في هذا الدرس اتناول إن شاء الله تتمة بيان لبعض شذوذات ابن تيمية في باب الفقه، أقول وبالله التوفيق: ابن تيمية كما ذكرنا كان جريئا على العلم وجريئا على مخالفة العلماء المتخصصين، لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله في مسائله، وكانت تنقصه ولا شك دقة المتخصصين في العلم في أكثر الأحيان، وفي الفقه كانت شذوذاته بمثابة الفضائح الفقهية والعلمية.
[1] ابن تيمية لم يفهم معنى حديث: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ([1]) . فأقام الدنيا وأقعدها على هؤلاء الذين يدفنون الصالحين في بيوت الله زاعما ان ذلك ذريعة إلى الشرك وعبادة غير الله وانها بذلك تحولها اوثانا تُعبد من دون الله، ولم يفهم علة النهي التي فهمها الصحابة والتابعون فلم يجدوا حرجا من دفن النبي jوالصاحبين له أبي بكر وعمر بجواره في اطهر مساجد الله، وإسماعيل عليه السلام مدفون في حجر إسماعيل والقرآن أشار الى الجواز بقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21]، قال الفقهاء فقد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبورهم، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا كما يظن البعض لما سكت عنه القرآن، ولو كان كبيرة لنوه إلى ذلك القرآن الكريم لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار فقط عن حالهم، (((والعلة التي ذهل عنها ابن تيمية)) هي اتخاذ قبورهم مساجد أي يسجدوا إليها ويجعلونها قبلة للصلاة، فكلمة مساجد هنا ليس معناها المساجد التي تبنى وإنما مواضع السجود.
كما لم يفهم لم يفهم حديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) ([2]) . فبنى على ذلك الفهم المغلوط حرمة شد الرحال لزيارة قبر النبي j، فأفتى بحرمة شد الرحال إلى زيارته j، مع أنه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول j، وزيارة المقابر كلها مسنونة، فكيف بالنبي j، أمّا حديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) فالمعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضل الصلاة فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم، لا شيء فيها، كما سبق ذكره في الدرس السابق.
[2] ابن تيمية كعادته يتسرع في اخذ الاحكام، فهو يرى ان الاستغاثة لا تكون إلا بالله وان صرفها لغير الله شرك، وهذا من التعجل في فهم الآيات، فإنّ قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، أي لا نطلب العون إلا منك يا ألله، وكل مسلم وكل موحد يعتقد أنّ النفع والضر بيد الله، لا يملك النفع والضر أحد سواه، فطلب الاستعانة من غير الله على هذا السبيل شرك، ولكن ماذا نفعل في فهم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة”: 153]، وقوله تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15]، إذن الله تعالى جعل لنا أسبابا نطلبها ولكن في اطار التوكل على الله مسبب الأسباب، ولذلك جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة”: 153]، وقال تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15]، وقال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ{[الأنفال:72]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء:64]، وثبت بالتواتر أن الصحابة كانوا يسألون النبي jالدعاء في الأمور الدنيوية والأخروية، إذن المشكلة لا تكمن في الاستغاثة وإنما في الاعتقاد الباعث لتلك الاستغاثة، فكل عبادة لها أصل وصور، الأصل هو اعتقاد الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية فيمن تصرف إليه تلك العبادة، والصور هي أشكال تلك العبادات، فإن سجود الملائكة لله تعالى يختلف عن سجود الملائكة لآدم عليه السلام السجود واحد ولكن الاعتقاد الدافع للسجود مختلف، وهذا هو الفقه في دين الله، فالاول سجود الملائكة لله على سبيل العبودية لله واعتقاد الهيته وربوبيته واستحقاقه للعبادة، والثاني سجودهم لآدم على سبيل الطاعة لله والتكريم لآدم عليه السلام، وهكذا الاستعانة والاستغاثة والدعاء، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، وكما علمنا القرآن الكريم توحيد الاستعانة بالله تعالى، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [البقرة: 153]، وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية (لأنهما متلازمان) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله، وإن خلت من النية والاعتقاد، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب. و((الاستغاثة)) بهذا المعنى جائزة بالرسول j: روى البخاري في صحيحه: » أن رسول الله jقال: »إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسي، ثم بمحمد، فيشفع ليقضى بين الخلق …، ) ([3]) .وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك: ((أن رجلا دخل يوم الجمعة ورسول الله jيخطب فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فأدع الله يغيثنا، فرفع رسول الله jيديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم أسقنا، اللهم اسقنا)) ([4]) . وروى الترمذي عن عثمان بن حنيف: (أن ضريرا أتى النبي jفقال: أدع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء »اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في ((فرجع وقد كشف الله عن بصره)) ([5]) .
(فائدة): كل ضوابط ابن تيمية في هذه المسائل مبنية على مفاهيم مغلوطة وتسرع في فهم الآيات، وإذا تبين فساد هذه الضوابط، تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة العبادة وغيرها هو (الاعتقاد)، فإذا كان العمل أو القول لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف لله، وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي وكل المسلمين على عقيدة لا إله إلا الله، وعلى ذلك فإنه لا يدخل في الشرك أبداَ كل ما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما، لأنها تفتقد إلى اعتقاد الربوبية والإلهية لمن تصرف إليه هذه الأعمال، وعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة، و(الخلاصة): أنّ غلط ابن تيمية ومن بعده الوهابيين في مفهوم العبادة كان هو السبب في تكفيرهم لعوام المسلمين بالدعاء والاستغاثة.
[3]: مسألة المصافحة بعد الصلاة: المصافحة بعد الصلاة أمر مشروع يزيد المحبة بين المسلمين ويوثق أواصر الأخوة فيما بينهم والأدلة على ذلك ما يلي: (1) عن سيدنا يزيد بن الأسود رضي الله عنه: أنه صلى الصبح مع النبي jوقال: ثم ثار الناس يأخذون بيده يمسحون بها وجوههم فأخذت بيده فمسحت بها وجهي فوجدتها (أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك)، ([6]) . وفي رواية عن سيدنا أبي جحيفة رضي الله عنه قال: ثم صلى الرسول jالظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة تمر من ورائها المرأة وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم قال فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي (أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك) ([7]) .
(2) وقال البراء بن عازب رضي الله عنه: من تمام التحية أن تصافح أخاك ([8]) .(3) وعن قلدة بن دعامة الدوسي رضي الله عنه قال قلت لأنس: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم)، ([9]) .(4) عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما جاء أهل اليمن قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة) ([10]) . وقال الحافظ سنده صحيح]، (5) وعن سيدنا البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) ([11]) .فالأحاديث الثلاثة الأخيرة عامة في مشروعية المصافحة وهي تشمل المصافحة بعد الصلاة وفي الأوقات كلها، والحديثان الأولان يخصصان ويبينان جواز السلام والمصافحة بعد الصلاة خصوصا.
[أقوال العلماء في الصافحة بعد الصلاة]: (1) قال الإمام الطحاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: (تطلب المصافحة فهي سنة عقب الصلاة كلها وعند كل لقي)، ([12]) . (2) وقال الشيخ عبدالغني النابلسي عن المصافحة بعد الصلاة: (إنها داخلة تحت عموم سنة المصافحة مطلقا) ([13]) . (3) وقال الشيخ الإمام أبو محمد عز الدين بن عبدالسلام رحمه الله: (أنها من البدع المباحة)، ([14]) . (4) وقال الإمام النووي في الأذكار: (أنها بدعة مباحة)،؟، ([15]) . على أن المصافحة بعد الصلاة ودعاء المسلم لأخيه المسلم بأن يتقبل الله منه صلاته بقوله (تقبل الله) لا يخفى ما فيهما من خير كبير وزيادة تعارف وتآلف وسبب لربط القلوب وإظهار للوحدة والترابط بين المسلمين.
[4]: الصلاة على النبي jعقب الأذان: إن الصلاة على النبي jعقب الأذان سنة بلا خلاف عند جميع المسلمين لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي) ([16]) .وتصح بأي صيغة كانت وينبغي السلام مع الصلاة لقوله تعالى {صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: (56)]، قال ابن عابدين في حاشيته نقلا عن كتاب القول البديع في الصلاة على النبي الشفيع للإمام الحافظ السخاوي بعد أن ذكر ما يفعله المؤذنون عقب الأذان من الصلاة على النبي jبعد ذكر اختلاف العلماء فيه وقال الصواب أنه بدعة حسنة، وقد وافقه على ذلك من الحفاظ الإمام الحافظ السيوطي والحافظ ابن حجر الهيثمي عن شيخه زكريا الأنصاري ولم نعلم أن أحدا من العلماء المعتبرين أنكر عليهم ذلك وقد ذكر صاحب التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول في تعليقه على ما يستحب لسامع الأذان فقال: الصلاة بعد الأذان سنة للسامع والمؤذن ولو برفع الصوت وعليه الشافعية والحنابلة وهي بدعة حسنة كما ذكر ذلك ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار [([17]) . كتاب الإصابة في نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة ، الموسوعة اليوسفية ، وقال تحت عنوان: – الصلاة على النبي jبعد الصلاة -: (قد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [سورة الأحزاب الآية (56)] وأحاديث الحث على الصلاة على النبي jكثيرة تبين فضل الصلاة عليه وما يجنيه العبد جراءها من أنه يصلي الله عليه بها عشرا ويرفع بها عشر درجات ويعطيه بها عشر حسنات ويمحو عنه بها عشر سيئات وما إلى ذلك، وقد جاءت مطلقة دون تقيدها بوقت دون وقت فهي عامة تشمل جميع الأوقات ومعلوم ان العام يعمل به في جميع جزئياته، على أنه قد ورد الحث عليها في أوقات معينة منها عند الأذان وعند الدعاء وعند دخول المسجد وعند الخروج منه ولكن ذلك ليس بعبرة فإن تخصيص بعض أفراد العام بالذكر لا يخصص العام) أهـ ([18]) .
[5]: مسألة رفع اليدين في الدعاء عامة وبعد الصلاة خاصة:
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال رسول الله j: (إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردها صفرا)([19]). وأخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن عمير مولى أبي اللحم انه رأى رسول الله jعند أحجار الزيت قريبا من الزوراء يدعو رافعا كفيه قبل وجهه) ([20]) وما رواه الطبراني عن محمد بن أبي يحيى قال: رأيت عبد الله بن الزبير، ورأى رجلا رافعا يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال له: أن رسول الله jلم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته، قال الحافظ الهيثمي: رجاله ثقات. ([21]) . وروى أيضا عن أبي بكرة: أن رسول الله jقال:” سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها” ([22]) . قال الحافظ الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عمار بن خالد الواسطي، وهو ثقة، وروى الطبراني أيضا عن خالد بن الوليد: أنه شكا إلى رسول الله jضيق مسكنه، فقال: ” ارفع يديك إلى السماء وسل السعة” إسناده حسن، وروى الطبراني أيضًا عن خلاد بن السائب عن أبيه: أن رسول الله jكان إذا دعا رفع راحتيه إلى وجهه، ([23]) . وروى أبو يعلى والطبراني عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله j:إن الله تعالى حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع يديه فيردهما صفرا ليس فيهما شيء” ([24]). فهذه الأحاديث تشمل بعمومها رفع اليدين بعد الصلاة جزما، ولا عبرة بخلاف المتنطعين المتزمتين، وليس كل خلاف جاء معتبرا… إلا خلافًا له حفظ من النظرِ، وللحافظ السيوطي جزء سماه [فض الوعاء عن أحاديث رفع اليدين في الدعاء] ذكر فيه مائة حديث، وهذا عدد التواتر على جميع الأقوال المذكورة في كتب الأصول والمصطلح، ومما ذكره فيه: ما رواه ابن أبي شيبة عن الأسود العامري عن أبيه، قال: صليت مع النبي j، فلما سلم، انحرف ورفع يديه ودعا، والأسود هو عبد الله ابن الحاجب، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي محله الصدق ([25]) . وأبوه صحابي.
سنية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة لمن شاء: سئل السيد العلامة محمد بن عبد الله الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل الزبيدي اليماني رحمه الله تعالى: هل يسن رفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة؟ وهل ورد من الأحاديث في ذلك ما تقوم به الحجة خصوصا أو عموما؟ بينوا لنا ذلك بيانًا شافيًا جزاكم الله الجنة وأعظم لكم المنة آمين، فأجاب بقوله: اعلم وفقني الله وإياك بأن رفع اليدين في الدعاء -أي دعاء وفي أي وقت كان- بعد الصلوات الخمس أو غيرها دلت عليه الأحاديث خصوصًا وعمومًا، فمن العموم ما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين من حديث سلمان قال: قال رسول الله j: ” إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفر خائبتين”، ([26]) .
وأخرج الحاكم وقال: صحيح الاسناد من حديث أنس قال: قال رسول الله j: ” إن الله رحيم كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم لا يضع فيهما خيرًا”، ([27]) . وأخرج البيهقي وأبو داود من حديث مالك بن يسار قال: قال رسول الله j: ” إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها”، ([28]) . وأخرج أيضا من حديث ابن عباس نحوه، وزاد فيه: ” فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم“، ([29]) . وأخرج الترمذي من حديث عمر بن الخطاب قال: ” كان رسول الله jإذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه“، وقال في فتح الباري في كتاب الدعوات في باب رفع اليدين في الدعاء: وقد وردت الأخبار في مشروعية الرفع([30]) . وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه وغيرهما من حديث سلمان رفعه: ” إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا”، ([31]) . بكسر المهملة وسكون الفاء أي خالية، وسنده جيد انتهى، ومن الخصوص ما رواه الحافظ أبو بكر أحمد بن اسحاق المعروف بابن السني في كتابه عمل اليوم والليلة، حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا اسحاق يعقوب بن خالد بن يزيد البالسي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي عن خصيف، عن أنس رضي الله عنه أن النبي jقال: ما من عبد سبسط كفيه في دبر كل صلاة يقول اللهم إلهي وإله ابراهيم واسحاق ويعقوب وإله جبريل وميكائيل وإسرافيل أسألك أن تستجيب دعوتي فإني مضطر، وتعصمني في ديني فاني مبتلى، وتنالني برحمتك فإني مذنب، وتنفي عني الفقر فإني متمسكن، إلا كان حقًا على الله أن لا يرد يديه خائبتين”، وفي إسناده عبد العزيز بن عبد الرحمن، فيه مقال، وصريح في ميزان الاعتدال وغيره بأنه حديث ضعيف لكنه يعمل به في الفضائل كما سيأتي تحقيق ذلك، وقد صرح الكمال بن الهمام في فتح القدير في كتاب الجنائز بأن الاستحباب يثبت بالحديث الضعيف غير الموضوع انتهى. ويقويه ما أخرجه الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن الأسود العامري عن أبيه، قال: ” صليت مع رسول الله jالفجر فلما سلم انحرف ورفع يديه ودعا،،” ([32]) . الحديث ولا يخفى أن أئمة الحديث ذكروا أن رواية الضعيف توجب الارتفاع من درجة السقوط إلى درجة الاعتبار، وقال الحافظ السيوطي في رسالته المسماة فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء، أخرج ابن أبي شيبة قال، حدثنا محمد بن أبي يحيى الأسلمي قال: ” رأيت عبد الله بن الزبير ورأى رجلاً رافعًا يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال له: إن رسول الله jلم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته” رجاله ثقات انتهى “ ([33]) .
هذا الحديث ترجم له الطبراني بقوله: محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن عبد الله بن الزبير”، وقال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح: إن الترمذي حسن أحاديث فيها ضعفاء، وفيها من رواية المدلسين ومن كثر غلطه وغير ذلك فكيف يعمل بتحسينه وهو بهذه الصفة، وقد قال الخطيب أجمع أهل العلم على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به، وقد صرح أبو الحسن بن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب في بيان الوهم والإيهام بأن هذا القسم لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرءان، وهذا حسن قوي ما أظن منصفا يأباه انتهى، ([34]) . وقال الإمام النووي في الأربعين: اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ([35]) . قال العلامة ابراهيم الشبرخيتي المالكي في شرحه قوله: وقد اتفق العلماء إلخ في ذكر الاتفاق نظر، لأن ابن العربي قال: إن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقا، قال المؤلف في الأذكار: وذكر الفقهاء والمحدثون أنه يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والمعاملات فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع والأنكحة فإن المستحب أن يتنزه عن ذلك ولكن لا يجب، ومحل كونه لا يعمل بالضعيف في الأحكام ما لم يكن [تلقاه] الناس بالقبول، فإن كان كذلك تعين وصار حجة يعمل به في الأحكام وغيرها.
[6] (ومن الشذوذات التي شذ بها ابن تيمية)) فتاواه في باب الطلاق، ففي (مسألة الطلاق بالثلاث) خالف المذاهب الأربعة (القائلين بوقوع الثلاث واحدةً في مجلس واحد)، ورأى أن الطلاق بلفظ الثلاث (مثل: “أنتِ طالق ثلاثاً”) لا يقع إلا طلقة واحدة رجعية، الإنسان ملزم بقوله {كل نفس بما كسبت رهينة}، انسان قال لزوجته (أنت طالق ثلاثا) ملزم بقوله، يقع طلاقه ثلاثا كما قال، نأتي لنقول له لا انت مخطئ لا يقع إلا واحدة، على أي أساس هذا التلاعب، المذاهب الفقهية الأربعة تلزم الرجل بما قال ويقع الطلاق ثلاثا، وقد جاء ان رجلا قال لزوجته انت طالق مائة مرة وسئل عنها حبر الامة ابن عباس فقال تطلق ثلاثا وبقية المائة استهزاء بشرع الله، قال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا}، والآيات نزلت في الطلاق، أيضا (مسالة طلاق الحائض والنفساء) خالف المذاهب الأربعة في إيقاعه، ورأى أن الطلاق في فترة الحيض أو النفاس لا يقع، وهذه جرأة على شرع الله، الفقهاء يقولون طلاقا بدعيا لانه خالف سنة النبي jولكنه يقع، أيضا: (مسالة يمين الطلاق) قال بأنه لا يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه فيها كفارة يمين وهذا مالم يقل به أحد من المسلمين قبله، أيضا: (مسألة: وأن الحائض تطوف في البيت من غير كفارة وهو مُباح لها) وهذه من مخالفاته للمذاهب الأربعة،
كل شذوذات ابن تيمية في الفقه كانت عبئا على الفقه الإسلامي، وقد دفنت شذوذات ابن تيمية معه حتى جاءت الزلازل والفتن من نجد الشيطان.
أسأل الله عز وجل ان يبصرنا بديننا وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله.
([1]) صحيح البخاري 2/88 ح 1330. صحيح مسلم 1/376. ح 529.
([2]) صحيح البخاري 2/60 ح 1189.
([3]) صحيح البخاري 2/124 ح 1475.
([4]) المصدر السابق 2/28 ح 1013.
([6]) مسند أحمد 29/24 ح 17479.
([7]) صحيح البخاري 4/188 ح 3553.
([9]) صحيح البخاري 8/59 ح 6263.
([10]) الأدب المفرد ص 538، سنن ابي داود 7/503 ح 5263.
([11]) مسند أحمد 30/517 ح 18546.
([12]) حاشية الطحاوي علي مراقي الفلاح ص 530.
([13]) شرح الطريقة المحمدية للشيخ النابلسي (2/150)
([17]) حاشية ابن عابدين 1/390.
([18]) كتاب الإصابة في نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة ص (1615) الموسوعة اليوسفية ص: 664.
([19]) سنن أبي داود 2/160 ح 1489، سنن الترمذي 5/556 ح 3556.
([20]) مسند أحمد 36/ 275 ح 21944، سنن أبي داود 2/369 ح 1167، صحيح ابن حبان 7/453 ح 6781.
([21]) المعجم الكبير الطبراني 13/129 ح 324. مجمع الزوائد10 / 169.
([22]) السنن الكبري 4/158 ح 1395.
([23]) المعجم الكبير 7/141 ح6625.
([24]) مسند البزار 6/478 ، مسند أبي يعلي 3/348 ح 1866، المعجم الكبير للطبراني 12/423 ح 13557.
([28]) سنن ابي داود 2/608 ح 1486. السنن الكبري 4/185 ح 3195.
([29]) سنن ابي داود 2/607 ح1485.
([32]) مصنف ابن أبي شيبة 1/269 ح 3093.
([33]) فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء ص 86.