بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى اللهم وسلم وبارك على خير المرسلين سيدنا على آله وصحبه اجمعين، وبعد: بصدق وبدون مبالغة أقول وبالله التوفيق والسداد أنه من فضل الله على الأمة الإسلامية جمعاء وعلى الوهابية بصورة خاصة، وجود الاشاعرة، وانه لولا نشر الاشاعرة لعلم التقديس ومفردات علم التقديس وقواعد التنزيه ومفاتيح التقديس، لولا هذا الجهد المتواصل والمتفاني في الدفاع عن عقائد المسلمين، لعبدت الوهابية الشاب الامرد، أربعة مسالك رئيسية للسادة الأشاعرة منعت الوهابية من الوصول إلى عقيدة الشاب الامرد، سأذكرها بالادلة وبالتفصيل، الشاهد: ومن تتبع منهج الوهابية في التجسيم علم إلى أين يصلون، الوجه على الحقيقة.
نظرة إلى العقيدة التي استقر عليها ابن عثيمين نعلم إلى أي مدى وصل الحشو والتجسيم بهؤلاء، [عقيدة ابن عثيمين ] وابن عثيمين أحد تلامذة المذهب التيمي والوهابي، وقد فاق ابن كرام في التجسيم، فابن كرام لم ينسب إلى الله الألوان وابن عثيمين لا يوجد حاجز يمنع من نسبتها إلى الله، ننظر إلى عقيدته في الله، من كلامه ولا نتجنى عليه، سئل عن جناب الذات، فلم يقرأ سورة الإخلاص كما فعل النبي jلان معاني الاحدية والصمدية ونفي الحدوث ونفي المثلية تمنع من الادراك، وإنما قال: ابن عثيمين لما سئل عن جناب الذات، قال: لكل ذات ما دامت ذات لا بد ان تكون ذات طول وعرض وثقل وحجم وما أشبه ذلك، إذن ابن عثيمين يجعل الله جسما له طول وعرض وثقل وحجم، [الوجه]: يقول ابن عثيمين نؤمن بان لله وجه حقيقي ولكن هل هو مستطيل أو مستدير او مربع نقول الله أعلم، ومعنى كلامه انه يحتمل احد تلك الوجوه، واقسم بالله ما فهم هذا الرجل معاني الأحدية والصمدية من سورة الإخلاص، [اليد]: قال ابن عثيمين اثبات اليد لله عز وجل يد حقيقية يقبضها عز وجل ويقبض بها ويأخذ بها وهي حسية، ابن عثيمين يؤكد انها حسية ويعتقد أن اليد فيها الكفان وان الكف يمين وشمال وان الأصابع في هذا الكف وانه بها يقبض ما يشاء، [العين]: قال ابن عثيمين نصا: نؤمن بالعين أثبت الله له عينا أخبرنا بأن له عينا ولكن ما وصفها ما قال واسعة ولا ضيقة ما قال سوداء ولا بنية ولا خضراء ولا زرقاء فيجب علينا الكف، ويفهم من كلامه أنها جارحة حقيقية ولكن لا نعلم حجمها ( واسعة أو ضيقة) الكل محتمل، ولا نعلم لونها فهو يثبت لله الألوان ( سوداء او بنية أو خضراء او زرقاء ) الكل محتمل، ما شاء الله ويقولون ما نحن بمجسمة، والله لقد جاوزتم الكرامية في التجسيم، وابن عثيمين هذا يُشار إليه بالبنان في المذهب الوهابي وأقسم بالله ما فهم هذا المجسم شيئا عن الاحدية والصمدية في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، [المكان]: قال ابن عثيمين: العرش مكان الرحمن، على الحقيقة، والله فوق والعرش تحت وقد يكون الفوق اكبر من الذي تحت أو يساويه او أصغر منه لكننا نقول الله أكبر من العرش، ولكننا نقول هو اكبر من العرش، [النزول]: يرى ابن عثيمين أن الله ينزل بنفسه وذاته نزولاً حقيقياً، وأن النزول إن كان يستلزم الحركة لله بمقتضى اللغات والظاهر، فالحركة له حق ثابت يليق به سبحانه، وكانه لم يسمع عن حجة الخليل إبراهيم في سورة الانعام {لا احب الآفلين}، أي لا تصلح الاجرام المتحركة المنتقلة من مكان إلى مكان لا تصلح ان يكون لها الإلهية، المتغير عن حاله الآفل الذي يقبل الحدوث والتغير من حال إلى حال، لا يصلح أن يكون رباً خالقاً، وإلهاً معبوداً، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، (جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث. ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث.
نعود لعقيدة ابن عثيمين: [الهرولة]: أثبت الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- صفة الهرولة، وقال: يجب إثبات الهرولة كصفة من صفات أفعال الله تعالى كما أخبر بها عن نفسه، ويثبت المعنى الحقيقي للفظ (وهو الإقبال السريع) بما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى، ويرى أن معاني صفات الله معلومة في اللغة العربية ولا يجوز تفويض معناها (أي لا نقول لا نعرف معنى الهرولة)، ووافق على أن الهرولة في اللغة تعني المشي السريع الذي هو بين المشي والركض وقال: فنحن نفهم معنى الهرولة (السرعة في الإقبال)، لكننا لا نعلم كيف يهرول الله عز وجل، هذا معتقد ابن عثيمين الله جسم له جوارح، يتحرك ويهرول ويقبل الألوان والاشكال، هذا معتقد ابن عثيمين وهو غالبا معتقد أكثر الوهابية، لان ابن عثيمين بالنسبة للوهابية كمثل النووي بالنسبة للشافعية، ومعنى ذلك الجهل العارم يكل قواعد التقديس والجهل المطلق بسورة الإخلاص والذهول التام عن علم التقديس ومقدمات الإلهيات، ابن تيمية سلف ابن عثيمين: وقع قديما في الحشو والتجسيم، وعقيدة ابن تيمية التي ينسبها للسلف: هي عقيدة التجسيم المحض، ومفادها: أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وهو موجود على العرش، وأنه متناه تحته العرش، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما أصر على جعل صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق من المحكمات بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، واستفاض في شرح حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أن هذا هو مذهب السلف، وانه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا كمسلمين شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه ابن تيمية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يشرح حديث النزول في مجلد كله تتبع للمتشابهات، يسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف.
أين عقائد ابن تيمية من عقائد السلف، التيمية الوهابية المنتسبون كذبا وزورا وبهتانا إلى السلف ينسبون إلى الله تعالى والأجزاء والأبعاض، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، والحشو الذي لا يجيدون غيره، أوباش لا يحترمون تخصص العلماء، ويهجمون على كل أبواب العلم، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص، وما فهموه منها بعقولهم السقيمة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، (أقول) ومما يضحك الثكلى في عقيدة النزول لديهم: أنهم إذا اثبتوا النزول حقيقة وهذا مذهبهم انتفى الاستواء، وانتفى العلو ؟ لان ثلث الليل مستمر على مدار الساعة، ينتقل من مكان إلى مكان، وهو بالسماء الدنيا فمتى يستوي على العرش، وأين العلو؟ اذا هو نازل باستمرار فأين العلو المكاني وأين الاسنواء المكاني، على زعمكم ؟ المهم هذا معتقد الوهابية وهذا توحيد ابن عثيمين وتوحيد الوهابية، ومن تجسيمهم آسف!!! توحيدهم أنه يمشي وان له صفة الهرولة وهي المشي السريع كما شرحها ابن عثيمين ورفض بشدة تاويل الحديث (من اتاني يمشي اتيته هرولة) رفض بشدة ان معناه من جاءني بالطاعة جئته بالأجر والتوفيق والسداد وزعم ان هذا تعطيل وان له صفة الهرولة وهي المشي السريع، وتزعم الوهابية أنه محدود له حد وبالأخص الحد السفلي لأجل العرش، وأنه يتحرك وينزل ويصعد، وانه على صورة (الانسان) وان الله تعالى خلق آدم على صورته، وهكذا تقترب العقيدة الوهابية من عقيدة الشاب الامرد، فــ آدم على صورة الرحمن، وللرحمن عندهم صورة من أجمل الصور يتلذذون برؤيته يوم القيامة وليس على طريقة اهل التقديس الذين يقولون صورة الله صفته، كما تقول العرب صورة الأمر أي صفته، ثم يأتي حديث الشاب الامرد فيجدون ضالتهم، التي يبحثون عليها في أعماقهم (رأيت ربي في المنام في صورة شاب موفر في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب) عقيدة الإله الامرد الذي يلبس النعل وأبو يعلى يقول نؤمن بصفة النعل وصفة الفراش الذي يطير عند وجه الرحمن يقول كما جاء في الحديث، مع انه حديث منكر لا تحل روايته وقصاراه رؤيا منامية ولكنه التجسيم يجري في عروق هؤلاء مجرى النار في الهشيم، وفي حديث آخر يروونه ويطيرون به: (رأيت ربي في صورة شاب أمرد، له وفرة، جعد قطط، في روضة خضراء) و(الوفرة): الشعر الغزير، شعر الرأس إذا بلغ شحمة الأذن أو ما جاورها، و (الجعد) هو الشعر المتموج الخشن، و (القطط) الشعر شديد الجعودة والتفاف، والمعنى إله يملك شعراً غزيراً ومتوسط الطول، ولكنه شديد التموج والتجعّد، هذا إله المجسمة، الله تعالى يقول {ليس كمثله شيء}، وهم يعتقدون بالشاب الامرد صاحب الشعر الاكرت، الشاهد (وجدوا ضالتهم) واطلقوا خيالهم في تصور الشاب الامرد الذي يعبدونه، وكيف يتلذذون برؤيته يوم القيامة، فكانوا ألعن الطوائف، فكانوا ألعن الطوائف وأضل الطوائف واخسها وأبعدها عن الحق، ولولا السادة الاشاعرة المتخصصون في العقيدة الإسلامية الصحيحة لعبد الوهابية الشاب الامرد، هذا كان الذي سيحدث، كيف ذلك ؟، وكيف منع الاشاعرة الوهابية من الوصول إلى تلك العقيدة.
أقول بالله التوفيق: المجسمة كالعادة ومعهم التيمية والوهابية يجمعون المتشابهات التي فيها هلاكهم، كالفراش يلقي نفسه في النار وهو يظنه النور، واهل التخصص الاشاعرة يحاولون خلاصهم من تلك البدع والضلالات، عن طريق رد المتشابهات إلى أمهاتها من المحكمات على طريقة حبر الامة عبد الله بن عباس الذي دعا له النبي j(اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، جمع المجسمة عشرات الآيات المتشابهات التي توحي عندهم برسم شكل لله، استغفر الله لان الاشكال مخلوقة ولا يجوز نسبتها إلى الله، ولكن رواية الكفر ليس بكفر، الوهابية يغوصون في اوحال وبرك التجسيم، وهم يظنون ان ذلك هو التوحيد، ويجمعون المتشابهات من ألفاظ الوحه والعين واليد والساق والقدم يريدون الوصول إلى الشاب الامرد، ولكن هيهات، لان للأشاعرة مسالك عديدة منعتهم من الوصول إلى تلك العقيدة، ومن تلك المسالك:
(المسلك الأول): الاشاعرة لا يفتئون يشنعون على الوهابية ويرمونهم بالتجسيم والوهابية ينفون التهمة وهذا أول حاجز يمنع من اعتقادها عند مبتدئة الوهابية ويمنع من البوح بعقيدة الشاب الامرد عند المتقدمين في العقيدة الوهابية، لأنها ستكون مسبة لهم.
(المسلك الثاني): الاشاعرة لا يفتئون يذكرون الامة بمعاني الاحدية والصمدية ونفي المثلية وانها ثلث القرآن وانها تفيد التقديس عن الجسمية والاجزاء والابعاض والجوارح وهذا تفعيل للمناعة (مناعة الامة) من عبادة الاجسام والصور والاشكال، فالاحدية تمنع من الانقسام وقبول الأجزاء، فكل من كان يمينه غير يساره فليست له الاحدية المطلقة لان له أجزاء اختصت باليمين وأجزاء اختصت باليسار، والصمدية المطلقة تمنع من التركيب لان كل مركب محتاج في وجوده إلى أجزائه والمحتاج لا يكون صمدا ابدا، والذي يقبل الصور والاشكال يقبل الأجزاء والابعاض ويقبل الانقسام ولهذا نفت الاحدية والصمدية الادراك هذا توحيد سورة الإخلاص فأين هذا من شاب امرد له شعر ووجه وخد امرد، شخص مركب من أعضاء وجوارح، ويلبس النعل ويقف الفراش على وجهه فما هذا السخف، وهل سمع هؤلاء عن سورة انزلت اسمها الإخلاص تعدل ثلث القرآن تنفي كل هذه الخرافات عن الله الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد.
(المسلك الثالث): الاشاعرة لا يفتئون يفعلون معاني البلاغة والمجاز وفق السياق والسباق واللحاق فيمنعون من التشبيه والتجسيم ويقللون من ضغط المتشابهات التي تتبعها يورث الزيغ والضلال، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، فكأن الحال: كلما بنى الوهابية لبنة في عقيدة الشاب الامرد ازالها الاشاعرة بفضل الله ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، كلما تلى الوهابي آية من التي قال الله تعالى فيها { وأخر متشابهات}، ردها الأشاعرة إلى امهاتها من المحكم، يقرآ الوهابي {كل شيء هالك إلا وجهه}، ويقول نومن بان لله الوجه، فيقول الأشعري على حد كلامك سيهلك الذات إلا الوجه لان منطوق الآيات: {كل شيء هالك إلا وجهه}، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} وهذا انحراف وخلل فلا بد وأن يكون المعنى كل شيء هالك إلا هو أو ما أريد به رضاه، كقوله تعالى {بلى من أسلم وجهه لله}، وإسلام القلب اهم لأنه مكان الايمان والمعنى بلى من أسلم كله وذاته لله، فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا يقللون أثر الانحراف الوهابي في فهم التوحيد، فيجب على كل وهابي ان يدعو في سجوده وعند نومه لكل الاشاعرة لانهم انقذوه مما وقع فيه اسلافهم الانجاس من عبادة الشاب الامرد الذي ينتعل النعل ويمشي وعند رأسه فراش من ذهب، وللأسف مع كل هذا الأثر الجليل للأشاعرة في انقاذ المجسمة والوهابية من التجسيم فإنهم يلعنونهم ويضللونهم وإذا سألت عنهم ابن عثيمين وابن باز وابن جبرين وابن الفوزان وابن علان وغيرهم من أقطاب المذهب الوهابي قالوا مبتدعة جهمية ضالة مؤولة مع ان التأويل ثابت عن الحبر البحر ابن عباس رضي الله عنهما، أرادوا ان يثبتوا الساق من قوله تعالى {يوم يكشف عن ساق}، فقال لهم: هو يوم حرب وشدة كما سبق ذكره. الشاهد إذا سالت الوهابية عن الاشاعرة قالوا مبتدعة جهمية ضالة مؤولة، وقبلهم سئل عنهم ابن تيمية فنقل فيهم انهم مخانيث المعتزلة، وان المعتزلة هم الجهمية الذكور وان الاشاعرة هم الجهمية الاناث، سبحان الله، هل هذا جزاء من ضبطوا مسائل العقيدة كلها على منهاج الكتاب والسنة، واسسوا الاطار العام الصحيح لاهل الحق الزلال اهل العقيدة السليمة اهل السنة والجماعة، لولا الأشاعرة وبيانهم لاصول التنزيه والتقديس لكان في الامة من يعبد الشاب الامرد، بعد ان صححتم الحديث، ولكان في الامة من يعبد إلها يستقر على جناح بعوضة كما قال سلفكم عثمان بن سعيد، هل هذا جزاء الاشاعرة، والله مثلكم كمثل الفراش، يلقي نفسه في النار وهو يظنه النور، واهل التخصص الاشاعرة يحاولون خلاصكم من تلك البدع والضلالات، عن طريق رد المتشابهات إلى أمهاتها من المحكمات على طريقة حبر الامة عبد الله بن عباس الذي دعا له النبي j(اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(المسلك الرابع) الاشاعرة لا يفتئون يجمعون الأدلة القرآنية والحديثية والعقلية والنقلية التي تمنع من التجسيم والتي تدل على أن الجسمية لا تجوز في حق الله وان القائل بها مخالف للكتاب والسنة معتقد لأردأ واسوأ بدعة في تاريخ الفرق الإسلامية ألا وهي بدعة تجسم الباري تعالى وتقدس،
[الشرح والبيان لما حدث ويحدث] من كون انه لولا الاشاعرة بعد فضل الله وفضل رسوله لعبد الوهابية الشاب الامرد، أقول وبالله التوفيق: منذ أكثر من عشرين سنة حينما كان الوهابي يرى نفسه أفضل للامة من محمد الفاتح ومن صلاح الدين الايوبي ومن النووي ومن ابن حجر ومن الإمام الشافعي نفسه، في هذا الوقت جاءني شاب حيران يطلب النصيحة، المهم هذا الشاب سمع عن عقيدة التوحيد الوهابية وان أهم التوحيد اثبات الوجه والعينين واليدين وانهما اثنتين واليد فيها الكف والكف خمسة أصابع، والاصابع فيها الانامل، والساقين والرجلين والقدمين وأنه على صورة الانسان وانه فقد جاءت أثار بانه على هيئة شاب امرد ليس كمثله في صورته وشكله أحد، ويسألني هل هذه العقيدة صحيحة، أم لا؟ فقلت له: وأين يسكن هذا الرب الشاب فقال على العرش والكرسي موضع قدميه والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمنه ولو مد يده لطالت كل شيء في كونه وملكه، فهو على العرش استوى وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، تنال يده من شاء من خلقه، فسألته أين أجد هذه العقيدة الفريدة ؟ فقال هي خلاصة ما فهمته من كتب السلفية ومنها كتب الإمام المجدد ابن تيمية مجدد مذهب السلف، فقلت له، العقائد يستدل لها من الكتاب والسنة أين أجد من الكتاب والسنة دليل تلك العقيدة، فقال عشرات الآيات التي تصف الله بالوجه واليد والعين، فقلت له أليس في القرآن الكريم متشابهات قال نعم { مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } فقلت له اكمل الآية، فقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [سورة آل عمران]، فقلت له وأين السورة التي ذكر فيها الشاب الامرد، فضحك وقال هذا حديث وليس آية، فقلت في أي كتب السنن ورد، فقال في كتب التوحيد وكتب السنة وفي كتاب التوحيد لابن خزيمة، وابطال التاويلات لابي يعلى وصححه ابن تيمية، في بيان تلبيس الجهمية المجلد السابع صفحة 290 يقول (كما في الحديث الصحيح المرفوع عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا قال (رأيت ربي في صورة شاب امرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء)، فقلت له: دع عنك ابن تيمية فإنه كان منحرفا في التوحيد السؤال هو هل كان حقيقة ام مناما؟، فقال: كان مناما، فقلت: هل ضعفه احد ؟ فقال: نعم الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، والنسائي، وابن حبان، وابن حجر، والسيوطي، وجمع من المعاصرين كالشيخ الألباني، فقلت له: طيب هل يصح بناء عقيدة على رؤيا منامية قد يكون لها تفسير، والحديث لا يصح، قال لذلك فأنا في نفسي شيء من هذه العقيدة، أخاف ان يكون فيها تجسيم؟ ولذا جئت أسالك ؟ فقلت له: أي تجسيم هذه العقيدة فيها تشبيه وتجسيم وتمثيل وضلال وكفر، عندما سئل النبي jعن جناب الذات نزلت عليه سورة الإخلاص، لبيان التقديس المتعلق بالله، وسألته ؟ سورة الإخلاص محكمة أم من المتشابه، فقال محكمة فهي تعدل ثلث القرآن فقلت جميل فأي ثلث من الدين، القرآن ثلاثة أقسام قسم العقيدة وقسم الفقه وقسم التزكية فقال بلا تردد قسم العقيدة، فقلت جميل (سورة الإخلاص) تمثل عقيدة اهل الإسلام، فقال نعم، فقلت فهل ذكر الله في هذه السورة الشاب الامرد أم ذكر فيها اسم الله الاحد واسم الله الصمد، فقال اسم الله الاحد واسم الله الصمد، فقلت هل ذكر اسم الله الاحد واسم الله الصمد في غير تلك السورة فقال لا فقلت إذا معرفة معاني الاحدية والصمدية تعني معرفة العقيدة الصحيحة التي قام عليها الإسلام، فقال نعم ؟ فقلت كل كلامك على ذات الرحمن وشكل الرحمن، وسورة الإخلاص نزلت لهذا الهدف، ففي سبب نزول هذه السورة الكريمة: أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن جرير الطبري في تفسيره عن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن المشركين قالوا للنبي j: يا محمد، انسب لنا ربك، فأنزل اللَّه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}، وانسب أي صِفْ لنا ربك الذي تعبدُ حتى نعلم ذاته، فسورة الإخلاص هي الدواء لكل داء يتعلق بتصور ذات الرب تبارك وتعالى، وقلت له: هل تعلم الأصول العقدية التي قامت عليها سورة الإخلاص، وهل تعلم الفرق بين اسم الله الاحد واسم الله الواحد فقال اشرح لي فقلت له: سورة الإخلاص سورة محكمة تعدل ثلث القرآن لذلك يجب التوسع في فهم معانيها، وسورة الإخلاص من المحكمات لا حرج من التوسع في فهمها وتفسيرها لأنها تتحدث عن تقديس الذات ونفي الادراك ونفي المثلية عن جناب الذات، وسورة الإخلاص تتحدث عن ذات الله وصفة الرحمن، وهي تشتمل على أربعة أصول عظيمة تقوم عليها عقيدة اهل الإسلام.
(الأصل الأول): (الله أحد) وصف الله تعالى بالأحدية، و(الأحدية) نفي الكثرة في ذات الله، فالله (واحد): لا شريك له، (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، (الأحدية) تعني، أنه أحد في جناب ذاته، فلا ينقسم ولا يتبعض، فلا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، {قل هو الله أحد}: ( الاحدية ): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا، وكل من كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل من كان استواؤه على العرش استواء الاجسام التي تملأ الأماكن وتأخذ حيزا من المكان فلا يكون أحدا ابدا، لان الجالس على العرش حقيقة يمينه يمين العرش ويساره يسار العرش، اختصت أجزاء منه باليمين واختصت أجزاء منه باليسار فكيف يكون أحدا، وأهم خصائص الاحدية أنها لا تقبل الأجزاء والابعاض، وكل من كانت له شكل وصورة، فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، لان الصورة مركبة من أجزاء كما قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء، ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، ( الأحدية ) توحيد جناب الذات تعالى وتقدس، لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة في جناب الذات، ولهذا قال تعالى {ليس كمثله شيء}، وقال تعالى{ ولا يحيطون به علما}.
و (الأصل الثاني): (الله الصمد) وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة، ومعناها الغنى المطلق والكمال المطلق، له كمال الحياة والقيومية، وله تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، { اللَّهُ الصَّمَدُ }: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، ( الصمدية المطلقة ): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء، جل المصور أن يكون مضورا.
و(الأصل الثالث) {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث فلا يكون منه شيء سبحانه {لم يلد}، ولا يكون هو من شيء، {وَلَمْ يُولَدْ} ولا يصح أن يكون له ابن أو أب لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وصف لله تعالى بالقدم الذاتي الأزلي {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث.
و(الأصل الرابع): {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق لأن له الكمال المطلق والغنى المطلق، ولها العجز والحاجة والفقر إليه، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس كمثله شيء، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن.
فأين هذا التوحيد والتقديس والتنزيه من عقيدة الشاب الامرد، ابن تيمية بسبب جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة، وبسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء، ونسبهم إلى السلف والسلف منهم براء، لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب الحشوية والمجسمة وافنى عمره في ترميم بنائه، والطامة انه نسبه إلى السلف، وهذا ما لم يجرؤ عليه احد من أهل البدع، فكلهم يزعم ان تلك البدع من أفكاره إلا ابن تيمية اذا اشتهى شيئا نسبه إلى السلف، والله حسيبه على ذلك، هل كان عن عمد ام خطيئة وكما قيل ان كنت لا تعلم فتلك مصيبة وإن كنت تعلم فالمصيبة اعظم، فهذا دين الله ولا يجوز الكلام على الله بغير علم، ابن تيمية كان جريئا على العلم وعلى اهله، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، هجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، أصرّ على إبقاء متشابهات الكتاب والسنة على حالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ((ابن تيمية)) فإنه في كتابه (شرح حديث النزول) سود الصفحات تلو الصفحات بالنزول الحسي وأنّه على حقيقته نزولا من العرش إلى السماء الدّنيا، وكأنّه يتكلم على ملك محدود له جسم ينزل ويصعد، ولنا ان نتساءل: ما الفائدة من اثبات النزول على حقيقته، وحقيقته الهبوط من علو إلى سفل، ثم يلزم منه الصعود من سفل إلى علو، فبالله هل تلك عقائد أهل السنّة المنزهين لله تعالى عن الشبيه والمثيل، أم عقائد المشبهين الذين يشبهون الله تعالى بخلقه في حركاتهم وسكناتهم ونزولهم وصعودهم، والخالق لا يُشبه المخلوق في شيء، فالمخلوق محدود بالمكان يتحرك فيه ويصعد وينزل فيه، والله تعالى أن يحده حد او يوفيه مقدار مهما كبر، فالله اكبر وأعظم واجل أن تحده الحدود، قال الطحاوي في عقيدة المسلمين: (تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، تنزه عن كل ما يخطر بأذهان البشر،
عقيدة ابن تيمية التي ينسبها للسلف: هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من جهة تحت، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما أصر على جعل صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق من المحكمات بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، واستفاض في شرح حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أن هذا هو مذهب السلف، وانه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا كمسلمين شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد. وكان صاحبي يستمع في دهشة لما أقول وكانني أُبالغ، فقلت له ؟ من احرص الخلق على أمة النبي j، فقال ومن غيره jوقد وصفه الله تعالى بقوله { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 128]، فقلت له: النبي jهو من حذر منهم وابى أن يبارك لهم، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم عن نافع عن بن عمر أن رسول الله j قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا، قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) وروى البخاري والترمذي وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر النبي jفقال: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال الثالثة: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان)
نعود إلى موضوعنا: [لولا الأشاعرة لعبد الوهابية الشاب الامرد]، للأشاعرة مسالك عديدة منعت الوهابية من الوصول إلى عقيدة الشاب الامرد.
(المسلك الأول): الاشاعرة لا يفتئون يشنعون على المجسمة عموما والوهابية خصوصا ويرمونهم بالتجسيم والوهابية ينفون التهمة وهذا أول حاجز يمنع من البوح بعقيدة الشاب الامرد، فنجد أن الكثير من مؤلفات الاشاعرة تحارب التجسيم والمجسمة، ويشنعون على اهل التجسيم وينقلون كلامهم في التجسيم ويردون عليهم ويصفون بدعة التجسيم انها من أردا البدع بعد التكفير، ومن درر الاشاعرة في هذا المجال: جهود الإمام الرازي في إرساء علم التنزيه ومحاربة الحشو والتجسيم وذلك في كتابه (أساس التقديس) وهو بحق فخر علوم التقديس والتنزيه، وهو كتاب من أعظم المؤلفات في علم التقديس، وقد حوى أقساما كلها في تهذيب بدعة الحشو والتجسيم، فالقسم الأول في الدلائل الدالة على أنه تعالى منـزه عن الجسمية والحيز، والقسم الثاني من الكتاب في تأويل المتشابهات من الأخبار والآيات، والقسم الثالث من هذا الكتاب في تقرير مذهب السلف، والقسم الرابع من هذا الكتاب: في بقية الكلام في هذا الباب، وفيه فصـول: (الفصل الأول): في حكم ذكـر هـذه المتشابهات، و(الفصل الثاني): في أن المجسم هل يوصف بأنه مشبه أم لا؟ و (الفصل الثالث): في أن من يثبت كونه تعالى جسماً متحيزاً مختصاً بجهة معينة، هل يحكم بكفره أم لا؟
وجهود الإمام وقاضي القضاة الإمام بدر الدين بن جماعة في كتابه (كتاب إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل)، تحقيق: الشيخ العلامة وهبي سليمان غاوجي الألباني، وهو من أجمل الكتب في محاربة الحشو والتجسيم.
وجهود الإمام تقي الدين علي ابن عبد الكافي السبكي الكبير في إرساء علم التنزيه ومحاربة الحشو والتجسيم وذلك في كتابه (السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل)، ومعه تكملة السيف الصقيل للشيخ العلامة محمد زاهد الكوثري، وهو من أجمل الكتب في محاربة الحشو والتجسيم.
وجهود الإمام تقي الدين أبي بكر الحصني الشافعي في إرساء علم التنزيه ومحاربة الحشو والتجسيم وذلك في كتابه (دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الامام احمد) تحفيق الشيخ عبد الواحد مصطفى.
ولا ننسى جهود الإمام أبي الفرج ابن الجوزي القرشي البكري في كتابه (دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه) تحقيق الشيخ العلامة القرشي العلوي الحسيني الحسن السقاف، وهو من أجمل الكتب في محاربة الحشو والتجسيم، وهذا الإمام ابن الجوزي، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله، يُخاطب ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى وهم من كُبراء الحنابلة، ثلاثي الإفك والكذب على الامام احمد، الذين أدخلوا الحشو على مذهب الإمام أحمد وهو منه بريء، جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، لهم طامات في الحشو أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، وهؤلاء أثبتوا لله صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وهؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وقد رد عليهم الإمام ابن الجوزي وقال في مقدمة كتابه: ( هؤلاء صنفوا كتباً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهواتٍ وأضراساً .. ويدين وأصابعَ وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا: يجوز أن يُمس وَيمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم: يتنفس، ويقولون: نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: ” كيف أقول ما لم يقل”، فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، ولا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح ما ليس منه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم ..) ([1]) .فلولا تلك المؤلفات ومئات من المتون والكتب والشروح غيرها وكلها تشنيع على جرم المجسمة عموما يرمونهم بالتجسيم وينقلون كلامهم في التجسيم ويردون عليهم ويصفون بدعة التجسيم انها من أردا البدع بعد التكفير، لولا ذلك لتبجح الوهابية في نشر عقيدة الشاب الامرد الذي يقول ابن عثيمين في عينيه، وهو لسان الوهابية المميز يقول: نصا: نؤمن بالعين أثبت الله له عينا أخبرنا بأن له عينا ولكن ما وصفها ما قال واسعة ولا ضيقة ما قال سوداء ولا بنية ولا خضراء ولا زرقاء فيجب علينا الكف، ويفهم من كلامه أنها جارحة حقيقية ولكن لا نعلم حجمها ( واسعة أو ضيقة) الكل محتمل، ولا نعلم لونها فهو يثبت لله الألوان ( سوداء او بنية أو خضراء او زرقاء ) الكل محتمل، ما شاء الله ويقولون ما نحن بمجسمة، والله لقد جاوزتم الكرامية في التجسيم، ألف سنة ضوئية لمن يعرف سوء الكرامية ولمن يعرف السنوات الضوئية.(المسلك الثاني) للسادة الأشاعرة في منع الوهابية من الوصول لعقيدة الشاب الامرد: الاشاعرة لا يفتئون يذكرون الامة بمعاني الاحدية والصمدية ونفي المثلية وانها ثلث القرآن وانها تفيد التقديس عن الجسمية والاجزاء والابعاض والجوارح وهذا تفعيل للمناعة (مناعة الامة) من عبادة الاجسام والصور والاشكال. فمن جهود الاشاعرة في ذلك: أنهم عند تدبر سورة الإخلاص، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص]، استنبطوا من (الأحد) معاني الاحدية المطلقة، فالله تعالى [ واحد ] لا شريك ولا ند ولا كفء ولا مثيل له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، والله تعالى [ أحد ] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح، ، إذ هو واحد لا شريك له، أحد لا مثيل له، لم يُخالف في ذلك من المسلمين من الفرق الثلاث وسبعين فرقة سوى المجسمة، فقالوا بالأجزاء والأبعاض والجوارح، تنزه الله تعالى عن قولهم علوا كبيرا، [كما سبق في الدرس الثامن عشر] وخلاصة القول أن سورة الإخلاص يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي jجعلها ثلث القرآن وهي تقديس لله تعالى عن الجسمية ولوازمها من الاجزاء والابعاض والجوارح والصور والاشكال، ولذلك فإن سورة الإخلاص تقف سدا منيعا وعقبة كؤود امام عقيدة الشاب الامرد، فإنما ان يكفر الوهابية بتلك العقيدة ويؤمنوا بسورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن وإما أن يؤمنوا بعقيدة الشاب الامرد المحتمل على لازم قول ابن عثيمين ان يكون بعيون زرقاء وبالتالي يكفروا بسورة التوحيد سورة الإخلاص ويكفروا بمعاني الاحدية والصمدية ويخرجوا من دين الإسلام، فلا يستقيم أبدا ان تجتمع سورة الإخلاص مع عبادة الشاب الامرد الذي ينتعل النعل ويقف الفراش على وجهه، وأبو يعلى الفراء المنحرف هو غير ابي يعلى المحدث المحترم، وأبو يعلى يؤمن بصفة النعل وصفة الفراش ولعل سورة الإخلاص لم تبلغه حينها.
(المسلك الثالث): الاشاعرة لا يفتئون يُفّعلون معاني البلاغة والمجاز وفق السياق والسباق واللحاق فيمنعون من التشبيه والتجسيم ويقللون من ضغط المتشابهات التي تتبعها يورث الزيغ والضلال، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، فكأن الحال: كلما بنى الوهابية لبنة في عقيدة الشاب الامرد ازالها الاشاعرة بفضل الله، إذا قال ابن عثيمين: في شرح قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}: قال ابن عثيمين نصا: نؤمن بالعين أثبت الله له عينا أخبرنا بأن له عينا ولكن ما وصفها ما قال واسعة ولا ضيقة ما قال سوداء ولا بنية ولا خضراء ولا زرقاء فيجب علينا الكف، ويفهم من كلامه أنها جارحة حقيقية ولكن لا نعلم حجمها ( واسعة أو ضيقة) الكل محتمل، ولا نعلم لونها فهو يثبت لله الألوان ( سوداء او بنية أو خضراء او زرقاء ) الكل محتمل، هنا تقف لهم الاشاعرة بالمرصاد وتقول: هذا الكلام لا يصدر إلا من مجسم صرف فاق الكرامية في التجسيم ولم يهضم علم التقديس ولم يفهم سورة الإخلاص ولم يسمع عن معاني الاحدية والصمدية والقدم الازلي ونفي المثلية، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى المجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، فقوله تعالى: { فإنك بأعيننا } أي بمرأى منا وفي حفظنا ورعايتنا وكذلك قوله: { تجري بأعيننا }، أي في حفظنا ورعايتنا، والاشاعرة: ينقلون اجماع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال، وهكذا فإنّ الاشاعرة لا يفتئون يفعلون معاني البلاغة والمجاز وفق السياق والسباق واللحاق فيمنعون من التشبيه والتجسيم ويقللون من ضغط المتشابهات التي تتبعها يورث الزيغ والضلال، سلفهم في ذلك الصحابي الجليل حبر الامة عبد الله بن عباس الذي قامت مدرسته العلمية على تاويل المتشابهات بردها إلى المحكمات، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([2])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([3])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([4])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([5]) . فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).فكأن الحال: كلما بنى الوهابية لبنة في عقيدة الشاب الامرد ازالها الاشاعرة بفضل الله ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله فيجب على كل وهابي ان يدعو في سجوده لكل الاشاعرة لانهم انقذوه مما وقع فيه اسلافهم الانجاس من عبادة الشاب الامرد الذي ينتعل النعل ويمشي وعند رأسه فراش من ذهب.
(المسلك الرابع) الاشاعرة لا يفتئون يجمعون الأدلة القرآنية والحديثية والعقلية والنقلية التي تمنع من التجسيم والتي تدل على أن الجسمية لا تجوز في حق الله وان القائل بها مخالف للكتاب والسنة معتقد لأردأ واسوأ بدعة في تاريخ الفرق الإسلامية ألا وهي بدعة تجسم الباري تعالى وتقدس.
[قالت الأشاعرة]: مئات الأدلة من القرآن على نفي التجسيم: (منها على سبيل المثال): عند تدبر قوله سبحانه: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، قالوا: إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، وقالوا: هذه الآية أقوى سوط على ظهور الحشوية، لأنها تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، وقالوا: – ولا ينبئك مثل خبير -: أنّ من صفات الكمال الواجبة لله تعالى: (صفة المخالفة للحوادث): فليس جناب ذاته من جنس أي شيء نراه في الكون، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالحدود والمقادير ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، ((الله له الإطلاق)) فلا تتحكم فيه المنظومات، منظومات الزمان ولا منظومات المكان، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، والملاحظ أنّ كل المخلوقات متماثلة في صفة الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، و قالوا: (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، ومن خصائص الأجسام كذلك انها تخضع لجريان الزمان، فيجري عليها الزمان بماضيه وحاضره ومستقبله لا انفكاك لها عن قهر الزمان، ومن خصائص الأجسام كذلك أنّ لها صورا وأشكالا خصها بها خالقها عز وجل، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها تقبل الانقسام، وانها تتكون من الجوارح والأجزاء والأعضاء، وتقبل التحيّز والاختصاص بالجهات، ويقهرها التغير والحدوث، و قالوا: (الجسمية) تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر في اثبات وجوده، والمحتاج فقير لا يكون إلها البتة، والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة قليلة هم أهل التجسيم، الجاهلون بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها.
(وقالت الاشاعرة): ذات الله تعالى (أحدية) لا يسري عليه أي قانون من تلك القوانين التي تقهر عباده لأنه القاهر فوق عباده فلا يحتاج في وجوده إلى مكان ولا يجري عليه في وجوده زمان لأنهما من مخلوقاته كما انه لا تسري عليه قوانين المادة والأجسام، لأنّ المواد والاجسام مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وتغير وحدوث وظهور وأفول وحركة وسكون وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه، وأنّ الذي خلق المواد والأجسام هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا يحده حد ولا يقدره مقدار، ولا يقهره مكان فيحيط به، ولا يقهره زمان فيجري عليه، ولا يعتريه أفول، ولا تغير وحدوث، ولا يخضع لقوانين الحركة والسكون، ولا تسري عليه مفاهيم الألوان والأشكال، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والإكرام.
وبهذا التقديس والتنزيه والتخصص استطاعت الاشاعرة حجز الوهابية عن اعتقاد الشاب الامرد، كما يحجر احدنا الفراش عن أن يقذف بنفسه إلى النار، والمجسمة كالعادة ومعهم التيمية والوهابية يجمعون المتشابهات التي فيها هلاكهم، كالفراش يلقي نفسه في النار وهو يظنه النور، واهل التخصص الاشاعرة يحاولون خلاصهم من تلك البدع والضلالات، عن طريق اعتماد مسالك عديدة منها: التشنيع على بدعة التجسيم وعقائد المجسمة، ومنها: تذكير الامة بمعاني الاحدية والصمدية ونفي المثلية وانها تفيد التقديس عن الجسمية والاجزاء والابعاض والجوارح والصور والاشكال، ومنها تفعيل معاني البلاغة والمجاز وفق السياق والسباق واللحاق فيمنعون من التشبيه والتجسيم ويقللون من ضغط المتشابهات التي تتبعها يورث الزيغ والضلال، ومنها: جمع الأدلة القرآنية والحديثية والعقلية والنقلية التي تمنع من التجسيم والتي تدل على أن الجسمية لا تجوز في حق الله وان القائل بها مخالف للكتاب والسنة معتقد لأردأ واسوأ بدعة في تاريخ الفرق الإسلامية ألا وهي بدعة تجسم الباري تعالى وتقدس، وهكذا يمكنني بكل قناعة أن أقول: أنه بعد فضل الله تعالى ورسوله أولا ثم بفضل جهود الاشاعرة في مكافحة بدعة التجسيم ثانيا لعبدت الوهابية الشاب الامرد الذي ينتعل النعل ويمشي مهرولا لإثبات صفة الهرولة، فإنا لله وإنا إليه راجعون سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.