في هذا الدرس أتناول إن شاء الله تعالي: [أدلة العقائد من الكتاب والسنّة الصحيحة وبيان خطأ الحشوية في الاستدلال بالموضوع والضعيف على العقيدة] فأقول وبالله التوفيق
[1]: من أهم أغلاط الحشوية في باب العقيدة أنّهم استدلوا على بعض عقائدهم الفاسدة بالموضوع والضعيف والاسرائيليات، ولم يفرقوا في ذلك بين الصحيح والضعيف، وقد فضحهم بذلك العلامة ابن الجوزي في مقدمة كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، فقال رحمه الله: ” وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه: (أحدها): أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال سبحانه وتعالى: ” ونفخت فيه من روحي “، وليس لله صفة تسمي روحا، فقد ابتدع من سمي المضاف صفة، (الثاني): أنهم قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى . ثم قالوا: نحملها علي ظواهرها، فوا عجبا ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له ؟ فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال، (الثالث): أنهم أثبتوا لله تعالى صفات، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الأدلة القطعية . وقال ابن حامد من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفر ؟ علي وجهين، وقال: غالب أصحابنا علي تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وأن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم، قلت: هذا قول ما لا يفهم الفقه ولا العقل، (الرابع): أنهم لم يقرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله ” ينزل إلى السماء الدنيا ” وبين حديث لا يصح كقوله ” رأيت ربي في أحسن صورة ” بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة، (الخامس): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي j– وبين حديث موقوف علي صحابي أو تابعي فأثبتوا بهذا ما أثبتوا هذا، (السادس): أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع ولم يتأولوها في آخر كقوله ” ومن أتاني يمشي أتيته هرولة “، قالوا هذا ضرب مثل مثل الأنعام، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:” إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي ” فقالوا نحمله علي ظاهره فوا عجبا من تأول حديث رسول الله jولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز، (السابع): أنهم حملوا الأحاديث علي مقتضي الحس فقالوا: ينزل بذاته وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لاكما يعقل . فغالطوا من يسمع فكابروا الحس والعقل فحملوا الأحاديث علي الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازما لئلا ينسب الامام إلى ذلك، وإذا سكت نسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس، لأن العمل علي الدليل، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد ” أهــ([1]) .
[2]: قال الدكتور صهيب السقار في كتابه التجسيم في الفكر الإسلامي تحت عنوان جهود المعاصرين في نشر المصنفات التالفة وتحقيقها ونشرها وتعظيمها – وهو يوضح اعتماد كتب الحشوية على الموضوعات والواهيات -: ” اهتم المعاصرون بما صنفه بعض المتقدمين من الكتب التي جُمعت فيها الأخبار المتشابهة والمتونُ المنكرة في ما يسمونه كتبَ التوحيد والسنةَ والردَ على الجهمية، وقد سبق الكلام على هذه المصنفات إلا أنا نريد هنا أن نشير إلى منزلة هذه المصنفات في فكر المعاصرين الذين بذلوا جهدا كبيراً في تحقيقها ودراستها على طريقتهم في الدراسة ونشرِها وتوزيعها على مكتبات العالم الإسلامي، فمن أهم هذه الكتبِ على الإطلاق كتابُ السنة المنسوب لعبد الله بن أحمد وكنا قد أطلنا الكلام في هذا الكتاب وكشفنا عن كثير من الطامات التي ضمتها صفحاته السوداء، والمقصود هنا أن نشير إلى منزلة هذا الكتاب في فكر المعاصرين، ومما يشير إلى أهمية هذا الكتاب تحقيقُه في رسالة جامعية نال فيها المحقق التقدير الممتاز في شهادة الدكتوراه في العقيدة الإسلامية، وقد صرح الباحث بما يشير إلى منزلة هذا الكتاب في الفكر السلفي فقال:إن هذا الكتاب من أوائل المصادر التي كتبت في عقيدة السلف فإخراجه للناس في هذا العصر من الأهمية بمكان)([2]) ويقول أيضاً: (هذا الكتاب من أمهات مصادر العقيدة في كتب السلف .. لذا فهو من المصادر الأولى إذ لم يتقدمه إلا بعض الكتب الصغيرة .. فهو من هذا الجانب ذا [الصواب (ذو مكانة) لأنه خبر] مكانة كبيرة حيث اعتمدت عليه كثير من الكتب التي صنفت في عقيدة السلف .. فهو بحق مصدر رائد برزت قيمته في من نقل عنه وعزا إليه .. فهذا الكتاب صنو لهذه المصنفات التي هي اليوم تحتل مكان الصدارة بعد كتاب الله في المكتبة الإسلامية) ([3]) . وقد أجريتُ إحصائية لما في هذا الكتاب من الأحاديث والآثار فوجدت المحقق قد ضعف من أحاديثه وآثاره ما يقارب ثمانية وخمسين خبراً من كل مئة خبر، وفي ما وثَّق المحقق رجالَ إسناده من أخبار هذا الكتاب ما يزيدك علماً بقيمة هذا الكتاب وتوثيق المحقق لرجاله، فمن ذلك مثلاً أنه وثق ما أخرجه المؤلف بسنده عن الإمام مالك بن أنس أنه ذكر أبا حنيفة بكلام سوء وقال: كادَ الدينَ ومن كاد الدين فليس من الدين([4]) . ومنه أيضاً عن أبي عوانة أن أبا حنيفة قال في المسكر حلال ([5]) . وأنه استتيب من الكفر مرتين([6]) . ومنه أيضاً أن الله عز وجل يدني داودَ عليه السلام حتى يضع يده في يده([7]) .
فأنت ترى أن القوم زهَّدوا في إحياء علوم الدين للحجة الغزالي متذرعين بما فيه من الأحاديث الضعيفة، مع أن الغزالي لم يورد هذه الأحاديث في كتاب موضوعه العقيدة في الله عز وجل وصفاته! بل لو كان يُشترط في الأخبار التي يُحتج بها في فضائل الأعمال ما يُشترط في الأخبار التي يُحتج بها في العقائد لم ينج مؤلفُ كتابِ السنة مما نجا منه الغزالي وهو معارضة القواطع التي دلت على تنزيه الله عز وجل، فقد سبق أن المحقق نفسَه اعترف على بعض أخبار الكتاب بأن فيه دخولاً في تكييف صفات الله عز وجل فيكون أسوأَ حالاً ممن احتج بحديث ضعيف في فضائل الأعمال التي لا يعارضها الشرع بل لا بد أن يشهد لها إجمالاً أو تفصيلاً، وبالجملة فقد سبق نقدُ هذا الكتاب وما تضمنه من المنكرات والإسرائيليات التي لم تخف حتى على المحقق فمن العجيب أن يزعم المحقق أن هذا الكتاب صنوٌ لمؤلفات تحتل مكان الصدارة بعد كتاب الله في المكتبة الإسلامية، ومن العجيب أن القوم تظاهروا على عده من مصادر عقيدتهم السلفية، ومن يتابع السلف على نبذ التعصب والتجرد لطلب الحق يعلم أن الإسلام أغنى ما يكون عن هذا الكتاب، لأن شيئاً من دين الله عز وجل لم يوكَل إثباته إلى كتاب مجهول السند، ويعلم أن ما اختص به هذا الكتاب هو الطعن في السلف وإثارة الفتنة بين المسلمين ووصفُ الله عز وجل بالجلوس على العرش وحصول الأطيط في العرش من ثقل الجبار فوقه ونحو ذلك من المنكرات منسوباً إلى الإمام أحمد وابنه عبد الله، ولست أرى مع طبع هذا الكتاب ونشره وتحقيقه وجهاً لمن تثاقل في الرد وتذرع بالورع عن الخوض في ما شجر بين المسلمين، فكيف يستقيم هذا الورع إذا كان هذا الكتاب واحداً من جملة كتب ورسائل وفتاوى تظاهرت على الخوض في المتشابه والطعن في علماء الأمة، ومن هذه الكتب كتاب السنة لابن أبي عاصم فلم يكتف القوم بتحقيق الألباني له فحققه الدكتور باسم بن فيصل الجوابرة وشهد للكتاب ولمؤلفه بالسلفية ([8]) . ولم يكتفوا بتحقيق محمد خليل هراس لكتاب التوحيد لابن خزيمة حتى حققه الدكتور عبد العزيز إبراهيم الشهوان ونال بتحقيقه الدكتوراه وشهد فيها للكتاب ولمؤلفه بالسلفية ([9]) .
ومن العجيب أنه أخذ على المؤلف تأويل حديث الصورة، ثم كاد أن يلتمس له سبعةً وسبعين عذراً في روايته عن بعض الضعفاء والمجهولين([10]) . وكان عثمان بن سعيد الدارمي جديراً بالعناية والاهتمام أكثر من غيره فلم يكتف القوم بتحقيق الدكتور علي سامي النشار لكتابيه الرد على المريسي والرد على الجهمية ضمن مجموعة عقائد السلف حتى حقق رئيس جمعية أنصار السنة المحمدية محمد حامد الفقي كتاب الرد على المريسي بعد إلحاح شديد من أفاضل علماء نجد وطلبة الحرمين كما زعم وقال في الكتاب: (من أجل الكتب الداحضة لأباطيل الجهمية) ([11]) . ثم حققه الدكتور رشيد بن حسين في رسالة نال بها شهادة الماجستير بتقدير ممتاز قال فيها: (ومن تأمل كتابه سيقف على ما كان عليه هذا الرجل من مناصرة السنة .. وشدة الحرص على إثبات صفات الله وأسمائه) ([12]) .
وأما كتاب الرد على الجهمية فقد حققه أيضاً بدر البدر وشهد له باتباع السلف ونصر السنة([13]) . وخص الطالب (محمود محمد أبو رحيم) الدارميَّ بدراسة دفاعه عن عقيدة السلف في رسالة جامعية زعم فيها أن الدارمي لم تتعثر قدمه في اقتفاء أثر سلفه الصالح ([14]) . ولم ير محمد بن خليفة التميمي بأساً بأن يعد من مصادر العقيدة السلفية أيضاً كتاب العرش لعثمان بن أبي شيبة ونال شهادة الدكتوراه على تحقيقه لهذا الكتاب وشهد له ولمؤلفه بالسلفية ([15]) . ولم يأنف بعضهم من تحقيق كتاب أحد المتهمين بالوضع وحكِّ الكتبِ وهو أبو عبد الله بن بطة العكبري الذي ألف كتابه الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، ونال رضا نعسان معطي شهادة الماجستير على تحقيقه وقال: (كتاب الإبانة لابن بطة يعد أكبر موسوعة في العقيدة السلفية .. هذا الكتاب يمثل مذهب الإمام أحمد بن حنبل ..) ([16]) .
وحاشا لمذهب إمام أهل الأثر أن يمثله متهم بالوضع والتصرف في الكتب، ومثله كتاب التوحيد لابن مندة الذي اشترك في تحقيقه الطالبان موسى بن عبد العزيز الغصن ومحمد بن عبد الله الوهيبي لأنه من مصادر عقيدة السلف أيضاً([17]) . وحظي كتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل الهروي بعناية الدكتور علي بن محمد الفقيهي فحققه على أنه من مصادر العقيدة السلفية أيضاً، وقد سبق الكلام على هذه المصنفات والكشف عن ما تضمتنه من المنكرات الواهيات التي إن كان لابد من جعلها مصدراً لشيء فلا يجوز إلا أن تكون مصدراً للأخبار المنكرة، وليس أدل على ذلك من أن بعض القوم عد كتاب العظمة لأبي الشيخ الأصفهاني من مصادر العقيدة السلفية ([18]) . مع أنه مادة لمن صنف في جمع الأحاديث الموضوعة، واهتموا بكتاب إبطال التأويلات لأبي يعلى الفراء فحققه محمد بن حمد النجدي وزعم أنه كتاب فريد تضمن الرد على تأويلات الأشاعرة والمعتزلة والجهمية لأخبار الصفات الإلهية وبيان مذهب السلف فيها([19]) . وقال متحلياً بالمنهج العلمي: (والكتاب لا يخلو من هفوات كما هو شأن جميع الكتب فقد أبى الله أن يتم إلا كتابَه كما قال الشافعي رحمه الله) ([20]) .
فهذا المحقق يزعم أن ما عده أئمة الحنابلة عاراً محسوباً على المذهب من الهفوات،فهل يعد من الهفوات إثبات الأضراس واللهوات وإثبات الفراش والحجر في الصفات!
ومن العجيب أن المحقق شهد للمؤلف باتباع الإمام أحمد ومذهب أهل السنة وأخذ عليه نفي التجسيم وعدَّه من القليل الذي وافق فيه المتكلمين من نفي أو إثبات أو تفويض مما يخالف بزعمه كتاب الله وسنة رسوله ([21]) .
وقد اعتنى القوم في دراسة منهج أبي يعلى فنال الطالب فهد بن موسى الفائز شهادة الماجستير في رسالته” منهج القاضي أبي يعلى في أصول الدين” [من رسائل جامعة الإمام محمد بن سعود سنة 1412هـ]، ونال الطالب سعود بن عبد العزيز الخلف شهادة الماجستير بتقدير ممتاز في رسالة شهد فيها لأبي يعلى باتباع منهج السلف في إبطال التأويلات([22]) .
وقد بذل وسعه في دفع صولة أئمة الحنابلة على أبي يعلى وشيخه ابن حامد وما شانوا به المذهب فزعم أنهم في ذلك اتبعوا السنة واقتفوا الأثر([23]) . وعاب على ابن العربي أنه نسب إلى أبي يعلى أنه قال القول المشهور في الفرج واللحية وزعم أن أبا يعلى بريء منه، مع أن كتاب أبي يعلى الذي شهد له المحقق فيه باتباع منهج السلف أثبت لله عز وجل الفخذ والأضراس واللهوات والإبهام والخنصر والرجل والوجه واليدين والساق والصدر والحقو والذراعين وغيرها مما سموه بالصفات، ونال الطالب سعود الخلف شهادة الماجستير في رسالته التي أعدها تحت عنوان “القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل الإيمان “([24]) . وأكثر القوم من الثناء على هذه المؤلفات وعدها من مصادر العقيدة السلفية ولم أقف على خلاف بينهم في ذلك] أهــ
[3]: أضرب مثالا لتلك الأحاديث الضعيفة والواهية التي استدل بها أهل الحشو: أنقل ما جاء في كتاب إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لقاضي المسلمين الفقيه المحدث بدر الدين بن جماعة، قال رحمه الله: [[القسم الثالث: في الأحاديث الضعيفة التي وضعتها الزنادقة أعداء الدين وأرباب البدع المضلين ليلبسوا على الناس دينهم: وقد ذكرت ما تيسر من أسباب ضعفها باختصار والمقتضي لمنع التمسك بها وتأويلها بعد تسليم ثبوتها على ما يقتضيه لسان العرب الذي نزل به القرآن، واقتصر في غالبها على الألفاظ التي يحتاج إلى بيان ضعفها وتأويلها دون بقية الألفاظ:
[1] الحديث الأول: حديث أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق قال: ((كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق العرش على الماء)): هذا حديث تفرد به يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس ويقال حدس ولا يعرف لوكيع هذا راو غير يعلى هذا وهما مجهولان، وقد رواه الترمذي وليس كل ما رواه حجة في الفروع فكيف في معرفة الله تعالى التي هي أصل الدين، واحتج بعض الحشوية بعدم إنكار النبي jسؤاله بقوله {أين} الدالة على المكان، وقد بينا ضعف الحديث وعدم الاحتجاج به وبتقدير ثبوته فالجواب أن النبي لم ينفر الداخلين في الإسلام أولا من الأعراب والجاهلية لأنهم كانوا أهل جفاء وغلظة طباع غير فاهمين لدقائق النظر فكان لا ينفرهم ويعيرهم بمبادرة الأفكار عليهم، وقيل معناه أين كان عرش ربنا بحذف المضاف ويدل عليه قوله {وكان عرشه على الماء}، وأما قوله في عماء فقد روي بالمد والقصر فأما المد فهو الغيم الرقيق والمراد به جهة العلو أي فوق العماء بالقهر والتدبير لا بالمكان، وأما بالقصر قال الترمذي عن يزيد بن هارون أنه قال العمى أي ليس معه شيء، فالمراد أنه كان وحده ولا شيء معه ويدل عليه حديث عمران بن حصين الثابت في الصحيح: ((كان الله ولم يكن شيء غيره) ([25]) . وروي ولا شيء معه فشبه عدم الأشياء بالعمى لأن الأعمى لا يرى شيئا وكذلك المعدوم لا يرى، ونفي التحتية والفوقية في العمى بقوله ما تحته هواء يعني ليس تحت المعدوم المعبر عنه بالعمى هواء ولا فوقه هواء لأن ذلك المعدوم لا شيء فلم يكن له تحت ولا فوق بوجه.
[2] الحديث الثاني: ما روي عن ابن عباس عن النبي jأنه قال: ((رأيت ربي في أحسن صورة إلى قوله فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السموات والأرض)): هذا حديث ضعيف جدا قال الإمام أحمد أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة وقال الدارقطني كل أسانيده مضطربة ليس فيها صحيح وقال البيهقي وروي من أوجه كلها ضعيفة، وإذا كان كذلك فلا يعتمد عليه ولا يحل التمسك به في صفات الباري تعالى وبتقدير ثبوته فإن له أجوبة: (الأول): لعله كان في النوم والمنامات أوهام وتخيلات جعلها الله دليلا على ما كان أو يكون والتخيلات والأوهام ليست حقائق في نفسها كما يرى الإنسان أنه طار في الهواء ومشى على الماء أو أنه في مكة أو الهند وشبه ذلك فإن ذلك ليس حقيقة قطعا فإن قيل رؤيا الأنبياء حق قلنا نعم هي حق ومعناه أنها حق في مقاصدها وتأويلاتها لا في صورها في نفسها مطلقا في جميعها فإن رؤيا النبي من الذهب في يديه الكريمتين ونفخه لهما بفيه وطيرانهما لم يكن سوارا الذهب في يديه حقيقة ولا النفخ بفيه المكرم حقيقة وإنما كان الحق والحقيقة في تأويل ذلك ولذلك كان كذلك، (الثاني): لو سلم أنه كان في اليقظة فقوله في أحسن صورة حال من الرائي لا من المرئي أي رأيته وأنا في أحسن صورة ويكون المراد إما نفس صورته لأن الله تعالى زين خلقه وجمل صورته وحسنها لمزيد كرامته وإما لما أفاض عليها من لطائفه ونعمه والإقبال عليه ورضاه ومزيد كرامته، (الثالث): لو سلم أن الحال من المرئي وهو إما في المنام كما تقدم لأن الرؤيا نوع من الوهم والخيال وذلك لا ينفك عن صورة مخيلة ولذلك ذكره المعبرون في تصانيفهم وإما في اليقظة فيكون المراد في أحسن حاله منه في أو معي من الإقبال والرضا واللطف في البر والإنعام لأن ذلك يعبر عنه بالصورة، وأما وضع اليد بين الكتفين فاستعارة لمحمود التقريب والإهتمام والاعتناء وأراد باليد المنة كما يقال لفلان عندي يد بيضاء كما تقدم مستوفى في الآية والحديث، وأما الكتفين فالمراد لو صح، والله أعلم تحقيق إيصال لطفه وكرامته إلى قلبه وروي كنفي بالنون أي ما كنت فيه من ظل نعمه علي وأما البرد المذكور فالمراد به النعمة على القلب وروحها كما يقال عيش بارد أي طيب ذو رفاهية وغنيمة باردة أي خالية من نكد القتال أو عبارة عن اللطف والإحسان الموافق للغرض فإن الدليل على منع الجارحة قاطع وكل عاقل يقطع أن البرد عرض لا تليق نسبته إلى الباري تعالى وتقدس.
[3] الحديث الثالث: يروى عن أم الطفيل أن النبي jرأى ربه في أحسن صورة شابا موقرا رجلا في خضرة عليه نعلان من ذهب وعلى وجهه فراش من ذهب، فهذا الحديث باطل موضوع قاتل الله واضعه فنسب بعضهم وضعه إلى نعيم بن حماد وكان يضع الحديث، قال أحمد بن حنبل هذا حديث منكر وقال ابن عقيل هذا حديث مقطوع بكذبه، فكل ما ورد من هذا فكذب وفي رواية مروان بن عثمان مجهول قال النسائي ومن مروان حتى يصدق على الله، قال البيهقي قد حمله بعضهم على أنه رآه في المنام قالوا إن رؤيا النوم قد تكون وهما جعله الله تعالى دلالة للرائي على ما كان أو يكون.
[4] الحديث الرابع: يروى عن أبي هريرة أن النبي jقال: لما خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس الحديث قال فيه فقال الله تبارك وتعالى ويداه مقبوضتان اختر أيتهما شئت فقال اخترت يمين ربي، وفي رواية: فلما قبض الله تعالى الذرية من ظهر آدم بكفيه قال خذ أيتهما شئت قال أخذت يمين ربي وكلتا يديه يمين ففتحها، وفي رواية فبسطها فإذا فيها آدم وذريته، هذا حديث ضعيف جدا تفرد به حاتم بن اسماعيل وهو ضعيف جدا، وبتقدير ثبوته فالقبض عبارة عن الملك والقدرة والحكم واليد والكف عبارة عن ما تقدم من الوجوه من الملك والقدرة والنعمة وإيتاء الحسنة والجهة اليمنى التي اختارها كناية عن أهل السعادة والطيب من ذريته وأخذه واختياره كناية عن محبتهم ورضاه عنهم أو أن المراد باليمين اليمن والبركة من الله تعالى وإضافتها إلى الله تعالى اضافة ملك وفعل لأنه تعالى هو الذي وفقهم وأسعدهم بتوفيقه لهم.
[5] الحديث الخامس: يروي عن حسان بن عطية أن النبي jقال: الساجد يسجد على قدم الرحمن، هذا ضعيف جدا ولو ثبت كان تأويله أنه تمثيل للقرب من الله تعالى كما قال: الجنة تحت أقدام الأمهات، فهو تمثيل لقرب العبد من فضل ربه ورحمته وإجابة دعائه ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) ([26]) . فمن جعله قدما حقيقة فهو مجسم حقيقة ومخالف للعقل بالله العجب كيف يخطر هذا لمن عنده أدنى مسكة من عقل فضلا عن من يدعي العلم مع اختلاف المصلين في مشارق الأرض ومغاربها.
[6] الحديث السادس: يروي عن عمر بن عبد العزيز: إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار أقبل يمشي في ظلل من الغمام والملائكة: هذا حديث ضعيف وكذب ولعله مفترى وهو افتراء عظيم في الدين على عمر بن عبد العزيز وهو وضع مجسم لأن القول بأنه يمشي تجسيم حقيقة، وقد قدمت في حقيقة النزول ما فيه جواب عن هذا وكفاية.
[7] الحديث السابع: روي عن جبير بن مطعم في حديث الأعرابي الذي جاء يستسقي فقال النبي j: أتدري ما الله إنه لفوق سمواته على عرشه وإنه عليه هكذا وأشار وهب بيده مثل القبة وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب، وفي رواية تفرد بها محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة وهما ضعيفان عند صاحبي الصحيح وقد رواه أبو داود في السنن عن أحمد بن سعيد الرباطي فقال: وإن عرشه على سمواته لهذا وقال بأصابعه مثل القبة، قال أبو داود وحديث أحمد بن سعيد هو الصحيح وعلى هذا فالتشبيه بالقبة إنما وقع للعرش خاصة وكذلك وقع في رواية يحيى بن معين أتدري ما الله إن عرشه على سمواته وأرضه هكذا بأصابعه مثل القبة عليها، قال الخطابي: هذا الكلام إذا أجري على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية وليس المراد بتقدير ثبوت الحديث تحقيق هذه الصفة وإنما هو نوع تقريب عظمة الله تعالى لفهم السائل من حيث يدركه فهمه لأنه لا يعرف دقائق معاني الصفات ولا ما لطف منها ودق عن درك الأفهام، فقوله أتدري ما الله أي ما عظمة الله وجلاله ويؤيد ذلك أنه فسره بغير ما يدل على الماهية وقوله إنه ليئط تمثيل لعظمة الرب عز وجل لأن أطيط الرحل إنما يكون لثقل ما فوقه وهو تمثيل لعظمة الرب تعالى وعجز العرش الذي هو أعظم المخلوقات عن حمل عظمته وجلاله وأشار بذلك إلى أن من هذا إجلاله وعظمته لا يشفع إلى من دونه بل هو المتصرف في عباده وخلقه الفعال لما يريد.
[8] الحديث الثامن: عن أنس في قوله تعالى {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال هكذا يعني: أنه أخرج طرف خنصره، هذا حديث ضعيف لم يروه إلا ابن أبي العوجاء الزنديق وكان يضع الحديث على ثابت وبتقدير ثبوته فالقصد به تشبيه المعاني بالأجسام المحسوسات فأشار بطرف خنصره إلى قلة ما تجلى له من أنوار عظمته وما أظهر له من آياته لأن أضعف عضو يشير به الإنسان إلى قلة الشيء هو طرف خنصره فأشار به للمبالغة في قلة ذلك ومعنى التجلي الظهور وقد يكون جهرة وعيانا بالحس وقد يكون بالدلالة عليه، ومعنى الآية أن الله تعالى خلق للجبل حياة وعلما حتى رأى خالقه. [9] الحديث التاسع: يروى عن أبي الأحوص عن أبيه ابي مالك عن النبي jحديث قال فيه: فكل ما أحل الله لك وساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أحد من موساك، هذا حديث ضعيف عند أئمة الحديث، وبتقدير ثبوته فالمراد بالساعد القوة وشدة البطش لأن قوة الإنسان في بطشه وعمله بيده وساعده فمعناه ان أمره أنفذ من أمرك وقدرته أتم من قدرتك على الحيوان التي تنحره وكذلك قوله موسى الله أحد من موساك على الحيوان الذي تنحره فقطعه أسرع من قطعك فتجوز عن سرعة نفوذ إرادته بالموسى لسرعة عمله لحدته وقطعه.
[10] الحديث العاشر: يروى عن أبي هريرة عن النبي jأنه قال: إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار وإن ضرسه مثل أحد، هذا حديث ضعيف، والجبار هنا لا يعنى الرب تبارك وتعالى بل عني به رجلا جبارا كان يوصف بطول الذراع وعظم الجسم، ومنه قوله تعالى: {كل جبار عنيد}، وقوله تعالى: {وما أنت عليهم بجبار}، فمراده بذراع ذلك الجبار الموصوف بطول الذراع، وقيل كان ذراع طويل يعرف بذراع الجبار فسماه للتعظيم والتهويل لا أنه ذراع اليد المخلوقة.
[11] الحديث الحادي عشر: إذا قام أحدكم يصلي فإنه بين عيني الرحمن: هذا حديث ضعيف لا يحتج به ولا يثبت مثله، وتقدير ثبوته فمعناه أنه بمرأى من الله تعالى كما يقول الغائب لمن هو حاضر في نفسه هو بين عيني ويقول الرجل لصاحبه حاجتك بين عيني أي أنا معتن بها غير ساه عنها ويقال ذلك في الأجسام والمعاني ومنه قوله تعالى: {تجري بأعيننا}، {ولتصنع على عيني}، والمراد بمرأى منه ليلزم الأدب بين يديه ومنه قوله عليه الصلاة والسلام فإن قبل الله وجهه أي ثوابه وقبلته وأنه يشاهده ويراه.
[12] الحديث الثاني عشر: عن عبد الله بن خليفة قال فيه: الكرسي الذي يجلس عليه الرب ما يفضل منه إلا أربع أصابع وإن له أطيطا كأطيط الرحل، الحديث، وحديثه الآخر عنه عن عمران: إن كرسيه فوق السموات والأرض وإنه يقعد عليه فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع، هذان الحديثان باطلان مردودان مضطربان إسنادا ولفظا وعبد الله بن خليفة مجهول لا يعرف من هو ثم تارة يرفع الحديث وتارة يوقفه وفي رواته الحكم وعثمان مجهولان ولعله من وضع بعض المبتدعة أو الزنادقة ولقد أنكر على الدارقطني رواية مثل هذا الحديث وإيداعه كتبه وكيف تثبت صفة الباري تعالى بمثل ذلك الخبر الواهي، ولقد غلب على كثير من المحدثين مجرد النقل مع جهلهم بما يجب لله تعالى من الصفات.
[13] الحديث الثالث عشر: روي عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: {وسع كرسيه السموات والأرض}، فقال: كرسيه موضع قدميه، هذا حديث ضعيف لم يثبت رفعه ولا يثبت مثله والوهم فيه منسوب إلى شجاع ابن مخلد وكان يتأوله أن نسبة الكرسي إلى العرش كنسبة الكرسي إلى ما يضع الملوك أقدامهم عليه إلى عرشهم إشارة إلى صغر الكرسي بالنسبة إلى العرش. [14] الحديث الرابع عشر: عن أنس يرفعه: إن لله لوحا أحد وجهيه درة والآخر ياقوته قلمه النور فيه يرزق وبه يحي وبه يميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء في يوم وليلة، هذا حديث موضوع ينسب إلى محمد بن عثمان الحراني وهو ضعيف جدا متروك الحديث. [15] الحديث الخامس عشر: يروى عن ابن عباس حديث المزن والسحاب إلى أن قال: والله فوق ذلك كله، رواه أبو داود والترمذي بمعناه، ولا يصح هذا الحديث عن رسول الله jفي رواته الوليد بن أبي ثور قال يحيى ابن معين هو كذاب ولو ثبت كان معناه فوقية القهر والغلبة والقدرة والاستيلاء لا فوقية الجهة لدلالة العقل على الرد على ذلك. [16] الحديث السادس عشر: يروى عن أبي هريرة فيه ذكر مساحة ما بيننا وبين السماء وما بينها والثانية وهكذا إلى العرش ومساحة الأرض والتي تحتها وما بينهما وجعل ما بين السماء والأرض خمسمائة عام وغلظها في خمسمائة عام وكذا جعل غلظ الأرض خمسمائة عام وبين التي تحتها خمسمائة عام وفي آخره لو دليتم حبلا إلى الأرض لهبط على الله ويروي ذلك عن ابن مسعود ولكن في العمق خاصة: هذا حديث ضعيف منكر لا يصح عن رسول الله jوحاشا رسول الله jيقوله، ويرده الدليل العقلي القاطع والله لرواية أبي داود والترمذي له أعجب عندي من واضعه فإن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى أجل من أن يجعل مسيرة سبعة آلاف سنة لما قام الدليل العقلي القاطع المشاهد بالحس أن مسيرته على خط متسق بسير السائر المعتدل سنة واحدة أو أقل منها قليلا وهو قطر الأرض من سطحها الذي يلي الهواء إلى سطحها الذي يلي الماء وهذا يعرفه ويقطع به من علم علم الهيئة ويدركه بحقيقته أيضا من سافر من الشام أو مصر أو العراق إلى مكة بحاسة النظر والعقل إذا شرحه له عالم بذلك وبين له بالمشاهدة، ولقد اعتبرت ذلك في سفري إلى الحجاز غير مرة، ثم إنه في حديث العباس الذي قبل هذا جعل بين كل سماء وسماء إحدى أو اثنتين أو ثلاثا وسبعين سنة وفي سنن ابن ماجه قريب من ذلك، فلينظر الناظر ما بين هاتين الروايتين من التفاوت العظيم وليستدل به على ما أحدثه الجهلة وأهل البدع والزنادقة وأعداء الدين من الكذب على رسول الله jليقدحوا بذلك في الدين وليضعوا بذلك رتبة أهل الحديث عند العقلاء وأهل النظر.[17] الحديث السابع عشر: إن الله ينزل في ثلاث ساعات تبقى من الليل إلى آخره: هذا حديث ضعيف جدا لا يعرج عليه وفي رواته زيادة الأنصاري منكر الحديث، وقوله في داره لو ثبت حمل على إضافة الملك والإيجاد كقولنا جنة الله ونار الله وشبه ذلك. [18] الحديث الثامن عشر: إن الله تعالى يجلس يوم القيامة على القنطرة التي بين الجنة والنار، هذا حديث ضعيف لا يصح مثله وراوية عثمان بن أبي عاتكة ضعيف قال يحيى ابن معين ليس بشيء والوضع ظاهر عليه من مبتدع، [19] الحديث التاسع عشر: كان الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن تعالى لم يسمعوه قط، هذا حديث ضعيف جدا أراه لا أصل له ولو ثبت نقله فموقوف على تابعي ولا تثبت بمثله صفات الله تعالى أو لعله وضعه مبتدع ينصر مذهبه، [20] الحديث الموفي عشرين: عن سهل بن سعد إن دون الله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة، حديث باطل راوية موسى بن عبيدة قال أحمد لا تحل الرواية عنه انتهى، [21] الحديث الحادي والعشرون: عن عكرمة إذا أراد الله أن يخوف عباده أنزل بعضه إلى الأرض فعند ذلك تنزلزل وإذا أراد أن يدمدم على قوم تجلى لها، هذا حديث ضعيف متروك لا تثبت بمثله صفات الرب تعالى الله عن البعضية والتجزي ولو ثبت نقله لكان تأويله أنه ينزل بعض آياته وعلاماته المنذرة بالتخويف فحذف المضاف وهو كثير في القرآن والعربية والإجماع على أنه تعالى لا يجزأ ولا يتبعض تعالى الله عن ذلك، والمراد بالتجلي إظهار آيات لا تستقر القلوب والعقول عليها وقد ذكرنا أن التجلي تارة يكون بالذات وتارة يكون بالآيات بالصفات، [22] الحديث الثاني والعشرون: عن خولة بنت حكيم أن النبي jقال: آخر وطأة يطؤها الرحمن بوج، هذا حديث ضعيف ووج واد بأرض الطائف وقد رواه البيهقي وغيره، وبتقدير ثبوته قال سفيان بن عيينة هو آخر خيل الله بوج ومعناه أن الوطأة المذكورة في هذا الحديث عبارة عن نزول تأييده سبحانه وتعالى قال ابن منده آخر ما أوقع الله سبحانه بالمشركين بالطائف وكان آخر غزاة قاتل فيها رسول الله العدو وهي آخر وقعة كانت مع المشركين وهي غزوة حنين واستعاره من وطء القدم لأن الواطئ يقهر الموطوء ويتمكن منه والمراد منه وطء النبي، [23] الحديث الثالث والعشرون: حديث وج مقدس عرج منه الرب إلى السماء وعن أبي هريرة عن جبريل أنه قال للنبي jليلة الإسراء: من ها هنا عرج ربك إلى السماء، يعني صخرة بيت المقدس، هذان حديثان ضعيفان جدا لا يثبت مثلهما ولا يعرج عليه، ولو ثبتا كان معناهما القصد إلى السماء بالخلق والتسوية بعد خلق الأرض تعالى الله عن الحركة والانتقال، [24] الحديث الرابع والعشرون: إن الله تعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم الحديث، هو حديث موضوع قال أبو حاتم بن حبان وغيره يرويه ابراهيم بن مهاجر عن عمر بن حفص وهما لا شيء عند أئمة الحديث ولو ثبت كان معناه ثبوتهما ووجودهما صفة من صفاته الذاتية عند من يقول بذلك، [25] الحديث الخامس والعشرون: يروى عن عائشة أنها سألت النبي jعن المقام المحمود قال: وعدني ربي القعود معه على العرش، هذا حديث ضعيف ربما وضعه بعض المجسمة وقد صرح بمعناه بعض الحنابلة وقد صح في الحديث أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة يوم القيامة وهو يرد هذا الحديث، [26] الحديث السادس والعشرون: إن الله تعالى لما كلم موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام يوم ناداه فقال كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، هذا حديث باطل لا أصل له ولا يصح مثله رواه علي بن عاصم عن الفضل ابن عيسى متروك عن متروك معروفان بالوضع والكذب، [27] الحديث السابع والعشرون: إذا رأيتم الريح فلا تسبوها فإنها من نفس الرحمن، والذي رواه أبو داود في سننه إن هذه الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها، ولفظ من نفس الرحمن لم تثبت من وجه يصح ولو ثبت كان معناه التنفيس عن عباده المكروبين ومنه قوله إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن أي تنفيسه عنى بنصر الأنصار لأن أصلهم من اليمن وقيل إنه قال ذلك في جهة تبوك وكانت بالمدينة من جانب اليمن، [28] الحديث الثامن والعشرون: لما قضى الله خلقه استلقى ثم وضع إحدى رجليه على الأخرى: هذا حديث منكر باطل ليس له أصل يعتمد عليه ومعلول من وجوه وفي رواته مع إرساله إبراهيم بن المنذر وعبيد بن جبير لا يصح حديثهما عند أئمة الحديث وفي رواته فليح بن سليمان قال يحيى لا يحتج بحديثه وفي رواته عبيد بن جبير عن قتادة بن النعمان وهو لم يدركه بل مولده بعد وفاة قتادة بست سنين، ولو ثبت فجوابه من وجهين أحدهما أن النبي عن قول اليهود إنكارا عليهم فحضر قتادة بن النعمان وقد وفاته صدر الحديث وأنه عن اليهود فتخيل أنه من حديث النبي عن ربه وإنما هو حكاية عن قول اليهود وقد روي أن الزبير أنكر على قتادة وأخبره أنه فاته صدر الحديث الوجه الثاني أن معناه فرغ من ذلك يقال فرغ فلان من كذا فاستلقى على ظهره كناية عن أنه لم يبق له فيه عمل وأما الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى من تعب أو نصب فإنما يفعله من يصيبه ذلك ولذلك لما قال اليهود ثم استراح غضب النبي من قولهم ذلك وكذبهم الله عز وجل بقوله تعالى: {وما مسنا من لغوب}، وله وجه ثالث قاله بعضهم أن يكون استلقى استفعل بمعنى ألقى أي وضع بعض السموات على بعض قال ومعنى وضع رجل على رجل أي رفع بعض مخلوقاته على بعض لأن العرب تسمى الجماعة الكثيرة رجلا بذلك، [29] الحديث التاسع والعشرون: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قرأ: {إن الله كان سميعا بصيرا} فوضع يده على أذنه ثم على عينه: هذا حديث ضعيف لا أصل له وقد يتمسك به بعض المشبهة، وبتقدير ثبوته فالمراد تحقيق السمع والبصر لا صورة الأذن والعين، وقد ذكر أن المعاني تمثل بالمحسوس تحقيقا لمعناه وقد يسمى محل الشيء باسمه ومثال ذلك قبض فلان على فلان ماله وداره ويقبض القابض القليل راحته تحقيقا لمعنى القبض لا أن المراد قبض الكف على الدار والمال ويدل على ما قلناه أن نفس الأذن لا تسمع والعين لا تبصر وإنما المدرك هو السمع والبصر وكم من أذن وعين لا تدرك شيئا ويحتمل لو صح أن يكون النبي jوضع يده الكريمة عليها اتفاقا لحكة أو مسح عليها، [30] الحديث الموفي للثلاثين: يروى عن أنس أن جبريل عليه السلام كان عند النبي jفجاء ملك فقال أين تركت ربنا قال في سبع أرضين ثم جاء آخر فقال أين تركت ربنا قال في سبع سموات ثم جاء آخر فقال أين تركت ربنا قال في المشرق وجاءه آخر فسأله فقال في المغرب: هذا حديث باطل موضوع من زنديق يتلاعب بالدين وأهله لا تحل روايته ونقله إلا مع بيان حاله وكذبه قاتل الله مفتريه، ولو ثبت صحته أمكن تأويله على أن معنى في على كقوله: {في جذوع النخل}، أي على رؤوسها كما قلناه وبسطناه في قوله: {أأمنتم من في السماء} على بعض تأويله، فإن قيل فقولوا: إن الله في كل مكان واطلقوا ذلك كما تقول المعتزلة وقدروه بمعنى على، (قلنا): ليس لنا ذلك لما فيه من معنى التحيز وإنما إذا ورد في الكتاب والسنة شيء أطلقناه فيهما كما ورد وحملناه على ما ذكرناه، [31] الحديث الحادي والثلاثون: إن الله تعالى يطوي المظالم يوم القيامة تحت قدميه: هذا حديث ضعيف جدا لا يثبت نقله ولا يعول عليه، ولو ثبت فمعناه أنه لا يطالب به ولا ينقش وهذا اللفظ يستعمل في الكلام ومنه قول النبي حجة الوداع يوم عرفة كل ربا وكل دم في الجاهلية موضوع تحت قدمي وليس المراد بذلك قدمه الشريف باتفاق العقلاء، [32] الحديث الثاني والثلاثون: يرويه جبير بن نضير تارة موقوفا عليه وتارة يرويه عن أبي ذر وتارة يرويه عن عقبة بن عامر قال إن رسول الله jقال إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه، هذا حديث ضعيف ومعلل بما ذكرناه من الاضطراب قوله يعني لا يعلم من هو المفسر لذلك هل هو صحابي أو من بعده، وبتقدير ثبوته فمعناه أنه وجد منه بأنه تكلم به وأنزله على نبيه وأفهمه عباده أي منه ظهر كما تقول خرج لي من كلامك كذا وكذا فيكون معناه ما ذكرنا لا أن معناه الخروج الذي هو انفصال شيء من شيء بمفارقته له واستبداله بحيز آخر فإن ذلك على الله محال فإن كلامه صفة أزلية قائمة بذاته لم يزل موصوفا بها وليس ذلك كخروج كلامنا والله أعلم، [33] الحديث الثالث والثلاثون: يروى عن أبي أمامة قال: ما تقرب العبد من الله تعالى بمثل ما خرج منه، هذا حديث ضعيف لا يعرف مع ضعفه إلا من حديث يرويه فروة بن نوفل عن خباب بن الأرت موقوفا عليه ولفظه قال أخذ خباب بيدي فقال تقرب إلى الله ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه ولم يقل بمثل ما خرج منه كما روي في حديث جبير بن نفير، [34] الحديث الرابع والثلاثون: يروى موقوفا على ابن عباس أنه قال لرجل قال اللهم رب القرآن فقال لا تقل مثل هذا منه بدأ وإليه يعود، هذا حديث ضعيف لا يثبت عن ابن عباس ولعل منتحل ذلك وناقله عن ابن عباس ممن يعتقد البدعة قديما ولو ثبت عن ابن عباس أو غير ابن عباس فليس بحجة على الناس فإنه لفظ لم يثبت على الله تعالى ولا عن رسوله، ويجوز أن ابن عباس اراد بذلك أنه تعالى الذي أظهره لنا بكلامه وإليه يعود في السؤال عن العمل به أمرا ونهيا وروي في رواية ضعيفة عن عثمان انه قال القرآن منه ولو ثبت ذلك كان معناه أنه صفته وصفة الشيء اللازمة له كبعض منه كقوله لعالم بارع العلم منك أي صفتك أو أنه أراد ما تذكرناه في حديث ابن عباس إن صح ومعناه منه ظهر وسمع أو منه التوفيق بتعليمه وتفهيمه، [35] الحديث الخامس والثلاثون: يروى عن ابن عباس موقوفا عليه إن لله لوحا محفوظا من درة بيضاء قلمه نور وكتابته نور عرضه ما بين السماء والأرض ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق بكل نظرة يحي ويميت ويعز ويذل يفعل ما يشاء: هذا حديث ضعيف موقوف انفرد به ابن حمزة اليماني، وروي إن لله تعالى في كل يوم في خلقه مائة وستون نظرة، وهو حديث ضعيف أيضا، ولو ثبت كان معناه ما يقع من تغيرات الأحوال من مخلوقاته تعالى من حركة، وسكون وإعطاء ومنع وتوفيق وخذلان وسرور وضده وموت كما تقدم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، [36] الحديث السادس والثلاثون: حديث لا استجيز إسناده إلى صحابي يقول فيه الكرسي وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد الحديث وأبشع ما في قوله في بعض طرقه الكرسي الذي يجلس عليه الرب ما يفضل منه الا قدر أربع أصابع، هذا حديث ضعيف مضطرب موضوع شديد الاضطراب والتخليط والاختلاف وذلك من تخليط الرواة وسوء الحفظ وقصد الرد للدين وكيف يثبت صفات الرب تعالى بمثل هذه الروايات الواهية الضعيفة من الزنادقة وغيرهم، ولقد أنكر على الدارقطني وابن خزيمة رواية مثل هذه الأحاديث وإيداعها في مصنفاتهم من غير مبالغة في الطعن في أمثالها، وإنما غلب على كثير من المحدثين مجرد النقل والإكثار من الغرائب مع جهلهم بما يجب لله تعالى من الصفات وما يستحيل عليه بأدلة ذلك القطعية القاطعة عند أهل النظر والعلم إذ قنعوا من العلم بمجرد النقل وهو في الحقيقة كما قال بعض الأئمة الاقتصار على جمع الحديث بضاعة النوكى والله أعلم]] أهــ ([27]) .
***
([1]) مقدمة كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه.
([8]) كتاب السنة بتحقيقه 1/20.
([9]) مقدمة تحقيق الكتاب 1/38.
([14]) مقدمة رسالته الموسومة ” عثمان بن سعيد الدارمي ودفاعه عن عقيدة السلف” من رسائل جامعة أم القرى 1403.
([15]) مقدمة رسالته “محمد بن عثمان بن ابي شيبة وكتابه العرش” ص 7 و221 وقد نال به شهادة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
([16]) مقدمة الكتاب بتحقيقه 1/6-7.
([18]) مقدمة المحقق رضاء الله بن محمد المباركفوري 1/12 و40و83 و85، وانظر أيضاً جواب أهل السنة لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب 156 فقد عده من كتب السنة مع كتابي الدارمي وكتاب ابن بطة والهروي وسنة الخلال ونحوها، وانظر أيضاً من عقيدة.
([19]) مقدمة إبطال التأويلات 1/4.
([22]) القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل الإيمان ” 67.
([24]) رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1406هـ.