عدالة الصحب الكرام وحقهم على الأمة
المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يُحِبُّون أصحاب النبي jلأنَّ محبتهم من محبة رسول الله، ومحبة رسول الله jمن محبة الله، والصحابة أفضل هذه الامة بعد رسول الله j، هم خير القرون في جميع الأمم، وهم الواسطة بين رسول الله jوبين أمَّته، إلى قيام الساعة، منهم وصل إلينا القرآن الكريم غضا طريا كما أُنزل، ومنهم وصلت إلينا السنّة النبوية المشرفة، ومنهم تلقَّت الأمةُ الشريعة، ارتضى الله دينهم فمكنهم في الأرض، نشروا الدين، وكانت على أيديهم الفتوحات الواسعة العظيمة.
وفي الصحيحَيْن من حديث أبي سعيد الخدري t قال: قال النبي j: (لا تسبُّوا أصحابي؛ فلوا أنَّ أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) ([1]) . وفيهم قال الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود t: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلبَ محمدٍ j خيرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد jفوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيِّه، يقاتلون على دينه) ([2]) .
وعن عقيدة كل مسلم صالح فيهم قال الطحاوي في عقيدته الطحاوية: (ونحبُّ أصحاب رسول الله jولا نفرِّط في حب واحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكُرهم، ولا نذكُرهم إلا بخير، وحبُّهم دين وإيمان وإحسان، وبُغضهم كفرٌ ونفاق وطغيان) ([3]) .
عدالة الصحابة في القرآن الكريم: أثبت القرآن الكريم فضلهم وعدالتهم، في العديد من الآيات أختار منها عشرة خوف الإطالة:
(1) قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} جاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كنا ألفا وأربعمائة) ([4]) .
فهذه الآية ظاهرة الدلالة على تزكية الله لهم، والرضا من الله صفة قديمة أزلية، فلا يرضى إلا على عبد علم الله انه يموت على موجبات الرضا، فمن t لا يمكن موته على الكفر أبدا، لأن العبرة بالوفاة على الإسلام. فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، والحاصل أنّ من أخبرنا الله عز وجل أنه علم ما في قلوبهم، ورضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم أو الشك فيهم البتة أنهم من أهل الرضا والرضوان ومما يؤكد هذا ما ثبت في صحيح مسلم من قول رسول الله j: (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها) ([5]) .
(2) وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].
فوصف الصحابة قديم لأنه جاء معظما في التوراة والإنجيل والقرآن، فعلم من ذلك حسن العاقبة والخاتمة، يتصفون بالولاء والبراء في الله {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، يتصفون بكثرة العبادة لله {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} لا غاية لهم سوى رضا الله {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}، نوه الله تعالى بذكرهم وأثنى عليهم في الكتب المنزلة مما يدل على الرضا بحالهم {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ}، ثم قال تعالى {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} فكذلك كان حال أصحاب رسول الله jآزروه وأيدوه ونصروه، فهو معهم كالشطء مع الزراع، لا يبغضهم إلا متهم على دينه أو كافر لا خير فيه {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}وهذا الوصف لجميع الصحابة عليهم الرضوان.
(3) وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}
يبين الله عز وجل في هذه الآيات أحوال وصفات المستحقين للفئ، وهم ثلاثة أقسام: القسم الأول: (للفقراء المهاجرين) قال الله عنهم: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، والقسم الثاني الأنصار: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) قال الله عنهم {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، والقسم الثالث: (والذين جاءوا من بعدهم) وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة، أن الذي يسب الصحابة ليس له من مال الفئ نصيب وذلك لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء القسم الثالث في قولهم {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} الآية،.
وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص t قال: الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، قال: ثم قرأ: {للفقراء المهاجرين} إلى قوله {رضوانا} فهؤلاء المهاجرون. وهذه منزلة قد مضت {الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} إلى قوله {ولو كان بهم خصاصة} قال هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت. ثم قرأ {والذين جاءوا من بعدهم} إلى قوله {ربنا إنك رءوف رحيم} قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، يقول: أن تستغفروا لهم) ([6]) . وجاء في صحيح مسلم: (قالت عائشة رضي الله عنها: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي jفسبوهم) ([7]) . وجاء في صحيح مسلم قوله j: (لا تَسُبُّوا أَصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أَنَّ أَحدكم أَنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه) ([8]) .
(4) وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ y وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]، فرضى الله عن السابقين الاولين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، فمن اتبعهم بإحسان كان جزاؤه الرضا والجنات، فدل ذلك على أن السابقين الأولين أهل إحسان نالوا الرضا والخلود في جنات النعيم {y وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
(5) وقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10]، فالسابقون الاولون قبل صلح الحديبية أعظم درجة من الذين جاءوا من بعدهم وجميعهم من أهل الجنة بلا ريب لقوله تعالى: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}
(6) وقوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117]، وقد حضر في هذه الساعة من غزوة تبوك جميع من كان موجوداً من الصحابة، إلا من عذر الله من النساء والعجزة، أما الثلاثة الذين خُلفوا فقد نزلت توبتهم بعد ذلك فدل ذلك على توبة الله لجميع الأصحاب y وأرضاهم.
(7) وقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أهل الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]، فخير أمة أخرجت الناس هي أمة الإسلام وخير هذه الأمة هم الصحابة، لقوله j: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) ([9]) .
ولذلك قال أهل العلم: خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين هم أصحاب النبي jللجمع بين آية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 10]، والحديث (خير الناس قرني)
(8) وقوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16]،
(9) وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
(10) وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]، والمراد بهذه الآيات هم المخاطبون عند نزول الوحي وهم صحابة رسول الله jورضي الله عنهم أجمعين، وهذه بعض الآيات الدالة على عدالة الصحابة في القرآن الكريم ولولا الإطالة سردت أكثر من مائة آية تدل على عدالتهم وفضلهم.
أدلة عدالة الصحابة من السنة المطهرة أحاديث كثيرة منها:
(1) أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شئ، فسبه خالد. فقال رسول الله j: (لا تسبوا أحداً من أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل اُحُد ذهباً ما أدرك مُد أحدِهم ولا نصِيفَه) ([10]) . والصحابة هم – كما قال ابن حجر في الإصابة (وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي jمؤمناً به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو عنه ومن غزا معه أو لم يغز معه ومن رآه ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى) ([11]) .
فكل من صحب النبي jسنة أو شهراً أو يوماً أو رآه مؤمناً به، فهو من أصحابه، له من الصحبة بقدر ذلك، فإن قيل: فلِمَ نَهى خالداً عن أن يسب أصحابه إذا كان هو من أصحابه أيضاً؟ قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه من السابقين الأولين، الذين صحبوه في وقت كان خالد يعاديه فيه، وكل من جاء من المسلمين بعد ذلك إلى قيام الساعة مخاطب بالحديث في حق الصحابة y (فإن أحدكم لو أنفق مثل اُحُد ذهباً ما أدرك مُد أحدِهم ولا نصِيفَه).
(2) قوله jلعمر: (وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ([12]) . والمعنى أن أهل بدر جميعهم حازوا الرضوان الأبدي فلا يؤاخذون على معصية بعدها أبدا، والمعنى أن أعمالهم السيئة تقع مغفورة، فكأنها لم تقع، وهذا الخطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم، بل يموتون على الإسلام.
(3) عن عمران بن الحصين t، قال رسول الله j: (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذيم يلونهم) قال عمران:(فلا أدري؛ أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً)([13]) . فالصحابة هم خير أهل الإسلام بنص الحديث، ثم من بعدهم التابعين للصحابة ثم تابعي التابعين للصحابة y.
(4) عن عبدالله بن مسعود t أن النبي jقال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) ([14]) .فخير أمة أخرجت الناس هي أمة الإسلام وخير هذه الأمة هم الصحابة ولذلك قال أهل العلم: خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين هم أصحاب النبي jللجمع بين آية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}والحديث (خير أمتي قرني) و(خير الناس قرني)
(5)عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله jقال: (النجوم أمَنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يُوعَدُون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعَدُون) ([15]) . والأمنة هي الأمان فوجود احد هؤلاء الصحابة أمان للأمة جميعها.
(6) والحديث السادس: عن واثلة يرفعه: (لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأي من رآني وصاحبني) ([16]) .
(7) وعن بريدة t قال: قال رسول الله j: (ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بُعث قائداً ونوراً لهم يوم القيامة) ([17]) . فالصحابة أئمة المسلمين فمن بعث فيهم في مكان فهو القائد والدليل للمسلمين في هذا المكان.
(8) عن انس t، عن رسول الله j: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الانصار) ([18]) . وقال في الأنصار كذلك: (لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ) ([19]) أي علامات كمال إيمان المسلم حب الأنصار من أجل محبتهم للرسول jومناصرتهم وتأييدهم له، فمن أحبهم لهذا الغرض كان ذلك علامة واضحة، ودليلاً قاطعاً على كمال إيمانه، (وآية النفاق بغض الأنصار) أي وعلامة النفاق بغض الأنصار من أجَل مناصرتهم للنبي j، فمن أبغضهم لهذا السبب فهو منافق ولا شك.
(9) عن عمر بن الخطاب t، أن رسول الله jقال: (أكرموا أصحابي؛ فإنهم خياركم) ([20]) .وفي رواية أخرى: (احفظوني في أصحابي) ([21]) .
(10) عن عبدالله بن مغفل المزني t قال: قال رسول الله j: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم بعدي غرضاً فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم, ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) ([22]) . والحديث ينهى عن سب أحد من أصحاب النبي j، (فمن أحبهم فبحب النبي jأحبهم ومن أبغضهم فببغض النبي jأبغضهم, ومن آذاهم فقد آذى النبي jومن آذى النبي jفقد آذى الله ومن آذى الله تعالى يوشك أن يأخذه)
والأحاديث في فضائل الصحابة أكثر من ان تُحصر، وقد أفرد أصحاب الكتب الستة جميعهم أبوابا في فضائل الصحابة، وقد جمع الإمام أحمد رحمه الله في كتابه (فضائل الصحابة) مجلدين، قريبا من ألفي حديث وأثر في فضائل الصحابة y وأرضاهم.
أما ثناء الصحابة على الصحابة فالله در عبد الله بن مسعود t حيث قال وصدق فيما قال: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد jخير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ) ([23]) .
وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث قال وصدق فيما قال: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد j، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه j، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد jكانوا على الهدى المستقيم، والله رب الكعبة) ([24]) .
وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال وصدق فيما قال: (إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص نبيه محمدا jبصحبة آثروه على الأنفس والأموال وبذلوا النفوس دونه في كل حال ووصفهم في كتابه فقال: رحماء بينهم فقاموا بمعالم الدين وناصحوا الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وأسبابه وظهرت آلاء الله واستقر دينه، ووضحت أعلامه وأذل الله بهم الشرك وأزال رؤوسه ومحا دعائمه وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة أولياء وكانوا بعد الموت أحياء وكانوا لعباد الله نصحاء وصلوا إلى الآخرة قبل إن يصلوا إليها وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها) ([25]) .
وها هو سيدنا علي بن أبي طالب t يذكر أصحاب رسول الله jمقارناً بينهم وبين شيعته فيقول: (لقد رأيت أصحاب محمد jفما رأيت أحداً يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً يراوحون بين جباههم وخدودهم ويقفون على مثل الحجر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجوهم اذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء الثواب) ([26]) .
ويقول أيضاً في حقهم مقارناً بينهم وبين شيعته آسفاً على ذهاب أصحاب النبي j: (أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه وقرءوا القرآن فأحكموه وسلبوا السيوف أغمادها وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً بعض هلك وبعض نجا ولا يبشرون بالأحياء و لا يُعزون عن الموتى، مره العيون من البكاء خمص البطون من الصيام ذبل الشفاه من الدعاء صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين أولئك خواص الذاهبون فحق لنا أن نظمأ اليهم ونفض الأيدي على فراقهم) ([27]) .
(معتقد أهل السنة والجماعة في الصحابة):
عدل وسط في باب الصحابة رضي الله تعالى عنهم بين كافة فرق الضلال من أهل الإسلام كالخوارج والشيعة والمعتزلة، (الخوارج) يكفرون علي ابن أبي طالب t ويكفرون من والاه، و(الروافض) يلعنون أصحاب النبي jويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، و(المعتزلة) يقولون بفسق بعض الصحابة دونما تحديد، إما طائفة الإمام علي t، وإما طائفة الزبير وطلحة رضي الله عنهما، وإما طائفة معاوية t.
و(أهل السنة والجماعة)، يوالون أصحاب رسول الله jجميعا ويترضون عنهم جميعا، ويؤمنون ويقرون بما أثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم , ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء، لمشاهدة رسول الله j، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال، وأنّ فضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأفضل الصحابة الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وضي الله عنهم، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل بيعة الرضوان ثم من آمن قبل فتح مكة ثم بقية الصحابة y أجمعين، وهم يتذكرون دائما قول النبي j: (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) ([28]) .وقول ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ([29]) .
***
([1]) صحيح البخاري 5/8 ح 3673 صحيح مسلم 4/1967 ح 2540.
([2]) أخرجه الإمام أحمد في “المسند” (6/ 84)، برقم 3600.
([4]) صحيح البخاري 5/123 ح 4154.
([5]) صحيح مسلم 4/1942 ح 2496.
([6]) المستدرك للحاكم 2/526 ح 3800. وصححه ووافقه الذهبي.
([7]) صحيح مسلم 4/3217 ح 3022.
([8]) المصدر السابق 4/1967 ح 2540.
([9]) صحيح البخاري 3/171 ح 2652، صحيح مسلم 4/1963 ح 2533.
([10]) صحيح البخاري 5/8 ح 3673 صحيح مسلم 4/1967 ح 2540.
([11]) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر: 1/158.
([12]) صحيح البخاري 8/57 ح 6259، صحيح مسلم 4/1941 ح 2494.
([13]) صحيح البخاري 5/2 ح 3650. صحيح مسلم 4/1963 ح 2533.
([14]) صحيح البخاري 3/171 ح 2652، صحيح مسلم 4/1963 ح 2533.
([15]) صحيح مسلم 4/1961 ح 2531.
([16]) مصنف ابن ابي شيبة 6/405 ح 32417، السنة لابن أبي عاصم 2/630 ح 1481. وقد حسنه الحافظ في الفتح 7/5، وقال الهيثم في الجمع 10/20: رواه الطبراني من طرق رجال أحدها رجال الصحيح]،
([17]) سنن الترمذي 5/697 ح 3865.
([18]) صحيح البخاري 1/12 ح 17، صحيح مسلم 1/85 ح 74.
([19]) صحيح البخاري 5/32 ح 3783، صحيح مسلم 1/85 ح75.
([20]) السنن الكبرى 8/285 ح 9171، المعجم الأوسط للطبراني 3/204 ح 2929سنن ابن ماجة 3/449، المستدرك 1/199 ح 390 .
([21]) سنن ابن ماجة 3/449 ح 2363، المستدرك 1/199 ح 390. وقال: صحيح ووافقه الذهبي وقال البوصيري: إسناد رجاله ثقات زوائد ابن ماجة 3/53.
([22]) مسند أحمد 34/185 ح 20587.سنن الترمذي 5/696 ح 3862.
([23]) أخرجه الإمام أحمد في “المسند” (6/ 84)، برقم 3600.
([24]) حلية الأولياء: 1/ 305 – 306.
([25]) مروج الذهب للمسعودي:(3 /61-62)
([29]) سنن ابن ماجة1/112 ح 162، مصنف عبدالرازق6/405 ح 32415،