وفي هذا الدرس اتناول إن شاء الله بيان الخلل الخامس: الجهل المركب بمنهج السلف في العقيدة وفي المتشابهات التي ضل فيها أهل الفرق الضالة، وبيان ما كان عليه السلف الكرام من العلم والتقديس والحلم، أقول وبالله التوفيق:
أولا: عصور السلف هي عصور القدوة المثلى لأهل الحق في باب العقيدة، فقد ثبت الحديث عن النبي jأن الفرقة الناجية من أمة الإسلام هي تلك التي تتمثل بما كان عليه النبي jوصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، فقد أخرج الترمذي وحسنه عن النبي jقوله: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ” ) ([1]) . وأهل السنة والجماعة يعتبرون عصر النبي jوصحابته الكرام رضي الله عنهم هو العصر الأمثل الذي يقتدون به ويتأسون بهديه ويسيرون على ما كان عليه النبي jوصحابته الكرام رضي الله عنهم في كافة عرى الدين وجوانبه، وخير من سار على هدى النبي jوصحابته الكرام رضي الله عنهم هم التابعون ثم تابعوا التابعين رحمهم الله تعالى، ولذلك وقد جاءت أحاديث النبي jتنعت هذه القرون الثلاثة بالخيرية العامة منها قوله j : ((خير أمتي قومي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) ([2]) وقوله jوقد سئل أي الناس خير؟ فقال j : ((القرن الذي بعثت فيه ثم الثاني ثم الثالث)) ([3]) . فهذه الأحاديث الكريمة تبين المدى الزمني والعمق المنهجي الذي ينبغي أن يتأسى به أهل السنة والجماعة في كافة جوانب دينهم وعراه.
(ثانيا): ماهو منهج السلف في المتشابهات: هناك منهجان صحيحان ثابتان عن للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، (المنهج الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، و (المنهج الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ,.
لماذا منهجان وليس منهج واحد: أراد الله عز وجل ان يكون هناك منهجان ليستوعبا كل حقائق العقيدة الصلبة التي سنبقى إلى قيام الساعة، مهما شوش عليها اهل الضلال، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، فهل الوقف على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، وبالتالي المتشابهات لا يعلم حقيقتها إلا الله والراسخون ما عليهم سوى التسليم: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، وهذا الوقف جاء عن ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من التابعين، وحكاه الطبري عن مالك بن أنس رحمه الله، و الواو في والراسخون واو الابتداء، ومنهم من قال الوقف على قوله تعالى: {{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، وهذا الوقف جاء عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهم، وهو قول تلامذة ابن عباس ومدرسته المكية، وهو قول مجاهد والقاسم بن محمد، قالوا: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وذلك عن طريق رد المتشابه إلى المحكم، فتستقيم الأدلة، وعلى ذلك لا يمكن رفع الخلاف وهذا ما حدث الأثرية مالوا إلى القول الأول، وقالوا بالتفويض، والاشاعرة والماتريدية أخذوا بالقولين الأول (التفويض) عند استقرار العقيدة وعدم وجود اللازم، والقول الثاني (التأويل) برد المتشابه على المحكم عند الرد على اهل الضلال وعند انتشار البدع لا سيما بدعة الحسو والتجسيم، لذا للسلف الصالح منهجان وهكذا أراد الله لتغطي العقيدة الإسلامية الصحيحة كل جوانب المعتقد وتناسب طاقات وعقول كل البشر.
[1] المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات: هناك نصوص توهم الجارحة كالوجه والعين واليد، ولكنها معارضة بالأحدية {قل هو الله احد}، وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن والاحدية تعني نفي الأجزاء والأبعاض والجوارح عن الله، وهناك نصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، ولكنها معارضة بحجة الخليل إبراهيم عليه السلام {لا احب الآفلين}، ومعناها الأشياء التي تقبل الافول (التغير والحدوث والحركة والسكون) اجسام لا تصلح للإلهية، ونسبتها إلى الله تعالى القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة، – حاشا لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من التقديس وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس، و مما يدل على مدى حرصهم الشديد على هذا المنهج، مقالاتهم التي نُقلت عنهم والتي تتركز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، وقولهم: أمروا الأحاديث كما جاءت، وقولهم: كانوا لا يفسرون شيئا، وقولهم: فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وقولهم: هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وقولهم: نكل علمه إلى الله تعالى، وقولهم: والسؤال عنه بدعة، فهذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً تدل على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]
المنهج الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات، وذلك بتفسير النصوص وفق السياق القرآني مع مراعاة السياق والسباق واللحاق لتلك الآيات دون التعرض للخوض في جناب الذات، وهو ما اصطلح العلماء على تسميته بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم: والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة، وهذا (تعطيل) وليس تأويل، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة، وهذا (التعطيل) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة.
أما (التأويل الصحيح بضوابطه) فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: ومن ذلك تأوله للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([4])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([5])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([6])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([7])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([8]) .
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
ومن تأويلات التابعين: تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. ([9])، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر. ([10])، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله ([11])، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو([12])، وتأويل الحسن البصري (المجيء) في قوله تعالى: (وجاء ربك): بمجيء أمره وقضاؤه([13])، وتأويله (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: في طاعة الله. ([14])
ومن تأويلات تابعي التابعين: تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى (ثم استوي إلى السماء) بالقصد إليها ([15])، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ([16])
وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى، في قوله تعالى (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ([17]) ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى (أو يأتى أمر ربك) ومثل هذا في القرآن (وجاء ربك) قال: إنما هو قدرته. ([18])
وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى (كلّ شـئ هالك إلا وجهه) (إلا ملكه) ([19])
وقد تأول الإمام الطبري: (العين) في قوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ([20])، وتأول (الاستواء) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته….علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) ([21]) ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه، الأول تفويض المعنى المراد منه إلى الله ورسوله، والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز.
(ثالثا): ما هي الأسباب العلمية الحقيقية التي منعت السلف الكرام من الخوض في معاني متشابهات الصفات عدة أسباب أهمها:
[السبب الأول]: علم السلف بخطأ اعتماد جميع ظواهر النصوص في فهم القرآن. [السبب الثاني]: علم السلف الواسع ببلاغة القرآن الكريم وأسلوبه المعجز في إيصال المعاني. [السبب الثالث]: علم السلف بوجود المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، ووجوب رد المتشابه من الأخبار إلى أمهاته من المحكم. [السبب الرابع]:علم السلف بأدلة الشرع المحكمة على تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات خلقه. [السبب الخامس]: علم السلف الكرام أنّ المتشابهات محال نسبة حقائقها إلى الله المنزه عن الخلق والنقص والعيب والمثلية. [السبب السادس]: علم السلف الكرام بما تحمله متشابهات الصفات في القرآن عند السياق من معانٍ بلاغية عظيمة. [السبب الأول]: علم السلف بخطأ اعتماد جميع ظواهر النصوص في فهم القرآن: لأن هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، كقوله تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، كقوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، مثل قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ العالم كله محاط بالرحمن وأنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وقد حمل العلماء الإحاطة على إحاطة العلم لقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته وأنّ العرش مكان الرحمن، كقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3]، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء الربوبية والملك والتسخير والتدبير وقد جاء المفتاح مع الأستواء في آيتين قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3]، وقال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، وعظيم ربوبيته وإلهيته، وليس لإثبات المكان، لأنه منزه عن المكان، والمكان محدود مهما كبر والله تعالى أكبر من كل تصور ومن كل حد ومن كل مقدار لا حد لجناب ذاته،، كما أنّ هناك آيات ظاهرها يوحي بنسبة الأبعاض والاجزاء والجوارح إلى الله تعالى كالوجه واليد والعين على حقائقها اللغوية، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، فينبغي التوقف وتفويض علمها إلى الله وهذا ما حدا بالسلف الصالح أن يقولوا: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وأن يقولوا: نترك التعرض لمعانيها، وان يقولوا: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه، وان يقولوا: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، فــ (الوجه) يفوضون علم حقيقته إلى الله، ويعلمون من السياق المراد منه، ففي قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} والمعنى المراد (ابتغاء رضا الله)، وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} أي إلا ذاته أو ما أريد به رضاه، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أي قبلة الصلاة، وهكذا، اللفظة التي تتعرض لذكر الذات يفوضون علمها إلى الله ولا يفسرونها، ويفهمون الآيات وفق السياق، هكذا كانوا يعملون، فعدما ذكر القران اليهود لعنهم الله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، اليهود اتهموا الله الكريم بالبخل {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، فرد القرآن الكريم عليهم بأنه غاية الكرم والجود {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، وإلا فقد ورد بالقرآن قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}، ولم يفهم أحد من الآية لا من السلف ولا من غيرهم أن ظاهر الكلام مراد، وإنما هو مثال ضرب للتوسط في الانفاق، وعندما قال الله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، لم يشكوا لحظة أن المراد بحفظنا ورعايتنا، ولم يؤثر عن واحد منهم بأن المراد من الآية أن نؤمن بان لله عين، بل علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، فحملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله بعيدا عن تتبع المتشابه والذي لا يتتبعه إلا الذين في قلوبهم زيغ نسأل الله السلامة. [السبب الثاني]: علم السلف الواسع ببلاغة القرآن الكريم وأسلوبه المعجز في إيصال المعاني: والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، ومن ذلك: التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [ابراهيم: 1]، والتعبير عن المؤمن بالحي وعن الكافر بالميت، كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81]، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول jجناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، والتعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ الرسول jلم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء على حمل الآيات المتعلقة، والتعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} [الأنفال: 70]، أي في قهركم واستيلائكم، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم، والتعبير عن الذات بالوجه، كما في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27]، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، سبحان الله وتعالى عما يصفون، كما أنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، كقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: 75]، فصحاء العرب وأهل البلاغة فيه يعلمون من قوله تعالى (لما خلقت بيدي) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإلا فما الفارق بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) فالانعام خلقت بالقدرة وعبر عنها باليد، و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد) وأيد جمع يد لقوله تعالى (ألهم أيد يبطشون بها) فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، والعربي الفصيح يقول: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، وقد قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فلا ينبغي أن نتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه البارئ سبحانه من التعظيم بإثبات الأحدية {قل هو الله أحد} ونفي المثلية {ليس كمثله شيء} وذلك بنفي الأجزاء والأبعاض والجوارح. [السبب الثالث]: علم السلف بوجود المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، ووجوب رد المتشابه من الأخبار إلى أمهاته من المحكم: لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} وآيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه، ومنها آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته، إنّ (صفة العلم) – على سبيل المثال: صفة كمال من كل وجه، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى، و(صفة القدرة) صفة كمال من كل وجه وضدها (العجز)، وهو مستحيل على جناب الله تعالى، أما المتشابهات فهي (الأخبار) التي توهم المثل أو النقص في حق الله تعالى والتي يجب ردها إلى امهاتها من المحكم، ومن هذه المتشابهات نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى كالوجه والعين واليد، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال، وكل ذلك مستحيل على جناب الله، ومذهب السلف فيها أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها على مراد الله ومراد رسول الله، ولا تفسر ولا تتوهم ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن النقص والعجز، وعن الشبيه والمثيل. [السبب الرابع]: علم السلف الكرام بأدلة الشرع المحكمة على تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات خلقه: ومن تلك الأدلة القرآنية: قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بأي وجه من الوجوه، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وهم أعلم الناس بعلوم سورة الإخلاص لأنهم يعلمون انها تعدل ثلث القرآن، ويعلمون أنه سبحانه (الأحد)، ولا معنى للأحدية سوى نفي التبعيض والجارحة والتركيب على الله، لأنه سبحانه [واحد] لا شريك ولا ند ولا كفء ولا مثيل له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وهو سبحانه [أحد] لا جزء له منزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح، (الصمد) االغني الحميد والذي له الكمال المطلق، المقدس عن الحاجة والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية و {ولم يكن له كفوا أحد}، أما الوجه في قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] والعين في قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] واليد في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، فلم يقل أحدٌ منهم معاذ الله أنها جوارح لله، (الأحدية) تنزيه ذات الله تعالى عن التبعيض والتركيب وعن الجارحة والجسمية وكل ما يفيد الانقسام في ذاته. [السبب الخامس]: علم السلف الكرام أنّ المتشابهات محال نسبة حقائقها إلى الله المنزه عن الخلق والنقص والعيب والمثلية، وأنه لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ عن العقيدة السليمة: كان الصحابة رضي الله عنهم – وهم أعلم الناس باللغة وحقائقها ومجازها وبلاغتها – يعلمون علم اليقين بإنّ هناك فرق عظيم بين نسبة ألفاظ (الوجه) و(اليد) و(العين) و(الساق) إلى الله وبين نسبتها إلى المخلوق، وذلك لانها تستعمل في اللغة العربية للدلالة على جوارح هي أجزاء وأبعاض من ذات المخلوق، ولكنها ان أضيفت على الخالف الاحد المقدس عن الجوارج والاجزاء فإنها متشابهات لا يجوز الخوض في تفسيرها إذا تعلقت بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، فما أُثر عن أحد منهم أبدا أنه قال للمسلمين أنّ من العقيدة أن نؤمن بأن لله الوجه أو اليد أو العين، بل عاملوا تلك النصوص معاملة المتشابه وقالوا نؤمن بها ولا نتعرض لمعناها ولا نفسرها ونكل علمها إلى الله، وذلك لعلمهم الراسخ بأنّ ظواهرها تدل على تجزؤ الذات وتبعضه وتشكله ومحدوديته ونهايته، وكل ذلك علامات الخلق والحدوث وسمات المخلوق، أمّا الخالق البارئ المصور تعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، فكانوا أبعد الناس عن الزيغ والضلالة، ما أُثر عن أحد منهم أنه فسر الاستواء، لأنهم – ولاشك – يعرفون ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وما يستحيل على جنابه من صفات النقص والعجز والعيب والحدثان، ويعلمون أنّ اثبات الاستواء على سبيل الجلوس لا يجوز لأنّه لا يكون الجلوس إلا بالجوارح والله تعالى منزه عن الجارحة، كما لا يكون الجلوس إلا بمماسة واتصال وهي صفات الاجسام المخلوقة، ويعلمون أن الاستواء بمعنى الكون في مكان لا يجوز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويحده وهو أكبر من المتمكن فيه، والله تعالى هو خالق المكان وهو القاهر للمكان وهو بكل شيء محيط، تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة، وهو جل شأنه القريب منا (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ولكنه قرب منزه عن الحلول والاتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) كما أن الاستواء استواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والاستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله، وكما أنه منزه عن الكون في الأرض لأنها خلقه، فهو سبحانه منزه عن الكون في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد، ولهذا اعتبر السلف الكرام الراسخون في العلم صفة الاستواء من المتشابهات التي لا يجوز الخوض في تفسيرها، [كما سيأتي في الدرس الحادي والعشرون]والحشوية والمجسمة لا تجد في كتب العقائد لديهم سوى أبواب اليد والرجل والأصابع والانامل على الحقيقة وليس مجاز اللغة حتى ولا اعتبار لديهم بالسياق فآيات الاستواء ليست لاثبات الربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف مع وجود مفاتيحها في نصوصها، بل لاثبات المكان والجلوس والقعود وكأن العظمة والربوبية في اثبات الجلوس والقعود وليس اثبات الهيمنة والتصريف والتدبير، وحديث النزول عندهم ليس لإثبات أفضلية الثلث الآخر من الليل مع ان سيق لأجله بل هو لإثبات النزول والصعود ولوازمهما من الحركة والسكون فسبحان من بيده الهداية يهدي من يشاء فضلا ويضل من يشاء عدلا.
[السبب السادس]: علم السلف الكرام بما تحمله متشابهات الصفات في القرآن عند السياق من معانٍ بلاغية عظيمة، والسلف الكرام أعلم الناس بالله، واعلم الناس بالقرآن واعلم الناس بلغة العرب، فما قالوا عندما قال الله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة /115]، ماقالوا: نؤمن بأن لله وجه، بل هذا مما تشمئز منه الأسماع أن يكون السياق في واد والاستدلال في واد آخر، بل قالوا: فثم قبلة الله يعني بذلك الوجهة التي وجههم إليها، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [سورة الكهف: 28]، ما قالوا كما يفعل السذج من اهل التجسيم نؤمن بالوجه ونومن بانهم يؤمنون بأن لله الوجه يريدون هذا الوجه، [[فهم سقيم فهم ظاهري مقيت]] بل فهموا انّ المعنى المراد وفق السياق: يريدون وجهه: أي يريدون رضاه وطاعته والمقصود الإخلاص والصدق في محبته والحرص على رضاه، وتأيلهم أيضاً لليد والعين والساق [ كما سيأتي في الدرس العشرون]الخلاصة: كان السلف الصالح هم قدوة الأمة في شتى أمورها، وقد تبين أنّ لهم في المتشابهات مذهبان صحيحان، (المذهب الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات من غير تفسير، و (المذهب الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، وعليه فإن أتباع السلف على مر عصور الإسلام هم الخلف العدول، والمقصود بالخلف العدول هم (الأثرية والأشاعرة والماتريدية) وهم امتداد السلف، وهم حملة لواء عقيدة أهل السنة والجماعة، وهم الواقفون على ثغور الدفاع عن عقائد الإسلام أمام الفرق الضالة جميعها، وهم يمثلون أغلبية علماء أهل السنة على مر عصور الإسلام، لا يعرف قدرهم إلا عالم بالله وبدين الله ولا ينتقصهم إلا جاهل بأمرهم وقدرهم في دين الله تعالى أو مبتدع ضال، أو جاهل بقواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة، ثم كيف يعقل أن لا يكونوا ضمن إطار أهل السنة، وهم من بينوا إطاره، ووضحوا أسسه وقواعده، فإلى الله المشتكى من جهل هؤلاء الذين تكلموا في حقهم وهم يجهلون موقعهم من دين الله، وهم (أهل السنة والجماعة) أهل الفقه الأكبر في الدين، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة، والتفريق بين المحكم والمتشابه، ففي المحكم: تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم واليقين والفقه في الدين، لأن المحكم أصل العلم، {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، وفي المتشابه: تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة، وبين الجهمية والمعتزلة، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى، وبما صح من قول رسوله j ، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله j ، وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، ثم لما كان الوقف – في الآية – محتملاً على لفظ الجلالة (اللَّهُ) أو على قوله تعالى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، ولا سبيل للجزم بأي منهما لأنه اجتهاد، اتسع إطار أهل السنة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله.
إنّ مدارس أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس هي (الأثرية و الأشعرية و الماتريدية): المدرسة الأولى: (الأثرية): وأهم علمائها مالك والشافعي وابن حنبل وسفيان ابن عيينة، ونسبت للغمام احمد عندما صبر في الفتنة على تعطيل المعتزلة، ومذهب اهل الأثر واضح وأهم أصوله ثلاثة: (الأول): التفريق بين المحكم والمتشابه، و(الثاني) تفويض علم المتشابه إلى الله وعدم تفسيره أو التعرض له، و(الثالث): عدم الخوض في الذات الإلهي أبدا، فيحرم عندهم مجرد السؤال عن الوجه والعين واليد والاستواء على سبيل الخوض في جناب الذات الإلهي لان له الأحدية المطلقة مقدس عن الأجزاء والأبعاض وله التقديس المطلق عن مشابهة الخلق، والمدرسة الثانية والثالثة هم (الأشعرية والماتريدية): وهؤلاء هم امتداد السلف والمتخصصون في علم العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة والقائمون على ثغر الرد على الفرق الضالة والطوائف المنحرفة، وينتسب إليهما في العقيدة سواد علماء أهل السنّة والجماعة الأعظم في الفقه وفي التفسير وفي الحديث وفي اللغة وفي شتى تخصصات العلم الشرعي، وأهم أصول مذهبهم: الأصل الأول: التفريق بين المحكم والمتشابه، و(الثاني) رد المتشابه إلى أمهاته من المحكم، فحقيقة اللفظ المتشابه يفوضون علمه إلى الله ويفسرون الآية والحديث وفق السياق والسباق واللحاق فيقولون في الآية {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} أنه استواء تدبير المراد منه اظهار الربوبية والقدرة والهيمنة والتسخير، ومفتاحه {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، ثم لا يخوضون في الاستواء لأن حقيقته اللغوية لا تجوز على الله المقدس عن الأجزاء والأبعاض والكون في المكان وقبول الحركة والسكون والتغير والحدوث.
ولا يصلح للعقيدة الإسلامية: إلا المدارس الثلاث الأثرية والأشاعرة والماتريدية: وذلك لانهم يمثلون كلا المنهجين للسلف الصالح في معاملة المتشابهات، (المنهج الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، و(المنهج الثاني): حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وتفسير الآيات وفق السياق العام الذي سيقت من اجله وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز، كان هذا ما تيسر في بيان الخلل الحاصل بسبب الجهل المركب بمنهج السلف وما كان عليه السلف الكرام من العلم والحلم، أسأل الله عز وجل ان يبصرنا بديننا وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه.
***
([1]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([2]) صحيح البخاري 5/2 ح 3650.
([3]) صحيح مسلم 4/1965 ح 2536.
([11]) تفسير الطبري 2/449: 450.
([13]) تفسير البغوي1/25و 5/252.
([14]) روح المعاني (تفسير الألوسي) 12/272.
([16]) التمهيد5/155، سير أعلام النبلاء 9/333، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82.