[1]: القرآن هو المعجزة التي جاءت في زمن الفصاحة والبيان، تحدى بها الله تعالى بلغاء العرب وفصحائهم، فعجزا عن الإتيان بمثل سورة واحدة من سوره الكريمة، مع أنّه نزل بلغتهم جاء على طرائقهم في البيان والكلام، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، وقال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3]، وقال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28]، وكل ما اشتملت عليه اللغة من البلاغة والفصاحة فقد جاء القرآن بأعلى ما اللغة من جمال وبيان، ومن ذلك (المجاز) الذي هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول: (ومن قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق، فقد خبط خبطا عظيما) أهـ([1]) . وقال الزركشي: (ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن) ([2]) .، وقال السيوطي: (ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها) أهـ ([3]) . وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط: (والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين) ([4]) . وقال الشوكاني: (وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة)([5])
[2]: القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها، ومن ذلك: التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما، وهذا كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81]، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول jجناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67} [التوبة: 67]، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]، وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 13، 14]، والسفينة لا تجري في أعين الله، تعالى الله، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة، وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، ومعلوم أنّ الرسول jلم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة.
[3]: أنواع المجاز في القرآن: (المجاز) هو اللفظُ المستعملُ في غير ما وضعَ له في اصطلاحِ التخاطَب لعلاقةٍ، مع قرينةٍ مانعةٍ من إرادة ِ المعنى الوضعيِّ، والعلاقةُ بينهما هي المناسبةُ بين المعنَى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ، قد تكونُ (المشابهةَ) بين المعنيينِ، وقد تكونُ غيرَها،فإذا كانتِ العلاقةُ (المشابهةَ) فالمجازُ (استعارةٌ)، وإلا فهو (مجازٌ مرسلٌ)، والقرينةُ: هي المانعةُ من إرادة المعنى الحقيقيِّ، و المجاز المرسل قسمان: القسم الأول: المجاز في التركيب، ويسمّى المجاز العقلي، أو مجاز الإسناد لأنّه يجري في الإسنادِ، بمعنى أن يكونَ الإسنادُ إلى غير من هوَ لهُ، ومنه الإسنادُ إلى المكانِ، نحو قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ}، فقد أسندَ الجريَ إلى الأنهار، وهي أمكنةٌ للمياهِ، وليستْ جاريةً بل الجاري ماؤُها وعلاقته الملابسة، ونحو، {ياهامان ابنِ لي}، (والبناء فعل العمال)، ونحو {وأخرجت الأرض أثقالها}، ونحو {فما ربحت تجارتهم}، والتجارة لا تربح فلما كان الربح فيها نسب الفعل إليها، ونحو {أم أنزلنا عليهم سلطانا}، أي برهاناً ؛ ونحو قوله تعالى {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا} نسبت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكونها سببًا لها، وكقوله تعالى: {وأحلوا قومهم دار البوار} نسب الإحلال إليهم لتسببهم في كفرهم بأمرهم إياهم به، وكقوله تعالى {يومًا يجعل الولدان شيبًا} نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه، وكقوله تعالى {حتى تضع الحرب أوزارها} ، وكقوله تعالى {تؤتي أكلها كل حين} ، وكقوله تعالى {فأمه هاوية} فاسم الأم الهاوية مجاز: أي كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع، والقسم الثاني: المجاز في المفرد، ويسمّى المجاز اللغوي وهو استعمال اللفظ في ما وُضع لـه أولاً، وأنواعه كثيرة، منها: إطلاق اسم الكل على الجزء نحو {يجعلون أصابعهم في آذانهم}، أي أناملهم، ونحو {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم}، أي وجوههم ؛ ونحو {من شهد منكم الشهر فليصمه}، أي أول الشهر، وإطلاق الجزء على الكل نحو {ويبقى وجه ربك}، أي ذاته، وإطلاق اسم الخاص على العام نحو {إنا رسول رب العالمين}، أي رسولاه، وإطلاق اسم العام على الخاص نحو {ويستغفرون لمن في الأرض}، أي للمؤمنين !، وإطلاق اسم اللازم على الملزوم نحو {هل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدة}، أي هل يفعل؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له، وإطلاق المسبّب على السبب نحو {ينزل لكم من السماء رزقاً}، أي مطراً يتسبب عنه الرزق، وإطلاق السبب على المسبّب نحو {ما كانوا يستطيعون السمع}، أي القبول والعمل، وتسمية الشيء باسم ما كان عليه نحو {وآتوا اليتامى أموالهم}، أي الذين كانوا يتامى، وتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه {إني أراني أعصر خمراً}، أي عنباً يؤول إلى الخمرية، وإطلاق اسم الحالّ على المحل نحو {ففي رحمة الله هم فيها خالدون}، أي في الجنة محل الرحمة، وإطلاق اسم المحل على الحالّ نحو {فليدع ناديه}، أي أهل ناديه. ومنه التعبير باليد عن القدرة {بِيَدِهِ الْمُلْكُ}، وتسمية الشيء باسم آلته نحو {واجعل لي لسان صدق}، أي ثناءً لأن اللسان آلته، وتسمية الشيء باسم ضده نحو {فبشرهم بعذاب أليم}، والبشارة للخبر السار، وإضافة الفعل إلى ما لا يصح منه، تشبيهاً نحو {جداراً يريد أن ينقض}، وإطلاق الفعل والمراد مشارفته وإرادته {وإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن}، أي قاربن البلوغ، و {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا}، أي أردتم القيام ؛ {وإذا قرأت القرآن فاستعذْ}، أي أردت القراءة، ومنه قلب الإسناد نحو {ما إنَّ مفاتحه لتنؤ بالعصبة}، أي لتنوء العصبة بها، ومنه إقامة صيغة مقام أخرى، منها ما هو إطلاق المصدر على الفاعل نحو {فإنهم عدو لي}، أو إطلاق المصدر على المفعول نحو {ولا يحيطون بشيء من علم}، أي معلومه، ومنها إطلاق الفاعل والمفعول على المصدر نحو {ليس لوقعتها كاذبة}، أي تكذيب، ومنها إطلاق فاعل على مفعول نحو {ماء دافق}، أي مدفوق؛ {حجاباً مستورا}، أي ساتراً ومنها إطلاق الخبر على الطلب أمراً أو نهياً أو دعاء مبالغة في الحث عليه حتى كأنه وقع، نحو {والوالدات يرضعن. والمطلقات يتربصن}، الأمر بمعنى الخبر أبلغ من الخبر لتضمّنه اللزوم، ومنها وضع النداء موضع التعجّب نحو {ياحسرة على العباد!}، أي فيا لها حسرة، والحسرة لا تنادى وإنما يُنادى الأشخاص، ومنها وضع جَمْع القلة موضع الكثرة نحو {وهم في الغرفات آمنون}، ! وغرف الجنة لا تحصى؛ ونحو {هم درجات عند الله}، ورتب الناس عند الله أكثر من العشرة، ومنها تذكير المؤنث على تأويله بمذكر نحو {فمن جاءَه موعظة من ربه}، أي وعظ ! ونحو {وأحيينا به بلدةً ميتاً}، ! على تأويل المكان؛ ونحو {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي}، أي الشمس! ونحو {إن رحمة الله قريب من المحسنين}، ذكر الرحمة على معنى الإحسان! ونحو {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}، أي لتلك الرحمة!، ، وهناك من المجاز: (الاستعارة): هي استعمالُ اللفظُ في غير ما وضعَ له لعلاقةِ (المشابهةِ) بين المعنَى المنقولِ عنه والمعنِى المستعملِ فيهِ، مع (قرينةٍ) صارفةٍ عن إرادةِ المعنَى الأصليِّ، وكلُّ مجازٍ يبنَى على التشبيهِ (يسمَّى استعارةً)، وللاستعارةِ أجملُ وقعٍ في البلاغة، لأنها تمنحُ الكلامَ قوةً، وتكسوهُ حسناً ورونقاً، وقرينةُ الاستعارةِ: هي الأمرُ الذي ينصِّبُه المتكلمُ دليلاً على أنه أراد باللفظِ غيرَ معناهُ الحقيقيِّ، ويمكن تقسيمُ الاستعارة إلى تصريحية وإلى مكنية: فالاستعارةُ التصريحيةُ: هي ما صُرَّحَ فيها بلَفظِ المشبَّه بهِ، كقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، والصراطُ الطريقُ،فقد شبَّه الدينَ بالصراطِ بجامعِ التوصيل إلى الهدفِ في كلٍّ منهما وحذفَ المشبَّه وهو الإسلامُ وأبقى المشبَّهَ بهِ، وقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، فقد شبَّه الكفرَ بالظلماتِ والإيمانَ بالنورِ وحذفَ المشبَّه وأبقى المشبَّهَ به، والاستعارةُ المكنيَّةُ: هي ما حُذِفَ فيها المشَبَّهَ بهِ ورُمِزَ لهُ بشيء مِنْ لوازمه، كقوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، فقد شبَّه الذلَّ بالطائرِ، وحذف المشبَّه به ولكنْ رمزَ إليه بشيءٍ من لوازمهِ وهو الجناحُ، فلم يذكر من أركانِ التشبيه إلا الذلَّ وهو المشبَّهُ، وكقول الرسول j : ((بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ))، فقد شبَّه الإسلامَ بالبيتِ، ولكن حذف المشبَّهَ به وهو البيتُ وأبقى بعضاً من لوازمهِ الجوهريةِ وهو البناءُ، وهناك من المجاز (الكناية)، ومن أنواع الكناية: الكنايةٌ عن موصوفٍ: كقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} كناية عن السفينةِ والدسر هي المسامير، والكناية عن الصفة ومنه قوله تعالى: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} كناية علن الهيمنة والقدرة، وقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، كنايةٌ عن الربوبية والقهر وتمام القدرةِ، وقوةِ التمكُّنِ والاستيلاءِ، وقوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]، فهل القرية يأتيها رزقها أم أهل القرية، وهل للجوع لباس، وهل للخوف مذاق، أم أنّها بلاغة المجاز في تصوير حال الكافرين عندما أبدلهم الله تعالى الرزق والرغد بالجوع والأمن بالخوف، وقوله تعالى: {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 26]، فهل يستطيع أحد ان يخبرنا بطعم المخزي ومزاق الخزي في قوله تعالى: {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ}، أم أنّه المجاز على بيان عاقبة التكذيب، ولو ذهبا نستطرد في ذكر المجاز في القرآن الكريم لما أسعفتنا المجلدات، ومن السخف والجهل باللغة والبلاغة والبيان إنكار المجاز من القرآن.
[4]: قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في كتابه الإمام في بيان أدلة الأحكام في الفصل التاسع من كتابه (فصل في ضروب من المجاز): [[يعبر عن الأجسام والأعراض والنسب تارة بالحقيقة وتارة بالمجاز ..كما قال رسول الله jفي مآثر الجاهلية ((إنها موضوعة تحت قدميه)) استهانة بالمآثر المخالفة للشرع، ويتجوز بلفظ النور في الجلال والجمال وكذلك يعبر بلفظ العرض عن عرض آخر على ما سنصفه إن شاء الله تعالى بألفاظ الأجسام عن المعاني، [اليد]: فيد القديم سبحانه وتعالى ويمينه عبارة عن قدرته وبطشه وقوته {بيده الملك} أي في قدرته {مما عملت أيدينا} أي مما أحدثته قدرتنا، {لما خلقت بيدي} أي لما كونته بقدرتي، {لأخذنا منه باليمين}، أي بالقوة والبطش، {كنتم تأتوننا عن اليمين} أي بسبب قوتكم وقدرتكم علينا، وأما قوله jفي الصدقة: ((إلا أخذها الرحمن بيمينه)) فعبارة عن حسن القبول لأن الأخذ باليمين مسبب عنه، وكذلك قوله j((إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن)) عبر بذلك عن تكريمهم تقديرهم بمعنى أنه يعاملهم في الإكرام معاملة عظيم أجلس إنسانا على كرسي عن يمينه، ويعبر ب [العين] عن إدراك المبصرات لأنها محل الإدراك كما يعبر باللسان عن الكلام وبالقلب عن العقل فقوله: {فإنك بأعيننا} أي بمرأى منا وكذلك قوله: {تجري بأعيننا}، وبالمجيء والإتيان عن التعريف بعد الجهالة والهداية بعد الضلالة تشبيها لما غاب عن البصيرة بما غاب عن البصر فإن البعد والعزوب سبب للغيبة عن الإدراك لمنعها منه والقرب والحضور سبب الإدراك والمشاهدة، وكذلك الوقوف قد يعبر به عن التعريف في قولك وقفته على كذا إذ عرفته به لأن الواقف على الشيء مدرك لما وقف عليه ومنه قوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم}، أي عرفوه فعرفوه، وكذلك يعبر بالمحبة والكراهة والسخط والرضى والقرب والبعد والإقبال والإعراض عن آثارها ولوازمها وكذلك التردد في مساءة المؤمن ذكر عبارة عن منزلته ثم ربه فإن من عز عليك وكانت له مصلحة في طي مساءة فإنك تتردد في ذلك لمنزلته لديك بخلاف من هان عليك فإنه يسهل عليك مساءة ولا تبالي بما ناله ..: {فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا}،أي لا يعز عليه ولا يصعب، وقد تستعمل بعض أفعالنا المضافة إلى الله سبحانه المتعلقة به على نوع من هذا المجاز كقربنا إليه وبعدنا منه وإعراضنا عنه وإقبالنا إليه وذهابنا إليه كقوله: {إني ذاهب إلى ربي}، {إلا من أتى الله بقلب سليم}، {فسحقا لأصحاب السعير}، أي فبعدا لهم: {فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم}، {فأعرض فأعرض الله عنه}، {ومن أعرض عن ذكري}، وأمثلة هذا وشواهده لا تحصى كثرة، وسأذكر شيئا من ضروب المجاز يستدل بما ذكرته على ما تركته، فمن ذلك اليد وحقيقتها العضو اليد يعبر بها عن القهر والاستيلاء كقوله: {قل لمن في أيديكم من الأسرى}، أي في قهركم واستيلائكم ويعبر بها عن القدرة وقد ذكرناه، ومن ذلك الأخذ ويعبر به عن القهر والهلاك كقوله: {فأخذهم الله بذنوبهم}، {فأخذهم أخذة رابية}، {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه}، ويعبر عن الجد في التمسك ومعناه كقوله: {خذوا ما آتيناكم بقوة}، {خذ الكتاب بقوة}، ويعبر به عن القبول كقوله: {ويأخذ الصدقات}، وقوله عليه السلام: {إلا أخذها الرحمن بيمينه}، ويعبر به عن الأسر كقوله: {خذوه فغلوه}، {وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد}، ويعبر به عن الرضى كقوله: {فخذ ما آتيناك وكن من الشاكرين}، {آخذين ما آتاهم ربهم}، ومن ذلك القبض ويعبر به عن تقتير الرزق والله يقبض ويبسط ويعبر به عن البخل: {ويقبضون أيديهم}، ومن ذلك البسط ويعبر به عن الإغناء: {والله يقبض ويبسط}،وعن كثرة البذل: {ولا تبسطها كل البسط}، {بل يداه مبسوطتان}، ومن ذلك السعة ويعبر بها عن فلهذا كقوله: {والله واسع عليم}، {لينفق ذو سعة من سعته}، وعن كثرة التعلق كقوله: {ربنا وسعت كل رحمة وعلما}، {وسع ربنا كل شيء علما}، {إن ربك واسع المغفرة}، ومن ذلك الضيق ويعبر به عن مشقة تحمل ما تكرهه النفوس من الفقر وسائر المكاره كقوله: {يجعل صدره ضيقا حرجا}، {ولا تك في ضيق مما يمكرون}، {وضائق به صدرك}، ومن ذلك وصف الزمان والمكان بوصف ما يقع فيهما: {بلدا آمنا}، {قرية كانت ظالمة}، {من قريتك التي أخرجتك}، {قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان}، الآية: {بلدة طيبة}، {القرية التي كانت تعمل الخبائث}، أمرت بقرية تأكل القرى: {وهذا البلد الأمين}، {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم}، {عذاب يوم عظيم}، {ويذرون وراءهم يوما ثقيلا}، {وذلك يوم مشهود}، {يأكلن ما قدمتم لهن: {يوم عصيب}، {يوم عقيم}، {أيام نحسات}، {الشهر الحرام بالشهر الحرام}، ومن ذلك الغل ويعبر به عن البخل كقوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك}، {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم}، ويعبر به عن التكاليف الشاقة ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وعن موانع الانقياد وموانع الإيمان إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا، ومن ذلك التعبير عن الشيء بمحله أو بما قارب محله كقوله: {فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون}، بها عبر بالقلب عن العقل والأذن فإنك بأعيننا تجري بأعيننا: {ولتصنع على عيني}، {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب}، {نزل به الروح الأمين على قلبك لما خلقت بيدي}، {مما عملت أيدينا أنعاما}، {السموات مطويات بيمينه}، {لأخذنا منه باليمين}، {ونأى بجانبه}، أي بنفسه، ومن ذلك التعبير باللسان عن اللغة كقوله: {بلسان قومه}، {بلسان عربي مبين}، {واختلاف ألسنتكم وألوانكم}، وعن الثناء: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين}، {وجعلنا لهم لسان صدق عليا}، ومن ذلك التمسك ويعبر به عن ملازمة الفعل والاعتماد عليه كقوله: {فاستمسك بالذي أوحي إليك}، {والذين يمسكون الكتاب}، {فقد استمسك بالعروة الوثقى}، ومن ذلك الاستقامة ويعبر بها عن تعاطي الأفعال الحسنة، ومن ذلك الكفر والرين والغين والحجاب والغطاء والأكنة والغلف والأقفال والختم والطبع والغشاوة والغمرة ويعبر بذلك كله عن موانع المعرفة والإيمان وسواير البصيرة عن العرفان، فالموانع هي الجهل والشك وفساد الاعتقاد لأن الشكوك والجهالة تحول بين البصيرة وبين إدراك المعقولات كما أن الأجسام الكثيفة حائلة بين البصر وبين إدراك المبصرات فصار المعنى الساتر للبصيرة كالجسم الساكر للبصر: {إن الذين كفروا}، {ألا إن ثمودا كفروا ربهم}، {بل ران على قلوبهم}، {إنه ليغان على قلبي}، {حجابا مستورا}، {ومن بيننا وبينك حجاب}، {فكشفنا عنك غطاءك}، {وجعلنا على قلوبهم أكنة}، {قلوبنا غلف}، {أم على قلوب أقفالها}، {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة}، {وطبع على قلوبهم}، {وجعل على بصره غشاوة}، {فأغشيناهم فهم لا يبصرون}، {بل قلوبهم في غمرة من هذا}، {وختم على سمعه وبصره وجعل على بصره غشاوة}، عبر عن مانع فهم ما يسمعه أو يتعقله بالختم وعن مانع الاعتبار بما يشاهده بعينيه بالغشاوة، ومن ذلك الصدق ويعبر به عن الحسن كقوله: {قدم صدق}، و: {مقعد صدق}، و: {لسان صدق}، ومن ذلك خفض الجناح ويعبر به عن التواضع ولين الجانب: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}، {اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين}، ومن ذلك اللين ويعبر به عن حسن التأني وسرعة الانقياد: {فبما رحمة من الله لنت لهم}، المؤمنون هينون لينون، ومن ذلك الانقلاب على الوجه وعلى العقب أصل انقلب على وجهه رجع على طريقه الذي جاء منه ويعبر به عن الرجوع إلى مثل ما كان عليه من الفعل والاعتقاد انقلب على وجهه رجع إلى دينه وأصل الانقلاب على العقب الرجوع إلى جهة العقب ويعبر به أيضا عما يعبر منه بالإنقلاب على الوجه: {انقلبتم على أعقابكم}، {يردوكم على أعقابكم}، {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا}، ومن ذلك العروة الوثقى و يتجوز بها عن الدين العاصم من العذاب، ومن ذلك الحبل يتجوز به عن العهد: {واعتصموا بحبل الله جميعا}، {إلا بحبل من الله وحبل من الناس}، إني بحبلك واصل حبلي وبريش نبلك رائش نبلي، ومن ذلك البناء و يعبر به عن تأليف الأجسام وأحكام تأليفها وإتقانه: {والسماء بنيناها بأيد}، {والسماء وما بناها}، {كيف بنيناها وزيناها}، ويعبر به عن أحكام الأمر والمكر وإبرامه: {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم}، عبر بذلك عن رجوع وبال مكرهم عليهم، ومن ذلك الشفا ويعبر به عن كفرهم الموجب لسقوطهم في النار: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}، وكذلك قوله: {على شفا جرف هار}، عبر به عن نفاقهم الموجب لسقوطهم في النار وكذلك قوله: {فانهار به في نار جهنم}، ومن ذلك الشراء والبيع ويعبر سيما عن التكليف بشرط الثواب وعن البيع بالتزام التكليف: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}، أي بذل أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به}، {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}، {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}، {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله}، ومن ذلك بين اليدين ويعبر به عن التقدم والسبق: {فقدموا بين يدي نجواكم صدقة}، {ومصدقا لما بين يديه من الكتاب}، {بين يدي عذاب شديد}، {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله اتقوا ما بين أيديكم}، ومن ذلك النبذ والترك وراء الظهر ويعبر بهما عن الاستهانة والإعراض: {فنبذوه وراء ظهورهم}، {ويذرون وراءهم يوما ثقيلا}، {واتخذتموه وراءكم ظهريا}، {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم}، ويعبر بالثقل عن المشقة كقوله: {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}، ويعبر به عن الشرف في قوله jالثقلين ومنه الثقلان الجن والإنس لشرفهما بالعقل، ومن ذلك فتح الباب ويعبر به عن النقل من الشدة إلى الرخاء ومن النعمة إلى البلاء: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء}، أي من النعم: {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد}، ويعبر بالفتح أيضا عن المعرفة بعد الجهالة في قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}، على قول بعضهم وعن الحكم لأنه يفتح ما انغلق عن الخصمين: {قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم}، {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين}، وعن إفادة الرزق: {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}، ومن ذلك التعبير ببعض الشيء عن جملته، يعبر عن الصلاة بالقرآن في قوله وقرآن الفجر وبالقيام في قوله: {لا تقم فيه أبدا}، {من قام رمضان إيمانا واحتسابا}،وبالتسبيح في قوله: {فسبح باسم ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها}، وبالذكر في قوله: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا}، وبالسجود في قوله: {ومن الليل فاسجد له}، وقوله: {فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم}، وقوله: {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون}، وبالركوع في قوله: {واركعوا مع الراكعين}، ويعبر باليد عن الجملة في قوله: {وذلك بما قدمت يداك}،: {فبما كسبت أيديكم}، {مما ملكت أيمانكم}،، ويعبر بالعضد عن الجملة: {سنشد عضدك بأخيك}، وقد يعبر بالعضد عن الناصر: {وما كنت متخذ المضلين عضدا}، ومن ذلك الأخذ بالناصية ويعبر به عن القهر والاستيلاء كقوله: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها}، ومن ذلك وصف الشيء بصفة بعضه قد يوصف الشيء بصفة بعضه كقوله تعالى: {بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم}، فإن جميع آياته لا تشتمل على البشارة ولا على النذارة، ومن ذلك وصف الشيء بما كان عليه وبما يؤول إليه: {وآتوا اليتامى أموالهم}، {إنك ميت وإنهم ميتون}، {أعصر خمرا}، ومن ذلك النسب المجازية: {إنهن أضللن كثيرا من الناس}، {فأخرجهما مما كانا فيه}، {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق}، {أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم}، {ولما سكت عن موسى الغضب}، ومن ذلك العلو والفوقية والدرجة والرفعة يعبر بها عن المجد والشرف: {وهو العلي العظيم}، ويعبر بالعلو عن الغلبة: {وأنتم الأعلون}، {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة}، {نرفع درجات من نشاء}، {وفوق كل ذي علم عليم}، {رفيع الدرجات}، {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات}، {وهو القاهر فوق عباده}، ومن ذلك الانسلاخ ويعبر به عن ترك العمل بعد التثبث به فانسلخ منها، ومن ذلك الكذب ويعبر به عن بطلان الدلالة وإبهامها: {وجاءوا على قميصه بدم كذب}، ومن ذلك العلم ويعبر به عن الظن: {فإن علمتموهن مؤمنات}، ويعبر بالظن عن العلم: {قال الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم}، وكذلك الريب والقلق ومنه ريب المنون قال أمن المنون وريبها تتوجع ويعبر به عن الشك لأن القلق يلزمه وكذلك الطيب اللذيذ والخبيث المستكره ويعبر بالطيب عن الحلال وعن ما حسن من الأقوال والأعمال وبالخبيث عن الحرام وعما قبح من الفعل والمقال كلمة طيبة: {ومثل كلمة خبيثة}، وقال النبي j : {دعوها فإنها منتنة}، {طبت وطاب ممشاك}، {الخبيثات للخبيثين والطيبات للطيبين}، {كانت تعمل الخبائث}، الأرجاس والأنجاس أعيان مستقذرة ويعبر بهما عن الأوصاف المستقبحة ليذهب عنكم الرجس إنما المشركون نجس وقال النبي jدعوها فإنها منتنة، ومن ذلك الطهارة إزالة الأنجاس ويعبر بها عن إزالة الأوصاف المستقبحة شرعا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ذلكم أزكى لكم وأطهر ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ويطهركم تطهيرا يتلوا صحفا مطهرة معناه من الباطل والكذب والزور، ومن ذلك الكتابة ويعبر بها عن الإثبات وعن دوام الحفظ كتب في قلوبهم الإيمان سنكتب ما قالوا سنكتب ما يقول: النور والضياء ويعبر بهما عن الإبانة والمعرفة وضياء وذكرا للمتقين {قد جاءكم من الله نور}، ويعبر أيضا بالسراج عن المعرف المظهر وسراجا منيرا، ومن ذلك الموت والظلمة ويعبر بهما عن الجهل أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات صم وبكم في الظلمات، ويعبر بالظلمات عن الشدة قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر، ومن المجاز مجيء ما لا يصح مجيئه بنفسه يعبر بالمجيء والإتيان والقدوم والحضور عن آثارها من حصول المعرفة وجاء ربك والملك صفا صفا يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه وقد يعبر بذلك عن مجيء بحله جاءتكم موعظة من ربكم جاءتهم البينات، وكذلك يعبر بالصعود والنزول عن صعود المحل ونزوله وأنزلنا إليك الذكر وأنزلنا إليكم نورا مبينا ونزلناه تنزيلا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، ومن ذلك الغمرة و يعبر بها عن الجهل وعن الشدة بل قلوبهم في غمرة من هذا ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت أي في شدائده الغامرة، ومن ذلك العبرة فعلة من العبور وهو الانتقال من حيز إلى حيز ويعبر بها عن حسن الانتقال من الاغترار إلى الاتعاظ وعن الدلالة الناقلة من الجهل إلى العرفان إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ومن ذلك السكر ويعبر به عن شدة الخوف {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى}، ومن ذلك العنت وإرهاق الصعود ويعبر بهما عن المشقة الشديدة لأن أصل العنت انكسار العظم بعد انجباره والصعود العقبة الشاقة {ذلك لمن خشي العنت منكم}، {ولو شاء الله لأعنتكم}، {سأرهقه صعودا}، ومن ذلك الشرعة والطريق والسبيل والصراط والشاكلة والمنهاج بمعنى واحد وهي الطرق ويعبر بها عن كل عمل أدى إلى خير أو شر لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ويصدون عن سبيل الله اهدنا الصراط المستقيم قل كل يعمل على شاكلته أي على طريقته ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ولتستبين سبيل المجرمين واتبع سبيل من أناب إلي صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض لنهدينهم سبلنا، ومن ذلك الإخبار بالشيء عن ضده تهكما إنك لأنت الحليم الرشيد ذق إنك أنت العزيز الكريم يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، ومن ذلك التحميل والتحمل ويعبر بالتحميل عن التكليف وبالتحمل عن القبول والالتزام: {مثل الذين حملوا التوراة أي حملوا أحكام التوراة ثم لم يحملوها} أي لم يلتزموها، {فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم}، ومن ذلك المرض والشفاء ويعبر بالمرض عن سوء الاعتقاد وبالشفاء عن الاهتداء {في قلوبهم مرض}، و {قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور}، ومن ذلك الابتلاء والاختبار ويعبر به عن آثاره من العلم والمعرفة: {يوم تبلى السرائر}، {تبلوا كل نفس ما أسلفت}، أي تعلم كقوله علمت نفس ما أحضرت ونبلوا أخباركم أي نعلمها، ويعبر بالابتلاء والفتنة عن كل فعل تصور بصورتهما من المعاملة بالنعم والنقم: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات}، {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة}، {ليبلوكم أيكم أحسن عملا}، {وإن كنا لمبتلين}، {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا}، وقوله: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}: يحتمل الأمرين وكل بلاء حسن أبلانا، ومن ذلك العثور ويعبر به عن الظن والعرفان: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما}، ويعبر بالربط والختم عن الصبر: {وربطنا على قلوبهم}، {لولا أن ربطنا على قلبها}، {فإن يشأ الله يختم على قلبك} أي يصبرك، ويعبر بالشهوة والهوى عن المهوى والمشتهى: {زين للناس حب الشهوات}، {من اتخذ إلهه هواه}، {ونهى النفس عن الهوى} أي عن المهوى فإن الميل الطبيعي لا يمكن الانتهاء عنه بل ينهى عن اتباعه وقد صرح بذلك في قوله: {ولا تتبع الهوى}، ومن ذلك الذوق إدراك المطعوم ويعبر به عن وجدان الآلام: {فذوقوا العذاب}، {فذوقوا ما كنتم تكنزون} أي جزاءه، {فأذاقهم الله الخزي}، {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف}، ويعبر بالكبير والعظيم والغليظ عن شدة العذاب: {عذاب يوم كبير}، {عذاب عظيم}، {عذاب غليظ}، ويعبر بالعريض عن الكثير: {فذو دعاء عريض}، ويعبر بالإرادة عن الأمر للزومها له غالبا: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} أي لأمرهم بعبادتي على قول بعضهم، {والله يريد الآخرة} أي يريد سعي الأخرة بمعنى فأمرهم بسعي الآخرة فحذف السعي وعبر بالإرادة عن الأمر وقد يعبر بالإرادة عن المقاربة فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض أي قارب الانقضاض، ويعبر بالدخول والخروج عن تبدل الأوصاف والتنقل عنها إلى غيرها: {يخرجكم من الظلمات إلى النور}، {يخرجونهم من النور إلى الظلمات}، {يدخلون في دين الله أفواجا}، ويعبر بالسماء عن المطر: {يرسل السماء عليكم مدرارا}، وبالحنف عن الانتقال من الجهل إلى المعرفة: {حنيفا مسلما} أي عارفا بالله مائلا إليه بعد الجهل به، ويعبر بعض اليد وتقليب الكف عن الندم: {فأصبح يقلب كفيه}، {ويوم يعض الظالم على يديه}، ويعبر بالمجالسة والمصاحبة عن آثارهما من الإحسان والرفق: ((أنا جليس من ذكرني))، ((اللهم أصحبنا في سفرنا))، ((اللهم أنت الصاحب في السفر))، ((ربنا صاحبنا في سفرنا فأفضل علينا))، ويعبر بالسقوط عن ملابسة ما لا ينبغي: {ألا في الفتنة سقطوا}، ويتجوز ب على عن الوجوب لأن الواجب كشيء اعتلى فتقول على دين وصلاة وزكاة وصوم وحج وعمرة وشهادة، وتستعمل من وعن في التعليل تجوزا لأن ابتداء صدور المعلول من علته وعن علته: {مما خطيئاتهم أغرقوا}، {وما تتلوا فيه من قرآن} أي لأجله، {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك}، {وما ينطق عن الهوى}، {يؤفك عنه من أفك}، {رضي الله عنهم} متضمن معنى عفا وتجاوز فذلك عدى ب (عن) التي للمجاوزة، ولما كان متعلق الأوصاف المتعلقة بمثابة المكان والمحل لتعلق المتعلق استعملت في ذلك أداة الظرفية وهي في ومن ذلك قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده}، أي في طاعة الله جعلت الطاعة كالمحل للجهاد وكذلك قولك رغبت في زيد ورغبت في العلم كأنك جعلته محلا لرغبتك دون ما عداه وكذلك المودة في قوله: {إلا المودة في القربى}: جعل القربى محلا للمودة بمعنى أنها متعلق المودة ولذلك صح أن تستعمل في السببية في قوله: {لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم} للتعلق الذي بين السبب والمسبب وكذلك قوله: {وهو الله في السموات وفي الأرض} لما تعلقت قدرته وإرادته وعلمه وسمعه وبصره بهما وصارتا محلا لذلك التعلق ب في لما ذكرناه، والباء تستعمل في الإلصاق المعنوي والحقيقي، فالمعنوي كالتعلق الذي بين السبب والمسبب فإن المسبب ملصق بسببه من جهة المعنى وكذلك قولك (استعنت بالله) لتعلق الاستعانة به وابتدأت بذكر الله، وأنواع المجاز كثيرة في الحروف والظروف والاسماء والأفعال، والتعبير عن الماضي بالمستقبل وعكسه وعن الخبر بالأمر وعكسه والنظر في كل نوع من هذه الأنواع على حياله وبيان العلاقة التي بين محل التجوز ومحل الحقيقة على التفضيل مما المطلوب ذكره) أهـ([6]) .
[5]: خصائص المجاز: لاشك أن اللغة العربية الفصحى تتمتع بخصائص أدبية وبيانية وبلاغية منفردة عمّا سواها من اللغات مما أهلها لأنّ تحمل كلام الله تعالى لفظاً ومعنى، والمجاز قمة البلاغة والأدب والبيان، ويدخل فيه بالضرورة: التشبيه، والاستعارة، الكناية، وتلك هي أدوات تفوق لغة العرب على غيرها من اللغات، وهي كذلك أدوات الإعجاز في بلاغة القرآن، وكل تلك الفنون من علوم المجاز، ولذلك فالمجاز يحتل الصدارة في إطار هذه الفنون، حتى سماها بعض الأدباء ” اللغة العربية لغة المجاز ” وذلك لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة الى المعاني، فيستمع العربي الى التشبيه فلا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلا ريثما ينتقل منها الى المقصود من معناه، لهذا كثر استعمال المجاز في لغة العرب شعرا ونثرا وصناعة، وكان المجاز هو بلاغة اللغة التي يتبارى في اتقانها الشعراء والأدباء والفصحاء، ونزل القرآن يتحداهم فيما أتقنوه وعرفوه، فجاءهم بما أعجزهم وأخذ بألبابهم وتحداهم فأعجزهم، قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23، 24]، فإن فقدت اللغة مجازها فقد فقدت شطرها الحسن، وإن منعنا القرآن مجازه فقد نادينا على أنفسنا بالجهل والغباء، لأنّ أركان البلاغة جميعا قائمة على المجاز، والقرآن قمة البلاغة وغاية البيان.
[6]: هناك من أنكر المجاز في القرآن، وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزّه عنه، فإن المتكلم لا يعدل اليه الا اذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله تعالى، وهذا من الجهل باللغة، فإنّ ” من قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق، فقد خبط خبطا عظيما، ويهدف لما لا يخفى ” ([7]) . والمجاز هو علم البيان بأجمعه، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ لأن العبارة المجازية تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال حتى أنه ليسمح بها البخيل ويشجع الجبان، ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي، فالقرآن كتاب العربية الأكبر، وقد كان إعجازه البياني موردا متأصلا من موارد إعجازه الكلي، وتفوقه البلاغي حقيقة ناصعة من تفوقه في الفن القولي، وقد وقف العرب عاجزين أمام حسّه المجازي، وبعده التشبيهي، ورصده الاستعاري، وتهذيبه الكنائي، وكل ما سبق من مفردات المجاز، ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الاصيلة، وليس الأمر كذلك، ولذا قال الزركشي في رده على القول بمنع استعمال المجاز القرآني بقوله: « وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن) ([8]) .
فاستعمال المجاز في القرآن نابع من الحاجة اليه في بيان محسنات القرآن البلاغية، فهو والحقيقة يتقاسمان شطري الحسن في الذائقة البيانية كما أشار الزركشي.
[7]: وقفات فيها لفتات مع من أنكر المجاز: مقال للشيخ عبد الله الغالبي في ملتقى اهل الحديث: [ما كان ينبغي أن يخالف في وجود المجاز ووقوعه سواءً أكان في اللغة أم في القرآن الكريم، فإن شهرة المجاز أشهر من نار على علم، ووضوحه أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار، قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه اسرار البلاغة: ” ومن قدح في المجاز، وهمَّ أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً، وتهدف لما لا يخفى”. أ هـ، وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام –، وقد قال به علماء كُثر في مختلف تخصصاتهم وتعدد الفنون التي برعوا فيها، منهم اللغويون والنحويون والمفسرون والمحدثون والأصوليون والأدباء والنقاد وأهل المنطق وعلماء البلاغة، وتداولته ألسنة وأقلام الكتاب قديماً وحديثاً، واستعملته العرب خلفاً عن سلف، وكان الفضل في اتساع البحث في المجاز يرجع إلى اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والاعجازيين أما مسائله وقضاياه ودقائقه فلم يحرر القول فيها إلا في مباحث البلاغيين بدءاً من الإمام عبد القاهر الجرجاني إلى الخطيب القزويني ومن كان بينهما، وإنكار المجاز – بعد التحقيق – لا يكاد يوجد، لأن من قال بإنكاره في القرآن لم يمنع وقوعه في اللغة،، وثلاثة من العلماء أنكروه مطلقاً وهم الإمام أبو اسحق الاسفرائيني والإمام ابن تيمية وابن القيم الجوزية،رحم الله الجميع وهم وإن أنكروه من جهة فقد أقرّوا به من جهات في كثير من كلامهم ولهذا يقال: إنَّ إنكار المجاز لا يكاد يوجد، ولكن في الحقيقة أن الاسفرائيني ثبت أنه لم ينكر المجاز ونسبة إنكار المجاز إلى أبي إسحاق وإن ورد ذكرها في كثير من كتب الأصول وغيرها فإنها لم تسلم من القدح والتشكيك، فقد تعقب بعض العلماء هذه النسبة واستبعدوا صدورها من أبي إسحاق منهم إمام الحرمين أبو المعالي وحجة الإسلام الغزالي، ويؤيد رأي هؤلاء العلماء ذلك النص الذي حكاه الأمام ابن القيم عن الأستاذ في مسألة ” العام إذا خصص هل يكون حقيقة فيما بقى أم مجازاً ؟” وفيه اعتراف صريح من الأستاذ الاسفرائيني بالمجاز، ونقل عنه إمام الحرمين أبو المعالي نصاً آخر في ” البرهان” حول مسألة أصولية كذلك وهي: ما المراد بالظاهر عند علماء الأصول وفي ذلك يقول إمام الحرمين: ” وقال الأستاذ أبو إسحق: الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى، وله عنده وجه التأويل مسوغ، لا يبتدره الظن والفهم، ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز” فهذا كلام من يقر بالمجاز لا من ينكره. فلم يبق منكراً له مطلقاً إلا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقد ألّف الدكتور عبد العظيم المطعني كتاب (المجاز في اللغة والقرآن الكريم) وهو بحث ممتع في جزئين في حوالي ألف ومائة وسبعين صفحة أقام الأدلة القاطعة على وجود المجاز في اللغة وفي القرآن (الناشر مكتبة وهبة)، وقد عقد الشيخ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن فصلا في كتابه (المحكم والمتشابه) ج2 ص 522 للرد على إنكار الإمام ابن تيمية للمجاز، وكذا رد عليه الدكتور على العماري بكتاب (المجاز) وكذا فضيلة الشيخ/ محمد العزازي كتب رداً عليه في ذلك وكذا في كتاب للشيخ منصور عويس. أما الدكتور/ عبد العظيم المطعني فكتابه المذكور موسوعة شاملة أثبت فيه أن المجاز هو مذهب الكثرة الكاثرة التي لا تحصى عدداً من علماء الأمة في كل التخصصات أي أنه يكاد أن يكون إجماعاً أو هو كذلك بالفعل، وأن المنكرين- بما فيهم ابن تيمية وابن القيم- لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين مع الشك الكبير في ثبوت هذا الإنكار عن بعضهم، يقول الدكتور المطعني: ” ومن خلال قراءات متكررة ومتأنية للفصل الذي كتبه الإمام ابن تيمية بخصوص المجاز في كتابه ” الإيمان ” وجدناه قد اعتمد في إنكار المجاز في اللغة بعامة، وفي القرآن الكريم بخاصة على ما يأتي: (1) أن سلف الأمة لم يقولوا به مثل الخليل ومالك والشافعي وغيرهم من اللغويين والأصوليين وسائر الأئمة، فهو إذن قول حادث ؟!، (2) إنكار أن يكون للغة وضع أول تفرع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما يقول مجوزوا المجاز ؟! (3) إنكار التجريد والإطلاق في اللغة. حتى يقال أن الحقيقة ما دلت على معناها عند الإطلاق والخلو من القرائن، والمجاز ما دل على معناه بمعونة القيود والقرائن، (4) مناقشة النصوص التي استدل بها مجوزو المجاز على وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ” أهـ([9]) . ثم ذكر الدكتور المطعني أن ابن تيمية له شبه أخرى ولكنها جزئيات تندرج تحت هذه الركائز الأربع، وسنذكر هذه الركائز مع الإشارة إلى ما يبطلها وغالبه من كلام د. المطعني، [الشبهة الأولى لابن تيمية]: وحاصـلها: النـفي البـات أن يكـون أحد من السلف قد قال بالمجاز إلا الإمام أحمد بن حنبل تقسيم الألفاظ إلى حقائق ومجازات لم يحدث إلا بعد المائة الثالثة – محط الإنكار هو على وجود لفظ (المجاز) دون معناه … واعترف خلال ذلك بأن أبا يعلى وابن عقيل وأبا الخطاب الحنابلة قائلون بالمجاز تبعا لإمامهم، هذا نص كلامه يقول: كما في كتاب “الإيمان”: ((وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، بل أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبوية وعمرو بن العلاء وغيرهم))، ([10]) . ودعوى بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة، فلقد ثبت أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة المجاز، فسيبويه ــ مثلا ــ وهو إمام النحاة يستعمل كلمة (التوسع) ففي الكتاب لسيبويه: (ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها}، إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هنا، ومثله {بل مكر الليل والنهار}، وإنما المعنى: بل مكركم في الليل والنهار والأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف، والثاني جعلوه نوعا من المجاز العقلي، وغير سيبويه من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد الذين كانوا يسمون المجاز بالبديع كما نص على ذلك الجاحظ في البيان والتبيين، ونواصل كلام المطعني والرد على ذلك من كلام المطعني: (1) لفظ (المجاز) مجرد مصطلح والمصطلحات غالبا ما تتأخر في الظهور عن موضوع الفن نفسه وخاصة في عصور تدوين العلوم، وخير مثال على ذلك مصطلحات علمي النحو والصرف بل مصطلحات العلوم الشرعية نفسها من فقه وأصول فقه وحديث ومصطلح حديث وغير ذلك، (2) أن التأويل المجازي يصرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر تدل عليه القرينة وله علاقة بالمعنى الظاهر، قد عرف منذ القرن الأول وكثر تطبيقه على آيات الذكر الحكيم عند الثقات من علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة – على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم – والتابعون وقبلهم جميعاً المعلم الأكبر j ، ومن تأويلاته المجازية: تأويله الخيطين الأبيض والأسود بالنهار والليل، (3) أن سلف الأمة يفهمون معنى المجاز ويستعملونه وإن لم يذكر بعضهم اسمه المصطلح (المجاز) لعدم انتشاره في البداية بل كان بعضهم يطلق عليه (الاتساع في اللغة) كما ورد عن سيبويه (ت قبل 190 هـ) والشافعي (ت 205هـ) وها هو الإمام الشافعي يقول في (الرسالة) عن ألفاظ القرآن: » وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره « فهو بذلك قد عرّف المجاز وبين نوعي القرينة: اللفظية التي لها ذكر في الكلام، والمعنوية التي تفهم من الأحوال وليس لها صورة في الكلام، (4) ذكر بعض السلف ممن عاشوا في القرنين الثاني والثالث (المجاز) بمعناه الفني الاصطلاحي بلفظه وبمعناه وكذا (الاستعارة) وهي أظهر أنواع المجاز. نقل ذلك عنهم من النصف الأول للقرن الثاني الهجري. وإليك ستة نماذج لذلك: (الأول): أبو عمر زبان بن العلاء (ت 154 هـ) أحد القراء السبعة، ذكر (الاستعارة) نصاً على ما هو استعارة فعلاً، (الثاني): أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي (ت 170هـ) ذكر مصطلح (المجاز) وشرحه ونصَّ على وجوده في اللغة وفي القرآن الكريم وضرب لذلك أمثله من القرآن ومن أشعار العرب كامرئ القيس وغيره، (الثالث): أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 209هـ) ذكر تخريجات مجازية عديدة في كتابه (مجاز القرآن) وهذه الصور المجازية لا تنطبق إلا على المجاز الذي هو قسيم الحقيقة، كما نقل عنه القول بالاستعارة في التعليق على شعر جرير ورد ذلك في كتاب (النقائض بين جرير والفردق)، (الرابع): أبو عبد الله بن زياد ابن الأعرابي (ت 231هـ) شرح الاستعارة الموجودة في بيت شعر ونقل ذلك ابن رشيق في كتابه (العمدة)، (الخامس): أحمد بن يحيى المعروف بـ (ثعلب) (ت 291هـ) أكثر من ذكر الاستعارة في كتابه (قواعد الشعر) محللا لها ومشيراً إلى المعنى الأصلي الخارجة عنه، (السادس): أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 231 هـ) الشاعر المشهور قال: لقد تركتني كأسها وحقيقيتي مجاز وصبح من يقيني كالظن، قال الدكتور العماري تعليقا على هذا البيت:» وأستطيع أن أؤكد أن هذا الاصطلاح: (المجاز) كان معروفا من زمن بعيد، ذلك أن الشعراء ليسوا من أرباب وضع المصطلحات، كما لا يمكن أن يقولوا ما ليس معروفا عند الناس، فلابد أن تكون كلمة (مجاز) المقابلة للحقيقة معروفة مشهورة حتى يستعملها شاعر لم يعرف عنه أنه عني بالدراسات النحوية التي كانت سائدة في عصره ” أهـ ([11]) . يقول د. المطعني بعد أن بين خطأ الركيزة الأولى لابن تيمية: » ها نحن أولاء قد فرغنا من الرد على الإمام ابن تيمية في الشبهة الأولى من مجموع الشبه التي بني عليها رأيه في نفي المجاز عن اللغة، وعن القرآن الكريم، وهي: أن أحداً من سلف الأمة لم يقل به؟ قد واجهناه بنقيض دعواه. وبينا أن ثلاثة من الأئمة الفقهاء، وهم الإمام الشافعي، والإمام أبو حنيفة، ومعه صاحباه، والإمام أحمد ابن حنبل قد روى الرواة الثقات أنهم قالوا بالمجاز، وتكرر ذلك منهم، والإمام ابن تيمية يعترف بما ورد عن الإمام أحمد، ولكنه سلك فيه مسلكين: (أحدهما): تضعيف الرواية القوية، وتقوية الرواية الضعيفة الموافقة لمذهبه، و (الثاني): تأويل قول الإمام بما يخرجه عن الاحتجاج به عليه على فرض صحته عنده، كما رأينا كثيراً من اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والبلاغيين والإعجازيين،والمفسرين والمحدثين، والأصوليين والفقهاء قد قالوا بالمجاز، وتوسع بعضهم فيه، ونقلنا عن أبي عبيدة، وابن الأعرابي وأبي عمرو بن العلاء وثعلب نصوصا صريحة تدفع دعواه هو في نفي المجاز « أهـ([12]) .
[الشبهة الثانية للإمام ابن تيمية]: أنكر ابن تيمية أن يكون للألفاظ وضع أول يدل على معنى معين لكل منها ثم استعملت الألفـاظ في معانيــها بعد ذلك ويذهب إلى أن كـل لفظ قـد استعمل ابتداء فما أريد منه دون أن يتقدم وضع سابق ثم حاول أن يقدم تفسيراً مقنعا لذلك فقال: أن أصل اللغة إلهام من الله سبحانه ثم كان النطق بالألفاظ مباشرة مستعملة فيما أريد منها، كل ذلك لأنه رأى مجوزي المجاز يقولون: إن المجاز ما نقلت فيه الكلمة من المعنى الوضعي فاستعملت في المعنى غير الوضعي وهذا النقل هو أهم ركن من أركان المجاز.
والرد على ذلك: (1) أطبق علماء الأمة في كل زمان ومكان وفي كل فرع من فروع علم اللغة: قواعد وتطبيقات على أن جميع الألفاظ لكل منها وضع أول ويدل على معنى معين. وفكرة المعاجم اللغوية – كما يقول د. المطعني – إنما نشأت لجمع الألفاظ اللغوية والوقوف على مدلولاتها التي كان عليها الحال عند العرب الخلص … وهذه المفردات اللغوية ومعناها العام المتعارف هو ما عرف بالدلالة الوضعية، (2) أن البحث العلمي الحديث قد ضعّف تفسير نشأة اللغة بالإلهام ولم يوافق عليه. بل صفوة القول في ذلك أن هناك ثلاث نظريات تفسر نشأة اللغة: (أ) التوقيف من الله سبحانه، واحتجوا بقوله سبحانه: {وعلّم آدم الأسماء كلها {.، (ب) الاصطلاح والمواضعة، وفسروا الآية السابقة على أن الله أقدر آدم عليه السلام على وضع الأسماء، (ج) المحاكاة والتقليد يقول السيوطي ” وذهب قوم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوى الريح وجنين الرعد وخرير الماء وشجيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد “، ويعلق ابن جنى على هذا المذهب فيقول: ” وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل ” ([13]) . قلت: وفي قصة ابني آدم التي حكاها القرآن ما يشير إلى اعتماد هذا الطريق في التعليم {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخية} [الآية 31 من سورة المائدة]، وهذه النظرية هي التي يكاد يجزم بصحتها الباحثون المعاصرون في علوم اللغة. وانظر ما ذكره د. علي عبد الواحد وافي في كتابيه: (علم اللغة)، (نشأة اللغة عند الإنسان والطفل)، (3) الوضع والاستعمال متلازمان: يقول د. المطعني تحت هذا العنوان: “ وما يوهن دعوى الإمام ابن تيمية أن قوله بالإلهام لا يؤدي إلى إنكار الوضع، وأن قوله بالاستعمال لا ينافي الوضع، بل أن الوضع ملازم لكل مذهب قيل به في أصل اللغات. لأن المراد بالوضع هو النطق أول مرة باللفظة دالا على معناه سواء كان مصدره الإلهام أو المحاكاة أو التوقيف، والخروج عن الدلالة الأولى للألفاظ مستساغ ومعقول. فبعد أن يستقر استعمال الكلمة في معناها الذي كانت هي من أجله يقع فيها التصرف باستعمالها في دلالة أخرى هي الدلالة المجازية. فسواء كان مصدر نشأة اللغة توقيفا كما يقول ابن فارس وغيره، أو مواضعة كما يرى ابن جنى وآخرون أو إلهاما كما يؤكد ابن تيمية أو محاكاة كما يرى قوم أو غريزة زود بها النوع الإنساني كما يذهب بعض المحدثين فإن الوضع ملازم لهذه الفروض كلها، لأن الوضع هو ورود اللفظ لأول مرة دالا على المراد منه، وتلازم الوضع للاستعمال مثل تلازم الحياة للحي. ويستحيل استعمال لفظ بمعزل عن اللفظ نفسه، كما يستحيل وضع لفظ بمعزل عن الاستعمال لأن الواضع يضع اللفظ ويعينه للدلالة على معنى. وتصور وضع لفظ دون أن تكون حقيقة معناه ومسماه ماثلة في ذهن الواضع مستحيل مستحيل، فابن تيمية- مثلا- يرى أن أصل اللغة إلهام واستعمال لا وضع متقدم على الاستعمال. فحين ألهم الله الإنسان أن يستعمل كلمة (بحر) فلابد من أحد أمرين لصحة هذا الاستعمال؟ (أحدهما): رؤية مجتمع الماء عيانا حين الاستعمال، و (الثاني): تخيل تلك الصورة إذا لم تكن حاضرة مرئية. وفي كلتا الحالتين فكلمة بحر اخترعت مقرونة بالاستعمال إما حسا وإما معنى. ومستحيل أن تخترع كلمة (بحر) أو توضع وليس في ذهن الواضع أو المخترع تصور لمسماها، وهذا المثال صالح للتطبيق على كل النظريات المفروضة في أصل اللغات. فلا مناص من التسليم بالوضع إذن. فالوضع ملازم لكل نظرية، وللاستعمال. لأن اللغة مظهر خارجي وليست فعلا من أفعال النفس يظل مكتوما بين طواياها، فليكن الاستعمال ولا وضع كما يرى ابن تيمية. ولكن المجاز جائز ومستساغ حتى مع نفي الوضع وفرض الاستعمال، فالكلمة في أول استعمال لها حقيقة. وحين تستعمل استعمالا ثانيا بينه وبين الاستعمال الأول صلة معتبرة، ووجدت في السياق قرينة ترجح أو توجب الأخذ بمعنى الاستعمال الثاني دون الأول كان المجاز لا محالة” أهـ([14]) .
[الشبهة الثالثة للإمام ابن تيمية]: نفى أثر الإضافة في تحقيق المجاز فقال غفر الله له: (1) أن كل الألفاظ في اللغة لم ترد إلا مقيدة بقيود وقرائن توضح المعنى المراد منها. فادعاء علماء اللغة ورود الألفاظ مجردة أو أنها بدون أية قرائن أو قيود تفيد معنى وبالتالي يكون المجرد منها حقيقة والمقيد بالقرائن مجاز هو خطأ غير معلوم من اللغة بل هو محال، (2) التسوية بين الإضافات المختلفة لأي لفظ، وقال بأنه ليس هناك إضافة لما حق اللفظ أن يضاف إليه وإضافة إلى ما ليس حق اللفظ أن يضاف إليه، وهو في الحالتين ينكر رحمه الله ظاهرة تبادر المعنى الحقيقي للألفاظ عند سماعها مجردة من القرائن الصارفة عن هذا المعنى، والرد على ذلك: (1) إنكاره ـ رحمه الله ـ للتجريد في الألفاظ يخالف نص القرآن الكريم: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} [الآية 31 من سورة البقرة]، ويخالف ما قرره العلماء والباحثون في أصول اللغة قديماً وحديثاً من أن أسماء الذوات وهي الألفاظ الدالة على الأشياء مثل: أرض-سماء-بحر- فرس- إنسان.. إلخ هي بداية تعلم اللغة وحين نطق الإنسان الأول بهذه الأسماء فمن المؤكد أنه نطق بها مجردة قاصدا بها الدلالة على الصورة المتكاملة – سمعية بصرية حسية- كما هي مختزنة في خياله على ما شرحه د. أحمد عكاشة، ولم يكن في الوقت توصل إلى إطلاق الألفاظ الدالة على الأفعال ثم الحروف ثم الضمائر في فترات لاحقة كما أوضحه د. على عبد الواحد وافي من قبل، (2) مدلول كلامه أن اللفظ إذا ذكر بمفرده خال من أية قيود أو إضافات لا ينتج المعنى المقصود منه وبطلان هذا الرأي من البدهيات وها هي معاجم اللغة تذكر الألفاظ ومعناها مجردة من أي قيد أو إضافة وقد ضرب د. المطعني نماذج لذلك من معاجم اللغة وقال في موضع آخر: وكذلك لما نزل قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن} [الآية 45 من سورة المائدة]، لم يفهم المسلمون من العين إلا العضو الباصر ولا من الأنف إلا العضو الشامّ، ولا من الأذن إلا العضو السامع، ولا من السن إلا الجارحة القاطعة. مع أن هذه الألفاظ لم تضف إلى ما حقها أن تضاف إليه، ولكنها عرفت تعريفا يؤدي نفس المعنى الذي تؤديه الإضافة. ولم ينصرف ذهن السامع إلى معنى آخر غير ما هو مراد في أصل اللغة. لأن هذه الألفاظ تخلو من القيود المؤذنة بصرفها عن الظاهر” أهـ ([15]) . يقول الإمام تاج الدين: وأما من أنكر المجاز في اللغة مطلقا فليس مراده أن العرب لم تنطق بمثل قولك للشجاع أنه (أسد) فإن ذلك مكابرة وعناد ولكن هو دائر بين أمرين: (أ) أحدهما أن يدعي أن جميع الألفاظ حقائق ويكتفي في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها وهذا مسلّم ويرجع البحث لفظيا (أي خلاف لفظياً)فإنه حينئذ يطلق الحقيقة على المستعمل وإن لم يكن أصل الوضع ونحن لا نطلق ذلك، (ب) وإن أراد بذلك استواء الكُلّ في أصل الوضع: فقال القاضي في مختصر التقريب (فهذه مراغمة لحقائق فإنا نفهم أن العرب ما وضعت اسم (الحمار) للبليد، ولو قيل للبليد: حمار على الحقيقة كالدابة المعهودة وأن تناول الاسم لها متساو في الوضع، فهذا دنو من جحد الضرورة)، وكذلك من زعم أن الجدار له إرادة حقيقة تمسكا بقوله تعالى: {جدارًا يريد أن ينقض} عد ذلك من مستشنع الكلام ” أهـ ([16]) .
(3) إذا قيل لماذا لا يحمل تعدد المعاني على أنه من المشترك اللفظي بدلا من القول بالمجاز؟ وهو أن اللفظ الواحد يستخدم للتعبير عن أكثر من معنى وعند إطلاقه بدون قرينة لا يتبادر إلى الذهن معنى واحد منهم بل الجميع على قدم المساواة أو كما عرفه الإمام الأصولي ابن الجزري هو الموضوع لحقيقتين فأكثر وضعا واحداً، مثاله: كلمة (قرء) مشتركة بين الطهر والحيض، وكلمة (جون) مشتركة بين السواد والبياض، وكلمة (عسعس) مشتركة بين الإقبال والإدبار. قلنا: أولاً: المشترك خلاف الأصل، لأنه لو كان المشترك هو الأصل لكان اللفظ عند إطلاقه بدون القرينة مجملا لا يعلم المراد منه ولما لم يكن كذلك بل تبادر إلى الذهن أحد هذه المعاني بمفرده فهذا يدل على أن الانفراد هو الأصل، وأيضاً لو كان الاشتراك هو الأصل لما أمكن الاستدلال بالنصوص على حكم من الأحكام، ثانياً: أن الاشتراك أقل من الانفراد واستقراء اللغة يدل على ذلك، والقلة دليل المرجوحية، ثالثاً: أن الوضع يتبع المصلحة والاشتراك فيه مفسدة بالنسبة للسامع وللمتكلم. للسامع لصعوبة الفهم إلا بالقرائن وللمتكلم لصعوبة التعبير واحتياجه إلى إضافة ما يحدد مقصوده وهذه المفسدة وإن كانت لا تمنع وجود المشترك فلا أقل من أن تقتضي كونه مرجوحا، رابعاً: أن المجاز كثير جداً في اللغة وذلك ثابت بالاستقراء وعند تردد الأمر بين الاشتراك والمجاز فحمله على المجاز أولى من حمله على الحقيقة المؤدي إلى الاشتراك لأن المجاز أغلب من المشترك بالاستقراء والحمل على الأغلب أولى وكما يقول العلامة الإسنوي (والكثرة تفيد الظن في محل الشك)، خامساً أن اللفظ يحمل على المعنى المجازي عند وجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي وعند عدم هذه القرينة فحمله على المعنى الحقيقي المتبادر للفهم الموضوع له، بخلاف الاشتراك فإنه بدون القرينة يجب التوقف وإهمال اللفظ، سادساً في حمل اللفظ على المعنى المجازي إثبات للعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه اللفظ وذلك أقرب إلى مراعاة قصد المتكلم، سابعاً: في المجاز صور بلاغية رائعة سيتم إهمالها حين الأخذ بالاشتراك،([17]) .
(4) أن إثبات المجاز في اللغة لم يستند إلى التجرد المحض في الألفاظ يقول الدكتور المطعني: فمن قال بوقوع المجاز في اللغة لم يذهب إلى التجرد المحض في الألفاظ حتى يكون المقيد منها مجازاً والمجرد حقيقة، وإنما أراد بالتجرد: التجرد من قيود خاصة إذا وجدت وجد المجاز وإذا خلا الكلام منها كان الكلام حقيقة، يشير العلامة بذلك إلى القرينة الدالة على المجاز وكذا العلاقة. وهذه القرينة عند علماء البيان مانعة قطعاً من إرادة المعنى الحقيقي، مثل (رأيت أسداً يرمى بالنشاب) فإن الحيوان المعروف لا يرمى بالنشاب، ومثل: ومن عجب أن الصوارم والقنا تحيض بأيدي القوم وهي ذكور فإن (الحيض) لغة لم يستعمل إلا في الدم السائل من أرحام النساء، فهذا التعبير استعارة ومجاز والعلاقة إما اللون وإما مطلق السيلان، وهذه القرائن منها لفظية لها صورا في الكلام، ومنها حالية معنوية ليس لها صورة في الكلام بل تدرك من الأحوال التي عليها المتكلم، ومصادر القرينة هي اللغة أو الشرع أو العقل أو العادة والعرف أو الحس والمشاهدة، وقد توسع العلامة د. المطعني في شرح القرائن الدالة على المجاز وكذا الإضافات وضرب أمثلة قاطعة منها: قـــد رابـــني وهن المنى وانقــابضها وبسط جديد اليأس كفيه في صدري.
يقول د. المطعني: وقد جعل الشاعر لليأس كفين وجعله ممسكا به يكاد يخنق أنفاسه ويحطم عظام صدره، وكما نعلم فاليأس ليس له كفان ولا هو جسم من الأجسام ولكنه كما يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني: لما أراد له ذلك جعل لليأس كفين واستعارهما له، فهل يستطيع الإمام ابن تيمية أن يقول أن إضافة الكفين إلى اليأس حقيقة! وهل هي نفس الإضافة في الأثر الذي رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع، فأخرج كفاً له ضخمة كأنها كف بعير، ([18]) . فهل إضافة الكف إلى سلمة أو إلى البعير في هذا الخبر كإضافة الكفين إلى اليأس؟! أم أن الشاعر قد صور المعنى الذي يريد نقله في أقصر عبارة بحيث يجذب السامع ويلفت انتباهه؟ يقول أبو هلال العسكري: (وفضل هذه الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنها تفعل في نفس السامع مالا تفعل الحقيقة) أهـ ([19]) . وأنواع المجاز أربعة: 1- العقلي. 2- المرسل. 3- الاستعارة المفردة. 4- الاستعارة التركيبية، وأركان المجاز أربعة أيضاً:1- المعنى الأصلي (الحقيقي) للفظ، 2- المعنى الثاني (المجازي) للفظ، 3- القرينة الدالة على منع إرادة المعنى الأصلي (الحقيقي)، 4- العلاقة المعتبرة بين المعنى الأصلي (الحقيقي) والمعنى الثاني (المجازي)، ولكن هل المعنى المجازي لأي لفظ يجب أن يكون منقولا عن العرب؟ يقول الإمام عبد الوهاب السبكي، فإن قلت إنما يكون من اللغة المجاز الذي تكلمت به العرب. قلت: تقدم أنه لا يشترط النقل في الآحاد وأن استعمال العرب لأصل العلاقة كاف في نسبة المجاز لها “([20]) .وذلك لأن الصور المجازية هي من إبداع خيال الشعراء والبلغاء وغير مقيدة بأن يكون غيرهم قد سبقهم إلى استخدام نفس هذا اللفظ في هذه الصورة وإلا لم يكن هناك إبداع. بل ما نقلته الأمة كلها عن العرب الخلّص هو استخدام اللفظ في هذا الموضع بغير قيود وفي موضع آخر يصنعون قيداً (قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي) في وجود علاقة بين المعنى الحقيقي وبين المعنى الجديد (المجازي)، مثال ذلك إذا قال أحدهم: (رأيت أسداً كبيراً) وقال آخر (رأيت أسداً يرمى بالنشاب) فلا يشك السامع أن الأول رأى الحيوان المعروف لعدم وجود صارف عن ذلك وأن الآخر رأى رجلا شجاعاً يرمي بالنشاب، ويقول العلامة صدر الشريعة الحنفي: واعلم أنه يعتبر السماع في أنواع العلاقات لا في أفرادها فإن إبداع الاستعارات اللطيفة من فنون البلاغة، يقول الإمام سعد الدين التفتازاني شارحا ذلك: يعني أن المعتبر في المجاز وجود العلاقة المعلوم اعتبار نوعها في استعمالات العرب، ولا يشترط اعتبارها بشخصها حتى يلزم في آحاد المجازات أن تنقل بأعيانها عن أهل اللغة، وذلك لإجماعهم على أن اختراع الاستعارات الغريبة البديعة التي لم تُسمَعْ بأعيانها من أهل اللغة هو من طرق البلاغة وشعبها التي بها ترتفع طبقة الكلام، فلو لم يصح لما كان كذلك ولهذا لم يدونوا المجازات تدوينهم للحقائق([21]) .
[الشبهة الرابعة للإمام ابن تيمية]: (قوله ببطلان أدلة جمهور الأمة على إثبات المجاز) وهي: الدليل الأول: قوله تعالى: {جداراً يريد أن ينقض}، يقول رحمه الله: فكل لفظ موجود في كتاب الله وسنة رسوله فإنه مقيد بما يبين معناه. فليس في شيء من ذلك مجاز بل حقيقة. ولهذا لما ادّعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازاً وذكروا ما يشهد لهم، رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه. فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى:}جداراً يريد أن ينقض{قالوا: والجدار ليس بحيوان، والإرادة إنما تكون للحيوان فاستعمالها في ميل الجدار مجاز، فقيل لهم لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد. وهو من مشهور اللغة: يقال (هذا السقف يريد أن يقع)، و (هذه الأرض تريد أن تحرث)، و(هذا الزرع يريد أن يسقى) أهـ ([22]) .
والرد على ذلك: نقول: (1) سبق إبطال كلامه في إنكاره التجريد والإطلاق في الألفاظ، (2) قوله (لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي، وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد) وضربه أمثله لذلك، ليس فيه دليل على تساوي استعمال اللفظ في الحالتين بل هو دليل على أن العرب قد نطقت بالحقائق وبالمجازات، يقول الدكتور المطعني: ولو كانت إرادة الحيوانات والجمادات مثل إرادة الإنسان لما أهدر الشرع الأضرار التي تقع على الإنسان من العجماوات ولما قال عليه السلام (جرح العجماوات جبار) يعني لا تبعه عليها فيه، ولكان القصاص من الحيوانات إذا رفصت إنساناً فمات ولم يقل بهذا أحداً، وإذا كان جرح العجماوات هدراً وهي أرقى من الجمادات لما ركب فيها من إحساس وإدراك فإن جرح الجمادات أولى بعدم الإكثرات وليس بعد هذا الفرق من كلام أو نزاع ” أهـ([23]) .
الدليل الثاني: قوله تعالى: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} [الآية 112 من سورة النحل]، يقول الإمام ابن تيمية: فإن من الناس من يقول: الذوق حقيقة في الذوق بالفم واللباس بما يلبس في البدن وإنما استعير هذا وهذا وليس كذلك. بل قال الخليل: الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشيء والاستعمال يدل على ذلك أهـ([24]) .
والرد على ذلك: نقول: وهل يوجد الطعم في غير الفم ؟! يقول د. المطعني فكلمة طعم هذه خاصة بما يؤكل أو يشرب والطعام هو المأكول والطعم أثره في اللسان من حلاوة ومرارة ومزازة … فالخليل إذا لما قال: وجود طعم الشيء اكتفى بذكر (طعم) عن ذكر اللسان فأجمل إجمالا لا يخل بالفهم… نقول: إن عبارة الخليل لا تفيد الإمام ابن تيمية فهى حجة عليه وليست له ” أهـ([25]) .
الدليل الثالث: ذكر الأصوليون وبعض اللغويين من أدلة المجاز: قوله تعالى: {ومكروا مكراً ومكرنا مكراً} [الآية 50 من سورة النمل]، قوله: {فيسخرون منهم، سخر الله منهم} [الآية 180 من سورة التوبة]، يقول الإمام ابن تيمية: “ وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق كانت ظلماً له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً ” أهـ([26]) .
والرد على ذلك: أن هذه الأمثلة كما يقول د. المطعني من باب المشاكلة وهي تسمية الشيء باسم غيره لوقوعه في صحبته لفظاً أو تقديراً، ولا يتوقف تحقيقها على المجاز، وإن وقع فيها مجاز فذلك ليس من شرطها، وهنا نصوص أخرى من المشاكلة لا يستطيع نفي المجاز فيها، من هذه النصوص ما يتعلق بالله سبحانه مثل: {وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} [الآية 34، من سورة الجاثية]، {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم} [الآية 14 من سورة السجدة]، {نسوا الله فنسيهم} [الآية 67، من سورة التوبة]، ونحن لا نناقش هل الكفار يستحقون ذلك أم لا، أو أن نسيان الله سبحانه وتعالى لهم عدل أم لا؟ لكننا نسأل هل يجوز إسناد النسيان إلى الله سبحانه وتعالى على وجه الحقيقة التي يعلمها الناطقون باللغة العربية وهي صفة نقص في المسندة إليه أم أن ذلك تعبير عن حرمانهم من فضله وإحسانه في ذلك اليوم فهو بذلك مجاز؟ وهناك نصوص أخرى من المشاكلة فيها المجاز جاءت في غير الله سبحانه فمنها قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [الآية 194 من سورة البقرة]، {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الآية 40 من سورة الشورى]، {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم} [الآية 61 من سورة المائدة]، وقد شرح د. المطعني وجه المجاز في كل آية، الدليل الرابع: وهو أشهر الأدلة التي يستدل بها جمهور الأمة وأعلامها يقول إمامنا الشافعي في (الرسالة) تحت عنوان: (الصنف الذي يبين سياقه معناه): قال الله تبارك وتعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} [الآية 163 من سورة الأعراف]، فابتدأ جل ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر فلما قال: {إذ يعدون في السبت}، دل على أنه إنما أراد أهل القرية لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون، ثم قال: وقال تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين. فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون} [(الآيتان 11،12 من سورة الأنبياء)] وهذه الآية مثل الآية قبلها فذكر قصم القرية فلما ذكر أنها ظالمة بان للسامع أن الظالم إنما هم أهلها دون منازلها التي لا تظلم. ولما ذكر القوم المنشئين بعدها وذكر إحساسهم البأس عند القصم أحاط العلم أنه إنما أحس البأس من يعرف البأس من الآدميين ([27]) . ومعلوم أن الإمام الشافعي حجة في اللغة، يقول العلامة د. المطعني: وأكاد أجزم أنه أراد بالسياق ما فيه من قرينة دالة على التجوز وهي كما قال: إن القرية باعتبارها مكانا لا تكون فاسقة ولا عادية ولا تكون ظالمة ولا تحس ألم البأس وغير خاف أن الإمام الشافعي يحمل المطلق (القرية باعتبار المكان) على المقيد (القرية بمعنى من فيها من الأهل) وهذا غير ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية من إبقاء القرية على ظاهرها حين يتحدث عنها وقد بالغ في هذا حيث قال: (ونظير ذلك لفظ الإنسان يتناول الجسد والروح ثم الأحكام تتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمها، فكذلك القرية إذا عذب أهلها خربت وإذا خربت كان عذابا لأهلها فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر كما ينال الجسد والروح ما يصيب أحدهما) فهل يا ترى يذهب الإمام ابن تيمية إلى القول بأن الخراب الواقع على القرية هو عقاب لها من حيث أنها قرية ومنازل ؟ أهـ ([28]) .
، قلت كان الأولى بابن تيمية في هذا النص أن يقول: فكذلك القرية إذا عذب أهلها عذبت وإذا خربت خرب جسد كل فرد من أهلها! وقد سبق له في كتاب الإيمان أن قال: فقيل لهم: لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال وكلاهما داخل في الاسم ثم قد يعود الحكم على الحالّ وهو السكان وتارة على المحل وهو المكان وكذلك في النهر يقال حفرت النهر وهو المحل وجرى النهر وهو الماء ووضعت الميزاب وهو المحل وجرى الميزاب وهو الماء “ أهـ ([29]) . كل هذا كما قيل في الدليل الأول يثبت أن العرب كما قلنا نطقت بالحقيقة وبالمجاز واستعملت هذا وذاك من أساليبها وها هو يثبت في كلامه اعتبار العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي المنقول إليه عندما شبه القرية وسكانها بجسد الإنسان وروحه وهو يعترف بالقرائن الدالة على إرادة المعنى المجازي والصارفة عن المعنى الحقيقي فماذا لايقر بالمجاز لفظا ومعنى كباقي الأمة ؟ وانظر إلى كلام الإمام الشافعي يشير بلفظ (السياق) إلى القرينة اللفظية الموجودة في الكلام ثم ذكر النوع الآخر للقرينة وهي القرينة الحالية المعنوية فيقول تحت عنوان (الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره): قال الله تبارك وتعالى وهو يحكي قول أخوة يوسف لأبيهم: {ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون} [الآيتان 81، 82 من سورة يوسف]، فهذه الآية في مثل معنى الآية التي قبلها لا تختلف عند أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون أباهم بمساءلة أهل القرية وأهل العير، لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم” ([30]) .
، والقرينة الحالية المعنوية هنا كما يقول الإمام (لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم) فهو رحمه الله يؤول لفظ القرية بأهلها ولفظ العير بأهلها أيضاً ولا يبقي اللفظ على ظاهره كما يفعل الإمام ابن تيمية، ونحن نسأل لو قال قائل (ذهبت إلى قرية كذا) أو (ذهبت إلى العير) بدون أية قرينة أو إضافة أليس المتبادر إلى ذهن السامع أنه ذهب إلى القرية التي هي مكان وأبنية وأن الآخر ذهب إلى العير التي هي الجمال (الحيوانات) المعروفة؟ فكلام الإمام الشافعي والأمة كلها معه – يبين أن هذا هو المفهوم من اللفظ حيث إنه لا توجد قرينة تنفي هذا المفهوم، أما على طريقة تقرير ابن تيمية فيجوز أنه ذهب إلى القرية التي هي مكان وأبنية ويجوز أنه ذهب إلى أهلها حتى وإن كانوا خارجها !، ومن ذهب إلى العير يجوز أنه ذهب إلى الحيوانات المعروفة ويجوز أنه ذهب إلى أصحابها في منازلهم بعيداً عن الحيوانات! وهل الإمام الشافعي القرشي الذي هو بإجماع أهل العلم حجة في اللغة العربية، والمولود سنة مائة وخمسين من الهجرة وأدرك أتباع التابعين كالإمام مالك رضي الله عنه فبينه وبين الصحابة جيلين فقط ونشأ في مكة المكرمة وسط قريش أفصح العرب وتعلم لغة العرب من مصادرها النقية، أقول هل هذا الإمام الفذ لا يعرف أساليب العرب في التعبير ولا يدرك ما اكتشفه الإمام ابن تيمة في القرن الثامن من أن الألفاظ السابقة ونظائرها حقائق على ظاهرها في جميع الاستعمالات؟ وكذا أبو عبيدة معمر بن المثني ومن قبله أبو زيد القرشي وأبو عمر بن العلاء وأبو حنيفة الذي عاصر أربعة من الصحابة وصاحباه وغيرهم مما يكاد أن يكون إجماعا من الأمة في ذلك العصر، بل هو كذلك بالفعل فلم يكن الشافعي معبراً عن رأيه هو بل عن فكر الأمة كلها فهل كل هؤلاء أخطأوا ونقلوا لنا العربية بصورة غير صحيحة ؟! هل كان الإمام ابن تيمية يعتقد صحة كلامه في بطلان المجاز ؟ يلاحظ أن ابن تيمية مر بثلاث فترات كان له فيها موقف مختلف في موضوع المجاز، (الفترة الأولى): في نشأة حياته العلمية: وألف فيها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) الذي أطراه وأثنى عليه كمال الدين بن الزملكاني، واستخدم المجاز في الدفاع عن أئمة المذاهب في موضعين أشار إليهما د. المطعني، ويبدو أنه ألف فيها أيضاً رسالة (الحقيقة والمجاز في صفات الله) ردا على سؤال لشيخ سماه (شمس الدين) ونشرها محمد عبد الرازق حمزة، عقب الفتوى الحموية مباشرة وفيها يقر بالمجاز بدون تحفظ، (الفترة الثانية): وهي التي ألف فيها الفتوى الحموية وبدأ يتحفظ فيها في الكلام على المجاز وإن كان ظاهر كلامه الإقرار به في اللغة ومنع تطبيقه في مسائل صفات الله لما رأى تصادم آرائه في العقيدة مع إباحته للمجاز وفي خلال هذه الفترة تصاعدت خلافاته مع علماء عصره، (الفترة الثالثة): إنكاره للمجاز مطلقاً في اللغة والقرآن والسنة وعلى نفس طريقته سار تلميذه ابن قيم الجوزية بعد وفاة ابن تيمية إذا ناقش موضوعات الصفات والنصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه تراه يسرع في إنكار المجاز وإبطاله بكل ما أوتي من قوة حتى يؤكد اسلوب تقرير العقيدة اللذي قرره الإمام ابن تيمية فإذا ناقش أفكاراً أخرى تحتاج جزماً إلى التأويل فيجنح إلى المجاز، أورد الدكتور المطعني في كتابه تحت عنوان: (التأويل المجازي في أعمال ابن تيمية) حوالي سبعة عشر مثالا تغطى كل أنواع المجاز ومنها خمسة نماذج في صفات الله عز وجل منها تأويل (الرؤية والسمع) ([31]) .، ثم ذكر ورود المجاز صريحاً في أعمال ابن تيمية فأورد عشرة أمثلة ذكر فيها المجاز نصا واعترف به، فلا وجه لمتابعة الإمام ابن تيمية في هذا الخطأ فإنه تقليد خاطئ وتعصب مذموم لا يرضاه الإمام رحمه الله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه] انتهى من مقال للشيخ عبد الله الغالبي في ملتقى اهل الحديث.
[8]: ما هي بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز ؟: قال الشيخ عبد الواحد مصطفى عند تحقيقه لكتاب دفع شبه من شبه وتمرد، ونسب ذلك إلى السيد الجليل الامام احمد، تصنيف الإمام تقي الدين أبي بكر الحصني – عند مبحث: نفي ابن تيمية للمجاز -: قال تقي الدين الحصني: (ونفى المجاز في القرآن،، وهو من الجهل أيضاً فإن القرآن معجز ومحشو بالمجازات والاستعارات حتى إن أول حرف فيه، فيه أنواع هذا المجاز)، قال المحقق الشيخ عبد الواحد مصطفى: ” بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز: (أولاً) مناصرته لعقيدة التجسيم تعالى الله عما يقول: فهو بإنكاره المجاز يريد أن يقول: إنه لا يقصد التجسيم ولا يريده ولكن ما حيلته والنصوص تفيد ذلك ؟ ثم يخرج من ذلك إلى أن جمهور الأمة المنزهين لله سبحانه ملاحدة أتباع ابن سينا وأرسطو ولا يؤمنون بالقرآن ولا بالسنة ! (ثانياً): زعمه قيام الحوادث بالذات الإلهية المقدسة تعالى الله عما يقول، وهذا كسابقه فهو ينكر المجاز المفضي إلى صحة التأويل الذي ينزه الله عن النقص، (ثالثاً): زعمه القدم النوعي للعالم: فبإنكاره المجاز يصوِّر جمهور الأمة المنكرين لعقيدة قدم العالم بأنهم ينكرون أن الله خالقٌ ! وقد سبق تفصيل ذلك، (رابعاً): تفرقته بين حياة الرسول jووفاته في صحة التوسل به: كما سبق في (قدم العالم) فإن اشتقاق الأسماء من الصفات التي ستوجد في المستقبل أو تحققت في الماضي – كوصفه jبـ (الرسول) – يكون على صورة المجاز، فابن تيمية بنفيه المجاز ينفي رسالته jبعد الوفاة وما يترتب على رسالته من جاهه ومكانته jعند ربه بينما يثبت ابن تيمة ذلك له jفي حياته كما سيأتي في كلام المصنف، (خامساً): إنكاره عصمة الأنبياء: ينكر ابن تيمية عصمة الأنبياء سواء قبل النبوة أو بعدها من الخطأ أو الذنوب والمعاصي بما فيها الكفر والشرك بل فقط يعترف بأنهم يسارعون في التوبة ولا يستمرون في الذنب حتى العصمة في إبلاغ الرسالة تحفظ عليها وجعلها مشروطة بجواز وقوع الخطأ في إبلاغ الوحي عن الله مع عدم الاستقرار في ذلك الخطأ، وضرب مثــالا لذلك حـديث الغرانيق- الذي طعن فيه محققوا العلماء- زاعما أنه منقول نقلا ثابتاً لا يمكن القدح فيه، لذا عارض ابن تيمية بشدة واستنكار وحدّة كل تأويل للنصوص التي يفيد ظاهرها وقوع الذنب أو الخطيئة من الأنبياء عليهم السلام قال ابن تيمية: ” .. والرادُّون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد وهي من جنس تأويلات القرامطة والباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه .. ” إلخ([32]) . ومن هنا كان نفيه الجازم لمسألة وقوع المجاز في اللغة أو في القرآن أو السنة وصولا إلى نفي تأويل هذه النصوص وإدانة الأنبياء عليهم السلام الذين هم صفوة الخلق ووسيلتنا إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، [هل كان ابن تيمية يعتقد صحة كلامه في بطلان المجاز ؟]: يلاحظ أن ابن تيمية مر بثلاث فترات كان له فيها موقف مختلف في موضوع المجاز، الفترة الأولى: في نشأة حياته العلمية: وألف فيها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) الذي أطراه وأثنى عليه كمال الدين بن الزملكاني، واستخدم المجاز في الدفاع عن أئمة المذاهب في موضعين أشار إليهما د. المطعني، ويبدو أنه ألف فيها أيضاً رسالة (الحقيقة والمجاز في صفات الله) ردا على سؤال لشيخ سماه (شمس الدين) ونشرها محمد عبد الرازق حمزة، عقب الفتوى الحموية مباشرة وفيها يقر بالمجاز بدون تحفظ، الفترة الثانية: وهي التي بدأ فيها مشاغباته في موضوعات العقيدة، وألف فيها الفتوى الحموية وبدأ يتحفظ فيها في الكلام على المجاز وإن كان ظاهر كلامه الإقرار به في اللغة ومنع تطبيقه في مسائل صفات الله لما رأى تصادم آرائه في العقيدة مع إباحته للمجاز وفي خلال هذه الفترة تصاعدت خلافاته مع علماء عصره وجدرت المناظرات التي كان أولها بسبب الفتوى الحموية وأفحمه العلماء في كل مرة، الفترة الثالثة: وهنا فزع إلى إظهار إنكاره للمجاز وتلفيق الأسباب لهذا الإنكار حتى لو كان إنكار الضرورات العقلية التي لا يجحدها عاقل لو اتهم بالجنون، ولكي ينقل خلافه مع العلماء المناظرين له من مجال النصوص الشرعية التي تضعه في موقف، إما الاعتراف بالخطأ أو الاعتراف بكفره – إلى مجال الخلافات اللغوية وهو في نفسه يعلم أن المجاز حق بلا ريب ويظهر ذلك من سقطات كلامه حتى أثناء هجومه على المجاز في كتاب (الإيمان) و (الفتاوى) مما يؤكد أن إنكاره للمجاز واعـترافه به بل واستعماله- في تفســير النصـوص وتأويلها- بالمعنى وباللفـظ الصريح قد ترافقا في نفس الفترة الزمنية، وعلى نفس طريقته سار تلميذه ابن قيم الجوزية بعد وفاة ابن تيمية إذا ناقش موضوعات الصفات والنصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه تراه يسرع في إنكار المجاز وإبطاله بكل ما أوتي من قوة حتى يؤكد فكرة التشبيه والتجسيم فإذا ناقش أفكاراً أخرى تحتاج جزماً إلى التأويل فيجنح إلى المجاز فهما قد جحدا بالمجاز، واستيقنت صحته نفساهما، وهذا ينفي أي احتمال لسوء الفهم في العقائد التي خالفا فيها جمهور الأمة أو إن شئت قلت إجماع الأمة بل هي مخالفة مع سبق الإصرار والترصد، وليس إنكار المجاز إلا ستاراً للدفاع عن عقائدهم الباطلة، أورد الدكتور المطعني في كتابه تحت عنوان: (التأويل المجازي في أعمال ابن تيمية) حوالي سبعة عشر مثالا تغطى كل أنواع المجاز ومنها خمسة نماذج في صفات الله عز وجل منها تأويل (الرؤية والسمع) ثم ذكر ورود المجاز صريحاً في أعمال ابن تيمية فأورد عشرة أمثلة ذكر فيها المجاز نصا واعترف به، إذا كان كذلك فمن هو سلف ابن تيمية في إنكار المجاز ؟ لا يقال إن سلفه في ذلك هو داود الظاهري أو غيره من علماء الأمة الذين لم يقصدوا سوى تحرير المسائل اللغوية أو الشرعية ولم يعتنقوا عقائد وأراء رتبت سلفا وأحضر لها إنكار المجاز كغطاء فقط بل من سبق إلى هذا السلوك المشين هم اليهود فهم الذين فسروا نصوص التوراة من قبل تحريفها على ظواهرها جنوحا إلى نسبة النقائص إلى الذات الإلهية المقدسة، بل وحاولوا ذلك في آيات القرآن الكريم على عهد النبي j ، لما نزلت الآية الكريمة {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون}} الآية 255 من سورة البقرة {ذهب سيدنا أبو بكر إلى فنحاص وهو من كبار أحبار اليهود فدعاه للإيمان وقال ” اتق الله وآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا ” فقال فنحاص ” يا أبا بكر تزعم أن ربنا فقير يستقرضنا أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغنيّ إن كان ما تقول حقا فإن الله إذا فقير ” فأنزل الله تعالى {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، سكنتب ما قالوا ..} إلى آخر الآية 181 من سورة آل عمران، روى ابن جرير الطبري هذا الخبر من طرق عند تفسيره للآية 181 من سورة آل عمران وكذا غيره فهو ثابت بمجموع طرقه، فهذا اليهودي الذي ولد وعاش بين قبائل العرب لا يجهل أساليبهم في التعبير لكنه تمسك بظواهر النصوص مدعيا الجهل باللغة حتى يبيح لنفسه الخطأ في الذات الإلهية متهما القرآن وأهله بذلك كيف وقد استدل ابن تيمية نفسه- في الفتوى الحموية – على فكرة التشبيه والتجسيم باعتناق طائفتين لهذه العقيدة زاعما أن القرآن لم يعارضهما في ذلك بل عارض الأولى (مشركي العرب) في إنكارهم المعاد فقط وعارض الثانية (اليهود) في تحريفهم للتوراة وليس فيما عابه عليهم -حسب زعمه- التجسيم والتشبيه وبذلك يكون التجسيم والتشبيه هما عقيدة الرسول وهو ما أتى به القرآن، ثم ختم عبارته بلفتة خطيرة صرح بها نصاً وهو أن ما يتفق القرآن والتوراة على ذكره وإقراره أصح وأشد ثبوتا وتأكيداً مما انفرد به القرآن وحده ! ([33]) .وهذا تصريح واضح بأن ما أتى به القرآن عنده لا يصل إلى درجة الثبوت القطعي اليقيني الكامل وإلا لما زاد ثبوته بانضمام التوراة أو غيرها له! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ويتضح بذلك أن إنكار المجاز كما قلنا لم يكن إلا ستاراً يخفي وراءه عقائده التي ساير فيها أساتذته من اليهود كما سايرهم في أسلوب المغالطة والسلوكيات وسبق الإشارة إلى ذلك، انتهى،
***
([2]) البرهان في علوم القرآن: ٢/٢٥٥.
([6]) الإمام في بيان أدلة الأحكام: ج: 1 ص: 235 إلى 273. بتصرف.
([8]) البرهان في علوم القرآن: ٢/ ٢٥٥.
([9]) المجاز في اللغة والقرآن الكريم للدكتور عبدالعظيم المطعني 2/644، المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذه بين الإنكار والإقرار (عبد العظيم المطعني) ص 9.
([10]) الايمان لابن تيمية ص 73.
([11]) (المجاز) للدكتور العماري ص 25، (المجاز) للدكتور المطعني ص 714.
([12]) المجاز في اللغة والقرآن الكريم ص 715،
([13]) المجاز للدكتور المطعني ص 735.
([16]) الإبهاج في شرح المنهاج 1/298، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/385 بألفاظ متقاربة.
([17]) ويمكن الرجوع في هذه النقطة (المقارنة بين الاشتراك والمجاز) إلى كتاب (المحكم والمتشابه) للدكتور إبراهيم عبد الرحمن ص 539 فما بعدها وكذا إلى كتب أصول الفقه.
([18]) الأدب المفرد ص 338ح(973) .
([19]) المجاز 269 للدكتور المطعني.
([21]) شرح التلويح على التوضيح 1/152-153.
([22]) الايمان لابن تيمية ص 90.
([24]) الايمان لابن تيمية ص 91.
([26]) الايمان لابن تيمية ص 93.
([29]) الايمان لابن تيمية ص 94.
([32]) مجموع الفتاوى 2/284 وانظر الباب الثالث من كتاب (ابن تيمية ليس سلفيا)