أتناول في هذا الدرس إن شاء الله تعالى تنزيه الأنبياء عن المعاصي صغيرها وكبيرها وعن كافة دعاوى الاغبياء، أقول وبالله التوفيق: معتقد المدارس المتخصصة في العقيدة (الاثرية والاشاعرة والماتريدية ) هم في مبحث النبوات على أرقى العقيدة في حق الأنبياء والمرسلين، فأهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع كالخوارج لجهلهم بباب النبوات وما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الأنبياء، تكلموا على الأنبياء كما يتكلمون على سائر البشر وانهم تجوز عليهم المعاصي قبل النبوة ومن ثم التوبة منها واخذوا بظواهر النصوص المتشابهات في حق انبياء الله، ونسبوا إليهم ما لا يليق بالصالحين فضلا عن الأنبياء والمرسلين، ومن ذلك:
(أولا): في حق آدم عليه السلام: نسبوا إليه الظلم والمعصية وهو نبي مُكلم: قال اهل الحشو: نهى الله تعالى آدم عليه السلام عن الشجرة فعصى آدم ربه وأكل منها، وصار من الظالمين، وانّ هذا يدل على جواز وقوع المعصية والكبيرة من النبي شرط ان يتوب بعدها.
[قالت الأشاعرة]: لو كان ذلك من انسان عادي لكان منقص في حقه فكيف بأبي البشر النبي المُكلم الذي اسجد الله تعالى له الملائكة، واهل العلم يفرقون بين درجات النهي، ويقولون بان هناك نهي ارشاد مثله مثل الطبيب الذي ينهى المريض عن طعام معين خوفا على صحته، وهناك نهي تكليف كما نهانا الله تعالى عن الزنا وشرب الخمر، فالأول نهي ارشاد وارفاق وتعليم والثاني نهي تكليف وتحريم، ولو نظرنا إلى حق الانبياء وما يجب وما يجوز وما يستحيل في حقهم لقلنا: الصواب أن نهي آدم عن الأكل من الشجرة كان نهي إرشاد ورفق، وليس نهيا على جهة التكليف والتحريم، ثم أنساه الله تعالى بعد ذلك إرشاده إياه ووصيته له فأكل من الشجرة غافلا عن الوصية فكانت تلك بمثابة المعصية، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]، فلما تاب وهو على قول القائل: (حسنات الأبرار سيئات المقربين) تاب الله عليه واجتباه.
و[قالت الأشاعرة]: عند النظر إلى القرائن الموجودة في الآيات نجد انها إرشادية تهدف إلى صيانة آدم من آثار الأكل من تلكم الشجرة، مثل الخروج من الجنة، كما في قوله تعالى: {فَقُلْنَا يا آدمُ إنَّ هَذَا عَدُوّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى}، فإنّ قوله سبحانه: {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى} صريح في أنّ أثر امتثال النهى هو البقاء في الجنّة، وهذا يدلّ على أنّه سبحانه كان ينهى آدم بصورة الاِرشاد والنصح، وانّه لو خالف هذا الأمر لترتب عليه الخروج من الجنة والشقاء، وكما في قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوّ مُبِينٌ}، فإن الاسلوب القرآني اسلوب النصح والاشفاق على آدم، وكذلك قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِمَا}، يبين أنّ ما يترتب على الأكل من الشجرة هو ظهور العورة، وبداية رحلة الشقاء والمعاناة، ومن تدبر وسوسة الشيطان رأى انها جاءت على صورة النصح أيضا {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}، ولو كان الامر الإلهي امر إلزام لما صدق آدم عليه السلام قسم الشيطان وهو لا يتصور أن أحدا يقسم بالله كاذبا، إذ كيف ينصح في امر قد نهى الله تعالى عنه نهي إلزام، وإنما يستقيم القسم بالنصح إذا كان الامر الاول أمر هداية وإرشاد، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بأساليب الكلام واختلافها ما بين إلزام وإرشاد، والحاصل أن نبي الله آدم عليه السلام ترك الاولى والأفضل، ولم يكن العصيان على معناه المراد، الله سبحانه أعزّ آدم بتعليمه الاَسماء، وأسجد له الملائكة، ولهذا كان المحكم في ذلك هو قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}، فالأسلوب القرآني لا يلائم المعصية إذا كانت معصية، وإنما المعنى: وصيناه أن لا يأكل من الشجرة وأرشدناه إلى ذلك فنسي امرنا، ولم نجد له حزما.
و[قالت الأشاعرة]: كل ما عدا ذلك حشو كعادة اهل الحشو وسوء ادب مع الأنبياء لأنّ لهم العصمة، ولو كان الامر على أحد الناس لهان الأمر ولكنه على آدم أبي البشر النبي المعصوم، الذي أسجد الله تعالى له الملائكة أكراما وتفضيلا، وقد يتمسك (أهل الحشو) بظاهر الآية: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، ويقولون انه ما دامت هناك توبة فلابد وان تكون هناك معصية، ونقول: لا تلازم، لان (التوبة) تأتي بمعنى الرجوع لاسيما إن تعدت بحرف الجر (على )، كقوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِىّ}، ولم يكن للنبي jذنب آنذاك، بل المعنى [رجع عليه بالرحمة]، أما إن تعدت بحرف الجر (إلى) فتعني التوبة من الذنب كما قال تعالى: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، إذن الآية {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، كانت التوبة بمعنى الرجوع، أي: انّ الله تعالى رجع عليه بالرحمة، ومثله قوله: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) فالتوبة هنا من الله على (آدم) عليه السلام، بمعنى رجع الله تعالى عليه بالرحمة، وليس دلالة على وقوع الذنب، كقول النبي j: (إنّه ليران على قلبي وانى استغفر الله كل يوم سبعين مرّة) ([1]) .وليس هذا الاستغفار دليلاً على صدور الذنب، بل هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فعندما ينظر النبي إلى حق الربوبية والإلهية عليه يشعر بالتقصير ومن ثم الاستغفار من هذا التقصير، ولا ذنب ولا معصية، ولن استفيض في تناول شبه أهل الحشو لانها كلها كما ذكرت حشو وسوء ادب مع انبياء الله تعالى، ومن ساء الادب فقد حُرم الرتب، نسال الله العفو والعافية، وأعظم دليل على براءة (آدم) عليه السلام من الذنب والمعصية بالمعنى الاصطلاحي، وانه نبي مكلم معصوم، وأنّ الأمر كان أمر نصح وإرشاد وحسب، واجتهد آدم عليه السلام، وكان اجتهاده عائدا على نفسه، وكله كان من باب القضاء والقدر، ولذا حج آدم موسى، ولوكان آدم عاصيا على الحقيقة لم استطاع أن يحج موسى، ففي الحديث: (حاجَّ موسى آدم عليهما السلام فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم، قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني، فقال رسول الله j: فحجَّ آدم موسى) ([2]) .
فإن آدم عليه السلام لو كان عاصيا مذنبا على الحقيقة لكان في قوله احتجاج بالقدر على المعصية وهذه وحدها كبيرة، بل الأمر على غير ذلك، إنه احتجاج على القدر بالمصيبة وليس بالمعصية، وهذا جائز، ومثاله لو قلت لإنسان لا يصلي لم لا تصلي فلو قال لان الله قدر علي ذلك كان ذلك منه زندقة لأنه احتجاج بالمعصية على القضاء والقدر، وفي المقابل لو قلت لإنسان لم لم تنتبه فوقعت من على السلم فكسرت رجلك سيقول (قدر الله وما شاء فعل) فهذا جائز لأنه احتجاج بالقدر على المصيبة وليس المعصية، ولو كان (آدم) عليه السلام عاصيا حقيقة لما استطاع ان يحج موسى عليه السلام، فدل ذلك يقينا على أنّ الامر الرباني بعدم الأكل من الشجرة كان من باب النصح والارشاد وليس من باب الامر والإلزام.
الحشوية والوهابية لم يكفهم نسبة المعاصي إلى آدم عليه السلام حتى نسبوا إليه الشرك، ونسبة الشرك إلى الأنبياء محال، جاء في كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب النجدي: في باب: {فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما} أورد في تفسير هذه الآية قصة تقدح في عصمة أبينا آدم عليه السلام وترميه وأمنا حواء بالشرك، وهي قصة واهية، ذكر أنه رواها ابن أبي حاتم عن ابن عباس، يعلم بطلانها كل من شم رائحة العلم والفقه في الدين، فقال: (لما تغشاها آدم حمَلَت، فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلنَّ له قرنيَ أيِّل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن – يخوفهما – سمِياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله: فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حبُّ الولد، فسمياه عبد الحارث فذلك قوله تعالى: {جعلا له شركاء فيما آتاهما})، [كتيب التوحيد لابن عبد الوهاب]، وللأسف فهذا الأثر من الاسرائيليات التي لا تراعي حق الأنبياء وما لهم من العصمة عن الشرك والكفر وسائر ما يغضب الله من المعاصي والذنوب، قال ابن كثير: في تفسيره: (هذه الآثار متلقاة عن أهل الكتاب !!) ([3]) . وقال ابن حزم في (الفِصَل في الملل والأهواء والنحل): (وهذا الذي نسبوه إلى آدم من أنه سمى ابنه عبد الحارث خرافة موضوعة مكذوبة … ولم يصح سندها قط، وإنما نزلت الآية في المشركين على ظاهرها) ([4]) .، وقال القرطبي في تفسيره (لا يعوِّل عليها من كان له قلب) ([5]) .
للأسف كتيب ضئيل بضع صفحات يتكلم عن التوحيد، وكفر به ابن عبد الوهاب الامة واستحل دماءها واموالها، وهو يسرد فيه هذه الموضوعات والاكاذيب عن الأنبياء والمرسلين، فالأنبياء معصومون عن المعاصي وعن الشرك من باب الأولى، وتفسير الآية، كما جاء عند الطبري بسند صحيح عن الحسن البصري انهما اليهود والنصارى هودوا ونصروا، وكما جاء عند القرطبي {جعلا له} أي من الجنسين الذكر والانثى، (قالت الأشاعرة): الآيات خاصة بالمشركين من ذرية آدم عليه السلام، ولهذا قال الله {فتعالى الله عما يشركون}، وليست خاصة بآدم عليه السلام وهو نبي معصوم، عن الذنوب فما بالنا بالشرك، وحاشا أنْ يكون نبي الله آدم عليه السلام وهو النبي المكلم الذي رأى سجود الملائكة له تكريما، مشركاً في عبادة الله، والعجيب من هؤلاء الخوارج أنّ الآيات لم تنص على آدم وحواء، ومحال أن يقع نبي مكلم في الشرك، وإلا فما فائدة النبوة وأين تكون العصمة، ولماذا لا يكون المراد من الآيات بيان طبيعة الإنسان الجاحد لنعمة الله، من الجنسين الذكر والانثى، وخاتمة الآية تؤكد ذلك، لأنه سبحانه ختم الآية بقوله: {فَتَعَالى الله عَمَّا يُشْرِكُون}، فلو كان المراد من النفس وزوجها في الآية شخصين معيّنين كآدم وحواء، كان من حق الكلام أن يقول: (فتعالى الله عمّا يشركان)، والآية التالية تؤكد ذلك لقوله تعالى – على سبيل الانكار على المشركين: {أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون}، وحاشا أنْ يكون آدم عليه السلام النبي المكلم مشركاً في عبادة الله.
(قالت الأشاعرة): وكل ما كان في حق الأنبياء فهو من هذا القبيل، فمما جاء في حق نبي الله نوح عليه السلام: في قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 45، 46]، ليس كما يقول اهل الحشو أنّ نوحا عليه السلام راجع ربه الذي وعده بنجاة اهله عندما رأى غرق ابنه بقوله: (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي )، والحاصل أن نوح عليه السلام لم يطالب بنجاة ابنه الكافر معاذ الله، ولكن غاية الأمر استفسار من نبي الله نوح أنك يا ألله وانت اعلم وأحكم وعدني بنجاة أهلي وإن ابني من اهلي ووعدك حق وصدق فماذا حدث، يسأل على سبيل العلم لا على سبيل الاعتراض وحاشاه، وهو القائل في سورة نوح {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}، فكان الجواب: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، فكان الرد: {قَالَ رَبّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الخَاسِرينَ}، فالأمر كله على سبيل الاستعلام لا على سبيل الاعتراض وحاشاه وهو النبي المرسل، ومن أولي العزم من الرسل أن يعترض على حكم الله، ثم إنّ (الراجح) كما قال الكثير من المفسرين المحققين أنّ الابن كان متظاهرا بالإيمان مبطناً للكفر، ويدل على ذلك قول نوح لابنه عندما امتنع أن يواكب أباه في ركوبه السفينة: (يَا بُنَىَّ ارْكَب مَعَنَا وَلاَ تَكُن مَعَ الْكَافِرينَ )، أي لا تكن معهم حتى تشاركهم في البلاء، ولو كان عارفاً بكفره لكان عليه أن يقول: (ولا تكن من الكافرين )، فلما أدركه الغرق أدركته الحيرة في أنّه كيف غرق مع أنّ وعده سبحانه حق لا يشوبه ريب، ولم يكن نوح مطّلعاً على باطن ابنه، بل كان معتقداً بظاهر الحال أنّه موَمن، وعندئذ استفسر بقوله: {انّ ابنى من أهلي وإن وعدك الحق}، وأجابه الله تعالى بأنّه ما أدركه الغرق إلاّ لاَجل كفره، فهو لكفره كان داخلاً في قوله تعالى: {إلاّ من سبق عليه القول} أي بالكفر والعناد،) كان نوح (عليه السلام) يتصور أنّ ولده موَمن فاستفسر من العليم الحكيم، فنبّهه سبحانه على أنّه ليس من أهلك، والمعنى: (انّ ولدك وإن كان من نسلك لكنّه ليس من الاَهل الذين وعدت بنجاتهم وخلاصهم لأنه كافر داخل في المستثنى بقولي: {إلاّ من سبق عليه القول منهم}، وهم الكفار، وقوله عليه السلام: {وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}، ليس معناه وقوعه في الذنب، فطلب المغفرة والرحمة لا تلازم بينه وبين المعصية، وقد كان النبي jيكثر من قول (استغفر الله العظيم من كل ذنب واتوب إليه )، وكان الصحابة رضي الله عنهم يحصون له في المجلس الواحد أكثر من سبعين استغفارا، وليس استغفار من ذنب وإنما من تقصير في حق الإلهية والربوبية بسبب عجز الجنس البشري وإن كان كاملا كما هو حال الانبياء عن استيفاء حقوق الربوبية والعبودية والإلهية لله.
و(قالت الأشاعرة): كذلك العصمة في جق نبي الله إبراهيم عليه السلام: فمن الحجج الواهية التي يتمسك بها أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ التشويش على عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في انه استدل لمعرفة ربه سبحانه بأفول الكواكب والقمر والشمس، وأنه قبل ذلك لم يجري عليه القلم، وهذا من أجهل الجهل بحال الأنبياء وعصمتهم، والخليل إبراهيم (عليه السلام) هو خير أولي العزم من الرسل بعد النبي صلى الله علسيه وسلم، خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، أي وفى بكل ما امره الله تعالى به، وكان له موقف مع كل أهل الشرك، وقال سبحانه مخاطبا سيد المرسلين بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّني هَدَاني رَبّي إِلَى صِـرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، ومع كل هذا الثناء على الخليل إبراهيم (عليه السلام) يريد أهل الحشو أن ينسبوا إليه ما لا يليق، (1) قوله تعالى: {وكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَالاَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِين * فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِني رَبّي لا ََكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْركُونَ}، قال أهل الحشو: قوله: (هذا ربي) في المواضع الثلاثة ظاهر في أنّه (عليه السلام) كان في صباه وقبل البلوغ وقبل أن يجري عليه القلم في مقام البحث والتحري عن الإله حتى وصل إلى الرب الحق، وهذا الذي قالوه لا يجوز نسبته إلى أحد من الانبياء فضلا عن الخليل، إذا الانبياء مفطورون على التوحيد مذ ولادتهم وإلى أن يلقوا الله على ذلك التوحيد، هم يجهلون طريقة الخليل عليه السلام، فطريق الخليل عليه السلام هو تبني قول الخصم ثم الاتيان عليه من قواعده فلا يدع مجالا لمجادل، فقد كان إبراهيم الخليل عليه السلام في معرض المحاججة مع قومه، وكان بعضهم يعبد الكواكب والبعض يعبد القمر وابعض يعبد الشمس، فأتى على معبوداتهم يهدم اعتقادهم ويثبت لهم أنهم على الباطل، فكان أوقع في نفوسهم واثبت للحجة ان يتبنى مذهبهم أولا ثم يبطله ثانيا، كما فعل مع الأصنام فإنه بعدما كسرها قال (بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون} فهو يثبت لهم انها لا تصلح للإلهية لأنها خرساء عاجزة عن الدفاع حتى عن انفسها، فكيف تدافع عن عابديها، وكان الحاصل كما ذكر القرآن الكريم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}، فكانت الفرصة التي يريدها الخليل فقال كما ذكر القرآن الكريم: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، عبر لهم عن حقيقة أصنامهم وانها لا تضر ولا تنفع، فأبوا: و {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}، فتدخلت القدرة الإلهية بقوله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}، هذا هو الحاصل، طريق الخليل عليه السلام هو تبني قول الخصم ثم الاتيان عليه من قواعده فلا يدع مجالا لمجادل، ولذا قال تعالى في خاتمة الآيات: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، ولهذا قال أهل العلم بالأصول أنّ إمام المتكلمين بعد النبي jهو الخليل إبراهيم عليه السلام.
و(قالت الأشاعرة): كذلك العصمة في جق نبي الله يوسف عليه السلام: فمن الحجج الواهية التي يتمسك به أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ التشويش على مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، استدل أهل الحشو بقوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، في هم يوسف عليه السلام بامرأة العزيز، وزعموا انه قد وقع منه الهم ولكن تداركته رحمة الله فرأى برهان ربه فامتنع من المعصية، وكلامهم باطل لا أساس له من الصحة، ومن فهم اللغة علم ان (لولا) حرف امتناع لوجود، امتناع الهم لوجود العصمة، فلولا انه رأى برهان ربه (النبوة والعصمة) لوقع منه الهم ولكنه لم يقع منه الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، أهل الحشو ذكروا المحال وانه وقع منه (الهم) جزما، فلولا انه رأى برهان ربه لوقع منه الهم ولكنه لم يقع من الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، والعصمة هي اليقين المانع من الذنب، فمحال أن يقع في قلب نبي هم بمعصية فكيف بالزنا والعياذ بالله، سبحانك هذا بهتان عظيم، ومن تدبر قوله تعالى لنبيه سيد الانبياء والمرسلين: {وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيءٍ} ومحال أن نظن بحبيب الرحمن وسيد الانام ظاهر المعنى، (لولا) حرف امتناع لوجود، والمعنى أنه لولا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ بالنبوة والعصمة لكان يسري عليك ما يسري على بني آدم، ولكنه لا يكون لما فضلك الله به من الرسالة والنبوة والعصمة.
و(قالت الأشاعرة): كذلك العصمة في جق نبي الله موسى عليه السلام: وموسى عليه السلام كليم الله، أحد أولي العزم من الرسل، قال تعالى عنه: {وَ اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الاَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}، استدلوا على عدم عصمته بثلاثة أمور: (الأول) قتله القبطي وتوصيفه بأنّه من عمل الشيطان، و (الثاني) أخذه الغضب وألقى الألواح وفيها كلام الله، ثم لما سكت غنه الغضب أخذها، قال تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}، و (الثالث) مشاجرته أخاه هارون النبي مع عدم كونه مقصّـراً، (الأمر الأول) قتله القبطي وتوصيفه بأنّه من عمل الشيطان: قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أهلها فَوَجَدَ فِيهَا رَجُليْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذا مِنْ عَدُوِّه فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفْسِي فَاغْفِر لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، قالوا: قتل نفسا واقر بانه كان من عمل الشيطان، واقر بالظلم وطلب المغفرة، فغفر الله تعالى له، وكلامهم كله من الجهل المركب، فإنّ نبي الله موسى عليه السلام قال ذلك هضما لنفسه على عادة الأنبياء، لأنه لا دخل له في مقتل هذا الجندي، وإنما هو قدر الله، وقد كان النبي jيدعو كثيرا بهذا الدعاء ويستغفر الله في كل مجلس ويتوب إليه، واما دعائه لنفسه بالمغفرة {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فليس في طلب المغفرة أي دليل على صدور المعصية، لاَنّ المغفرة تأتي بمعنى الستر، وكان اكثر دعاء النبي j(الاستغفار) ولا يلزم من ذلك المعصية، ولكنه التقصير في حق الإلهية والربوبية وحقهما فوق طافة البشر ولو كانوا انبياء، فلزم الاستغفار من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، وحاصل القصة: أنّ موسى عليه السلام لم يكن يقصد قتله وإنما أراد أن يردعه عن ظلم المظلوم فوكزه بغير نية القتل فمات بقدره، لقد كان المقتول من جند فرعون الذين علوا في الأرض ظلما وفسادا، قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَونَ عَلا فِي الا ََرْضِ وَجَعَلَ أهلها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ويَسْتَحْىِ نِساءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدينَ}، ولم يكن فرعون قائماً بهذه الاَعمال إلاّ بجنده الظالمين، ولهذا الظلم كان هذا الرجل من أعداء موسى، لأنه كان كافرا بالله ظالما في معاملة عباد الله من نسل يعقوب وقد كانوا آنذاك هم المؤمنون، وعلى ذلك فقتل مثل هذا الكافر الظالم لا يعد عملاً قبيحاً، وقد كان بصدد قتل المؤمن من شيعة موسى عليه السلام، ولم يقصد موسى قتله، فلا يعد هذا معصية ولا ذنبا، واما قوله عليه السلام: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}، يقصد المشاجرة والاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، ولا حرج في نسبة المعاصي إلى الشيطان، كما قال سبحانه: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الاَنْصابُ وَ الاَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوه ُلَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، أما قوله تعالى حكاية عن الكليم موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فإنه قال ذلك هضما لنفسه على عادة الأنبياء، لأنه لا دخل له في مقتل هذا الجندي وإنما هو قدر الله.
أما(الامر الثاني والثالث) أخذه الغضب وألقى الألواح وفيها كلام الله، وجذب أخاه هارون النبي من لحيته ورأسه مع عدم كونه مقصّـراً، فلها قصة لا يصلح معها إلا ما فعله موسى عليه السلام، واعد الله تعالى موسى ـ بعد أن أغرق فرعون وجنده ـ بأن يأتي جانب الطور الاَيمن فيوفيه التوراة التي فيها بيان الشرائع والاَحكام وما يحتاج إليه، وكانت المواعدة على أن يوافي الميعاد مع جماعة من وجوه قومه، فتعجّل موسى من بينهم شوقاً إلى ربّه وسبقهم على أن يلحقوا به، ولمّا خاطبه سبحانه بقوله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} أجابه كما جاء في القرآن الكريم: {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} (على أثري) وورائي يدركونني عن قريب، وعند ذلك أخبره سبحانه بأنّه امتحن قومه بعد فراقه (وأضلّهم السامري)، فرجع موسى من الميقات إلى بني إسرائيل حزيناً مغضباً، فرأي أنّ السامرى (أخرج لهم عجلاً) جسداً له صوت، وقال: إنّه إله بني إسرائيل عامة، وتبعه السفلة والعوام، واستقبل موسى هارون فألقى الاَلواح وأخذ يعاتب هارون ويناقشه، الموقف لا يحمل أقل من ذلك، لان بني اسرائيل هلكوا وكفروا بعد كل الآيات والمعجزات وعبدوا العجل، قال تعالى : {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الاَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوْا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِىَ الاَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، فنبي الله موسى عليه السلام أخلف هارون عليه السلام على قومه، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لاَخِيهِ هَارُونَ اخُلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}، وقام هارون بوظيفته في قومه، فعند ما أضلّهم السامري ناظرهم بقوله: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}، فاكتفى بالبيان انتظارا لمقدم موسى عليه السلام، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}، السامري أضل بني إسرائيل، وعبدوا العجل من دون الله، فكان لابد في هذا الموقف العصيب أن يظهر موسى عليه السلام غاية الغضب غضبا لله، وانتصارا لعقيدة التوحيد، وتنبيها لقومه ان ما فعلوه كفر اكبر اهدر كل ما كانوا عليه من الإيمان، وفي هذا الظرف العصيب أظهر كليم الله غضبه بإلقاء الاَلواح جانباً، ومناقشته أخاه بقوله: (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)، فلا يحتمل الموقف غير هذا، وإلا لتهاون بني إسرائيل وحسبوا الموقف هينا، وهو عند الله عظيم، أهلك الله عدوهم، فكان المترقب منهم هو الثبات على طريق التوحيد ومكافحة ألوان الشرك ـ ومع الاَسف ـ فإنّهم كفروا بالله وعبوا العجل، بنو إسرائيل كانوا غافلين عن مدى الجرم الذي ارتكبوه فكان لابد أن ينبههم رسولهم على خطورة الامر، وإلا تمادى القوم في غيّهم وضلالهم وحسبوا أنّهم لم يقترفوا ما يستحقون عليه اللوم والعتاب، وهكذا قام الكليم بمعالجة القضية، ولولا ما قام به لهلكت أمته وكانت من اخس الامم كفرا وجهلا حيث عبدوا عجلا بعدما راوا من الايات الباهرات.
و(قالت الأشاعرة): كذلك العصمة في جق نبي الله داود عليه السلام: فمن الحجج الواهية التي يتمسك بها أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل التشويش على مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في عصمة نبي الله داود (عليه السلام)، قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ينقل أهل الحشو – بلا حياء – ما جاء في الاسرائيليات أن نبي الله داود عليه السلام كانت له تسع وتسعون امرأة , ولكنه أحب زوجة احد قادته فكان يرسله لقتال الأعداء أملا في موته، حتى قتل، فتزوج امرأته، فبعث الله مَلَكين في صور إنسيين , فطلبا أن يدخلا عليه, فوجداه في يوم عبادته, فتسوّروا عليه المحراب وكانت القصة، ونحن نربأ بأنبياء الله تعالى المعصومين أن يصلوا إلى ما في القصة من الظلم واللؤم، يتغمد قتل الجندي حتى يستأثر بزوجته، هذه أكاذيب الإسرائيليات، والقصة على خلاف ذلك تماما، أراد الله تعالى أن يعلم نبيه التأني في القضاء لانه سيجعله خليفة في الارض يقضي بين الناس فلابد من سماع حجج جميع الأطراف حتى لا يقع في ظلم احد، فأرسل له الملكين في صورة رجلين فلما عرض الاول قصته تعجل في الحكم قبل سماع حجة الثاني، فاختفى الملكان وعلم داود انه تعليم من الله تعالى كيف يكون القضاء بين الناس، فلما تاب واناب وعلم احكام القضاء خاطبه الله تعالى بقوله: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}، لقد كان الهدف من طرح تلك الواقعة هو تسديد نبي الله داود في خلافته وحكمه بين الناس حتى يمارس القضاء بالنحو اللائق بساحته ولا يغفل عن التثبت.
و(قالت الأشاعرة): كذلك العصمة في حق سيد الخلق j: قال أهل الحشو: المغرمون بالتشويش على عصمة الأنبياء، جاء في حقه الكثير من العتاب، ولكن الله تاب عليه وعفى عنه، ففي سورة التَّوْبَة، قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 44 ]، وفي سورة الْأَنْفَال {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} [الأنفال: 67]، وفي سورة الأحزاب، {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]، وفي سورة التَّحْرِيم {يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك تبتغي مرضات أَزوَاجك}، وفي سورة عبس: {عبس وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى}، وفي سورة الضحى: {ووجدك ضالا فهدى}، وفي سورة الشرح: {ووضعنا عَنْك وزرك الَّذِي أنقض ظهرك}، وكلها في صف الرسول ولكنها تعمى القلوب التي في الصدور.
(أولا) قوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}، {عفا الله عنك لم أذنت لهم}، تلطف تعالى في عتاب الرسول، حيث قدم العفو على العتاب اكراما له عليه السلام، والمعنى: سامحك الله يا رسول الله، لم اذنت لهؤلاء المنافقين، في التخلف عن الخروج معك بمجرد الاعتذار، وكلنا يعلم من خلق النبي jأنه كان لا يرد سائلا أبدا ولا يعنف معتذرا أبدا بل يكلهم إلى نياتهم والله عالم بحالهم يحاسبهم وفق علمه وحكمته، وهو الذي قال الله فيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فالقصة كلها اجتهد النبي jورأى ان الاذن لهم في مصلحة الامة، واخبره القرآن الكريم ان اجتهاده كان خلاف الأولى.
(ثانيا) قوله تعالى: {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} [الأنفال: 67]، الملاحظ في قضية أسرى بدر أنه لم يسبق وجود حكم إلهي في الامر، بل كان اجتهادا من الرسول jووافقه في هذا الاجتهاد أبوبكر الصديق رضي الله عنه، ومعروف من عظيم اخلاقه jولينه وحبه للعفو والكرم والسخاء، فقد أسر المسلمون سبعين منهم، فاستشار الصحابة وأخذهم بالرفق واللين وقرر إعفاءهم من القتل، وقبول الفدية ممن يستطيع منهم، ومن لم يكن معه مال، كان فداؤه أن يُعلّم بعض المسلمين القراءة والكتابة، وكان رأي عمر رضي الله عنه أن تضرب أعناقهم، وكان رأي أبي بكر أن تعفو عنهم، وأن يقبل منهم الفداء، فعفا النبي jعنهم، وقبل منهم الفداء وأنزل الله – عز وجل -: (لولا كتاب من الله سبق) الآية) فالقضية كلها كانت اجتهاد فيما لم يرد فيه نص، واخذ النبي jبالرفق واللين، فليس هناك ذنب، وإنما هو من باب الاجتهاد فمن أصاب فله أجران ومن أخطا فله أجر، ولم يكن العتاب لشخص النبي jوإنما هو التشريع الرباني الذي لا يُجامل أحدا، والملاحظ هاهنا انّ العتاب لم يكن موجها إلى النبي j، وإنما هو عتاب لبعض الصحابة ليس على اختيارهم للفداء، وإنما على نياتهم فيه، {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة}، فنية الرسول jجزما كانت مصلحة الإسلام والمسلمين ولعل الله ان يهدي بعض هؤلاء الاسارى إلى الإسلام وهذا قد حدث مع عمه العباس رضي الله عنه، ولكن العتاب منصرف إلى نيات أولئك الذين قدموا عرض الدنيا على الآخرة، حين تخيروا الفداء أنهم ما راعوا فيه إلا محبة المال لنفع أنفسهم فعاتبهم الله على ذلك.
(ثالثا) قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37]، فالآيات ليس بها عتاب للنبي jعلى خطأ ما، ولكنه كان توجيها إلهيا لإبطال عادة التبني، حيث أوحى الله للنبي jبأن زينب ستكون زوجته بعد أن يطلقها مولاه زيد، وأخفى النبي jذلك خوفا من كلام المنافقين، ورحمة بأصحابه، وكان كلما جاء زيد يطلب الطلاق، يأمره بالتمسك بها (“أمسك عليك زوجك”)، بينما كان jيعلم أن الفراق لا بد منه، ولكنه كان صابرا حتى يقضي الله امرا كان مفعولا، ويعلم الناس جميعا أنها إرادة الله وليست رغبة شخصية للنبي j، فجعله الله تعالى أسوة وقدوة في إزالة جاهلية التبني، وابطال عادة العرب في ذلك، فقد كانت عندهم كبيرة أن يتزوج الرجل بحليلة ابنه ولو كان من التبني، ثم جاء الوحي القرآني لرفع الحرج عن النبي j، {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}، ومن روعة وجمال زيد رضي الله عنه ذهب سريعا يُبشر زينب بأعظم بشارة الا وهي أنّ رسول الله jخطبها، وانها ستصبح من أمهات المؤمنين إلى يوم الدين وانه صار ابنا لها بحكم الله تعالى.
(رابعا) قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} القضية ليست تحريما عاما، وإنما هو في حق نفسه jكالعادة يجيء على نفسه من اجل الناس، وننتبه في قوله تعالى {لك} والمعنى يا أيها النبي، لماذا تمنع نفسك من شيء أباحه الله لك؟ تبتغي مرضاة أزواجك، أي كنت تفعل ذلك لتكسب رضا بعض زوجاتك، فأي ذنب هاهنا، للنبي jوإنما موقفه جاء من عظيم أخلاقه وهضم نفسه jوالله تعالى يُشفق عليه، وإنما كان العتاب لزوجات النبي j، ولذلك قال تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا}
(خامسا) قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الاَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمّا مَنِ اسْتَغْنَى * فأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، روى المفسرون أنّ عبد الله بن أُمّ مكتوم الاَعمى أتى رسول الله وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأُبيّاً وأُمية ابني خلف، يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، فجاء عبد الله وهو لا يرى القوم،: وقال اقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله، فظهر العبوس اللاإرادي على وجه النبي j، لأنه كان مشغولا بالقوم يرجو اسلامهم، فنزلت الآيات، الموقف غريب النبي jيدعو علية القوم وعبد الله لا يرى المجلس لأنه كان أعمى، ولو كان مبصرا لما فعل ولو فعل لظهرت البشاشة في وجه النبي لأتباعه، والموقف تلقائي لا إرادي، ولكنه التأديب الرباني لأعظم انسان عرفه التاريخ، ولذلك كان رسول الله بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه يقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي فاين التقصير الذي يشوش به الخوارج والحشوية هنا، اجتهد لما رآه مصلحة الاسلام، وكانت حياته كلها له، حتى خاطبه الله تعالى بقوله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، اجتهد وبين القرآن أنه خلاف الأولى، فنحن بين الصواب والأصوب، وبين الكمال والاكمل، وهو يبين مدى حرص النبي jعلى هداية الناس أجمعين، حتى خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}
(سادسا) وفي سورة الضُّحَى: {ووجدك ضَالًّا فهدى} والمعني أن الله وجدك غافلا عن طريق النبوة والشريعة الكاملة فهدَاك إليها، والآية إشارة إلى عناية الله بالرسول jقبل النبوة وبعدها، وتوجيهه له من حال إلى حال أفضل، فهو لم يكن ضالاً بالمعنى الشرعي، بل على معنى اللغة: (ضالاً عن تفاصيل الدين الذي سيُوحى إليه لاحقاً)، أي لا يعرف تلك التفاصيل، ووالله لقد سمعت أحد اهل الحشو المتمسلفة أصحاب غلظة القلب والجفاء وسوء الادب يقول في هذه الآية الرسول نفسه كان ضالا فهداه الله، فأين هؤلاء من أهل التخصص أهل الادب والرسوخ في العلم، وصدق الله تعالى في قوله تعالى: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء: 83].
(سابعا) قوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 1 إلى 3]، أهل الحشو يقولون أوزار الجاهلية وما قبل البعثة المحمدية، وهذا ناشئ من عدم معرفتهم بالنبي jكما قال تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [المؤمنون: 68]، فهم لم يعرفوا نبيهم صاحب الخلق العظيم، فإنّ الوزر الذي أنقض ظهر النبي محمد (j) هو الهموم التي كان يتحملها من قومه، من كفرهم وجحودهم وتكذيبهم، كما جاء في قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]ن وقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3، 4]، وباخع نفسك أي قاتل نفسك كمدا وحزنا، فهذا هو الحمل الثقيل والوزر الذي أنقض ظهر النبي j، والوزر في اللغة يأتي بمعنى الذنب، ويأتي بمعنى الحمل الثقيل الذي ينقض الظهر، فالله تعالى رفع عنه هذا الثقل الشديد، وبشره بالفتح حتى لا يكون مكان في الأرض إلا ويصله الإسلام، وبشره باليسر بعد العسر، فقال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}، فإذا إذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء، وإذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل وإذا فرغت من العبادة فانصب إلى الطاعة، وإلى ربك فارغب وتقرب إليه بالدعاء والتضرع والإخلاص، تطلب منه ما عنده من الخير والمغفرة والرضا.
وقالت الأشاعرة: الرسول (أي رسول) هو المثل الأعلى لأمته، والذي يجب الاقتداء به في كل اعتقاداته وأقواله وأفعاله وأخلاقه، وهو الأسوة الحسنة بشهادة الله له، لذلك وجب أن تكون كل اعتقاداته وكل أفعاله وكل أقواله وجميع أخلاقه موافقة لطاعة الله عزّ وجل، ووجب ألا يدخل في شيء من اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه معصية لله تعالى، لأنه قدوة، مكلّف برسالة، يؤديها كما اراد الله، والناس مكلفون بالاقتداء به في أقواله وأفعاله وأخلاقه ومعتقداته، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، فإذا أمكن أن يفعل الرسل المعاصي، كان معنى الأمر أن يتخذوهم أسوة في المعاصي، وهذا مستحيل، لأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا انبياءه يأمرون بالفحشاء، وقد جعل الله تعالى طاعة الرسل من طاعة الله، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء:80]، وقال في حق النبي j: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }، فلابد وأن يكونوا على العصمة التامة.
ومن الأدلّة العقلية على عصمة الأنبياء: (اولا): لو لم يكن النبيّ معصوماً لانتفى الوثوق بقوله، فكيف يأمر الناس باتباعه، (ثانيا) لو جازت عليه المعصية، وفي نفس الوقت وجب علينا اتباعه، لكان المعنى يلزم اتباعه حتى في المعصية وهذا محال، (ثالثا) لو جازت على النبيّ المعصية لجاز أمره بالمعروف ونهيه عن النكر، وهذا محال لان طاعته من طاعة الله، فكيف يؤمر هو بطاعة الله، (رابعا) المعصية ظلم، والله تعالى يقول: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}{البقرة/۱۲٤} أي لا ينال النبوة ظالم، (خامسا) النبيّ أُسوة وقدوة، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة }، فلو صدرت منه المعصية لاقتدى به الناس، وصارت المعصية في حق الناس طاعة فتتعارض الحقائق، وتضيع الشرائع، (سادسا) النبيّ أمين، والعاصي خائن، ولا يؤتمن الخائن، فلا تجوز المعصية في حقه، والله تعالى بقول: {لا ينال عهدي الظالمين }، (سابعا) لو صدر الذنب عنهم لوجب زجرهم، لكن زجر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير جائز، لقوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) فكان صدور الذنب عنهم ممتنعا، (إذن): كل ما ورد في الشرع مما يوحي بوقوع المعصية فهو محمول على أحسن المحامل وأصحها مما يحفظ جناب الأنبياء والمرسلين، والقرآن الكريم لم ينص صراحة على معصية نبي إلا معصية آدم عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] وقد ذهب الحذاق من أهل العلم إلى القول بأن نهي آدم عن الأكل من الشجرة كان نهي إرشاد ونصح وإعلام، وليس نهيا على جهة التكليف يترتب عليه عضب من الله، وانه لما أكثر الشيطان الوسوسة عليه، نسي نصح الله تعالى له فأكل منها غير عامد لمخالفة أمر الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا }، فـ (آدم) عليه السلام كان النهي عن الأكل من الشجرة نهي نصح وإرشاد، ولم يكن نهيا على جهة التكليف، لابد من توجيه الآيات وتفسيرها بنحو لا يتنافى مع عصمة الأنبياء عليهم السلام، آدم عليه السلام ترك الأولى، وخالف الأمر الإرشادي فسمّي ذلك عصياناً، لأنّ الله تعالى أوحى لآدم عليه السلام: أنّك يا آدم اذا اردت البقاء في الجنّة فلا تأكل من هذه الشجرة، فإن اكلت منها فسوف تطرد من الجنة، ومثل هذا النهي لا يكون مخالفته قادحاً في العصمة، بل غاية ما هنالك أنه يترتّب عليه الأثر، وهو الخروج من الجنّة والابتلاء بالاستقرار في الأرض، ويوسف (عليه السلام) كان معصوما من الهم بامرأة العزيز: قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ أنه مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ }، ومن فهم اللغة علم ان (لولا) حرف امتناع لوجود، امتناع الهم لوجود العصمة، فلولا أنه رأى برهان ربه (النبوة والعصمة) لوقع منه الهم ولكنه لم يقع منه الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، وخاتم الانبياء j، خاطبه الله تعالى بآيات قد توهم الخطأ، و لابد من توجيه الآيات وتفسيرها بنحو لا يتنافى مع عصمة النبي j، وقد قال الله تعالى في حقه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }، وقال في حقه: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا }، وقال في حقه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ }، وقال في حقه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }، لابد من توجيه الآيات وتفسيرها بنحو لا يتنافى مع عصمة النبي j، فأكثر هذه الآيات الموهمة لوقوع الخطأ أو الذنب، يراد بها أمة النبي jكقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥]، فان الشرك مستحيل في حقّ النبي المعصوم j، لكن الخطاب متوجّه ظاهراً الى النبي صلّى الله عليه وآله، لكنّه واقعاً متوجّه الى سائر المسلمين، ومثله قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا }، واما قول الله عزّ وجلّ: {عفا الله عنك لم أذنت لهم }، فهو مخالفته للأولى في ذلك، وكل ذلك صحيح ولكن هناك أمر اصح من الآخر، كما في قوله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا }، فكلا الحكمين صحيح ولكن هناك حكم أصح من الآخر، وخلاصة القول فإن عصمة الأنبياء ثابتة لهم من الكبائر ومن الصغائر ومن مخالفة أمر الله، فإنّ الهدف من بعث الرسل وإنزال الكتب هو دعوة الناس إلى الهداية الاِلهية التي يقوم بأعبائها الاَنبياء والرسل، ولا يتحقق ذلك الهدف إلا بعصمة الانبياء والرسل، العصمة التامة التي تورث العباد الثقة بالأنبياء، ويدخل فيه عصمة الانبياء من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها.
وقالت الأشاعرة: لابد من توجيه جميع الآيات بما يتناسب وعصمة الانبياء، ومن تلك الآيات قوله تعالى: {حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدَ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّىَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَومِ الْمُجْرِمينَ }، فليست الضمائر في قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} ترجع إلى الرسل، ولكنها تعود إلى الامم، وليس إلى الرسل، ومفاد الآية انّ الرسل عليهم السلام كانوا ينذرون قومهم، وكانوا يعدون المؤمنين بالنصر والغلبة ويوعدون الكفّار بالهلاك والاِبادة، لكن إذا تأخر النصر الموعود ظنت الاَمم أنّ الرسل كذبوا في ما أخبروا به من نصر الله إيّاهم وإهلاك أعدائهم، فأخذوا يستهزئون بالمؤمنين، آنذاك: جاءهم نصرنا، فنجّي من نشاء وهم المؤمنون، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين، ومن تلك الآيات قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }، والمعنى أنه من شدة البلاء، يقول الرسول والذين آمنوا معه (متى نصر الله) مقرونة بالضراعة والالتماس، وليس مع اليأس والقنوط معاذ الله، ومن تلك الآيات قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِىٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنه الحَقُّ مِنْ رَبّكَ فَيُوَمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ }، هذه الآيات استغلها المنافقون والمستشرقون في مجال التشكيك في الوحى النازل على النبي، وفسروا إلقاء الشيطان في أُمنية الرسول أو النبي بالتدخل في الوحى النازل عليه فيغيره إلى غير ما نزل به، ثم أنه سبحانه يمحو ما يلقي الشيطان ويصحّح ما أُنزل على رسوله من الآيات، واستدلوا لذلك بما اورده المفسرون في سبب نزول الآيات، من قصة الغرانيق، وأنّ الشيطان ألقى إلى النبي jوهو يقرأ على المشركين سورة النجم ما يفيد مدح أصنامهم، ولا يخفى بطلان سند القصة على المحققين أولي البصائر والأبصار، ومما يدل على كذب وبطلان مزاعم هؤلاء: أنّ الله سبحانه وصف في صدر السورة نبيه jبقوله: {وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْىٌ يُوحى }، فلا يصح أن يصف الله تعالى نبيه في أوّل السورة بهذا الوصف، ثم يبدر من نبيه في نفس السورة ما ينافي هذا الوصف، والحفاظ قالوا انها قصة باطلة من فعل الوضّاعين الكذّابين، قال ابن خزيمة: إنها من وضع الزنادقة، وقال ابن العربي المالكي: إنها باطلة لا أصل لها، وردها القاضي عياض واستدل على بطلانها بأن الشيطان لا سبيل له ولا سلطان على عباد الله المخلصين، ومن باب الاولى على النبي j، وأن النبي jمعصوم من الزيادة والنقص في الوحي، [ومن المغالطات التي ارتكبوها في سرد قصة الغرانيق]: أنّه ظنوا ان معنى (تمنّى) في قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِىٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ }، بمعنى تلا، وانّ لفظة (أُمنيته) {أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ}بمعنى تلاوته، وهذا ليس بصحيح، لان الامنية على ظاهرها، ولم يكن للرسل والاَنبياء أُمنية أعظم من نشر الهداية بين أقوامهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ }، وقوله تعالى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرينَ }، وقوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ }، إن أُمنية النبي كانت هداية الناس إلى طريق الله، وقوله تعالى: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ}أي أغرى الناس بالكفر ومخالفة هدي الانبياء، قال سبحانه: {يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِم وَمَا يَعِدُهُمُ الشّيطانُ إلاّ غُرُوراً }، وعند ذلك يتضح مفاد الآية، قال سبحانه: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى (أي إذا فكّر في هداية أُمّته وخطّط لذلك الخطط، وهيّأ لذلك المقدمات) ألقى الشيطان في أُمنيّته) (بحض الناس على المخالفة والمعاكسة وإفشال خطط الاَنبياء حتى تصبح المقدمات عقيمة غير منتجة)، {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }، يحبط الله تعالى كيد الشيطان، وينصر رسله، كما قال تعالى: {كَتَبَ اللهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِىّ عَزِيزٌ }، وقال سبحانه: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ }، {ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}ثم يحكم الله آياته ويوَيد حججه بنصرة الرسل وأتباع الرسل.
و(الاشاعرة يقولون): قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75]، وأهم صفات الرسل الكرام (الصدق) و (الامانة) و(التبليغ) و(الفطانة) و[الصدق] في كل شيء ولا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحواله وأقواله وأفعاله، و الصفة الثانية الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (الأمانة )، و(الأمانة ): معناها حفظ ظواهر الأنبياء وبواطنهم من المعاصي والمكروهات، و (الامانة ): هي العصمة ظاهراً وباطناً من الحرام والمكروه، و (العصمة )، هي ملكة راسخة في النفس تمنع صاحبها من مخالفة شرع الله، ظاهرا وباطنا، و (العِصْمَةُ) صفة واجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام، وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المعصية، لان الله تعالى أمر الناس باتباعهم والاقتداء بهم، فلا يصح في حقهم مخالفة أمر الله، والصفة الثالثة الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (التبليغ ): وهو إيصال كل ما أمروا بإيصاله إلى الخلق، وتبليغه إلى الناس، وضده كتمان ما امرهم الله تعالى بتبليغه، فلا يكتمون شيئا من شرع الله، و الصفة الرابعة الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (الفطانة) ومعناها: الذكاء الحاد، وسرعة الفهم، والبديهة العظيمة ودقة التصرف، والتيقظ التام لإلزام الخصوم ودحض حججهم، وإبطال دعاويهم، والرسل هم أهل الاصطفاء الرباني، هم أتقى الناس لله وهم أعبد الناس لله، وهم أصدق الناس مع الله، منزهون عن الكبائر والصغائر ورذائل الأخلاق، معصومون عن الخطأ في تبليغ الرسالات، هم أهل الاصطفاء الرباني: قال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ) [القصص: 68]، وقال تعالى: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124]، ومن لوازم العصمة: العصمة من الذنوب والخطايا صغيرها وكبيرها، وكل ما ورد في الشرع مما يوحي بوقوع المعصية فهو محمول على أحسن المحامل وأصحها مما يحفظ جناب الأنبياء والمرسلين، هذا معتقد الاشاعرة والماتريدية والاثرية فهل وجدتم عقيدة ازكى من تلك العقيدة، تقديس الله قولا واعتقادا كالملائكة في قولهم { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، وتنزيه الأنبياء عن دعاوى الجهلاء والأغبياء، كان هذا بحمد الله ما يتعلق بجهود السادة الأشاعرة والماتريدية في بناء صرح العقيدة الإسلامية الصحيحة المتكاملة، وفي بيان مبحث النبوات وتنزيه الأنبياء عن دعاوى الاغبياء، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
***
([2]) صحيح البخاري 6/96 ح 4738.