في هذا الدرس اتناول إن شاء الله الخلل الحاصل بسبب محاربة التصوف السني الرشيد القائم على التزكية والإحسان، أقول وبالله التوفيق: معروف عن الوهابية الهوس التكفيري والهوس التشريكي والهوس التبديعي، فكم كفروا اهل التصوف بسبب مفاهيم مغلوطة لدى الوهابية في العبادة ومفردات العبادة وكم كفروهم بأنهم عبدوا القبور من دون الله، وكم كفروهم بمفاهيم مغلوطة عند الوهابية عن الاتصال والانفصال والاتحاد والحلول ووحدة الوجود والحقيقة المحمدية، وكم اتهموا اهل التصوف بالشرك في مسائل التوسل وبناء المساجد عند قبور الصالحين، وكم اتهموا الصوفية بالبدعة في مسائل كلها دل عليها الشرع منها الاجتماع للذكر والجهر بالذكر والذكر المفرد والاحتفال بالمولد والجهر بالصلاة على النبي jعقب الآذان وختم الصوات ورفع اليدين عند الدعاء والاوراد اليومية والحياتية، ومناهج التربية والتزكية، وكلها لها ادلتها الشرعية والخلل عند الوهابية وليس الصوفية، وأتناول في هذه الحلقات بيان الجرم الذي ارتكبه الوهابية بمحاربة التصوف مدرسة تخريج الاولياء، وقد قال النبي j(إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه)) ([1]) .
وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث.
[1]:القاعدة النبوية ترشدنا إلى اتباع سواد علماء الامة الاعظم على مر عصور الإسلام، وقد كان المسلمون في أول أمرهم أمة واحدة يجمعها الإسلام، إلى أن ظهرت الآراء المفرقة والأهواء المهلكة، فانتظم السواد الاعظم من الامة على مفهوم (أهل السنة والجماعة) للتعبير عن آراء أهل الحق والنجاة في مقابل الفرق الضالة، ولا يستطيع أحد أن يكابر وينكر أن أهل السنة والجماعة هم سواد المسلمين الاكبر على مر عصور الإسلام، لاسيما وأن كل الفرق عالة عليهم في الكتاب والسنة والإجماع والتخصص العلمي الفريد، هم الذين جمعوا القرآن وكتبوه وحفظوه، ولهم المرجعية في باب القرآن، وهم أهل الحديث وخاصته، ولا يعرف المسلمون كلام النبي jإلا من مراجعهم الحديثية كالصحيحين وكتب السنن والمسانيد والمستدركات وهم أهل الإجماع، المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وهم اهل التخصص العلمي لهم مدارس متخصصة في جميع علوم الدين، لاسيما علوم المقاصد (العقيدة والفقه والتزكية)، لقد اصطلحت هذه الجماعة التي تمثل سواد الأمة الإسلامية الأعظم منذ أوائل ظهورها: على تسمية العلم الذي يشرح أركان الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يشرح أركان الإيمان بالعقيدة، والعلم الذي يشرح مقام الإحسان بعلم التصوف، (التصوف) هو السعي لتحقيق مرتبة الإحسان الظاهر والباطن، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وفي علم التصوف السني الرشيد أكرم الله تعالى الأمة بالأولياء الصديقين الذين قامت علي أكتافهم علوم التصوف ومعارف التصوف، وتنوعت الطرق الصوفية التي يسلكها الربانيون في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإحسان أعلى منازل الدين، وكان لكل منهم طريقة في السلوك لها أورادها واجتهاداتها التي تميزت بها عن غيرها، وأخذت بيد المسلمين إلى رضا رب العالمين، وبهذا التخصص الفريد، صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التصوف، وإذا ذكر التصوف ذكرت التزكية التي هي أعظم مهمات النبي j، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وإذا ذكر التصوف ذكر الاحسان، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)) ([2]) . فالتصوف هو العلم الذي يجمع بين التزكية والإحسان، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ومدارسه العلمية والسلوكية الرصينة.
[2]: هناك فريق في الامة يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره، وقطع الصلة بين الامة وبين أوليائها المرشدين الذين يحفظ الله بهم البلاد والعباد، والذين من عادهم فكأنه عادى الله تعالى في عزته وجبروته، وهذا الفريق علامته الانتساب إلى ابن تيمية وابن عبد الوهاب في الأصول والفروع وكافة جوانب الدين، وهؤلاء الوهابية (للأسف) أعداء لكل تخصص إسلامي، كلما بنى العلماء صرحا علميا في العقيدة او في الفقه او في التصوف عادوه ونبذوه وصاروا قطاع طريق في وجه نشره بين المسلمين، وهم يريدون أن يأخذوا التصوف كله ببعض أدعيائه؟ وهم يبذلون كل الوسائل المتاحة لمحاربته، ويجعلون شغلهم الشاغل إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق بين الادعياء والاولياء ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال، إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء، وصفة مدح، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم والسلوك الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى، هل يعقل اليوم أن ينادي هؤلاء الموتورون إلى ردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا التنطع من تنطع، إننا إذا رجعنا إلى علماء الأمة الأفاضل العلماء الأبرار الأخيار سنجد ان أكثرهم ينتمي إلى التصوف أو يثني عليه خيرا، ولكن التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف، بل ضررهم على أنفسهم، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين، ويصححون مسار التصوف، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف، يثنون على التصوف الصحيح وأهله بالخير، ويهاجمون الأدعياء والدخلاء دون إساءة للتصوف والصوفية، قال الله تبارك تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام:164].
[3]: التصوف أهم وأعظم جوانب الدين، جاء بتزكية الظاهر والباطن، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَعراف: 33]، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والحسد والطمع من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، كما أنّ (التصوف) هو العلم الذي تخصص في تحقيق الإحسان ظاهرا وباطنا، وبيان درجاته ومنازله، وليس معنى قولنا التصوف اعظم جوانب الدين أن تنصرف الأنظار إلى التمايل عند الذكر ولا الرقص عند سماع الأناشيد فالتصوف جد كله وليس بالهزل وعزيمة كله وليس بالرخص، وإنما المقصود هو المنهج القائم على الكتاب والسنّة يطلب التزكية والإحسان، وليس معنى ذلك تبرئة التصوف المطروح اليوم، من كل ما علق به من أخطاء تراكمت على مر عصور الإسلام، فإذا كان الدين كله يحتاج كل قرن من الزمان إلى تجديد لقوله j: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائه سنه من يجدد لها دينها )) ([3]) .
والتجديد معناه الصحيح البعث والإحياء والإعادة لما دُرس من معالم الدين وأعماله وجوانبه إلي قريب من حالته الأولي النقية الصحيحة الصافية زمان النبي صلي الله علية وسلم وأصحابه الكرام رضي الله تعالي عنهم، ولما كان الدين على مر العصور تأتى عليه عوامل الخفاء والضعف وعوامل الإفراط والتفريط وعوامل الغلو والتعصب اقتضت حكمة الله عز وجل ورحمته بهذه الأمة أن يتعهد لدينها على مر الأزمان بمن يجدد أمره ويظهر منهاجه الصحيح، كما جاء في الحديث الذي أخرجه البيهقي عن النبي jقال: ( يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين )) ([4]) . وهكذا التصوف فإنه احد أهم وأعلى وأسمى جوانب الدين التي تحتاج على مر العصور من يصلح أخطائها المتراكمة، فليس الحل اهدار قيمة التصوف الواقف على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، ولكن الحل تصحيح أخطاء الجهلاء من المتصوفة، وذلك لأن التصوف الإسلامي الأصيل بفعل تقادم الزمان ودخول الجهلاء والأدعياء لاشك فإنه يحتاج إلى تصحيح المسار، شأنه في ذلك شأن غيره من علوم الدين، وذلك بتصفية التصوف السني الصحيح الصافي من الأخطاء والرعونات، وينبغي اعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من مخالفات، فإن التصوف الصافي جد وكد وليس بطالة وتكاسل، والتصوف الصافي خلق وزهد وليس تحاسد وجشع، والتصوف الحق علم وعمل، وليس جهل وخرافة، والتصوف الحق صدق وأمانة وليس شعوذة ودجل، والتصوف الحق حقائق وأحوال ومجاهدات، وليس دعاوى عريضة وترهات، ورحم الله تعالى القائل: ” ليس التصوف لبس الصوف ترقعه..ولا بكاءك إن غنى المغنونا.. ولا صياح ولا رقص ولا طرب.. ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا.. بل التصوف أن تصفو بلا كدر..وتتبع الحق والقرآن والدينا… وأن تُرى خائفا لله ذا ندم… على ذنوبك طول الدهر محزونا “، والخلاصة: التصوف الحق: علم راسخ، وعمل جاد دائب، لا غنى للإسلام عنه كجانب يقوم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، والتصوف الحق، أوله علم وأوسطه عمل ومجاهدة وأعلاه عطاء وموهبة، وهو أعلى مراتب الدين، وأهله الكُمل هم الصديقون وهم الأولياء المرشدون أهل الوراثة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
[4] ما هو التصوف الحق، ومن هم اعلامه:
[أ]: مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، وعلوم الدين المستنبطة الأساسية ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و(العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و(التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، نسأل الله من فضله الواسع العظيم.
[ب]: التصوف هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام: كما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعلى مر العصور تتبلور العلوم، وتتخصص المدارس العلمية، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام.
[ت]: التصوف هو المرادف للتزكية في اصطلاح القران الكريم، وهو المرادف للإحسان في اصطلاح الحديث الشريف: التصوف هو المرادف لمصطلح (التزكية) المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول j، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2]، وكذلك فإن (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)([5]) . وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل (التصوف) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية، و (التصوف) علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها.
[ث]: لماذا إذن استعمال مصطلح التصوف وليس التزكية أو الإحسان: إن مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و (التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، وعلى ذلك، فما الداعي إلى تغيير اسم مصطلح لن يغير من المعنى شيئا، ثم من يملك تغيير اسم الفقه أو العقيدة أو التصوف، وقد تعارف عليها منذ مئات السنين، وهي مدارس علمية متخصصة، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية)، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الْأَعلى: 14]، وأيا كانت التسمية، (التزكية أو التصوف) فإن المقصود هو تجديد المضمون وتصحيح المسار لجانب يمثل ثلث الدين الأعلى، ثلث (الإحسان)، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)) ([6]) .
ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) منذ ما يزيد من ألف عام، فلنركز الجهد إن كنا دعاة اصلاح حقا على إصلاح الخلل الموجود عند بعض الجهلاء المنتسبين للتصوف، و((التصوف)) أشهر من أن يحتاج إلى تعريف، فإذا ذكر التصوف فالمقصود به تزكية النفوس وصفاء القلوب، وإصلاح الأخلاق، والوصول إلى مرتبة الإحسان، التي هي مقام كل العارفين الربانيين، الذين تحققوا من معنى حديث رسول الله jفي تفسير الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)،
[ج] [تعريف التصوف]: من اجمل ما قيل في تعريف التصوف، ما قاله أبو الفتح البستي: ” تنازع الناس في الصوفي واختلفوا… وظنه البعض مشتقاً من الصوف… ولست أمنح هذا الاسم غيرَ فتىً… صفا فصوفي حتى سُمي الصوفي “، ومن اجمل ما قيل في التصوف، ما قاله العلامة ابن الحاج (ت 737 هــ) حيث قال: ” ليس التصوف لبس الصوف ترقعه… ولا بكاءك إن غنى المغنونا… ولا صياح ولا رقص ولا طرب… ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا… بل التصوف أن تصفو بلا كدر… وتتبع الحق والقرآن والدينا… وأن تُرى خائفا لله ذا ندم… على ذنوبك طول الدهر محزونا “، وللتصوف اكثر من ألفي تعريف وكل تعريف منها يشيـر إلـى جانب من جوانب التصوف، قال الشيخ العلامة أحمد زروق في كتابه قواعد التصوف: (وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى)، ([7]) .منها على سبيل المثال: قال سيد الطائفة الإمام الجنيد رحمه الله (ت: سنة 297ه): ((التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني)) ([8]) .وهذا التعريف الجامع يحتاج مجلدا لشرحه، وموجزه التصوف أخلاق النبي j{وإنك لعلى خلق عظيم}، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله (ت سنة 656هـ: ((التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية) ([9]) .وهذا التعريف الجامع يحتاج أيضا مجلدا لشرحه، فالعبودية أمام الربوبية، معناها تحقق الجهل أمام كمال العلم وتحقق العجز امام كمال القدرة وتحقق الفقر امام كمال الغنى وتحقق الذل امام كما العز والعظمة والكبرياء، وهذا التعريف لا تكفيه ست مجلدات اشرحه، وقال الإمام النووي: إن أصول طريق التصوف خمسة: 1- تقوى الله تعالى في السر والعلانية، 2- إتباع السنة في الأقوال والأفعال، 3 الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، 4- الرضا عن الله في القليل والكثير، 5- الرجوع إلى الله في السراء والضراء [في رسالته “المقاصد” ص 20]، وهذا التعريف الجامع يحتاج أيضا مجلدا لشرحه، وقال الشيخ زروق: (نسبة التصوف في الدين نسبة الروح من الجسد، وإن هذا العلم لا يؤخذ من الأوراق وإنما يؤخذ من أهل الأذواق، ولا يُنال بالقيل والقال، وإنما يؤخذ من خدمة الرجال وصحبة أهل الكمال، وكما قالوا: والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح) ” أهـ، ،([10]) .
وهذا خلاصة التصوف، صحبة الاولياء المرشدين، قال تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17]، ليس التصوف بالقيل والقال ولكن بصحبة الاولياء فالعلم بالتعلم، وكما قال لسان الطائفة أبو القاسم الجنيد: (ما أخذنا التصوف عن القال والقيل، بل عن الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات)، التصوف في جوهره هو علم وعملٌ، وصدقٌ، وتزكيةٌ للنفس، وليس مجرد ادعاءات أو نقاشات جوفاء معاذ الله، وإنما منهج الجد والكد والجهاد في الله، والإخلاص لله والتحلي بمكارم الأخلاق.
الخلاصة: التصوف هو (التزكية) التي كانت احدى مهام النبي jفي أمته، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، فالتصوف هو (التزكية)، وهو (التحقق بمرتبة الإحسان) أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، وأنه قد اهتم بتحقيق مقام الإحسان ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، وهو علم وعمل وسلوك، علم راسخ بكيفية تزكية القلوب، وعمل وسلوك وطريق يسلكه العبد للوصول إلى تزكية القلوب وتطهيرها وتحققها بالعبودية لله ومعرفته والعلم به سبحانه، والتصوف منهج يقوم على (التخلية) و (التحلية)، تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من الأخلاق السيئة، وتحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة، وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، وطريق التصوف هو الاجتهاد في العبادات والقربات والمسارعة في الخيرات، مع اجتناب المنهيات والمكروهات، وتربية النفس على طاعة الله وجهادها على دوام ذكر الله، وتطهير القلب من مساوئ الأخلاق، ودسائس الطباع، وتحليته بأحسن الأخلاق مع الله ومع الناس، وغاية التصوف بلوع منزل التوحيد الذي هو أعلى منازل العبودية لله، وأعمق تحقيق لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، وكل ما سبق من معاني واكثر منه يحويه ما أسماه أصحابه بـ (علم التصوف).
[التساؤل] لماذا لا يمكن تسمية هذا الجانب القائم على مرتبة الإحسان بغير اسم التصوف؟ من شؤم الوهابية أنهم يناطحون الصخر، كما قال الاعشى: في قصيدته: كناطحِ صخرةٍ يوما ليُوهِنَها فلم يَضِرْها، وأوْهى قَرنَه الوَعِلُ، وقال غيره: يا ناطح الجبلَ العالي ليَكْلِمَه: (أَشفق على الرأسِ لا تُشْفِق على الجبلِ: كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنَها: فلم يَضِرْها وأوهى قرنَه الوعِلُ)، التصوف اسم للعلم القائم على التزكية منذ أكثر من ألف ومئتي عام وهو مدرسة تخريح الاولياء وهو القائم على التزكية والإحسان وهو القائم على التربية والآداب ولولاه لما عرفنا مناهج التزكية والإحسان، [[السبب]] انه يستحيل ان يحل مصطلح آخر مكان التصوف، أنّ التصوف اسم لعلم شامل يجمع عدة علوم وعدة مناهج سلوكية للتربية والتزكية، ويشمل خرائط المعرفة الخاصة بعلم مراتب النفس ووسائل تزكية النفس، ويشمل خرائط المعرفة الخاصة بعلم السير إلى الله، فمنازل السير إلى الله من اليقظة وإلى التوحيد وهي الف منزل وبعضهم اختصرها لمائة منزل، مقصورة على علماء التصوف والأمة كلها عالة عليهم في هذا العلم، و(التصوف) هو العلم الذي يجمع في طياته كل تلك العلوم مجتمعة: كل (علوم التزكية)، وكل (علوم الإحسان)، وكل علوم (التربية) وكل علوم (الآداب) وكل (علوم الأخلاق)، و كل (علوم منازل السير إلى الله)، من اليقظة إلى التوحيد وكل (علوم الأولياء والعارفين والصديقين) من المواقف والمنازلات والمكاشفات والمشاهدات، كل تلك العلوم وغيرها كثير تدخل لزاما في (علم التصوف)، ولم يتكلم فيها منذ أكثر من الالف عام سوى اهل التصوف، وقد ألفوا فيها مكتبة علمية وسلوكية بها عشرات آلاف من المؤلفات عبر التاريخ الإسلامي، الكتب العظيمة التي تبين أصوله وفروعه ومناهجه الربانية في بلوغ مراتب أتباع النبيين من الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، فإذا اطلق التصوف شمل تلك العلوم جميعا وإذا اطلق كل هذه العلوم منفردا فلا يدل إلا على جانب واحد من جوانب التصوف، لهذا كله لا يمكن تسمية هذا الجانب إلا بالتصوف، لذلك لا يمكن تسمية هذا الجانب القائم على مرتبة الإحسان بغير اسم التصوف.
يشير القشيري رحمه الله: إلى أن المسلمين بعد رسول الله jلم يَتَسمَّ أفاضلهم إلا باسم الصحابة، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم “الصحابة”، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين “الزهاد” و”العُبَّاد”، ثم ظهرت البدعة، فانفرد خواص أهل السنة الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم “التصوف”، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة ” أهـ [مقدمة الرسالة القشيرية]، (أقول): لقد وجد علم التصوف منذ أول آية أنزلت على رسول الله j{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، إلى قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}، وذلك لأنّ التصوف هو لبّ الدين وثمرته، وهو تزكية الدين ومنازله، وهو منزلة الإحسان أعلى منازل الدين، والعهد المكي كان فترة تخلية وتحلية وتزكية للوصول إلى مرتبة الإحسان، وذلك بغرس الأخلاق المحمدية في نفوس الصحابة رضوان الله عليهــــم، بل كان الصحابي ما إن يضع يده بيد الرسول jمبايعاً حتى يترقى إلى أعلى المقامات وأسمى الحالات وذلك لقوة نور النبوة، وظل الأمر كذلك إلى أن انتقل المصطفى إلى جوار ربه ثم جاء التابعون فتربّوا على يد أصحاب رسول الله jفكان همهم الوصول إلى رضوان الله عز وجل فتزكت نفوسهم بتأثير النور المحمدي الذي سكن قلوب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وفي عصر التابعين دخل أناس في الإسلام أي كانوا حديثي عهد بكفر، ومن جانب آخر فتحت الدنيا على المسلمين فركن البعض إلى الشهوات وحب الدنيا وبدأ البعض يبتعد عن حال السلف من أصحاب رسول الله jفقام أناس أكفاء في ذلك الوقت وما بعدهم يدعون الناس إلى العودة لما كان عليه رسول الله jوأصحابه الكرام أي حالة السلف الصالح وهؤلاء الدعاة هم الصوفية، دعوا الناس إلى العودة إلى مرتبة الإحسان التي كان يعيشها السلف الصالح، وتخليص النفس من رعوناتها التي كبلتها وقيدتها عن مشاهدة أنوار الحق، وتخليص القلب من حب الدنيا وإحياؤه بذكر الله عز وجل، فقام هؤلاء الأكابر من الرجال بفتح بيوتهم لاستقبال الناس يدعونهم إلى هذا الطريق الراقي طريق الإحسان، أو التصوف، وفتحوا المعاهد التربوية أو ما يسمى بـ ” الزاوية أو التكية أو الخدمة” لملاحظة الناس وتربيتهم عن قرب فكانوا في كل عصر هم نماذج السلف الصالح الذين حافظوا على علم الإحسان وأخلاق المحسنين، وتزكية المقربين، واستطاعوا بصدق توجههم ونقاء سريرتهم أن ينبهوا القلوب الغافلة فيحيونها بأنوار الذكر، وفتحوا البلاد فدخل الناس في دين الله أفواجاً، ولكن باعتبار أن هذا العلم ليس حروفاً تكتب إنما هو أحوال ومقامات وأذواق فلا بد أن يعيشها الإنسان كي يدركها، فإنّ معارف الصوفية ليست فقهاً يكتب فـــي السطور أو في مؤلفات الفقهاء إنما هي أحوال ومقامات ومنازل، يتذوقها ويحس بها من أراد الله تعالى أن يشرح صدره لمنازل هؤلاء الاكابر، لقد جاء علم التصوف ليرسم منهجاً عن طريق مجموعة من القواعد والآداب للوصول إلى هذه الأحوال والمقامات ومن ثم منازل الإحسان ومراتب السابقين، وإنّ التصوف بلفظِهِ لم يكن في زمنِ النبي فكذلك الفقه والعقيدة لم يكونا في زمنِ النبي أما ماهية العقيدة والفقه والتصوف فليسَ إلاَّ الدينُ الكاملُ الذي جاءَ بهِ الرسولُ الأعظمُ فالعقيدة قائمة على علوم الإيمان والفقه قائم على علوم الإسلام والتصوف قائم على علوم الإحسان أعلى مراتب الدين، واجمل العلماء واحسنهم حالا من كان في العقيدة على مذهب من مذاهب السادة الاثرية او الاشعرية او الماتريدية وكان في الفقه على مذهب من مذاهب السادة الفقهاء الاحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ومن كان في التصوف على طريقة الجنيد لسان الطائفة وائمة التزكية من أمثال السادة الرفاعي والقادري والشاذلي وغيرهم من الاولياء المرشدين.
[5]: أصالة علم التصوف وانتسابه إلى الكتاب والسنة: التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، ويقوم على أخلاق الرسول jالعظيمة وهديه القويم، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه، فلقد اهتم القرآن الكريم بعلم التصوف اهتماماً كبيرا، وأولى له ولاية عظيمة، بما حوى من أسس التزكية المتمثلة في الكم الكبير من الآيات التي تأمر بمقامات التزكية القلبية، تلك الآيات التي تأمر بالخوف والرجاء والمحبة والتوكل والرضا، وتلك الآيات التي تأمر بالتوبة والمراقبة والتقوى والإحسان، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تطهير النفس عن دسائس الأخلاق كالكذب والنفاق والظلم والعدوان والحسد والكبر والغرور، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تحلية القلب بعظيم الأخلاق كالتواضع والبر والصدق وغيرها من تعظيم الأخلاق، أضف إلى ذلك أن جميع العبادات التي أمر بها القرآن من صلاة وصيام وزكاة وذكر وتلاوة للقرآن إنما هي كذلك لأنها طريق إلى تزكية القلوب وطهارتها، كما أن أحد أكبر مهمات الرسول بين المسلمين هي تزكيتهم كما جاء في قوله تعالى: {ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}، وقد رسم الرسول jالمنهاج المتكامل لأصول وقواعد ما سيسمى بعد ذلك بعلم التصوف، كما أن مبادئ هذا العلم كانت في عهد السلف الكرام، حيث ضربوا أروع الأمثلة على التزكية والصفاء والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله، وصفاء النفس وسلامة الضمير، وتصفية النفوس من طبائعها الرديئة، وتخليصها من شهواتها الطاغية واتصافها بمكارم الأخلاق وسني الآداب، وهل التصوف سوى هذه الأخلاق العظام، ولا يهمنا الاسم بقدر الجوهر والحقيقة، وإلا فما هي الصوفية إن لم تكن تعني إلا أخلاق الصحابة والتابعين، الذين هم خير من أقبل على الله بالقلب والروح في السر والعلن، في السراء والضراء، وهم الذين قاموا بفرائض الإسلام وعقائد الإيمان، وتحققوا من مرتبة الإحسان، فاستنارت بصائرهم، وهم الذين تربوا على يدي مرشد البشر وسيد الأنبياء j.
[أ]: التصوف علم إسلامي أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، يقوم على مبادئ التزكية والإحسان، أما زعم الوهابية الفاجر بان التصوف يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة، فهذا ظلم وجحود لأهله الصادقين المخلصين، وفي الحديث الصحيح: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) ، وما اجمل قول حجة الإسلام الإمام الغزالي – عن التصوف-: (إنه فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم السلام) على اعتبار أن التصوف هو المدخل إلى تزكية الأنفس، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله: (من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصِرّاً على الكبائر من حيث لا يشعر ولا يدري ([11]) .
[ب]: التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ولابد من إنصافه ورد الاعتبار إليه ولابد من تصفيته من الدخن والخلل: [1] تكفل علم التصوف بتزكية الظاهر والباطن، التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ولابد من إنصافه ورد الاعتبار إليه ولابد من تصفيته من الدخن والخلل: [1] تكفل علم التصوف بتزكية الظاهر والباطن، الظاهر بكثرة الذكر والباطن بسلامة القلب، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَعراف: 33]، وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَنعام: 151]، وقد تكفل علم التصوف بتزكية الباطن، لأن من تعريفات التصوف أنه (العلم الذي يعرف به كيفية تصفية الباطن وتخلية القلب عن صفاته الذميمة، حتى يتوصل إلى تزكيته وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق)) وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وقد قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} والتصوف – كما هو معلوم لأهله – يتخصص في تزكية القلب بطهارته من الكفر والشرك والنفاق والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء…، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق… وهذا القسم الذي تخصص فيه التصوف هو القسم الأهم لقوله j: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ([12]) . وقوله j: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ([13]) . وقوله j(… التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ([14]) . وقوله j(إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه) ([15]) . وقوله j(إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم) ([16]) . وقوله j(اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) ([17]) .
وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، والحق يقال أنه على مر عصور الإسلام فإن للسادة الصوفية الحظ الأوفر من الوراثة النبوية في تحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والورع والتوكل والرضا والأدب والتسليم والمحبة والذكر والمراقبة.
والتصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، ولذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي: بعد أن اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته (ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق،، ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم: وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله) ([18]) .
[ج] التصوف منهج سلوكي كامل، يحقق صلاح المسلم وتهذيب أخلاقه وتحوله إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة، تعيش في درجات الإحسان، ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته، ويتجلى لنا بوضوح، أنه علم إسلامي قيم، لا غنى عنه لكل مسلم، كما لا غنى له عن علوم العقيدة التي تصلح الاعتقاد وعلوم الفقه التي تصلح العبادات والمعاملات، وأنه العلم الذي يصلح القلوب والأخلاق وبه يصل العبد إلى محبة الله ومرضاة الله والقرب من الله، (التصوف) مرتبة عالية تتمثل في إصلاح القلب بالوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وهو مبني على الكتاب والسنة وذلك باتباع شرع الله تعالى والاقتداء بالنبي jفي الأخلاق والأحوال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأفعال، وتسليم الامور كلها لله من غير إهمال في واجب ولا مقاربة محظور، وحاصله اتصاف بجميع المحامد وترك لجميع الأوصاف الذميمة، وهو مسلك قائم على العلم والعمل، وبه منازل أولها المراقبة (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وله مقامات عديدة شريفة منها التوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والصدق والإخلاص والصبر والورع والزهد والرضا والتوكل والشكر، وأعلاها المشاهدة (أن تعبد الله كأنك تراه) و(التصوف) هو الطريق المؤدي إلى أرقى درجات الكمال الإيماني والإحساني الذي به يتحقق مقام الشهود وحق اليقين، وهو الطريق إلى مدارج السالكين ومراقي الصاعدين إلى مرضاة رب العالمين.
[6]: (أدعياء التصوف) وما هو حالهم: التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف، بل ضررهم على أنفسهم، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين، ويصححون مسار التصوف، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف، يثنون على التصوف الصحيح وأهله بالخير، ويهاجمون الأدعياء والدخلاء دون إساءة للتصوف والصوفية، أما أن نأخذ الصالح بجريرة الطالح فهذا ظلم عظيم، قال الله تبارك تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام:164]،
[7] إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء، وصفة مدح، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا التنطع من تنطع، وأين يذهب تسعة أعشار أهل السنة في العالم اليوم في مصر والسودان ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، هذا اليوم، فما بالنا بهم على مر عصور الإسلام السابقة، وأين يذهب الجنيد وأصحابه، وحجة الإسلام الغزالي وأتباعه، وعبد القادر الجيلاني والرفاعي والشاذلي وآلاف الآلاف من أتباعهم، إن هؤلاء هم سادة التزكية وأقطاب التصوف ودعائم الأخلاق، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام، وليس معنى ذلك أن نبرأ الصوفية من كل خطأ وأنهم معصومون، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف، ولابد من تطهير التصوف من أخطاء هؤلاء حتى يسير في إتمام مهمته من تزكية النفس وبناء أمة الأخلاق في خضم زمان لا يعرف أهله إلا ما رحم الله سوى الماديات، إن واجبنا نحو التصوف اليوم هو التزام المبادئ الإيجابية التي جاء بها التصوف الإسلامي، مع إصلاحه و تجديد أمره وإعادته إلى تزكية القرآن والسنة وتأكيد ارتباطه بالكتاب والسنة، لأنه – بحق – علم رباني من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة، فلا مناص من تجديد أمر التصوف وتصفيته من الدخن والخلل: فإن (الصوفية) طائفة إسلامية كبيرة من طوائف أهل السنة والجماعة، تنتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وهي مثل بقية الطوائف الإسلامية كالمحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين، فيهم الصالح والطالح، والصحيح والفاسد والمصيب والمخطئ ولا يصح أن ننسب إلى أي طائفة من هؤلاء الطالح والفاسد والمخطئ فقط، فعندما يقال (الصوفية) فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي وعبد القادر الجيلاني والجنيد وغيرهم كثير من الأولياء والصالحين على مر عصور الإسلام، ولا يراد بالصوفية أولئك الدجالون المخرفون المخالفون للكتاب والسنة، الذين دخلوا على التصوف فأفسدوه.
[8] إن من الإنصاف أن نذكر فضل التصوف الصحيح الذي نهض برسالته منذ فجر الدعوة الإسلامية، في التزكية والإحسان وبناء المؤمن الحق، وكان رجال التصوف السابقون مدارس التربية والتزكية داخل المجتمع الإسلامي، وكان بهم يتحقق تكامل العلم والسلوك، وكانوا في الجهاد في مقدمة صفوف المجاهدين يحثونهم على التعلق بالآخرة، والشوق إلى لقاء الله، وكانوا ينشئون الرباطات على أطراف المدن الإسلامية وثغورها المتاخمة للأعداء، فكانوا يشتغلون فيها بذكر الله حتى إذا ما دعاهم داعي الجهاد، كانوا خيل الله السابقة، وكانوا هم أئمة الدعوة إلى الله، يصلون بدعوة الإسلام إلى المواقع التي لم تكن تبلغها جيوش الفتح العسكري، فكان الدعاة من رجال التصوف يتكفلون بهذه الرسالة، ينشرون الإسلام في مختلف أنحاء الأرض، هذا هو التصوف الحق الذي كان العلماء والفقهاء يعتبرون أنه من الشرف الانتساب إليه وانه بنقائه جزء مهم في تكوين شخصية كل مسلم، وما أحوجنا إلى قومة من الاولياء تعود بالتصوف إلى أيام الجنيد حيث الهمة والصفاء والجد والاجتهاد، وحيث قيم التصوف الطاهرة الزكية.
[9] لقد أساء أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه، وادِّعائهم له، هناك صوفية أولياء في عداد الصديقين والأصفياء، وهناك أدعياء للتصوف وهناك جهلاء طالما حذّر الصوفية أنفسهم من هؤلاء الأدعياء، والجهلاء، وما أحسن قول السيوطي رحمه الله فيه إذ يقول عن التصوف: ” علم شريف رفيع قدره سني أمره، لم تزل أئمة الإسلام وهداة الأنام قديما وحديثا يرفعون مناره ويجلون مقداره ويعظمون أصحابه، ويعتقدون أربابه، فإنهم أولياء الله وخاصته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، غير أنه دخل فيهم قديما وحديثا دخلاء تشبهوا بهم وليسوا منهم، وتكلموا بغير علم وتحقيق فزلوا وضلوا وأضلوا، فمنهم من اقتصر على الاسم وتوسل بذلك إلى حطام الدنيا، ومنهم من لم يتحقق فقال بالحول وما شابهه، فأدّى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع، وقد نبّه المعتبرون منهم على هذا الخطب الجليل ونصوا على أن هذه الأمور السيئة من ذلك الدخيل ” أهـ ([19]) .لله دره من إمام، وما أحسن كلامه، ونحن لا نزعم الحفظ لجميع أهل التصوف، ففيهم الادعياء وفيهم الجهلاء، ومن الأخطاء ومن تلك المخالفات الشرعية التي سقط فيها الادعياء: التفرقة بين الشريعة والحقيقة، وأهل التصوف الحق يقولون: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة)، وقال الإمام الغزالي: (من قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة، أو الباطن يناقض الظاهر، فهو إلى الكفر أقرب إلى الإيمان) ([20]) .وقد آل بهم ذلك الإهمال في علم الظاهر والاستهانة به إلى القول بسقوط التكليف، وأهل التصوف الحق أجمعوا على أن التكاليف الشرعية لا تسقط عن المكلف بأي حال، حتى ولو بلغ درجة الوصول، بل إن الوقوف عند حدود الشرع والتمسك بأحكامه، هو المقياس الذي يحكم به على صدق الصوفي الواصل مهما ظهرت عليه من كرامات وأحوال، يقول أبو يزيد البسطامي: (لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى ارتقى في الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة ” ” ([21]) .وقال لسان الطائفة الإمام الجنيد: (قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة، إلا أن يحال بي دونها) ([22]) .
إن إصلاح أمر التصوف يبدأ أول ما يبدأ بإصلاح ما أفسده الأدعياء، ويكون ذلك بتصفية الاعتقاد من كل دعاوى الاتحاد والحلول والوحدة المطلقة على معناها الفلسفي المرفوض، ورفض دعاوى الشطح لأنها نقص ورعونه، ورفض دعاوى مخالفة الحقيقة للشريعة، ومخالفة الظاهر للباطن، وانكار تلك الدعاوى الباطلة، فلولا الظاهر ما حفظ الباطن، ورفض دعاوى سقوط التكاليف عن الواصل، لأنه بذلك واصلٌ إلى جهنم وسقر، نسأل الله السلامة.
والتصوف الإسلامي السني الرشيد كما ابتلي بالأدعياء، فإنه كذلك قد ابتلي بالجهلاء، فأضروا بسمعته كما أضر بها أعداؤه، والتصوف السنّي الصافي ليس منه ما نراه من البعض من تحريف أسماء الله والرقص بها، مع القفز كما يفعله أهل الجهل، وكل ما نراه من ذلك من بعض الاشخاص فهو ليس من التصوف الأصيل، وهناك جماعة من الجهلاء، نسبوا أنفسهم إلي التصوف، شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة، كاستعمال آلات الطرب المحظورة، فلم يَعُدْ هذا وسيلةً لتطهير القلب من أدرانه، وصلته بالله تعالى، بل صار لتسلية النفوس الغافلة، والتصوف السنّي الصافي أيضا ليس منه البطالة، ولا الجهالة بدين الله، ولا تزكية النفس ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات، ولا ادعاء الغيب فهذا من الدجل والشعوذة، وليس من التصوف السني الرشيد في شيء، فهذه أخطاء شرعية يحمل وزرها الجهلاء والدخلاء ولابد من ردها إلى صوابها دون تجريح بالطائفة ورموزها.
[أ]: والتصوف السنّي الصافي الرشيد ليس منه: الذكر على الطبل والزمر، (اما الدف ففي الاناشيد والقصائد والمدائح فقد أجازه الفقهاء)، إن ذكر الله تعالى هو أعظم القربات، ولكنه مشروع بشروطه وآدابه التي قررها العلماء، ومن أهمها: السكينة والوقار والخشوع والاحترام، ولكن الذكر الذى يقوم به بعض الناس، بحركات موزونة مرتبة، وترنيمات متصنعة بأصوات مطربة، وقفز ووثب، ونط وجذب، وانحناء للأمام ورفع، والتفات عنيف ودفع، ودوران بالحلقات، وضرب للأقدام على إيقاع الكف والنغمات، فالقلب الخاشع ينبو منه، فإن كان التمايل بسبب وجد صحيح ووارد قوي، أفقد صاحبه التماسك فلا إثم عليه ولا لوم ولا محذور، ولكن الحاصل غير ذلك، لأنه لا يُعقل أن الجميع يحدث لهم ذلك في نفس الوقت بحيث يؤول إلى حركات جماعية موزونة معلومة، أشبه ما تكون بالرقص، قد يتشبه الذي لا يجد الحال بمن يجده أملا في الفتح ولكن تكلف ذلك ليس من عادات أهل الله، لانّ الشرع يلزم الوقوف عند الأدب الشرعي الإسلامي مع الذكر، ولهذا تكلم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في [فتح الباري: ٣٦٨: ٢]: عن جهلاء الصوفية وما يفعلونه من تمايل كالرقص، فقال: (حتى لقد ظهرت من كثير منهم أفعالا كالمجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب الُقرب وصالح الأعمال) أهـ،([23]) . ومعه الحق لأن الخشوع مطلوب في الذكر، كما قال تعالى: {وبشر المخبتين الذين إذا ذكر اللهُ وجلت قلوبهم}، وقوله تعالى: {{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اللهُ وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربهم يتوكلون}، وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الانعام: 55]، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205]، فالخشوع دلالة على كمال المعرفة، فهذه حالة العارفين بالله، حالهم عند المواعظ: الفهم عن الله، والبكاء خوفًا من الله ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} فهذا وصف حالهم، والعكس بالعكس، كما يفعله جهال العوام، من الزعيق والزئير، فكيف إذا صاحب ذلك الطبول والمزامير بأنواعها وهذا مما قد عمت به البلوى، مع انه لم يفعل ذلك أحد من الأولياء الصالحين، وجمهور الفقهاء على تحريم ذلك، وهو مناف للمرؤة والوقار، ولابد من تنزيه الذكر عن هذه الترهات، ومن تذكر وجوب خشية الله عند ذكره، لا يمكن أن يرضى بذلك، ومن تصور وقار الصحابة ومن بعدهم من الرجال الكمل الصادقين أهل المرؤة والعقل والحكمة، لايتصور أنه يقع منهم هذا الرقص المنافي للأدب بين يدي الله تعالى ولا الطبل والزمر، في الذكر، ولكن ماذا يفعل الربانيون وقد صارت هذه موروثات عند أهل الجهل والرعونة ينسبونها إلى أهل الطريق، وأهل الطريق والأولياء والمربون الربانيون ينكرون ذلك، ولكن إصلاح تلك الامور يحتاج إلى قومة لمجموع أهل الطريق لنفي تلك الموروثات التي أضرت بالطريق وأهله،
[ب]: والتصوف السنّي الصافي الرشيد ليس منه تحريف أسماء الله كما يفعله أهل الجهل، والواجب النطق باسم الله الكريم كما أنزله الينا دون تغيير، والتزام تصحيح حروفه والنطق به تاما كاملا، فإنه أكرم الأسماء وأمجدها، والأسماء توقيفية ليس للاختراع إليها سبيل، والبعض يذكر الله تعالى بقوله (آه) ويزعم انه من الأسماء الحسنى، وهو لم يثبت، والله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، والنبي jيقول: (دع ما يريبك إلى مالا يريبك) رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح،
[ت]: والتصوف السنّي الصافي صدق وأمانة وليس منه الشعوذة والدجل، ما علاقة التصوف بأكل الزجاج والمسامير والثعابين، بعض المنتسبين إلى التصوف يأتون بأمور لا علاقة لها بالشرع ولا بالدين، يأكلون الزجاج والصبار والثعابين، ويلحسون النار، ويدفعون الدبابيس والمسامير في أجسامهم، فهذا إما ان يكون دجلا وغشا، وإما أن يكون كرامات، فإن أحسنا الظن وقلنا كرامات، فإن أهل الطريق الخلص قالوا: الكرامات لا تكون إلا عند الضرورات، والولي الكامل مخفى الكرامة، وكان أحدهم يخفي الكرامة كما يخفي أحدنا ذنوبه، فما هي الفائدة الدينية العائدة من جراء تلك الأعمال، سوى تشويه صورة التصوف الصافي النقي، وإلصاق التهمة به، وكأننا حواة ودجالين، وليس حملة رسالة دين الإسلام ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون.
[ث]: وينبغي تصفية التصوف السني الصحيح الصافي من رعونة البطالين، ولابد من رفض دعاوى الشطح الزائدة عن حد الاضطرار، لأنها نقص ورعونه، ولابد من تصفية السلوك من المخالفات الشرعية، وتنزيه الذكر عن المعازف، ولابد من احترام جناب الشريعة عند الأضرحة والقباب، ولابد من البراءة مما يحدث في بعض الاحتفالات من المنكرات والمخالفات، وينبغي اعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من مخالفات شرعية، واعتماد مبدأ التجديد والإحياء للتصوف الإسلامي الصحيح الصافي القائم على الكتاب والسنة، فإن التصوف الصافي سلوك وعمل وليس مصطلحات وشطحات، والتصوف الصافي جد وكد وليس بطالة وتكاسل، والتصوف الصافي خلق وزهد وليس تحاسد وجشع، والتصوف الصافي فتوة ورجولة وإيثار، وليس رعونة وتخنث وطمع، والتصوف الحق علم وعمل، وليس جهل وخرافة، والتصوف الحق صدق وأمانة وليس شعوذة ودجل، والتصوف الحق حقائق وأحوال ومجاهدات، وليس دعاوى عريضة وترهات، ورحم الله تعالى القائل: ” ليس التصوف لبس الصوف ترقعه… ولا بكاءك إن غنى المغنونا… ولا صياح ولا رقص ولا طرب… ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا… بل التصوف أن تصفو بلا كدر… وتتبع الحق والقرآن والدينا… وأن تُرى خائفا لله ذا ندم… على ذنوبك طول الدهر محزونا “
[10]: الرد على شبهات الوهابية تجاه اهل التصوف، لا يخفى حال الوهابية وما هم عليه من الهوس التكفيري والهوس التشريكي والهوس التبديعي، فكم كفروا اهل التصوف بسبب مفاهيم مغلوطة لدى الوهابية في العبادة ومفردات العبادة وكم كفروهم بأنهم عبدوا القبور من دون الله، وكم كفروهم بمفاهيم مغلوطة عند الوهابية عن الاتصال والانفصال والاتحاد والحلول ووحدة الوجود والحقيقة المحمدية، وكم اتهموا اهل التصوف بالشرك في مسائل التوسل وبناء المساجد عند قبور الصالحين، وكم اتهموا الصوفية بالبدعة في مسائل كلها دل عليها الشرع منها الاجتماع للذكر والجهر بالذكر والذكر المفرد والاحتفال بالمولد والجهر بالصلاة على النبي jعقب الآذان وختم الصوات ورفع اليدين عند الدعاء والاوراد اليومية والحياتية، ومناهج التربية والتزكية، وكلها لها ادلتها الشرعية والخلل عند الوهابية وليس الصوفية، وفي هذه الحلقات الانتصار لأهل التصوف وبيان الجرم الذي ارتكبه الوهابية بمحاربة الاولياء، وقد قال النبي j: ((إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه)) وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث، وحتى لا تطول الحلقة، اتوقف ها هنا واكمل في حلقة مقبلة إن شاء الله تعالى بيان أخطاء الوهابية في حق اهل التصوف، والوهابية كما حذر منها النبي jبما اعلمه الله من حال الامة، ظلمات فوق ظلمات وظلمات بعضها فوق بعض، تكفير بالجملة وباتفه الأسباب وبمفاهيم مغلوطة، وتحريف لدين الله وجهل مركب بعلم التوحيد، وصدق الرسول jحين قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) يريدون هدم التصوف القائم على ثلث الدين الأعلى مرتبة الإحسان أن تعبد الله كانك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ومن شؤم الوهابية أنهم يناطحون الصخر، كما قال الاعشى: في قصيدته: كناطحِ صخرةٍ يوما ليُوهِنَها فلم يَضِرْها، وأوْهى قَرنَه الوَعِلُ، فـــ التصوف اسم للعلم القائم على التزكية منذ أكثر من ألف ومئتي عام وهو مدرسة تخريح الاولياء وهو القائم على التزكية والإحسان وهو القائم على التربية والآداب ولولاه لما عرفنا مناهج التزكية والإحسان، و (التصوف) هو العلم الذي يجمع في طياته كل (علوم التزكية)، وكل (علوم الإحسان)، وكل علوم (التربية) وكل علوم (الآداب) وكل (علوم الأخلاق)، و كل (علوم منازل السير إلى الله)، من اليقظة إلى التوحيد، كل تلك العلوم وغيرها كثير تدخل لزاما في (علم التصوف)، ولم يتكلم فيها منذ أكثر من الالف عام سوى اهل التصوف، أما الوهابية حيث الدين الموازي، في العقيدة يرون أنفسهم الفرقة الناجية وفي الفقه يرون انفسهم أصحاب الرأي السديد وفي التزكية يرون انهم أهل التزكية وان اهل التصوف السني الرشيد في ضلال مبين، دين موازي كله جفاء وكبر وبطر الحق وغمط الناس، وتكفير المسلمين واستحلال دماءهم وأموالهم، لهم اكبر نصيب من قوله j: (ألا إن الإيمان ههنا -وأشار إلى اليمن- وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر) سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
([1]) صحيح البخاري 8/105 ح 6602.
([3]) سنن ـأبي داود 6/349 ح 4291. المستدرك 4/567 ح 8592.
([4]) السنن الكبرى للبيهقي 21:94 ح 20952.
([8]) النصرة النبوية” للشيخ مصطفى المدني ص22.
([10]) الدلالة النورانية للشيخ حسني الشريف ص ، قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق.
([12]) صحيح البخاري 1/20 ح 52، صحيح مسلم 3/1219 ح 1599.
([13]) صحيح مسلم 4/1987 ح 2564.
([14]) المصدر السابق 4/1986 ح 2564.
([15]) السنن الكبرى للبيهقي 4/286 ح 4333.
([16]) مسند أحمد 41/470 ح 25012.
([17]) سنن الترمذي 4/355 ح 1987.
([18]) المنقذ من الضلال ص 127.
([19]) تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، لجلال الدين السيوطي، ص: 4.