وفي هذا الدرس اتناول إن شاء الله بيان الخلل في فهم مسائل وقواعد علم التقديس، مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند الجمع بين معاني القرب والاستواء والإحاطة في حق ذات الله تعالى:
الوهابية أهل الجهل المركب بعلم التقديس لا يستريحون إلا يتكييف وجود الله، يصعب عليهم ان يسجدوا لله على التقديس ونفي الادراك، لابد من تكييف الوجود الإلهي، ولا بد من الإشارة الحسية إلى مكان الله، ولما سمعوا قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى}، وجدوا ضالتهم، وقالوا استوى بذاته، وقديما رد الذهبي عليهم وقال لهم من اين اتيتم بذاته ولم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، قالوا لا يعقل إلا الوجود في مكان، طيب المكان محدث مخلوق والعرش محدث مخلوق فاين كان الله قبل خلق المكان وقبل خلق العرش، إن قلتم المكان قديم كفرتم لأنه لا قديم إلا الله والقول بتعدد القدماء قول بتعدد الآلهة وشرك مع الله، وإن قلتم العرش قديم كفرتم لأنَ القديم ليس بمخلوق وليس بمربوب والله تعالى يقول: {وهو رب العرش العظيم}، وإن قلتم المكان محدث مخلوق والعرش محدث مربوب، فكيف يحل القديم في حادث وكيف يحل الله في مخلوقاته، ولو احتاج سبحانه أن يحل في حادث كالعرش، لكان منافيا لقيوميته ومخالفته للحوداث، انتم تاولتم القرب في قوله تعالى: {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، وتاولتم (المعية): في قوله تعالى {وهو معكم أيننما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، وذلك لان الأرض من مخلوقاته وانه وفق كلامكم لا يحل الخالق في المخلوق، وهكذا السماء خلقه وهكذا العرش خلقه فكيف يحل الرب في مربوبه والخالق في مخلوفه، ثم ذهبت الوهابية بالتكييف الذي رسخ في اذهانهم بانه استواء فعل، وليس الفعل عندهم سوى القعود والجلوس، وهل الجلوس إلا بجوارح وهل الجلوس الحسي إلا لجسم محسوس، ولأنهم اهل تكييف وتجسيم وحشو قالوا بالحد وان العرش حده السفلي، ولو علموا ان الحد نقص لما تفهوا بهذا الكفر، لان المحدود لا يكون إلها، ((الحد)) نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على التناهي، والتناهي صفة المخلوق المحدود، والاله الذي له الكمال النمطلق لا يكون متناهيا لا في ذاته ولا في صفاته، سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات، وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة، ولولا الجهل المركب لكفروا، ولأنهم اهل تكييف وتجسيم وحشو قالوا يمين الله يمين العرش ويسار الله يسار العرش، وكأنهم ما سمعوا عن سورة الإخلاص وما فيها من الاحدية التي تمنع من الأجزاء والابعاض، (الاحدية) تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الاستواء الحسي على العرش، لان الجالس على العرش يمينه يمين العرش ويساره يسار العرش، اختصت أجزاء منه باليمين وأجزاء منه باليسار فكيف يكون أحدا صمدا، ولأنهم اهل تكييف وتجسيم وحشو سمعوا بحديث النزول فقالوا نزول على الحقيقة ثم اختلفوا هل يخلو منه العرش إذا نزل ام لا يخلوا منه العرش، ثم ذهبوا ينقلون الخلاف في المسالة: وذكر شيخ الإسلام الحشوية ومجدد لبنات التجسيم في امة التقديس ابن تيمية في كتابه شرح حديث النزول: ثلاثة أقوال في هذه المسألة: القول الأول: ينزل ويخلو منه العرش، والقول الثاني: من يثبت نزولًا، ويتوقف فلا يقول: يخلو ولا يقول: لا يخلو، والقول الثالث: ينزل، ولا يخلو منه العرش، وهذا تناقض لأنه إن لم يخلو منه العرش فليس بنزول، لان النزول في اللغة لا يقال إلا على من نزل حقيقة، والذي لم يخل منه المكان فما نزل، فهذا مبلغهم من العلم، ثم قد ثبت بان ثلث الليل لا ينقطع عن الأرض عندنا ليل وفي أمريكا الظهر وفي اليابان الصبح، وهكذا، كل خمس دقائق ثلث الليل في منطقة ما على وجه الأرض، وعلى ذلك النزول على مدار الساعة، فمتى يستوي حقيقة، {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ}، حشو وتجسيم وزيغ وتتبع للمتشابه وكلام على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ويقولون سلفية، فاين انتم من الإمام مالك، وقد سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:٥]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالاً، وأمر به أن يخرج من مجلسه، وسيد اهل الحشو في القرن الثامن يفسر الاستواء بالارتفاع الحسي، والاستقرار الحسي والصعود الحسي، والصعود لابد وان يسبقه سفل يصعد عنه، وغلا فكيف يكون الصعود الحقيقي، وفي كتابه “شرح حديث النزول“، ملائه بالحشو والتجسيم والزيغ والفتنة وأورد آثارا محترقة بانه الجلوس والقعود، والجالس جسم يمينه يمين العرش ويساره يسار العرش فإلههم متبعض متجزيء، وهذا لا يكون أحدا صمدا أبدا، وسياتي تفنيد شبهتهم من خلال تلك المفاتيح.
[المفتاح الاول]: الصدمة الأولى: كان معتقد اهل الحشو الذي رسخ في قلوبهم أن الأرض كالفطيرة مسطحة وفوقها السموات وفوق السموات الكرسي وفوق الكرسي العرش والله جالس على العرش، وانهم يرفعون أيديهم في الدعاء على السماء إشارة إلى الله، فلما اثبتت الكشوفات كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس اختلطت الاتجاهات وصار الفوق تحتا والتحت فوقا وتبدلت الاتجاهات بسب دوران الأرض والشمس والكواكب، وكانت أزمة جعلت بعض المنسوبين على العلم الوهابي يكفرون من قال بكروية الأرض ودورانها، حتى أعلموهم أنها علوم كشفية لا تكذب فسكتوا حتى يضحك الناس من جهلهم، وحتى عقيدة النزول فسدت لان ثلث الليل ينتقل كل دقيقة من مكان إلى مكان على الأرض بحث يكون ثلث الليل على مدار اليوم في جهة من جهات الأرض، وصار معنى كلاهم أن الله تعالى نازل أبدا لا وقت للصعود على العرش على مقتضى عقيدتهم.
[المفتاح الثاني]: الاحدية تقضي على أوهام اهل الحشو، في تخيل الاستواء الحسي، فقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، (الاحدية) تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}{اللَّهُ أَحَدٌ} معناه أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، الجالس على العرش على ظنهم التجسيمي يمينه يمين العرش ويساره يسار العرش لان هناك أجزاء اختصت باليمين وأجزاء اختصت باليسار،ومن كان هذا حاله كان منقسما مركبا والاحدية تمنع من الانقسام والصمدية تمنع من التركيب، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة،ولا يكون إلها.
[المفتاح الثالث]: الصمدية تقضي على أوهام اهل الحشو، في تخيل الاستواء الحسي، {اللَّهُ الصَّمَدُ} (الصمدية): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة وسلب كل معاني النقص والحاجة، منزه عن الحاجة يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل والمحتاج لا يوصف بالصمدية والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، الجالس على العرش على ظنهم التجسيمي يمينه يمين العرش ويساره يسار العرش لان هناك أجزاء اختصت باليمين وأجزاء اختصت باليسار، ومن كان هذا حاله كان مركبا والصمدية تمنع من التركيب، وخاتمة السورة {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: نص إلهي في تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته والحمد لله أنه لا خلاف بين المسلمين – عدا المشبهة – بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، إذ {ليس كمثله شيء}، ليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده إلى مكان، ولا يجري عليه زمان، أحد صمد لم يلد ولم يولد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}
[المفتاح الرابع]: عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة والكون في المكان، (الاستواء): استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن (القرب): في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن (المعية): في قوله تعالى {وهو معكم أينما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا مكان ولا زمان، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، والقرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، والإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات، الله تعالى وتقدس موجود بلا كيف، غيب الغيب لا يدرك وليس كمثل وجوده وجود، كل الخلائق تحتاج في وجودها إلى مكان إلا خالق المكان كان قبل العرش وهو على ما عليه كان، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف موجود بلا مكان، والعرش مظهر ربيوبيته وليس مكانا لذاته، والعجز عن درك الادراك ادراك، العجز عن ادراك الوجود الإلهي هو التقديس، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، أما العلم بالله وتقديسه وتنزيه والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله وكماله المطلق، فهذا أشرف العلوم، وأحمد العلوم، وأحسن العلوم، لأنه العلم المتعلق بالله، إذ هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات، وهذه المعرفة من اعظم العلم، أما(المعرفة المستحيلة): هي الإحاطة علما بالحق سبحانه، والإنسان مهما أوتي من علم، علمه محدود لأنه محدود، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود، ونحن لا ندرك الروح وهي مخلوقة فكيف ندرك وجود الله تعالى وتقدس، سبحان الله عما يصفون، قال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}
[المفتاح الخامس]: لقد ذكر الاستواء في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، فعند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعم به اهل الحشو من أنه استواء علو حسي واستقرار وصعود وجلوس وقعود فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
(فإن قالت الوهابية والمتمسلفة الحشوية): فأين الله، قلنا خالق الكان لا يتقيد بالمكان كان قبل المكان فلا حاجة لله للمكان وهو سبحانه لا يغيب، هو على العرش استوى وهو بكل شيء محيط وهو من كل خلقه قريب، كل ذلك بصفاته وافعاله، اما جناب الذات فلا يحق لنا الحديث عنه ولا تكييف وجوده في مكان دون مكان، لأنّه غيب الغيوب لا تدركه الابصار، ولا نحيط به علما، والعجز عن الإدراك مقصود الإدراك، و(الروح) لا نعلمها فهل نكلم على ذات الله، وأما تلاعب الوهابية أهل الحشو والتجسيم فتأولوا القرب بالعلم وتأولوا المعية بالعلم وتأولوا الإحاطة بالعلم ثم عند الاستواء قالوا بذاته، فمن أين أتوا بلفظ (بذاته) ولم يرد لا في كتاب ولا في سنّة، وإنما بما فهموه بعقولهم السقيمة التي لا تصلح إلا للتجسيم والتكييف ولا تصلح لاستيعاب التقديس ولا علم التقديس ولا قواعد التقديس.
[المفتاح السادس]: الوهابية لا يعلمون شيئا عن قواعد التقديس ولا أصول التنزيه، ولأنهم لا يرون في الكون المحيط بهم إلا أجساما تتصف بالحدود والمقادير والأجزاء والابعاض والصور والأشكال وتتقيد بالكون في المكان، ويحكمها جريان الزمان، ولا تنفك عن التغير والحدوث والاتصال والانفصال، والحركة والسكون، تشربوا في افهامهم لوازم الجسمية، وظنوها مسلمات تتعلق بإثبات الوجود، وأنّ من ينفيها فليس أمامه سوى العدم، ولذلك تراهم إذا قدّس علماء الأصول الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية، وعن الاستواء الحسي والنزول الحسي اتهموهم جهلا وعدوانا بأنهم يعبدون العدم، وشتان بين التقديس للإله الذي ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، وبين ما يتوهمون انه العدم، فإما أن نسايرهم ونداهنهم في نسبة الجسمية ولوازمها إلى الخالق سبحانه والعياذ بالله -وهيهات هيهات بعد ان منّ الله تعالى علينا بالعلم- وإما يتهموننا بالضلال وأننا نعبد العدم، وهؤلاء نقول لهم: الله موجود، وجوده ذاتي لا يقبل العدم، وهو الواجد لكل موجود، وهو الحي الذي لا يموت، له سبحانه كمال الحياة، المستلزم لكمال الصِّفات من العلم والقدرة والسَّمْع والبَصَر والكلام وغيرها من صفات الله، وله كمال الحياة المستلزم لجميع الأفعال من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وهو {القيوم} المستغني عن كل ما سواه، والذي به قامت السماوات والأرض وجميع المخلوقات، كل موجود سواه فهو من خلقه محتاج إليه، والكل محفوف بعنايته ومحفوظ بحفظه، رب كل شيء وهو رب العرش العظيم، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، ملك الملوك وخالق كل مخلوق، ورازق كل موجود، الله واجب الوجود ولكنه ليس كمثل وجوده وجود، (انتم) تتوهمون الله تعالى جسما مجسما يقبل الكون في المكان ويقبل الصور والأشكال، ويجري عليه الزمان، واذا استوى على العرش يأخذ حيزا على العرش كما تأخذ الاجسام، أنتم -في هذه الحالة- أهل تكييف وتجسيم، ولستم اهل تسبيح وتقديس وتنزيه، ونحن لا نعبد إلا الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، (وجود الله تعالى وجود حقيقي)، لولاه سبحانه ما وجد من العالم شيء، ولولاه سبحانه ما تحرك ساكن ولا سكن متحرك، وهل هناك أحق بالوجود الحق من خالق الوجود، فإنه أحق من يوصف بالوجود، لان وجوده ذاتي أزلي قديم، يختلف عن وجود المخلوقات والمحدثات والكائنات لأنه وجود أزلي قديم لا مثل له ولا نظير، {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17]، وجود أزلي لا أول له ولا بداية، فلم يسبق وجوده عدم، ولم يخلُ لحظة عن الوجود، فهو سبحانه الإله الواحد المعبود بحق، واجب الوجود الذي لا يجوز عليه العدم أزلًا ولا يجوز عليه العدم أبدًا، وأما وجود الكائنات فلا يشترك مع وجود الله تعالى إلا في الاسم، وإنما تستمد الكائنات وجودها استمدادًا كاملًا من الله عز وجل الحي القيوم واجب الوجود وموجد كل موجود، ورحم الله الإمام الطحاوي وهو يصف وجود الله على التنزيه والتقديس في عقيدة المسلمين اهل السنة والجماعة منذ اكثر من الف عام، حيث يقول: (تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات) أهـ، [العقيدة الطحاوية]، هذا تقديس الطحاوي، ورحم الله الحافظ ابن عساكر وهو يصف وجود الله على التنزيه والتقديس في عقيدة المسلمين اهل السنة والجماعة منذ اكثر من ثمانمائة عام حيث يقول: (موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف كان، كان ولا مكان، كَوّن الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان) اهـ([1]) .
فهل كان الإمام الطحاوي الذي كتب الله تعالى لعقيدته القبول ألف عام يعبد العدم، كما يتوهم الوهابية أهل التمثيل والتشبيه والتجسيم، وهل كان الحافظ ابن عساكر الذي ملأ طباق الأرض علما على ضلالة 800 عام حتى جاء الوهابية اهل التجسيم والحشو واهل الزيغ والضلال، معاذ الله، وإنما كلامهم من ثمرات تدبر علم التقديس ومقدماته وقواعده، وكلها موجودة في سورة الإخلاص، وكل ما أرجوه من الوهابية أن يصبروا لدراسة هذا العلم الراسخ المتين (علم التقديس) مستعينين بالله وحده بلا استعجال، وكل شبهة يوردها لهم الشيطان، فإنّ لها أحسن المخرج عند علماء هذا العلم الراسخ، علم التسبيح والتقديس والتنزيه، وهو علم الملائكة الكرام حيث قالوا كما حكى عنهم القرآن الكريم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة:30]،
[المفتاح السابع]: آيات القرب والمعنى المراد منها: جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، وقوله تعالى: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61]،، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85] وما أخرجه الشيخان عن النبي j: : (يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) ([2]) . وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
[المفتاح الثامن]: آيات الإحاطة والمعنى المراد منها: قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}.
[المفتاح التاسع]: آيات الاستواء والمعنى المراد منها: الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، لقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته.
(مفتاح فهم الآية الأولى التي ذكر فيها الاستواء): والمعنى المراد به: قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف 54-55]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية.
(مفتاح فهم الآية الثانية التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والاتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير.
(مفتاح فهم الآية الثالثة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى: {يدبر الأمر}، وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت،
(مفتاح فهم الآية الرابعة التي ذكر فيها الاستواء): قوله تعالى: {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه 4،5، 6]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الخلق في قوله ممن خلق الأرض والسموات، وقوله تعالى (له ما في السموات وما في الأرض) للدلالة على استواء الملك والتدبير، هل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى عما يقولون علوا كبيراً.
من تلبيسات الوهابية أنهم يقولون تفسير الاستواء بالاستيلاء باطل وحجتهم انه هل من منازع لله في ملكه حتى يقول استولى، ونحن نقول: (الله تعالى): أخبر أنه خلق السموات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش، أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد، فكان قوله: (ثم استوى على العرش) أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال، فإن قيل: فإذا حمل قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً استواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض. قلنا: إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها، وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل، فلما خلقها ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع، ثم لا ننسى قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله. والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير.
(مفتاح فهم الآية الخامسة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} والمفتاح: الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما فهو الخالق بالكون بما فيه وهو ربه ومدبره فسأل بذلك خبيرا، وثم تدل على التراخي والتأخر عن الفعل وتعلق الاستواء هاهنا واضح بالربوبية وما تستحقه من عبودية الخلائق فالله عز وجل خلق الخلق وأوجدهم من العدم ثم استوى استواء الرب لعباده ويدلنا على ذلك قوله تعالى في الآيات التالية وعباد الرحمن الذين يمشون هونا.
(مفتاح فهم الآية السادسة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة 4 إلى 7]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع)،
(مفتاح فهم الآية السابعة التي ذكر فيها الاستواء): قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، والمفتاح: الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم: قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شيء، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء، والحاصل أن القول الفصل في الاستواء أنه على منهاج أهل السنة والجماعة، لا يخرج عن ثلاثة أقوال جميعها عند أهل السنة صحيحة، هي: (أولا): القول بانه استواء القهر والتدبير بقرينة (يدبر الأمر)، والتي تعقب ذكر الاستواء عادة والله تعالى أعلم، و(الثاني): أنه (استواء) على مراد الله تعالى ومراد رسوله، ليس كمثل استوائه استواء، كما أنه ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، و(الثالث): معاملة صفات القرب والإحاطة والاستواء معاملة واحدة، فإذا أثبتنا الاستواء أثبتنا القرب، وأثبتنا الإحاطة، وآنذاك، يمتنع التكييف لأنه جمع بين الأضداد.
[المفتاح العاشر]: بين الوهابية والجهمية وآية سورة الحديد: استدلت المشبهة من الآيات في سورة الحديد: على أنّ الاستواء استواء جلوس على العرش، واختلفوا هل بمماسة أو من غير مماسة، وهل بحد ونهاية أم من غير حد ونهاية، وهل إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أم لا، وكل هذه المصائب العقائدية أتت عليهم من تكييف الاستواء، وأنه يشبه جلوس الملك على كرسيه، وتناسوا أنه ليس كمثله شيء، واستدلت الجهمية من هذه الآيات: على أن الله تعالى موجود بذاته في كل مكان، فأنتصب العلماء أهل الأصول للرد على البدعتين بدعة الوهابية الحشوية الذين قالوا انه في مكان دون مكان، وبدعة الجهمية الذين جعلوه في كل الأماكن، بان الله ليس كمثل وجوده وجود مقدس في وجوده عن المكان لانه من مخلوقاته ولا يحل الخالق في المخلوق، استواؤه استواء صفاته وقربه قرب صفاته ووجوده وجود صفاته ام جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك، والعجز عن درك الادراك هو غاية التقديس والتنزيه، كان هذا ما تيسر في بيان المعنى المراد من الاستواء وانه استواء تدبير لا استواء مكان ولا استواء جلوس تعالى الله عن معتقدات الحشوية والمجسمة علوا كبيرا، أسأل الله عز وجل ان يبصرنا بديننا وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي انقذتنا به من والضلال وهديتنا به إلى صراطك المستقيم وعلى آله وصحبه أجمعين.
***