تلك الأعمال مأموراً به لغيره تعالى لأن الله تعالى لا يأمر عباده بالشرك ولا يرضى به ولا يأمر بالفحشاء، فالسجود مثلاً “، وهو أقرب إلى التذلل من سواه، ” لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما أمر الله به لآدم ولما حلّ في شريعة قط كالسجود ليوسف على وجه التحية والتكريم، فلما جاء السجود صالحاً لأن يكون سجود عبادة وشرك، وأن لا يكون سجود عبادة وشرك تبين أن إتيان أي عمل ليس عبادة لذاته ولا شركاً في نفسه إلا أن يجتمع مع إتيانه نية العبادة به لمن يعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو الإلهية، فالنية (الاعتقاد): على هذا هي الحد الفاصل بين الحكم على العمل بأنه عبادة أو لا يدخل في مسماها. ولما رأى الشيخ عبد الوهاب أنه ليس كل داع لأحد أو مستنجد به أو مستعين به يعتبر شركاً، فتشوا عن ضوابط لما يصل إلى درجة الشرك وما لا يصل إليه، فأجازوا من ذلك ما كان لحي حاضر فيما يقدر عليه، ومنعوا من ذلك ما كان لغائب أو ميت، ولا معنى لبناء الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأن العبد سواء أكان حيا أو ميتا فإنه لا يقدر على شيء استقلالا ولا حول لأحد ولا قوة إلا بالله، فلا فرق في ذلك بين حي وميت، ولا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم. أما أهل السنة فحين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً، حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله، وكذلك فإن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم، وفي كتاب ” الروح ” لابن القيم فصول فحواها “أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على سماع الأحياء ورؤيتهم “.وإذ تبين فساد هذه الضوابط في الجواز والمنع تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو أنه كان العمل أو القول إذا كان لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف لله وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي ولا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ولا يوم القيامة، وبهذا نعلم أنّ مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شيء مما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما، فعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة، وعامة المسلمين الذين يرون جواز التوسل بالنبي j وبالصالحين، قلوب هؤلاء مستقرة على (لا إله إلا الله)، وعلى أن من يُتوسل بهم من الأنبياء والصالحين هم مجرد أسباب لا استقلال لهم بنفع ولا ضر، وليس لهم من الربوبية شيء، إذن كيف ينطبق على هؤلاء المسلمين القائلين لا معبود بحق إلا الله، ما ينطبق على المشركين الذين أقروا بعبادة غير الله، حيث قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي}، سبحانك هذا بهتان عظيم وقياس غير مستقيم.
[الخطأ الثامن]: قوله: (كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له، أو يدعوا رجلاً صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى وعرفت أن رسول الله j قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجن:18] وقال: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ [الرعد:14]، وتحققت أن رسول الله j قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله،) ( ) . (أقول):قوله: [كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً] هل كان المشركون يفعلون ذلك حقا، أم هو التمهيد لإسقاط حكم الشرك الأكبر على أهل القبلة، واستحلال دمائهم وأموالهم.
وقوله: [قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده]، نعم لأن شركهم كان شركا أكبر، اتخذوا شركاء مع الله وعبدوا آلهة من دون الله وجحدوا نبوة النبي j، وقوله: [وتحققت أن رسول الله j قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله]. (أقول): يمهد الشيخ لإسقاط الحكم على المسلمين حتى يتمكن من استحلال دماءهم وأموالهم، وأنه كما أن رسول الله j قاتل المشركين بسبب صرف تلك الأعمال لغير الله، فإنه يجب على اتباع الشيخ قتال المسلمين من مجرد صرف تلك الأعمال إلى غير الله، وهاهنا ذهل الشيخ عن ضابط العبادة الذي يجعل تلك الأعمال من باب الشرك الأكبر، فإن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله j: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي،.
والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة بنية العبادة، فلابد أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف الصور بغير اعتقاد، فلا يكون شركا أبدا، وإلا لكفر نبي الله يعقوب عليه السلام بالسجود ليوسف عليه السلام ولكفرت الملائكة لسجودها لآدم، بدعوى الشرك، وصرف العبادة إلى غير الله، إذن الفقه في مفهوم العبادة يقتضي أن نفهم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة أبدا ولا علاقة لها بالشرك لأنّ الشرك عقيدة تتمثل في اتخاذ آلهة مع الله، كما حكى القرآن الكريم عن المشركين، { وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6]،.
[الخطأ التاسع]: قوله – وهو يتكلم عن المشركين -: (وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون) ( ) .(أقول): قد أشرت إلى خطأ الشيخ في قوله ((وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام))، لأنهم لم يكونوا على توحيد الربوبية، فإنهم اعتقدوا بعض مفردات الربوبية في آلهتهم التي عبدوها من دون الله، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}، ثم قوله بعد ذلك: ((وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم)): ( أقول): لم تكن شفاعتهم هي التي أحلت دماءهم وأموالهم، فإن ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول j، وجميع المسلمين عالمهم وجاهلهم يعرف ذلك، وأنها لا تكون جبرا على الله، فشتان ما بين شفاعة المشركين الذين يعتقدون في آلهتهم أن شفاعتها بموجب شراكتها لله في تدبير الأمور بدليل قوله تعالى {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94].
[الخطأ العاشر]: قوله – وهو يتحدث عن المشركين -:(وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد. فأتاهم النبي j يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) ( ) . (أقول): من هم المشركون الذين يقصدهم الشيخ في قوله (ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد)، أليس هم عامة المسلمين في نجد والحجاز، ثم إنه ليس بصحيح أن كفار قريش يعنون بالإله ما يعنيه هؤلاء فإنهم يقصدون بالسيد إما الرئيس فيهم، أو من كان من نسل الرسول j وهم الأشراف، ومراد الشيخ أن الناس في زمانه يعتقدون في السادة ما يعتقده كفار قريش في الأصنام التي يسمونها الآلهة، وهذا غلو خطير، فالمسلمون في زمانه كانوا يعتقدون أنه لا إله إلا الله ويؤمنون بمعناها، وهي شهادة التوحيد فكيف يصفهم بالمشركين ثم يستحل دماءهم وأموالهم.
[الخطأ الحادي عشر]: قوله: ( والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي j بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: {قولوا: لا إله إلا الله}، قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله) ( ) . (أقول): للأسف الشديد هو لا يعلم المعنى الصحيح لشهادة التوحيد، وأنها تشمل أقسام التوحيد كافه، وقد ذهل هو عن توحيد الذات وقواعد التقديس التي تعصم من الحشو والتجسيم، ثم ذهل عن موقع الاعتقاد من الشهادة، وأن اعتقاد التوحيد هو الأساس، وأن الطاعات لا تكون عبودية وتوحيد إلا إن صاحب صرفها اعتقاد إلهية وربوبية واستحقاق العبودية لمن تصرف إليه، وفي هذا الغلط في تفسير العبادة يقول الشيخ سلامة القضاعي العزامي في كتابه فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الاَكوان: (إنّ الغلط في تفسير العبادة، المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، التي أُستحِلت بها دماءُ لا تحصى، فأنّهم فسروا العبادة بالإتيان بأقصى غاية الخضوع، و أرادوا بذلك المعنى اللغوي، أمّا معناها الشرعي فهو أخصّ من هذا كما يظهر للمحقّق الصبّار على البحث من استقراء مواردها في الشرع، فانّه الاِتيان بأقصى غاية الخضوع قلباً، باعتقاد ربوبية المخضوع له، فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعاً، في كثير ولا قليل مهما كان المأتي به و لو سجوداً، و إنّما كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، و هو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له) أهـ ( ) .
[الخطأ الثاني عشر]: قوله: (إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلمٍ وحُجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحاً تقابل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وبيناته، فلا تخف ولا تحزن إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76]، والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء هؤلاء المشركين، .. وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا) ( ) . (أقول): يصف أهل العلم من المسلمين في زمانه بالشياطين، والمشركين، ثم يصف أتباعه بأنهم الموحدون، ويصفهم بأن الواحد منهم يغلب ألفا من علماء وفقهاء المذاهب الأربعة وقد كانوا هم آنذاك الذين حاولوا مناقشته في تصوراته المغلوطة حول العبادة.
[الخطأ الثالث عشر]: قوله: (فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل. أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران:7]، وقد صح عن رسول الله j، أنه قال: {إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم}) ( ) .(أقول): الشيخ رحمه الله جعل المحكم متشابها، والمتشابه محكما، فإن المحكم هو أن من أتى بشهادة التوحيد مقرا بها معتقدا لها فهو مسلم له حكم المسلمين من حرمة دمه وماله، ومن المحكم ان المشركين كانوا يشركون في الربوبية والعبودية وأنهم اتخذوا آلهة مع الله، ومن المتشابه ما يزعمه هو من كون المشركين كانوا على توحيد الربوبية وأنهم اتخذوا الأوثان والأصنام واسطة للتقرب إلى الله فقط، يستدل لذلك بقوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، مع أن أول الآية وآخرها رد على أخطائه، فإن أولها إقرار بأنهم عبدوها من دون الله، وآخرها تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وهم ما عبدوها إلا لاعتقادهم فيها أنها تنصرهم وتعزهم من دون الله، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}.
الخطأ الرابع عشر: قوله: (مثال ذلك إذا قال لك بعض المشركين: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، أو استدل بالشفاعة أنها حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله أو ذكر كلاماً للنبي j يستدل به على شئ من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس:18] هذا أمر محكم بين، لا يقدر أحد أن يغيير معناه) ( ) .(أقول): بل هذا هو المتشابه الذي آل بالشيخ إلى تشريك المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، ثم قال: [[وما ذكرته لي أيها المشرك]]، وانظر إلى اتهامه المسلمين بالشرك في قوله [أيها المشرك]، [من القرآن أو كلام النبي j لا أعرف معناه]، الحمد لله يعترف بجهله عن معرفة معناه، [ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي j لا يخالف كلام الله عز وجل، وهذا جواب سديد]، والله لا سديد ولا رشيد وهو أساسا لا يعرف ضابط العبودية الذي يجعل صرفها لله تعالى توحيد وصرفها لغير الله شرك أكبر]
[الخطأ الخامس عشر]: قوله: ( وأما الجواب المفصّل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه: منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم، فجاوبه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله j مُقرِّون بما ذكرت، ومُقرِّون بأن أوثانهم لا تدبر شيئاً وإنما أرادوا الجاه والشفاعة. واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه) ( ) .(أقول): لم يقاتلهم الرسول j على مجرد الجاه والشفاعة، وقد تقدم أنه j قاتلهم لأنهم جحدوا شهادة التوحيد (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، وقد وضح القرآن حالهم بقوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ}، ثم إن لمعنى الجاه والشفاعة عند المسلمين معنى مغاير تماما لما عند المشركين، وفي الجاه يقول تعالى: {وكان عند الله وجيها}، وفي الشفاعة تواترت الأحاديث عن أن الرسول j هو الشافع المشفع، وأن الله تعالى قد ارتضى شفاعته، أما الشفاعة عن المشركين كانت جبرية على الله بمقتضى اعتقادهم بأنها شركاء لله في تدبير المملكة، كما في قوله تعالى {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}.
[الخطأ السادس عشر]: قوله: ( فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً؟ فجاوبه بما تقدم فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة) ( ) . (أقول): قد تقدم بيان أنهم مشركون في أخص صفات الربوبية من التدبير والتصريف والإعزاز والإذلال، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}، فكيف يقول: [الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة]، وقد كذبهم الله تعالى في ادعاء الشفاعة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، فكيف نصدق الشيخ ونعرض عما جاء نصا في القرآن في أنهم كاذبون.
[الخطأ السابع عشر]: قوله: ( ولكن إذا أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الصالحين والأصنام ومنهم من يدعو الأولياء، ويدعون عيسى ابن مريم وأمه) ( ) . (أقول): شتان ما بين معتقد المسلمين والمشركين في الدعاء، فالمشركون يدعون هؤلاء وهم يعتقدون فيهم الإلهية والربوبية والشراكة مع الله في استحقاق العبودية {قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا} أقروا بعبادتهم، وكما في قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، و قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ}، و قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}، و قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا}.
[الخطأ الثامن عشر]: قوله: (فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله j) ( ) . (أقول): هذا خطأ جسيم، فإن كفرهم لم يكن لمجرد قصد الأصنام، وقصد الصالحين، وإنما لأنهم اعتقدوا فيهم الإلهية والربوبية والشراكة مع الله في استحقاق العبودية، وهذه هي مفردات الشرك الأكبر بالله، والشيخ ها هنا يريد أن يقحم التوسل بالصالحين في باب الشرك بالله، وشتان ما بين هذا وذاك، فإن الفارق عظيم بين التوسل وبين الشرك بالله، فالتوسل هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته،، أما خطأ الشيخ في فهم المقصود من التوسل: هو ظنه أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل، لأن التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا، وكل ما أورده الشيخ محمد ابن عبد الوهاب من أدلة لإدخال التوسل في دائرة الشرك، إنما هي أدلة مغلوطة فهمها فهما خطأ ثم عممها على المسلمين، من مثل قوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، فإن قول المشركين: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمسلم المتوسل بالصالحين لم يعبدهم بل علم أن لهم مزية عند الله بصلاحهم فتوسل بهم إلى الله تعالى لذلك. ومثل قوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً}، فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره، والمسلم المتوسل بالصالحين لم يدع إلا الله، ولم يعبد إلا الله، ولم يعتقد لا ربوبية ولا إلهية ولا استحقاق عبودية إلا لله، هذا هو حال جمهور المتوسلين من المسلمين فكيف يعمم الشيخ عليهم وقوعهم في الشرك الأكبر واتخاذ الشفعاء على نحو ما يفعل المشركون، وهل اعتقاد المسلمين في الشفاعة كمثل اعتقاد المشركين حتى يقول ذلك، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان، ويزعم أن الرسول الأكرم j ساحر كذاب، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8].
فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية، قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام، وهنا إذ تحرر موضع النزاع في معنى التوسل، بقي أن نعلم ما هي أنواع التوسل الجائزة شرعا، فنقول لها سمعاً وطاعةً، ولا نتقدم على الشرع الحكيم برأي أو هوى أو غلو أو تقصير، أو إفراط أو تفريط.
[تحقيق القول في التوسل وبيان البهتان العظيم الذي جاء به الوهابي النجدي في حق اهل التوسل] جمهور الفقهاء يستدلون على جواز هذا النوع من التوسل بأدلة منها: [الدليل الأول]: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل.
[الدليل الثاني]: قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل.
[الدليل الثالث]: قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله j والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول j في حياته فقط، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة.
قال المانعون للتوسل بذات النبي j أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة) [الموسوعة الفقهية: مادة وسل]: إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي j أو بعد وفاته، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي j في قبره لحال أمته، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته، ومن فرق بين حياته وموته j فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريم.
[الدليل الرابع]: حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا شعبة بن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة ابن ثابت عن عثمان بن حنيف: ((أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (ص) فقال: ادع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقضى لِي اللهم فشفعه في)) ( ) .
تسآؤل: هل هناك فرق بين التوسل بذوات الصالحين وبين التوسل بالعمل الصالح: عند التحقيق نجد انّ المتوسلين لا يتوسلون بالأجساد لأنها جميعها خلقت من طين، وإنما يتوسلون بصلاح الصالحين واعمال الصالحين التي جعلتهم صالحين مقربين من الله، إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله، فإذا قال القائل: (اللهم إني أتوسل إليك بالنبي j ) فهو باعتبار ما قام به من العلم والنبوة والرسالة والقرب من الله.
هل هناك فرق في التوسل بالصالحين بين الحي والميت: الوهابية يقولون: أنه بموت الإنسان ينقطع عن الدنيا، ولا علاقة له بها، ولا ينتفع منها إلا من ثلاث: عمل صالح ينتفع به، وولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، وبعد ذلك فلا علاقة له باهل الدنيا ولا بأحوالهم وبالتالي فلا يجوز اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى لأنه ليس لديهم علم بمن طلب منهم التوسل واتخذهم وسيلة إلى الله تعالى، وليست لديهم قدرة على التوسل، بينما يزعم جمهور العلماء والأولياء على أن الأنبياء والاولياء الصالحين أحياء في قبورهم حياة برزخية كاملة، حياتهم أكثر كمالاً من الحياة الدنيا، وانه إذا كان الشهداء احياء عند ربهم يرزقون، فإن الأنبياء والاولياء أولى بذلك، وأنهم يسمعون من يطلب منهم الإعانة، وأنهم يتوسلون إلى الله تعالى لمن يطلب منهم التوسل، وأنهم أقدر من الأحياء على نجدة من طلبهم، وعلى ذلك فليس في باب التوسل فرق بين الحي والميت، في اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى ما داموا أنبياءً أو أولياءَ صالحين، والمسالة حتى هاهنا من باب الفقه وليس من باب العقيدة ولس من باب الشرك والعياذ بالله ولم يحعلها شركا أكبر سوى الوهابية النجديون.
(ب) يستدل الجمهور على جواز التوسل بالصالح الميت بعدة ادلة منها: قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 إلى 171]، و قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154]، ووجه الاستدلال في الآيتين أنه إذا كان الشهيد حياً وهو أقل منزلة من النبي والولي والصديق، فمن باب الاولى ان يكون النبي والولي الصديق أحياءً لأنهم أعلى منزلة من الشهيد، [الدليل الثاني أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ((وقف النبي j على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال: أنهم الآن يسمعون ما أقول))، وفي رواية في صحيح البخاري: ((أن النبي j جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فأنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله j: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، ( ) .
[الدليل الثالث]: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله j: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام)) ( ) .
[الدليل الرابع]: أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أن النبي j كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لنا ولكم العافية)) ( ) . يقول ابن القيم في كتابه الروح: (فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم النبي j أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل، ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه، وعلموا صلاته، وغبطوه على ذلك) أهـ،( ) . والسلام على من لا يشعر ولا يعلم محال، وقد علم النبي j أمته إذا زاروا القبور.
[الدليل الخامس]: قوله j (حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت لكم) ( ) .
[الدليل السادس]: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي j في ذكر خروج الروح وقال في روح المؤمن ((فيؤتى به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألون ما فعل فلان؟ وما فعل فلان؟ فيقولون دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟!! قالوا ذُهب به إلى أمه الهاوية)) ( ) .
(تنبيه) ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل بذوات الانبياء والاولياء والصالحين، وكل مسلم يعلم أن حب ذواتهم ليس حباً للأجساد، إذ كل بنى آدم – حتى الكفار منهم – أجسادهم من طين، ولكنه حب لما حوته تلك الذوات من الإيمان بالله والطاعة لله وتعظيم أمر الله تعالى، ولذلك حرّم الله تعالى على الارض أن تأكل أجساد الأنبياء.
ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل بجاه الصالحين، لأن الاعتراف بجاه هؤلاء هو من الإيمان والعمل الصالح، ولولا الإيمان لما اعترف المسلم بجاه هؤلاء الصالحين عند الله تعالى، وكل مسلم يعلم ان للأنبياء والأولياء والصالحين وجاهة عند الله، ألم يقل الله تعالى في حق موسى عليه السلام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69]، وألم يصف الله تعالى عيسى عليه السلام بالوجاهة عند الله تعالى، بقوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45]، وألسنا نتفق أن الرسول j مقدم في الوجاهة على غيره من الانبياء والمرسلين، فأي مخالفة للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم إلى الله تعالى بجاه هؤلاء الوجهاء عند الله تعالى.
(تنبيه): يظن الوهابيون أن مجرد اعتقاد قرب الصالحين ووجاهتهم عند الله تعالى هو من الشرك، ويظنون أن نبي الله تعالى نوح عليه السلام إنما أرسل إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وهذا خطأ لأنه أرسل إليهم عندما تبدل اعتقاد صلاحهم ووجاهتهم عند الله تعالى، باعتقاد ألوهيتهم وأنهم شركاء لله تعالى في ربوبيته، وعبدوهم من دون الله تعالى، بدليل قولهم كما حكاه القرآن الكريم عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، فقد أقروا بعبادتهم لهم من دون الله واتخاذهم آلهة مع الله تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23].
ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل بحق الانبياء والصالحين على الله تعالى، وهو ليس بالحق الواجب على الله تعالى، بل هو حق التفضل والرحمة والوعد الذي كتبه الله تعالى – تفضلاً – على نفسه لعباده المرسلين والصالحين والمؤمنين، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)} [يونس: 103]، وقوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، ووعد الله تعالى حق وصدق، كما قال تعالى: {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف: 98]، وقوله تعالى: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} فأي مخالفة بعد ذلك للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم إلى الله تعالى بحق ذوي الحرمة والحقوق على الله تعالى وهو ليس حقاً ذاتياً لهم، بل هو الحق الذي قطعه الله تعالى على نفسه تفضلاً ورحمة.
حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الأحناف: المذهب الحنفي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وقد استقرت فتوى المذهب الحنفي على جواز التوسل إلى الله تعالى بذات الرسول، وحملوا قول المتقدمين على الكراهة في باب الإقسام على الله تعالى، وليس في باب التوسل، قال الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي في كتاب الحج، باب زيارة النبي j: (ويسأل الله حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه ثم قال يسأل النبي j الشفاعة فيقول يا رسول الله أسألك الشفاعة يا رسول الله أتوسل بك إلى الله،) ( ) .
حكم التوسل بالنبي والصالحين عند المالكية: يكاد المذهب يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول j، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى، لاسيما وفي المذهب نصوص واضحة جلية لإمام المذهب بذلك، وممن نص على ذلك من علماء المذهب، الإمام مالك رحمه الله، والائمة ابن خويز منداد، والقاضي عياض (ت: 544 هـ)، وأخرج أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بسنده: (أن مالكا رضي الله عنه لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي – ثاني خلفاء بن العباس- يا أبا عبد الله: أأستقبل رسول الله صلى الله عليه سلم أم استقبل القبلة وأدعو؟ فقال الإمام مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك أدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفع فيك) أهـ، وقد أخرج هذه القصة القاضي عياض في [الشفا( ) . وذكرها القسطلاني في المواهب: والزرقاني شارح المواهب في شرحه وقال في معرض رده على من أنكرها (وهذا تهور عجيب فإن الحكاية رواها أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بإسناد حسن، وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن عده من ثقات مشائخه، فمن أين أنها كذب؟ وليس في لسنادها وضاع ولا كذاب)، وكذا نقلها السمهودي في وفاء الوفا عن القاضي عياض، وقال ابن حجر في الجوهر المنظم قد روي هذا بسند صحيح، وجاء ذكرها في اكثر كتب المذهب كالمدخل ، والقوانين الفقهية ( ) .
وقال العلامة ابن الحاج المالكي(توفى737 هـ) – في آداب زيارة الرسول j: (ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ذلك فإنهم باب الله المفتوح، وجرت سنته سبحانه وتعالى في قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم، فإنهم السادة الكرام، والكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم، ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم هذا الكلام في زيارة الأنبياء، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام عموما) ( ) .
حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الشافعية: يكاد المذهب الشافعي يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول j، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى، لاسيما وفي المذهب نصوص واضحة جلية لإمام المذهب بذلك، وممن نص على ذلك من علماء المذهب: الإمام الشافعي، والإمام البيهقي الشافعي (384 هـ)، والحافظ ابن عساكر الشافعي (ت: 571 هـ)، والإمام الرافعى القزويني الشافعي (623هـ)، والإمام النووي (ت: 676 هـ)، وتقي الدين بن دقيق العيد الشافعي (ت: 702هـ)، والإمام السبكي (ت: 756 هـ)، والإمام زكريا الأنصاري (ت: 919 هـ)، والشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي (ت: 973 هـ)، والخطيب الشربيني (ت: 977 هـ)، والإمام الرملي (ت: 1004هـ)، وقال الإمام النووي في المجموع : كتاب صفة الحج، باب زيارة قبر الرسول j: (ثم يرجع إلى موقفه الأول قُبالة وجه رسول اللّه j ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه) ( ) . وفي فتاوى الإمام شمس الدين الرملي ” الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم، لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم، أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم، وأما الأولياء فهي كرامة لهم فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم) أهـ( ) .
حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الحنابلة: يكاد المذهب الحنبلي يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول j، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى، وممن نص على ذلك من علماء المذهب: الإمام احمد بن حنبل، والشيخ عبد القادر الجيلاني (ت ٥٦١ هـ)، والإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي، والإمام ابن الجوزي (ت 597 هـ)، والإمَامُ المرْدَاوي (ت 885هـ)، وابن مفلح الحنبلى، والبهوتى الحنبلي ت (1051هـ)، قال الإمام احمد بن حنبل في منسكه الذي رواه عنه المروزي ما نصه: (وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه (j) تُقْضَ من الله عز وجل) ( ) .. وذكر الشيخ ابن قدامة صيغة تقال عند السلام على النبي – j – وفيها أن يقول: (اللهم إنك قلت وقولك الحق: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين، ( ) . فهل يٌعقل ان يكون التوسل يعد ذلك شركا سبحانك هذا بهتان عظيم]
[الخطأ التاسع عشر]: قوله:( فإن قال: الكفار يريدون منهم: وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شئ ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم، فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواءٍ فاقرأ عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ( ) . (أقول): تكرار لأخطائه السابقة في فهم التوسل ومعرفة الفارق بينه وبين الشرك الأكبر وضابط كل منهما، ولي هنا وقفه لفهم الآيتين، [فقه الآية الأولى وبيان خطأ من استدل بآية الزمر للتوصل إلى اتهام جهلاء المسلمين بالشرك الأكبر المخرج من الملة]: قال تعالى {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}[سورة الزمر: 3]، تبدأ الآية بذكر الدين الخالص الذي هو (التوحيد)، ثم قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء}، الولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[يس: 74]. والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}[سورة هود]وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في قسم توحيد العبودية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده، وفي الحديث (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)، وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله. وقد سبق تفصيل ذلك.
[الخطأ العشرون]: قوله: ( فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الإلتجاء إلى الصالحين، ودعاءهم ليس بعبادةٍ، فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم، فقل له: بين له هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلا بد أن يقول لك: نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنه عبادة لله ودعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم،) ( ) . (أقول): مشكلة الشيخ أنه لا يفرق بين أصل العبادة وصور العبادة، ولا يجعل الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله j: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة مع اعتقاد استحقاقه لأن تصرف إليه العبودية، فمن صرف العبادة بنية العبادة لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، وعلى ذلك فإن العبودية لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية لمن تصرف له العبادة كما سبق أن ذكرنا.
[الخطأ الحادي والعشرون]: قوله: ( فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة، فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر، ويقول نعم، وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم، والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدا)( ) .(أقول): الظاهر جدا هو ذهول الشيخ عن كل ضوابط اهل السنة والجماعة في باب التوحيد والشرك، فإن من الفقه في فهم مفردات العبادة التي من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر: هو أنّ العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان: الركن الأول: الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة، والركن الثاني: العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية واستحقاق العبودية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد. وأن من الفقه في مفهوم (الذبح) أن من ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، أو بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا من المحرمات ولكن لا يدخل في باب الشرك الاكبر.
[الخطأ الثاني والعشرون]: قوله: (إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله j أصح عقولاً وأخف شركاً من هؤلاء) ( ) . (أقول): انظر إلى مقارنته بين المشركين الأصليين الذين حاربهم النبي j، وبين المسلمين الذين استحل الشيخ محمد ابن عبد الوهاب دماءهم وأموالهم بدعوى الشرك الأكبر، في مفاهيم مغلوطة في ذهنه، ناشئة عن خطأ تصوره للعبادة، وأنه لما رأى أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم تخيل أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، ويرى علماء أهل السنة والجماعة من الأصوليين والفقهاء خطأ هذا المفهوم، وأن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الربوبية أو صفات الإلهية، فكيف نقول عن الذين حكى القرآن الكريم حالهم: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، هؤلاء الذين استكبروا عن قول لا غله الا الله، واتهموا النبي jبالجنون هل هؤلاء أصح عقولا واخف شركا ممن يقول لا إله الا الله محمد رسول الله، إن هذا إلا بهتان عظيم.
[الخطأ الثالث والعشرون]: قوله: ( فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم فاصغ سمعك لجوابها، وهي إنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي، ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله j في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، .. فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي محمد j، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئاُ من هذه الأمور كفر؟ ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل) ( ) .
(أقول): سبحان الله، وهل جحد أحد من أهل الإسلام التوحيد، أو جحد شيئا مما يدخل بالضرورة من علوم الشهادتين، ثم كيف يجحدون التوحيد وهم مقرون بالشهادتين وهما أساس التوحيد، فإين هو من قواعد الشريعة العامة الضابطة لفقه مسائل التوحيد والشرك، ومنها أن: مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر، و أن من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد، و أن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الاكبر أو بالشرك الأكبر، و أن العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر أو بالشرك الأكبر، و ان المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر، أو بالشرك الأكبر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة، و أنه لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ولا يجوز اتهامه بالشرك الأكبر بالأمور المحتملة للشرك الأكبر وغيره، وانه لابد من اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمان وفي نواقض التوحيد، وأنه قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر (الكفر دون كفر) أو الشرك دون شرك أو النفـاق العملي) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه، و أن خطـورة تكفـير المسلـم أو اتهامه بالشرك الأكبر عظيمة عند الله، ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه، وهؤلاء الذين استحل الشيخ دماءهم واموالهم وحرماتهم ما ارتكبوا أمرا مكفرا ولا جحدوا شيئا من دين الله، والشيخ يقتلهم علة مسائل خلافية القول الراجح معهم وليس معه فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[الخطأ الرابع والعشرون]: قوله:( ويقال أيضاً: هؤلاء أصحاب رسول الله j قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي j، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون ويؤذنون، فإن قال: إنهم يقولون: أن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي j، كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف، أو صحابيا، أو نبيا، إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ( ) . (أقول): بنو حنيفة يّدعون أن مسيلمة نبي، قالوا ذلك وقاتلوا عليه وجحدوا معلوما من الدين بالضرورة ألا وهو قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}، فأين هؤلاء من المسلمين الذين يقولون نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله الخاتم، ويعتقدون أنه لا رب ولا إله ولا معبود بحق سوى الله، ثم قوله: [فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف، أو صحابيا، أو نبيا، إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟]، فهل في المسلمين من اعتقد إلهية شمسان أو يوسف أو غيرهما، وهل في المسلمين من اعتقد ربوبية شمسان أو يوسف أو غيرهما، وهل في المسلمين من استحل صرف العبودية لشمسان أو يوسف أو غيرهما، سبحانك ها بهتان عظيم.
[الخطأ الخامس والعشرون]: قوله: ( ويقال أيضاً: الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي رضي الله عنه وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي، مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب رضي الله عنه يكفر؟) ( ) .
(أقول): هذا تلبيس: فإن السبئية اتباع عبدالله بن سبأ هم الذين اعتقدوا في الإمام علي رضي الله عنه أنه رب معبود، وصرحوا باعتقادهم وعرضوا عليه ذلك فكفّرهم وحرّقهم، فكيف يساوى بين هؤلاء وبين من يقول لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا تصرف العبودية إلا إليه، يقول [[أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب رضي الله عنه يكفر؟]]، هؤلاء اعتقدوا في علي رضي الله عنه الإلهية، وقالوا أنت الإله، فهل سمعنا أحد يقول عن تاج أو غيره من الصالحين أنهم آلهة، أريد مثالا واحد لذلك، ولو حدث لكانت حالة فردية، ولم تحدث، أما تكفير قبائل بكاملها لهذا الادعاء لا يصح ولا يجوز.
الخطأ السادس والعشرون: قوله:( ويقال أيضاً: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول j والقران، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب “باب حكم المرتد” وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعاً كثيرة كل نوعٍ منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب) ( ) . (أقول): اتفق علماء أهل السنة والجماعة على أن: الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد، وهذه القاعدة: قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، كما أن الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة، [الإقرار – التصديق – الانقياد]، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها: كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب، وأعمال الجوارح كما حققها فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب، ومن أهم قواعد أهل السنة والجماعة الضابطة لهذا الباب، قولهم: ان الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب، إذن أين باب الردة وأين ما هو فيه من اتهام المسلمين بالشرك الأكبر ويقاتلهم عليه ويستحل دماءهم وأموالهم بسببه.
[الخطأ السابع والعشرون]: قوله:( ومن الدليل على ذلك أيضاً حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]وقول ناسٍ من الصحابة: {اجعل لنا ذات أنواط} فحلف j أن هذا نظير قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهاً، ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: فإن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا: {اجعل لنا ذات أنواط} لم يكفروا. فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك وكذلك الذين سألوا النبي j لم يفعلوا، ولا خلاف في أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي j لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب)( ). (أقول): إنَّ أصحاب رسول الله j قد سألوا النبيَّ j أن تكون لهم شجرة ينوطون بها سلاحَهم ويستمدُّون منها البركةَ والنصرَ، فلم يُجِبْهُمْ إلى طلبهم،، وذلك لأنّ هذا الطلب العملي بأن تكون لهم شجرة ينوطون بها سلاحَهم ويستمدُّون منها البركةَ والنصرَ يفتح طريقا خطيرا إلى اعتقاد النصر عند غير الله، ولهذا أنكر عليهم j أشدَّ الإنكار باعتبار ما قد يؤول إليه الحال بعد أزمان، فكان انكاره حسما لمادة الشرك، والصحابة لم يطلبوا الشرك الأكبر يقينًا، وإنما طلبوا أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السلاح، ويستمدُّون من الله بها البركة والنصر، ولا يستمدُّون منها، فقال j: اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}، إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فأنكر النبيُّ j مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلِّقين عليها سلاحهم، حتى لا يتعلق القلب بغير الله، والقاعدة الأصولية تقول: الشرك الأكبر: شرك اعتقاد، والشرك العملي هو شرك دون شرك، ولا يخرج من الملة ما كان العقد سليم على التوحيد، والقاعدة الأصولية تقول: الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله، وهذا من أعظم أصول أهل السنّة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، كما في قوله تعـالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}[يوسف: 106]، فإنّ الله تعالى أثبـت لهـم إيمانـاُ بـه سبحانـه مـع وقوع الشـرك دون شرك، إذن نستفيد من ذلك ان التوحيد الاعتقادي يضاده الشرك الأكبر المخرج من الملة، وان التوحيد العملي يضاده الشرك العملي (الشرك في إطار الملة) حتى يأتي على أصل التوحيد الذي مقره القلب والاعتقاد، ثم لنا أن نتساءل ؟ اين طلب المسلمون في عصر الشيخ اتخاذ إلهاً غير الله جل جلاله ؟! بل هم مقرون بشهادة التوحيد، كافرون بكل ما يعبد من دون الله، ولا أرى إلا أنّ الشيح كان يبحث عن أي طريقة يكفرهم بها ويستح بها أموالهم.
[الخطأ الثامن والعشرون]: قوله: ( ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي j أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله j قالوا فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً، والجواب أن تقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة موسى فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15] وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله) ( ) . (أقول): ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، وكما علمنا القرآن الكريم توحيد الاستعانة بالله تعالى، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [البقرة: 153]. وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، ولكن لما رأى الشيخ أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة ظن أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، وهذا مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة، الذين فقهوا أن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الإلهية أو الربوبية أو استحقاق العبادة، فإن المشركين لما اعتقدوا لآلهتهم تلك الخصائص زاولوا تلك الأعمال لهم بنية عبادتهم، ولو كان مجرد إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به _ من دون اقتران نية العبادة لمن يعتقده رباً – هو الشرك إن وقع لغيره تعالى لما جاء بعض تلك الأعمال مأموراً به لغيره تعالى، كالسجود وهو أقوى صور العبادة لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما أمر الله به لآدم ولما حلّ في شريعة قط كالسجود ليوسف على وجه التحية والتكريم، فلما جاء السجود صالحاً لأن يكون سجود عبادة وشرك، وأن لا يكون سجود عبادة وشرك تبين أن إتيان أي عمل ليس عبادة لذاته ولا شركاً في نفسه إلا أن يجتمع مع إتيانه نية العبادة به لمن يعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها، وكذلك ها هنا في الحديث ((الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله j)) ( ) . الحديث يدل على أن من الاستغاثة ما لا يكون شركا، تورط الشيخ وأخذ يبحث عن مخارج، ويفتش عن ضوابط لما يصل إلى درجة الشرك وما لا يصل إليه، من أمور الاستغاثة والاستعانة، فأجاز من ذلك مما كان لحي حاضر فيما يقدر عليه، ومنع من ذلك ما كان لغائب أو ميت، ولا معنى لبناء الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنه لا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم، والمسلمون حين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً، حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله.
ولا معنى كذلك لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم، وفي كتاب “الروح” لابن القيم فصول تُفيد ” أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على التصّرف والترائي للأحياء “، ومن أدلته على ذلك: أن الله تعالى أخبر عن الشهداء بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [سورة البقرة: 154]{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} [سورة آل عمران: 169]، وإن الأنبياء، والصديقين وكثيرًا من صالحي المسلمين الذين ليسوا بشهداءَ كأكابر الصحابة، أفضل من الشهداء بلا شك ولا مرية، فإذا ثبتت الحياة للشهداء فثبوتها لمن هو أفضل منهم أولى، على أن حياة الأنبياء مصرّح بها في الأحاديث الثابتة.
وأيضا من السنة الصحيحة ما رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: وقف النبي j على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال: أنهم الآن يسمعون ما أقول، ( ) .
2 – وفي رواية في الصحيح (البخاري): أن النبي j جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ((يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فأنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله j: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، ( ) . وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله j: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) ( ) . وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله j: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام) ( ) . رواه النسائي وغيره وصححه النووي في رياض الصالحين وفي الأذكار، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، كما في فيض القدير، وحديث: أن النبي j كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لناولكم العافية.)، ( ) .
قال ابن القيم: قال: (فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم النبي (j) أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية) وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل، ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه، وعلموا صلاته، وغبطوه على ذلك) انتهى كلام ابن القيم كما في كتابه الروح، ( ) .
(تنبيه) فرق الشيخ في الاستغاثة بين الحي والميت على أساس قدرة الحي، وعدم قدرة الميت، مع أنه عند التحقيق فلا قدرة لهذا ولا لذاك إلا بالله، والذين يكفرهم الشيخ يقرون بأنه لا قدرة لا لهذا ولا لذاك إلا بالله، فمن أحق بالتوحيد الخالص من يعتقد قدرة الحي دون الميت أم من يُحيل القدرة إلى الله وحده، أي الفريقين أحق بالتوحيد يا شيخ.
[الخطأ التاسع والعشرون]: قوله: ( ولنختم الكلام بمسألة عظيمة مهمة تفهم مما تقدم ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شئ من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر مرتد معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: أن هذا حق ونحن نفهم هذا ونشهد أنه حق، ولكننا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى: {اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [التوبة:9]وغير ذلك من الآيات، كقوله {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [البقرة:146]) ( ) . (أقول): نعم هذه مسألة عظيمة، ومشكلة الشيخ أنه لا يفرق بين الاعتقاد والعمل، فإن الشريعة الحكيمة جعلت الأصل هو اعتقاد القلب فإن اعتقد القلب الإيمان والتوحيد فصاحب ذلك الاعتقاد له اسم الإيمان وحكمه، وإن اعتقد القلب الكفر فصاحب ذلك الاعتقاد هو الكافر الكفر الأكبر، وإن اعتقد القلب الشرك فصاحب ذلك الاعتقاد هو المشرك الشرك الأكبر، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، سوى ما دل على انتفاء عمل القلب من الاستهزاء والسب، وكذلك فكل ما كان من الشرك يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو شرك دون كفر، والآيات كثيرة في كتاب الله عز وجل تدل على أن أصل الإيمان منبعه في القلب: كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}، وكقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب، وكقوله j: ((التقوى هاهنا))، ويشير إلى صدره ثلاثاً، وكقوله j، ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) ( ) .
والآيات كثيرة في كتاب الله عز وجل تدل على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب: ومن ذلك قوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}وقوله تعالى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى:{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى:{لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ .. إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، والقاعدة الأصولية تقول أيضاً أن الشرك الأكبر: شرك اعتقاد، والشرك العملي هو شرك دون شرك، ولا يخرج من الملة ما كان العقد سليم على التوحيد، وتقول أنّ: الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله، وهذه قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، وكذلك فإن الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة، [الإقرار – التصديق – الانقياد]، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها: كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء، وأعمال الجوارح كما حققها فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق، فلا يخرج من الملة بالكلية، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين، كما أن من قواعد أهل السنة والجماعة أن المسلم قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، ولا يكون بذلك كافرا ولا مشركا، بل هو كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق، وهذا من أعظم أصول أهل السنّة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، كما في قوله تعـالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، فإنّ الله تعالى أثبـت لهـم إيمانـاُ بـه سبحانـه مـع وقوع الشـرك دون شرك، إذن نستفيد من ذلك ان التوحيد الاعتقادي يضاده الشرك الأكبر المخرج من الملة، وان التوحيد العملي يضاده الشرك العملي (الشرك في إطار الملة) حتى يأتي على أصل التوحيد الذي مقره القلب والاعتقاد، وقول الشيخ: (فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شئ من هذا لم يكن الرجل مسلماً) مصيبة بكل المقاييس لأنه هاهنا يكفر بالمعاصي، لأن اختلال العمل ليس له معنى سوى التكفير بالمعاصي، وهذا فعل الخوارج، وإن كنت أرى أن الخوارج يكفرون بالكبائر ولكن الشيخ يكفر بمسائل خلافية كالتوسل وغيره مما أجازه جمهور فقهاء الامة الإسلامية
[الخطأ الثلاثون]: قوله:( ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله: أولاهما، قوله تعالى: لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله j، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزح، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر ويعمل به خوفاً من نقص مالٍ، أو جاهٍ أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها) ( ) (أقول): قد تقدم سبب هذا الكفر وأنه كفر استهزاء يضاد التعظيم الذي يجب ان يقر في القلب مع أصل الإيمان، وأن علماء أهل السنه والجماعة يقولون: ان الأعمال الكفرية كالاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب.
[الخطأ الحادي والثلاثون]: قوله:( والآية الثانية قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل:107،106] فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة، أو مشحةً بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعل على موجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره، فالآية تدل على هذا من وجهين: الأول قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها، والثاني قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، والله سبحانه وتعالى أعلم وأعز وأكرم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) ( ) . (أقول): هذا الكلام فيه عظائم ومجازفات: المجازفة الأولي: قوله: ((فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان)) وقد ذهل الشيخ عن قواعد اهل السنة والجماعة في باب الإيمان والكفر والتوحيد والشرك، واهمها: أن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الاكبر أو بالشرك الأكبر، و أن العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر أو بالشرك الأكبر، وانه قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر (الكفر دون كفر) أو الشرك دون شرك أو النفـاق العملي) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه، إذن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الاكبر أو بالشرك الأكبر، والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر أو بالشرك الأكبر.
والمجازفة الثانية: قوله: ((وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة، أو مشحةً بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله))، فهل يكفر كل من ارتكب كفرا ظاهرا بسبب الخوف أو المداراة، أو المشحةً بأهله أو عشيرته أو ماله، على حد قول الشيخ، حتى وإن كان الاعتقاد سليما والإقرار سليما، ولماذا لم يكفر الرسول j حاطبا عندما قام بفعل الكفر، ووالى المشركين على المؤمنين، فإنه لما قال: [يَا رَسُولَ اللهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ j: لَقَدْ صَدَقَكُمْ] ( ) .، ولمّا كان النبي j لم يأمره بالتوبة من هذا الذنب ولم يوضح ما يدل على أنه ردّة مُخرج من الملة ويحتاج إلى تجديد إسلامه، دلّ ذلك كله على أنّ ما فعله حاطب ليس من إطار الكفر الأكبر، فالموالاة الظاهرة والتي وقع فيها حاطب رضي الله عنه ليست مخرجة من الملة بالكلية، بل هي في إطار الملة ولهذا أقال النبي j عثرته وأخبر بفضل أهل بدر وهو منهم، ولو تدبرنا قول حاطب رضي الله عنه ((نعلم أنه يؤكد أنها موالاة ظاهرة لا تتعدى ذلك إلى القلب لأن القلب مؤمن بالله ورسوله وصدقه النبي j في قوله وأمر المسلمين أن لا يقولوا له إلاّ خيراً، بمعنى لا يتهموه بكفر ولا نفاق . فاعتذار حاطب لدرء الكفر الأكبر بقوله: (والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله ورسوله) هو اقتصار الموالاة على الظاهر دون الباطن، والرسول j يقبل بهذا الاعتذار لدرء الكفر الأكبر، ولو كانت الموالاة الظاهرة دون الباطنة كفر أكبر بذاتها لوضح النبي j ذلك لحاطب لمّا اعتذر له بثبات الإيمان في قلبه وأنها مجرد موالاة ظاهرة، وبيّن له أن هذا العـذر لا يُفيد لأن الموالاة ظاهرها وباطنها سواء، وبيّن له ضرورة التوبة من الكفر الأكبر الذي وقع فيه، فهل لنا أنّ نظن في النبي j أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة لاسيما والدواعي كلها تطلب ذلك والبيان ليس في أمر هين وإنما هو في أهم مسائل الدين [الإيمان والكفر].
أما المجازفة الثالثة في استدلاله بالآية: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} ثم قوله بعدها: فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، أقول فهل حظوظ الدنيا تبيح اتهام المسلم الموحد بالشرك الأكبر واستحلال دمه وماله، وهل ذنوبنا جميعا إلا من جراء حظوظ النفس والدنيا، فهل يؤول بنا الغلو في التكفير والتشريك إلى تكفير الامة بالذنوب والخطايا أو بسبب الجهل والخرافة.
وأما المجازفة الرابعة فهي إعراضه عن بقية الآية وعدم التعرض لفقهها والمستفاد منها، فإن الله تعالى قال: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، فلم لا يكون المناط في الكفر هو شرح الصدر بالكفر، والرضا به، كما أن مناط الإيمان اطمئنان القلب بالإيمان والرضى به.
وأما المجازفة الخامسة فهي ذهوله عن ضابط الكفر في الآية فإن الآية تقول: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}، فإن المناط هو شرح الصدر بالكفر والرضا به، وليس كما ظن الشيخ انه مجرد استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، فإن العاصي والزاني وشارب الخمر ومرتكب المعصية يستحب وقت المعصية الحياة الدنيا على الآخرة، ولم يزعم احد أنه يكفر، وبعد فهذا ما تيسر في بيان الأخطاء الموجودة في كتيب كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، ولا ابتغي من وراء ذلك سوى النصح للمسلمين، وإِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ،
***