الفصل الثالث أهم مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في التزكية
وقد اشتمل على تلك المباحث: (1) التصوف هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام، (2) التصوف هو المرادف للتزكية في اصطلاح القران وللإحسان في اصطلاح الحديث، (3) لماذا إذن استعمال مصطلح التصوف وليس التزكية أو الإحسان، (4) تعريف التصوف وبيان ما هو المقصود بالتصوف، (5) نشأة علم التصوف وبداية ظهور مصطلح الصوفية، (6) بداية ظهور التصوف كعلم للتزكية، (7) أصالة علم التصوف وانتسابه إلى الكتاب والسنة، (8) برآءة التصوف الإسلامي من الانتساب إلى غير الإسلام، (9) مدارس التزكية والإحسان المنتسبة لأهل السنة والجماعة، (10) حقائق عن التصوف، (11) ما الذي ينبغي أن يعرفه المسلم عن التصوف، (12) نظريات أهل التصوف، (13) إشارة إلى بعض معارف وحقائق أهل الطريق إلى الله، (14) التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ولابد من ترشيد أمره وتصفيته من الدخن، (15) منزلة التصوف من الدين كمنزلة الروح من الجسد، (16) ما هي معاني التصوف التي جعلته أعلى علوم الدين ، (17) إشارة إلى بعض منازل أهل الطريق إلى الله.
***
[المفتاح الاول]: التصوف هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام: كما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعلى مر العصور تتبلور العلوم، وتتخصص المدارس العلمية، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام.
[المفتاح الثاني]: التصوف هو المرادف للتزكية في اصطلاح القران الكريم، وهو المرادف للإحسان في اصطلاح الحديث الشريف: التصوف هو المرادف لمصطلح (التزكية) المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)} [الْأَعلى: 14]، وقوله تعالى: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [فاطر: 18] وقوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه: 76]،تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2]، وكذلك فإن (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك“)) ([1]) .
وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل (التصوف) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية، و (التصوف) علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها.
[المفتاح الثالث]: لماذا إذن استعمال مصطلح التصوف وليس التزكية أو الإحسان: إن مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و (التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، وعلى ذلك، فما الداعي إلى تغيير اسم مصطلح لن يغير من المعنى شيئا، ثم من يملك تغيير اسم الفقه أو العقيدة أو التصوف، وقد تعارف عليها منذ مئات السنين، وهي مدارس علمية متخصصة، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية)، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الْأَعلى: 14].
وأيا كانت التسمية، (التزكية أو التصوف) فإن المقصود هو تجديد المضمون وتصحيح المسار لجانب يمثل ثلث الدين الأعلى، ثلث (الإحسان)، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)) ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، ولا ينبغي تضييع الوقت والجهد في تغيير مسمى قد عُرف على ما يزيد من ألف عام، فلنركز الجهد على ترشيد التصوف وإصلاح الصوفية، حتى يتم بترشيد التصوف تجديد مرتبة الإحسان ثلث الدين الأعلى، والله المستعان، يقول العلامة عبد القادر عيسى في كتابه القيم ((حقائق عن التصوف)) بعد ذكره لتعريف التصوف: ” ومهما يكن من أمر، فإن التصوف أشهر من أن يحتاج في تعريفه إلى قياس لفظٍ، واحتياج اشتقاق، وإنكار بعض الناس على هذا اللفظ بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة والتابعين مردود، إذ كثيرٌ من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة، واستُعملت ولم تُنكَر، كالنحو والفقه والمنطق، وعلى كلٌّ فإننا لا نهتم بالتعابير والألفاظ، بقَدْرِ اهتمامنا بالحقائق والأسس، ونحن إذ ندعو إلى التصوف إنما نقصد به تزكية النفوس وصفاء القلوب، وإصلاح الأخلاق، والوصول إلى مرتبة الإحسان، نحن نسمي ذلك تصوفاً، وإن شئت فسمه الجانب الروحي في الإسلام، أو الجانب الإحساني، أو الجانب الأخلاقي، أو سمه ما شئت مما يتفق مع حقيقته وجوهره؛ إلاَّ أن علماء الأمة قد توارثوا اسم التصوف وحقيقته عن أسلافهم من المرشدين منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا، فصار عُرفاً فيهم،[حقائق عن التصوف الباب الاول تعريف التصوف]، ويقول الشيخ حسني الشريف في كتابه الدلالة النورانية: (وجملة القول أن أهل هذا الطريق أشهر وأسمى من أن يُحتاج في التعرف عليهم إلى لفظ مشتق أو قياس على هذا اللفظ، فالسالك لا يهمه الاسم الذي يطلق عليه مهما كان، طالما أنه مع الله والى الله في عمله وقصده، وإنما همه ومبتغاه هو أن يكون مع خالقه بلا غرض ولا مطلب ولا تحقيق شهوة دنيوية؛ اللهم إلا علاقة الشكر الدائم الذي لا ينقطع، والشعور بالقصور، والشعور بالقرب بعد كدورة البعد {اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ: 13]، وسواء سمي السالك صوفياً، أو أي اسم آخر، فهذا ليس بالأمر المهم، فنحن لا نهتم بالألفاظ والمسميات بقدر ما نهتم بالحقائق والمبادئ، فإذا ذكر أمامنا لفظ الصوفي أو التصوف، تبادرت إلى أذهاننا معاني تزكية النفوس، وصفاء القلوب، والسعي حثيثاً لإصلاحها، وصولاً إلى مرتبة الإحسان التي هي مقام كل العارفين الربانيين، الذين تحققوا من معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فهذه الحقائق سميت في القرن الثاني للهجرة تصوفاً، ولنا أن نسميه الآن: «الجانب الروحي في الإسلام» أو «أخلاق الإسلام» أو «التحقق من معاني الإحسان» أو أي اسم يتفق مع معاني شريعتنا الغراء وما جاء به الكتاب والسنة، وهما مصدر التصوف وحقيقته، أما إنكار بعض الناس على هذا اللفظ (التصوف) بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة والتابعين فهو مردود جملةً وتفصيلاً، لأن معظم الاصطلاحات أُحدثت بعد زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، واستعملها جيل الصحابة والتابعين، ولم تُنكر من كبار الصحابة وأئمة التابعين، كألفاظ التابعين، وتابعي التابعين، وأمير المؤمنين، وألفاظ النحو والفقه والمنطق وعلوم الإدارة و الدواوين وعلوم القرآن والتفاسير وعلوم الحديث والجرح والتعديل، كل هذه الاصطلاحات لم تكن تستعمل زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعملت فيما بعد ولم تنكر) ([2]) .
[المفتاح الرابع]: تعريف التصوف وبيان ما هو المقصود بالتصوف:
[1] تعريف التصوف من حيث اللغة: لا يهمنا ها هنا المعنى اللغوي للتصوف، بقدر أهمية المقصود به، والمعنى الحقيقي له، والحاصل أنه قد كثرت الأقوال في اشتقاق التصوف عند المسلمين على معنى اللغة عدة أقوال، أشهرها: أنه من الصوفة، لأن الصوفي مع الله كالصوفة المطروحة، لاستسلامه لله تعالى، أو أنه من الصِّفة، إذ أن التصوف هو اتصاف بمحاسن الأخلاق والصفات، وترك المذموم منها، أو أنه من الصُفَّة، لأن صاحبه تابعٌ لأهل الصُفَّة الذين كانوا يقيمون في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أنه من الصف، فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث حضورهم مع الله؛ وتسابقهم في سائر الطاعات أو أنه من الصوف، لأنهم كانوا يؤثرون لبس الصوف الخشن للتقشف والزهد، أو أنه من الصفاء، فلفظة “صوفي” على وزن “عوفي”، أي: عافاه الله فعوفي، كما قال أبو الفتح البستي: ” تنازع الناس في الصوفي واختلفوا… وظنه البعض مشتقاً من الصوف… ولست أمنح هذا الاسم غيرَ فتىً… صفا فصوفي حتى سُمي الصوفي ” وقد أرجع بعض المتحاملين على التصوف، الكلمة إلى أصل يوناني، هو كلمة: (سوفيا)، ومعناها الحكمة، وهذا الأمر لا دليل عليه ولا يرضى به أهل التصوف لأنهم يقولون أن (التصوف الإسلامي) إسلامي النشأة والاستمداد، يتعلق بتحقيق مرتبة الإحسان، يستمد أصوله من الكتاب والسنة، ولا علاقة له بغير دين الإسلام، وكما ذكرت فإنه لا يهمنا ها هنا المعنى اللغوي للتصوف، بقدر أهمية المقصود به، والمعنى الحقيقي له.
[2] تعريف التصوف من حيث الاصطلاح: نظرا لسعة علم التصوف واتساع جوانبه، لذلك كثرت الأقوال أيضا في تعريف التصوف تعريفا اصطلاحيا على آراء متقاربة، كل منها يشير إلى جانب رئيسي في التصوف، نتعرض لبعضها، ثم نذكر إن شاء الله تعالى التعريف الجامع له: قال الشيخ العلامة أحمد زروق رحمه الله: (وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه) ([3]) .
(قلت) ألفي تعريف وكل تعريف منها يشيـر إلـى جانب من جوانب التصوف: منها على سبيل المثال: قال سيد الطائفة الإمام الجنيد رحمه الله (ت: سنة 297ه): ((التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني)) ([4]) . وقال القاضي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله (ت: سنة 929ه)ـ: ((التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية)) ([5]) . وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله (ت سنة 656هـ: ((التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية) ([6]) .
وقال ابن خلدون رحمه الله: ((التصوف هو العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة)) ([7]) .وقال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله: التصوف هو تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه، أي تخليص القلب لله تعالى، واعتقاد ما سواه اعتقادا أنه لا يضرُّ ولا ينفع، فلا يعول إلا على الله، ([8]) .
وقال الإمام ابن عجيبة: التصوف لب الإسلام، وقال: التصوف هو علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك وتصفية البواطن من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة([9]) . وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: (التصوف تدريب النفس على العبودية وردها لأحكام الربوبية) ([10]) .
وقال الإمام الأكبر محي الدين بن عربي رحمة الله عليه: التصوف هو الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا،وقال: التصوف خُلُق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف([11]) .
وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله: (التصوف علم قصد به صلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه والفقه لإصلاح العمل، وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام، والأصول لتحقيق المقدِّمات بالبراهين، وتحلية الإيمان بالإيقان، والطب لحفظ الأبدان، والنحو لإصلاح اللسان إلى غير ذلك ([12]) .
وقال العلامة الشريف الجرجاني: التصوف كله جد فلا يخلطونه بشيء من الهزل، وهو تصفية القلب عن مواقف البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدعاوى النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بعلوم الحقيقة واستعمال ماهو أولى على السرمدية، والنصح لجميع الأمة والوفاء لله تعالى على الحقيقة، واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشريعة ([13]) .
وقال الإمام الرفاعي: الصوفي لا يسلك غير طريق الرسول المكرم صلى الله عليه وسلم فلا يجعل حركاته وسكناته إلا مبنية عليه ([14]) .
وقال الإمام تاج الدين السبكي (الصوفية) حياهم الله وبياهم وجمعنا في الجنة نحن وإياهم، وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعبا ناشئا عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المتلبسين بها، إلى أن قال: وإنهم المعرضون عن الدنيا المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة…ثم تحدث عن تعاريف التصوف إلى أن قال: والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم ويستنزل الغيث بدعائهم فرضي الله عنهم وعنا بهم ([15]) .
وقال الإمام النووي: إن أصول طريق التصوف خمسة: 1- تقوى الله تعالى في السر والعلانية، 2- إتباع السنة في الأقوال والأفعال، 3 الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، 4- الرضا عن الله في القليل والكثير، 5- الرجوع إلى الله في السراء والضراء ([16]) .
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري (ت926هـ/ 1520م) – عن التصوف -: ” هو علم تُعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق، وتعمير الظاهر والباطن، لنيل السعادة الأبدية، وموضوعه التزكية والتصفية والتعمير المذكورات، وغايته نيل السعادة الأبدية، ومسائله ما يذكر في كتبه من المقاصد، وهذا العلم علم الوراثة التى هى نتيجة العمل، المشار إليه بخبر: من عَمل بما عَلم، ورّثه الله عِلمَ ما لم يَعْلَم” أهـ ([17]) .
[3] ومن تعريفات أئمة التصوف التي تظهر بعض جوانب التصوف المشرقة: قال الامام سهل بن عبد الله التستري: أصول مذهبنا – أي التصوف – ثلاثة: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال، وقال الشيخ أبو القاسم ابراهيم النصر آبادي رحمه الله: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق والمداومة على الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات، وقال المحب سمنون: التصوف أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء، وقال معروف الكرخي: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق، وقال النوري: التصوف من لا يتعلق بشيءٍ ولا يتعلق به شيء، وقال ذو النون المصري: الصوفي من لا يتعبه طلب ولا يزعجه سلب، وقال أبو محمد الجريري: التصوف الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دنى، وقال الكتاني: التصوف خُلق فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الصفاء، وقال سهل بن عبد الله: الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله عن البشر واستوى عنده الذهب والمدر، وقال بشر الحافي: الصوفي من صفا لله قلبه، وقال الشبلي: التصوف الجلوس مع الله بلا هم، وقال عمرو بن عثمان المكي: التصوف أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت، وقال محمد بن أحمد المقرئ: التصوف استقامة الأحوال مع الله، وقال أبو عمر بن الجنيد: التصوف الصبر تحت الأمر والنهي، وقال رويم: التصوف استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريده، وقال أيضا: التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار والتحقيق بالذل والإيثار وترك التعرض للاختيار، وقال ذو النون المصري: أهل التصوف هم قوم آثروا الله عز وجل على كل شيء، وقال أبو الحسين النوري: التصوف ترك نصيب النفس جملة ليكون الحق نصيبها، وقال حماد الدينوري: التصوف أن تظهر الغنى وأن تؤثر أن تكون مجهولاً حتى لا يعرفك الخلق وأن تكف عن كل ما لا خير فيه، وقال أبو سليمان الداراني: التصوف أن تجري على الصوفي أعمال لا يعلمها إلا الحق وأن يكون دائماً مع الحق على حال لا يعلمها إلا هو، وقال الإمام الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى: التصوف ذكر مع اجتماع ووجد مع استماع وعمل مع اتباع، وقال أيضا علمنا هذا التصوف مقيد بالكتاب والسنة ومن لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر والطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقال أيضا: علمنا هذا التصوف مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يسمع الحديث ويجلس ويأخذ أدبه من المتأدبين أفسد من اتبعه، وقال أيضا: التصوف أن يختصك الله بالصفاء فمن صفا من كل ما سوى الله فهو الصوفي وقال أيضا: التصوف حفظ الأوقات، وقال أيضا: التصوف تصفية القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبيعية وإخماد الصفات البشرية ومجانبة الدواعي النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بالعلوم الحقيقة واستعمال من هو ألى على الأبدية النصح لجميع الأمة والوفاء لله على الحقيقة واتباع الرسول في الشريعة، وقال أيضاً: ما أخذنا التصوف بالقال والقيل، ولكن أخذناه بالجوع والسهر وترك المألوفات والمستحسنات، وسئل الجنيد عن التصوف فقال: أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة، أن لا تملك شيئا ولا يملكك شيء، وسئل أبو محمد الجريري رحمه الله عن التصوف فقال: الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني، وقال الشيخ عمر بن عثمان المكي رحمه الله تعالى: التصوف أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت، وقال الشيخ أبو حفص رحمه الله تعالى: التصوف كله آداب لكل وقت أجب ولكل مقام أدب فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال ومن ضيع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب ومردود من حيث يرجو القبول، وقال الشيخ حسين الزيباري رحمه الله تعالى: ينحصر التصوف في أربع كلمات: أن تنصف الناس من نفسك ولا تطلب الإنصاف منهم وأن تبدي لهم شيئك وأن تكون من شيئهم آيسا، وقال الشيخ أبو القاسم النصر أبادي رحمه الله: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع ورؤية أعذار الخلائق والمداومة على الأوراد وترك الرخص والتأويلات، وقال أبو جعفر الحداد رحمه الله: التصوف هو استقامة الأحوال مع الحق، وقال المزين رحمه الله تعالى: التصوف هو الانقياد للحق، وقال الشيخ علي بن بندار رحمه الله تعالى: التصوف هو إسقاط الخلق ظاهرا وباطنا، وسئل أبو الحسن النوري رحمه الله: ما التصوف؟ فقال: ترك كل حظ للنفس، وقال الشيخ أبو القاسم جعفر بن أحمد المقرئ:التصوف استقامة الأحوال مع الحق([18]) .
[4] ومن أقوال علماء العصر في تعريف التصوف: قال الإمام العلامة حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق: ” التصوف الإسلامي هو تربية علمية وعملية للنفوس وعلاج لأمراض القلوب وغرس الفضائل واقتلاع الرذائل وقمع الشهوات وتدريب على الصبر والرضا والطاعات ” أهـ ([19]) .
وقال الإمام العلامة عبد الحليم محمود: ” التصوف لا يعدوا أن يكون جهاداً عنيفا ضد الرغبات ليصل الإنسان إلى السمو أو إلى الكمال الروحي، ليكون عارفا بالله ” أهـ ([20]) .
وقال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي: ” التصوف اسم حادث لمسمى قديم، إذ إن مسماه لا يعدو كونه سعيا إلى تزكية النفس من الأوضار العالقة بها عادة، كالحسد والتكبر وحب الدنيا وحب الجاه، وذلك ابتغاء توجيهها إلى حب الله عز وجل والرضا عنه والتوكل عليه والإخلاص له ” أهـ ([21]) .
وقال الشيخ محمد بدر الدين الحامد رحمه الله: ” اعلم أن التصوف هو تنقية الظاهر والباطن من المخالفات الشرعية، وتعمير القلب بذكر الله تعالى وخشيته ورجائه والسير في العبادات والأعمال على النهج الشرعي طبق السنة الشريفة وخلافا للبدعة السيئة التي يحظر الإسلام التلبس بها ” أهـ ([22]) .
وأقوال العلماء في تعريف التصوف ومدح التصوف والصوفية لا تعد ولا تحصى ويكفينا أن نقول إن جمهور علماء أهل السنة سلفاً وخلفاً كلهم متصوفة وكلهم يمدحون التصوف ويعلِّمونه الناس، وأختم بدرة للسيوطي رحمه الله حيث يقول: ” إن التصوف في نفسه علم شريف، وإن مداره على اتباع السنة وترك البدع، والتبري من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها والتسليم لله والرضا به وبقضائه، وطلب محبته واحتقار ما سواه،، وعلمت أيضا أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله ليسوا منهم، فأدخلوا فيه ما ليس منه، فأدى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع، فوجّه أهل العلم للتمييز بين الصنفين ليُعلم أهل الحق من أهل الباطل، وقد تأملت الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أر صوفيا محققا يقول بشيء منها، وإنما يقول بها أهل البدع والغلاة الذين ادّعوا أنهم صوفية وليسوا منهم، ([23]) .
وبالنظر في الأقوال المتقدمة – وهي قليلة بالنسبة إلى تعريفات علماء التصوف – نجد أن كل تعريف منها يشير إلى جانب من جوانب علم التصوف المشرقة، وهذه الجوانب مجتمعة تشير إلى علم السني الذي يشتمل على جميع ما ذكر من زهد وإخلاص ومجاهدة وخلق كريم وتسليم لرب العالمين والتزام بشرعه ولهج بذكره، مع البعد عن كل ما نهى الشارع عنه، وعن البدع المضلة، وما أجمل تعريف ابن خلدون له حيث قال: التصوف هو العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة ” أهـ
[5] خلاصة تعريفات التصوف وبيان المقصود بالتصوف: تبين مما سبق أن التصوف هو (التزكية) التي كانت احدى مهام النبي صلى الله عليه وسلم في أمته، قال تعالى: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، فالتصوف هو (التزكية)، وهو (التحقق بمرتبة الإحسان) أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، وأنه قد اهتم بتحقيق مقام الإحسان ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، وهو علم وعمل وسلوك، علم راسخ بكيفية تزكية القلوب، وعمل وسلوك وطريق يسلكه العبد للوصول إلى تزكية القلوب وتطهيرها وتحققها بالعبودية لله ومعرفته والعلم به سبحانه، والتصوف منهج يقوم على (التخلية) و(التحلية)، تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من الأخلاق السيئة، وتحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة، وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، وطريق التصوف هو الاجتهاد في العبادات والقربات والمسارعة في الخيرات، مع اجتناب المنهيات والمكروهات، وتربية النفس على طاعة الله وجهادها على دوام ذكر الله، وتطهير القلب من مساوئ الأخلاق، ودسائس الطباع، وتحليته بأحسن الأخلاق مع الله ومع الناس، وغاية التصوف بلوع منزل التوحيد الذي هو أعلى منازل العبودية لله، وأعمق تحقيق لشهادة التوحيد ( لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، وكل ما سبق من معاني واكثر منه يحويه ما أسماه أصحابه بـ (علم التصوف)، وهو المرادف عندهم لكل تلك العلوم مجتمعة: (علم التزكية)، و(علم الإحسان)، و(علم الأخلاق)، و(علم الآداب)، و(علم منازل السير إلى الله)، و (علم الأولياء) و(علوم الصديقين) و (علوم العارفين بالله) وهذا العلم (علم التصوف): ألف فيه أهله الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه ومناهجه الربانية في بلوغ مراتب أتباع النبيين من الصالحين والمحسنين والصديقين والاولياء المرشدين، وحسن أولئك رفيقا.
[المفتاح الخامس]: نشأة علم التصوف وبداية ظهور مصطلح الصوفية: يقول القشيري رحمه الله: ” اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم “الصحابة”، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين “الزهاد” و”العُبَّاد”، ثم ظهرت البدعة، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم “التصوف”، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة ” أهـ ([24]) .
لقد وجد التصوف منذ أول آية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، إلى قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}، وذلك لأنّ التصوف هو لبّ الدين وثمرته، وهو تزكية الدين ومنازله، وهو منزلة الإحسان أعلى منازل الدين، والعهد المكي كان فترة تحلية وتزكية للوصول إلى مرتبة الإحسان، وذلك بغرس الأخلاق المحمدية في نفوس الصحابة رضوان الله عليهــــم، مثل التوبة والخشية والإنابة والصبر والتواضع والمحبة والذكر، وظل الأمر يسير على هذا النحو إلى أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، واستمر الصحابة يتدرجون في مقامات الكمال، بل كان الرجل ما إن يضع يده بيد الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعاً حتى يترقى إلى أعلى المقامات وأسمى الحالات وذلك لقوة نور النبوة، وظل الأمر كذلك إلى أن انتقل المصطفى إلى جوار ربه ثم جاء التابعون فتربّوا على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان همهم الوصول إلى رضوان الله عز وجل فتزكت نفوسهم بتأثير النور المحمدي الذي سكن قلوب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وفي عصر التابعين دخل أناس في الإسلام أي كانوا حديثي عهد بكفر، ومن جانب آخر فتحت الدنيا على المسلمين فركن البعض إلى الشهوات وحب الدنيا وبدأ البعض يبتعد عن حال السلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أناس أكفاء في ذلك الوقت وما بعدهم يدعون الناس إلى العودة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام أي حالة السلف الصالح وهؤلاء الدعاة هم الصوفية، دعوا الناس إلى العودة إلى مرتبة الإحسان التي كان يعيشها السلف الصالح، وتخليص النفس من رعوناتها التي كبلتها وقيدتها عن مشاهدة أنوار الحق، وتخليص القلب من حب الدنيا وإحياؤه بذكر الله عز وجل، فقام هؤلاء الأكابر من الرجال بفتح بيوتهم لاستقبال الناس يدعونهم إلى هذا الطريق الراقي طريق الإحسان، أو التصوف، وفتحوا المعاهد التربوية أو ما يسمى بـ ” الزاوية أو التكية ” لملاحظة الناس وتربيتهم عن قرب فكانوا في كل عصر هم نماذج السلف الصالح الذين حافظوا على علم الإحسان وأخلاق المحسنين، وتزكية المقربين، واستطاعوا بصدق توجههم ونقاء سريرتهم أن ينبهوا القلوب الغافلة فيحيونها بأنوار الذكر، وفتحوا البلاد فدخل الناس في دين الله أفواجاً، ولكن باعتبار أن هذا العلم ليس حروفاً تكتب إنما هو أحوال ومقامات وأذواق فلا بد أن يعيشها الإنسان كي يدركها، لهذا أنكر البعض على هذا العلم وعلى من ينتسبون إليه، وإنكارهم سببه أنّ أكثر معارف الصوفية ليست فقهاً يكتب فـــي السطور أو في مؤلفات الفقهاء إنما هي أحوال ومقامات ومنازل، يتذوقها ويحس بها من أراد الله تعالى أن يشرح صدره لمنازل هؤلاء الاكابر، لقد جاء علم التصوف ليرسم منهجاً عن طريق مجموعة من القواعد والآداب للوصول إلى هذه الأحوال والمقامات ومن ثم منازل الإحسان ومراتب السابقين، إنّ التصوف بلفظِهِ لم يكن في زمنِ النبي أما ماهيتُهُ ومضمونُهُ ومَدارُهُ واستمدادُهُ وهيئتُهُ فليسَ إلاَّ الدينُ الكاملُ الذي جاءَ بهِ الرسولُ الأعظمُ وإلاَّ لَما سارَ على نهجِهِ أئمةٌ عِظامٌ يُشارُ إليهمْ بالبَنانِ ولا يخلو منهمْ جَنانٌ حتى أنَّكَ أيُّها المقبِلُ على اللهِ إذا استقصَيْتَ أسماءَ علماءِ الشريعةِ الغرّاءِ الذينَ اعتمدَتْهمُ الأُمَّةُ واتَّفَقَتْ على عدالتِهمْ وقبولِهمْ فلا تكادُ ترى واحداً منهمْ إلاَّ وقدْ تصوَّفَ وسارَ على طريقِ الصوفية، لأنّهم أهل اللَّهِ المحسنين.
[المفتاح السادس]: بداية ظهور التصوف كعلم للتزكية:
القرآن الكريم شمل أصول وقواعد العلوم جميعا ومنها: (علم الفقه وعلم العقيدة وعلم التزكية) وكان الصحابة والتابعون على دراية بهذه العلوم ينقلونها للناس يعلمونها لهم دون فصل بينها، وبعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين، ودخول الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه، فنشأ علم النحو، وعلم أحكام التلاوة، ثم احتاج الناس إلى معرفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه،، ثم ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد (علم العقيدة وأصول الدين)، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف، قال ابن خلدون في مقدمته: ” وهذا العلم – يعني التصوف – من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية) أهـ ([25]) .
[المفتاح السابع]: أصالة علم التصوف وانتسابه إلى الكتاب والسنة: التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه، فلقد اهتم القرآن الكريم بعلم التصوف اهتماماً كبيرا، وأولى له ولاية عظيمة، بما حوى من أسس التزكية المتمثلة في الكم الكبير من الآيات التي تأمر بمقامات التزكية القلبية، تلك الآيات التي تأمر بالخوف والرجاء والمحبة والتوكل والرضا، وتلك الآيات التي تأمر بالتوبة والمراقبة والتقوى والإحسان، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تطهير النفس عن دسائس الأخلاق كالكذب والنفاق والظلم والعدوان والحسد والكبر والغرور، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تحلية القلب بعظيم الأخلاق كالتواضع والبر والصدق وغيرها من تعظيم الأخلاق، أضف إلى ذلك أن جميع العبادات التي أمر بها القرآن من صلاة وصيام وزكاة وذكر وتلاوة للقرآن إنما هي كذلك لأنها طريق إلى تزكية القلوب وطهارتها، كما أن أحد أكبر مهمات الرسول بين المسلمين هي تزكيتهم كما جاء في قوله تعالى: {ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}، وقد رسم الرسول صلى الله عليه وسلم المنهاج المتكامل لأصول وقواعد ما سيسمى بعد ذلك بعلم التصوف، كما أن مبادئ هذا العلم كانت في عهد السلف الكرام، حيث ضربوا أروع الأمثلة على التزكية والصفاء والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله، وصفاء النفس وسلامة الضمير، وتصفية النفوس من طبائعها الرديئة، وتخليصها من شهواتها الطاغية واتصافها بمكارم الأخلاق وسني الآداب، وهل التصوف سوى هذه الأخلاق العظام.
يقول الشيخ حسني حسن الشريف في كتابه القيم (الدلالة النورانية) تحت عنوان: الصوفية في صدر الإسلام: ” (سؤال): لماذا لم تنتشر الدعوة إلى الصوفية في صدر الإسلام، ولماذا لم تظهر إلا بعد عهد الصحابة والتابعين، وهل جاءت بجديد أم هي امتداد لدعوة الإسلام؟ (جواب): لم تكن هناك حاجة إلى هذه الدعوة زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الصحابة كانوا بسبب قربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم، أهل ورعٍ وتقوى، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو المرشد والمزكي والمربي، فليست هناك حاجة لتلقينهم علوماً ترشدهم إلى أمور، هم قائمون عليها، وهم القدوة الحسنة والمثل الأعلى بها، فالرجال الذين سبقوا التسمية باسم (الصوفية) من الصحابة والتابعين، وإن لم يَتَسَمَّوا بالصوفية، كانوا في حقيقة الأمر صوفيين، ولا يهمنا الاسم بقدر الجوهر والحقيقة، وإلا فما هي الصوفية إن لم تكن تعني إلا أخلاق الصحابة والتابعين، الذين هم خير من أقبل على الله بالقلب والروح في السر والعلن، في السراء والضراء، وهم الذين قاموا بفرائض الإسلام وعقائد الإيمان، وتحققوا من مرتبة الإحسان، فاستنارت بصائرهم، وهم الذين تربوا على يدي مرشد البشر وسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم!، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني هذا، فالذي يليه والذي يليه)، ثم تقادم العهد واتسعت العلوم ودونت علوم التوحيد والحديث والفقه والتفسير والمنطق والأُصول وغيرها من العلوم، التي بانتشارها واهتمام الناس بها وانفتاحهم على خيرات الدنيا وزينتها، أخذ الجانب الروحي يتضاءل، مما دعا أهل الألباب والزهد لتدوين علوم الإحسان، التي هي علوم الصوفية، ولا يُفهم من هذا أن ذلك كان احتجاجاً على العلوم الأخرى كما يُظن…، إنما هو استكمال لحلقة الإسلام الذي عني بالمادة والروح والجسد والقلب، قال الشيخ زروق: (نسبة التصوف في الدين نسبة الروح من الجسد، وإن هذا العلم لا يؤخذ من الأوراق وإنما يؤخذ من أهل الأذواق، ولا يُنال بالقيل والقال، وإنما يؤخذ من خدمة الرجال وصحبة أهل الكمال، وكما قالوا: والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح) ” أهـ.
ويقول الدكتور أحمد عَلْوَشْ – عن نشأة علم التصوف -: ” قد يتساءل الكثيرون عن السبب في عدم انتشار الدعوة إلى التصوف في صدر الإسلام، وعدم ظهور هذه الدعوة إلا بعد عهد الصحابة والتابعين ؛ والجواب عن هذا: إنه لم تكن من حاجة إليها في العصر الأول، لأن أهل هذا العصر كانوا أهل تقوى وورع، وأرباب مجاهدة وإقبال على العبادة بطبيعتهم، وبحكم قرب اتصالهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يتسابقون ويتبارون في الاقتداء به في ذلك كله، فلم يكن ثمَّة ما يدعو إلى تلقينهم علماً يرشدهم إلى أمرٍ هُم قائمون به فعلاً، وإنما مثلهم في ذلك كله كمثل العربي القُحِّ، يعرف اللغة العربية بالتوارث كابراً عن كابر؛ حتى إنه ليقرض الشعر البليغ بالسليقة والفطرة، دون أن يعرف شيئاَ من قواعد اللغة والإعراب والنظم والقريض، فمثل هذا لا يلزمه أن يتعلم النحو ودروس البلاغة، ولكن علم النحو وقواعد اللغة والشعر تصبح لازمة وضرورية عند تفشي اللحن، وضعف التعبير، أو لمن يريد من الأجانب أن يتفهمها ويتعرف عليها، أو عندما يصبح هذا العلم ضرورة من ضرورات الاجتماع كبقية العلوم التي نشأت وتألفت على توالي العصور في أوقاتها المناسبة، فالصحابة والتابعون ـ وإن لم يتسموا باسم المتصوفين ـ كانوا صوفيين فعلاً وإن لم يكونوا كذلك اسماً، وماذا يراد بالتصوف أكثر من أن يعيش المرء لربه لا لنفسه، ويتحلى بالزهد وملازمة العبودية، والإقبال على الله بالروح والقلب في جميع الأوقات، وسائر الكمالات التي وصل بها الصحابة والتابعون من حيث الرقي الروحي إلى أسمى الدرجات فهم لم يكتفوا بالإقرار في عقائد الإيمان، والقيام بفروض الإسلام، بل قرنوا الإقرار بالتذوق والوجدان، وزادوا على الفروض الإتيان بكل ما استحبه الرسول صلى الله عليه وسلم من نوافل العبادات، وابتعدوا عن المكروهات فضلاً عن المحرمات، حتى استنارت بصائرهم، وتفجرت ينابيع الحكمة من قلوبهم، وفاضت الأسرار الربانية على جوانحهم، وكذلك كان شأن التابعين وتابعي التابعين، وهذه العصور الثلاثة كانت أزهى عصور الإسلام وخيرها على الإطلاق، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: “خير القرون قرني هذا فالذي يليه والذي يليه” “خير الناس قرني هذا ثم الذين يلونهم،،” ([26]) .
فلما تقادم العهد، ودخل في حظيرة الإسلام أُمم شتى، وأجناس عديدة، واتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ قام كل فريق بتدوين الفن والعلم الذي يُجيده أكثر من غيره، فنشأ ـ بعد تدوين النحو في الصدر الأول ـ علم الفقه، وعلم التوحيد، وعلوم الحديث، وأصول الدين، والتفسير، والمنطق، ومصطلح الحديث، وعلم الأصول، والفرائض “الميراث” وغيرها،، وحدث بعد هذه الفترة أن أخذ التأثير الروحي يتضاءل شيئاً فشيئاً، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الرياضة والزهد إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف، وإثبات شرفه وجلاله وفضله على سائر العلوم، ولم يكن ذلك منهم احتجاجاً على انصراف الطوائف الأخرى إلى تدوين علومهم ـ كما يظن ذلك خطأً بعض المستشرقين ـ بل كان يجب أن يكون سداً للنقص، واستكمالاً لحاجات الدين في جميع نواحي النشاط، مما لا بد منه لحصول التعاون على تمهيد أسباب البر والتقوى” ([27]) .
وما أحسن ما جاء في فتوى للإمام الحافظ السيد محمد صديق الغماري رحمه الله، فقد سئل عن أول من أسس التصوف؟ وهل هو بوحي سماوي؟ فأجاب: ” أما أول من أسس الطريقة، فلتعلم أن الطريقة أسسها الوحي السماوي في جملة ما أسس من الدين المحمدي، إذ هي بلا شك مقام الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما بيَّنها واحداً واحداً ديناً بقوله: “هذا جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم دينكم” [جزء من حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه] وهو الإسلام والإيمان والإحسان، فالإسلام طاعة وعبادة، والإيمان نور وعقيدة، والإحسان مقام مراقبة ومشاهدة: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”… فإنه كما في الحديث عبارة عن الأركان الثلاثة، فمن أخل بهذا المقام (الإحسان) الذي هو الطريقة، فدينه ناقص بلا شك لتركه ركناً من أركانه، فغاية ما تدعو إليه الطريقة وتشير إليه هو مقام الإحسان؛ بعد تصحيح الإسلام والإيمان” أهـ ([28]) .
[المفتاح الثامن]: برآءة التصوف الإسلامي من الانتساب إلى غير الإسلام: التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه، أما الزعم الفاجر بان التصوف يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة، فهذا ظلم بين لعلم التصوف، وجحود واضح لأهله الصادقين المخلصين، والله تعالى أمرنا بالإنصاف مع الكافرين في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، فكيف بالإنصاف مع عباده الصالحين وأوليائه المحسنين، وفي الحديث الصحيح: ((إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه)) ([29]) .
وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث، يقول الشيخ حسني حسن الشريف في كتابه القيم (الدلالة النورانية): ” ” (سؤال): يُتَّهم التصوف من بعض الجهلة وأدعياء العلم بأنه مستقى من أصول غير إسلامية كالفارسية والهندوسية والبراهمية، كما أَطلق بعض أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم اسم التصوف على الرهبنة والبوذية والكهانة النصرانية والشعوذة الهندية، فقالوا هناك تصوف بوذي وهندي ونصراني وفارسي؛ أين التصوف من كل هذا، وأين هو من الشرع الإسلامي؟، (جواب): إن علم التصوف مستمد من الكتاب والسنة النبوية جملةً وتفصيلاً، ومما سبق من نصوص يتبين لنا أن التصوف ليس أمراً مستحدثاً جديداً، ولكنه مأخوذ من الكتاب والسنة وحياة الصحابة الكرام، ومن إلهامات الصالحين الربانيين وفتوحات العارفين الصديقين، وعلى القارئ إذا أراد أن يتبحر في ذلك أن يعود إلى كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وأن يقرأ في أربعة كتب منه وهي: «كتاب العبادات» و«كتاب العادات» و«كتاب المهلكات» و«كتاب المنجيات» ليعرف السالك أن التصوف هو التطبيق العملي للإسلام وأنه يستمد فكره من الكتاب والسنة، وأنه ليس هناك فعلاً إلا التصوف الإسلامي فقط، وإنما أُريدَ بتلك التهم تشويه اسم التصوف باتهامه بأنه يرجع في نشأته إلى تلك الأصول القديمة والفلسفات الضالة، ومن ثَم إبعاد المسلمين عن حقيقة وجوهر وروح دينهم، حتى يكونوا مجردين من الروح والخلق، حافظين لنصوص دينهم دون عمل وفهم وتذوق، إن مصدر علوم التصوف هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الخلق بالإجماع، وقد جاءت هذه العلوم لتحقيق الكمالات علماً وعملاً وحالاً، ولتكميل العقائد وتطهير النفوس وتحسين الأخلاق، وهذه رسالته صلى الله عليه وسلم، أما ثبوت شرف التصوف، فلا شك أن الكتاب والسنة وإجماع الأئمة وردت بمدح جزيئات التصوف ودعائمه، كالتوبة والتقوى والإحسان والاستقامة والصدق والإخلاص والطمأنينة والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والمراقبة والصبر والشكر وغير ذلك من المسائل، وهذه ليست جديده ولا مبتدعة، وليست قديمة من فلسفات الفرس والهندوس وغيرها، إنما هي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ربطنا بها إلا حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصوفية أتبع الناس وأكثرهم إقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ودل ذلك على أنهم أحب الخلق إلى الله، قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] وروى البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) ([30]) .
وعلامة المحبة الإتّباع، أما حكم الشرع في التصوف فقد قال الغزالي: (إنه فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم السلام) على اعتبار أن التصوف هو المدخل إلى تزكية الأنفس، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله: (من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصِرّاً على الكبائر من حيث لا يشعر ولا يدري ” أهـ ([31]) .
[المفتاح التاسع]: مدارس التزكية والإحسان المنتسبة لأهل السنة والجماعة:
[1] لقد كان من ثمرة التخصص في علم التزكية ظهور أقطاب التصوف الصديقين العارفين الذين رزقهم الله تعالى لسان الصدق في الأمة على مر العصور، وقد سميت اجتهادات هؤلاء الربانيين في سلوك الطريق إلى الله تعالى ((طرق)) للوصول إلى الله، تعددت الطرق والغاية واحدة، هي الوصول إلى رضا الله، لقد أكرم الله تعالى الأمة بأهل التصوف والزهد والمعرفة الذين قاموا على علم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين، وكان لكل منهم طريقة في السلوك لها أورادها ولها اجتهاداتها التي تميزت بها عن غيرها، إن هذا الإطار الواسع هو الإطار العلمي والسلوكي الصحيح لأهل السنة والجماعة، سواد المسلمين الأعظم، إنّ احترام التخصص التزكوي والرد في علم التزكية إلى تلك المدارس المتخصصة، ضرورة علمية وأخلاقية وتربوية، وذلك لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، قال حجة الإسلام الإمام الغزالي: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) اهـ، قال الإمام الجنيد: (إذا وفق الله المريدَ ألقاهُ إلى الصُّوفيَّة) اهـ، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي: (من لم يغلغل في علمنا هذا، مات مُصراً على الكبائر وهو لا يشعر) اهـ، وهذا حق لأنهم هم الذين جمعوا علوم الإحسان ووسائل التزكية.
[2] (التخصص الصوفي في التزكية): إن مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و(التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، وكما هو معلوم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات، بل ترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعلى مر العصور تبلورت العلوم، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام، و (التصوف) هو المرادف لمصطلح (التزكية) المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وكذلك فإن (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)) وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل (التصوف) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية، وهو علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها.
[3] (تاريخ التصوف الإسلامي): يمكن اختصاره إلى أربع مراحل:
(المرحلة الأولى): كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة، في بدايات القرن الثاني، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية: من أمثال الحسن البصري (ت ١١٠ هـ)، وإبراهيم بن أدهم البلخي (ت ١١6 هـ)، ورابعة العدوية (185هـ)، والفضيل بن عياض الخراساني (ت ١87 هـ)، ومعروف الكرخي، (ت 201 هـ)، وأبو سليمان الداراني (ت205هـ)، وبشر بن الحارث الحافي (ت 227 هـ)، والحارث بن أسد المحاسبي (ت 243 هـ)، وذي النون المصري (ت 245 هـ)، وسري بن المغلس السقطي (ت 257 هـ)، ويحيى بن معاذ الرازي الواعظ (ت 258 هـ)، وأبو اليزيد البسطامي (ت263هـ)، وأحمد بن عيسى الخراز (ت 277 هـ)، وسهل بن عبدالله التستري (ت 283 هـ)، وأبي القاسم الجنيد البغدادي لسان الطائفة، (ت 297 هـ)، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد، وبداية التمييز عن علماء الفقه، بعلم التزكية والتصوف.
و(المرحلة الثانية): وهي المرحلة التي ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف، منهم: أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي، المتوفي سنة 378 هـ، وله كتاب: اللمع في التصوف، وأبو بكر الكلاباذي، المتوفي سنة 380 هـ، وله كتاب: التعرف على مذهب أهل التصوف، وأبو طالب المكي، المتوفى سنة 386 هـ، وله كتاب: قوت القلوب في معاملة المحبوب، وأبو قاسم القشيري، المتوفى سنة 465 هـ، وله الرسالة القشيرية، وهي من أهم الكتب في التصوف، وأبو حامد الغزالي، المتوفى سنة 505 هـ، ومن كتبه: إحياء علوم الدين، الأربعين في أصول الدين، منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين، بداية الهداية، وغيرها الكثير، ويعد كتاب إحياء علوم الدين من أشهر كتب التصوف ومن أجمعها.
(المرحلة الثالثة): وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية، ومدارس التصوف والتربية والتزكية في العالم الإسلامي، على يد الربانيين من أهل التصوف، ومن أشهر تلك الطرق التربوية: الطريقة القادرية التي أسّسها الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت561هـ)، والطريقة الرُفاعية التي أسسها الشيخ أحمد الرفاعي (ت 578هـ)، والطريقة الأحمدية أو البدوية التي أسسها الشيخ أحمد البدوي (ت 634 هـ)، والطريقة الشاذلية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت656هـ).
(المرحلة الرابعة): وهي مرحلة الكتابة في علوم الحقائق والوراثة، وهي المرحلة التي تكلم فيها الوارثون من أمثال الشيخ الاكبر العارف بالله: محيي الدين بن عربي، والعارف بالله: عبد الكريم الجيلي، تكلموا بما فتح الله تعالى عليهم من علوم الكشف والحقيقة، وهذه العلوم لدنية، قال تعالى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65]، لا ينالها إلا الوارث بعد الوارث، ومعارف تلك العلوم لا عد لها ولا حد لها، لأنها من لدن القدوس المقدس عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات، وقد تفرد بها الوارثون من أكابر أهل التصوف، لأنهم لما استقامت عندهم النفس وزكت وطهرت وكملت، وعزفت عن الدنيا، وزهدت فيما سوى الحق، أكرمهم الحق بالمكاشفات والمشاهدات وبعلوم الحقائق التي يدركون بها من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم، فمن أُذن له في نشرها نشرها، ليعم نفعها على أمة الإسلام خير امة أخرجت للناس، وأدنى نصيب من هذا العلم: هو التصديق به وتسليمه لأهله.
[4] (الطرق الصوفية): هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة، فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر، وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلا، ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين، و توجد ثلاثة أنواع من الطرق وهي: طريقة التبرك، وطريقة الإرشاد، وطريقة التربية والترقية، وذلك حسب مستوى شيخ الطريقة، فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح، ويقف دوره عند هذا التبليغ، وينال الآخذ عنه بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ينال ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزم بها، وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات، فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة، وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة في مقام (أن تعبد الله كأنك تراه)
[5] الشيخ الصوفي (الولي المرشد): هو من قطع طريق السلوك إلى الله تعالى، وأُذن له مِن قِبل شيخه بتربية المريدين، وتهذيب نفوسهم، وتنقيتها من أدرانها وشهواتها حتى تصل إلى طريق الهداية، وصراط الله المستقيم، ولا يجوز لأحدٍ أن يتصدر للتربية إلا بعد أن يقطع مراحل السير في طريق الله تعالى، فالشيخ الصوفي عليه أن يعين المريد على ذكر الله، وعلى التفكر والتدبر في آيات الله تعالى، وعلى إصلاح النفس من العيوب، وشفاء القلب من الأمراض، كل ذلك في التزامٍ تامٍّ بالشريعة، ولا يعتقد طريقًا يوصل إلى الله يشتمل على مخالفة الشريعة، وعلى ما سبق: فالشيخ الصوفي لا يجوز له مخالفة الشرع بدعوى اختبار المريد، ومن يفعل ذلك لا يمكن أن ننسبه إلى التصوف، فالتصوف واضح وظاهر في التزامه بالكتاب والسنة وعدم خروجه على الشرع الشريف، وأهم شروط الشيخ الصوفي: أن يكون الشيخ عالما بالشرع علما واسعا، وأن يكون قد سار في الطريق من مبداه إلى منتهاه وعرف كل خفاياه حتى أصبح قادراً على أن يدل أصناف الخلق جميعاً على هذا الطريق، وأن يكون بصيراً بأنواع القلوب وأنواع أمراضها قادراً بإذن الله على تطبيبها، وأن يكون عارفاً بأنواع الأدوية القلبية وما يناسب منها للأدواء، فتلك اهم شروط الولي المرشد، قال تعالى: {ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً}، دلت هذه الآية على أن الغاية في القدرة على الهداية هو الولي المرشد، فإذا أراد الله تعالى اضلال انسان حرمه نعمة الولي المرشد، ومن ثم نعلم أن الهداية تكون أكمل ما تكون إذا وجد الولي المرشد، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في الأصل هو الهادي الحقيقي إلى صراط الله، {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}، فالأولياء المرشدون هم الوراث الكاملون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم نواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هداية الامة، ومن هذا المعنى الذي ذكرناه ندرك أهمية وجود الولي المرشد لصلاح الفرد المسلم والمجتمع المسلم، والأمة المسلمة.
[6] أركان علم التصوف: أركان علم التصوف أربعة:
(الأول) معرفة الله تعالى وتقدس وما يجب له من التسبيح والتقديس والتنزيه والتعظيم، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتوحيده سبحانه في إلهيته ربوبيته وعبوديته لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو.
(الثاني) معرفة النفوس وشرورها ودواعيها والطريق إلى تخليتها عن دسائسها وتحليتها بتزكيتها، قال تعالى: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}.
و(الثالث) معرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله وكيفية التغلب على مكائده، قال تعالى {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}،
و(الرابع) ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها، وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها وضرورة الزهد فيها، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، وقال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}، ثم ألزموا أنفسهم بعد توطئة هذه الأركان: دوام المجاهدة، وشدة المكابدة، وحفظ الأوقات، واغتنام الطاعات، ومفارقة الراحات، والزهد في الدنيا الفانية، وإيثار الآخرة الباقية، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
(تنبيه) مع احترام التخصص لابد من الإصلاح والتجديد، وإذا كان الدين نفسه يحتاج إلى إصلاح وتجديد كل مائة عام، فإن التصوف القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين يحتاج أيضا إلى إصلاح وتجديد، وذلك بإصلاح جوانب الخلل التي أصابت التصوف بفعل عوامل طول الزمان ووجود الجهلاء والأدعياء، مع التنبيه على وجوب أخذه من اهله المتخصصين.
[7] أركان المنهاج العملي للتصوف: المنهج العملي لبلوغ مرتبة الإحسان يقوم على أركان ضرورية يمكن أجمال أهمها في أربعة أركان:
(الركن الأول): صحبة العالم المربي: هي الركن الأول من أركان المنهج العملي لبلوغ مرتبة الإحسان، وهي ضرورة لابد منها وذلك لان الترقي في مقامات الإحسان لا يكون صحيحاً إلا على يد عالم رباني شيخ مرشد يعرف آفات النفس ومداخل الشيطان، يبعده عن دروب الفسوق والعصيان، ويرشده إلى دروب الإيمان ومنازل الإحسان.
و(الركن الثاني) العدة المطلوبة للمريد الصادق وتتمثل في طلب العلم الشرعي الصحيح، والتربية الحميدة، والأخلاق العظيمة، والآداب العالية.
و(الركن الثالث): المجاهدة في ذات الله تعالى للنفس والشيطان والدنيا والهوى.
و(الركن الرابع): المداومة على ذكر الله تعالى: و (ذكر الله تعالى) هو الركن المكين الذي يأوي اليه المريد الصادق في سلوكه إلى الله، وهو أساس درجات الإحسان، وهو علامة الصدق والمحبة، لا سلوك لمنازل الإحسان إلا به.
[المفتاح العاشر]: علوم أهل التصوف: قال الشيخ أبو بكر الكلاباذي في كتابه (التعرف لمذهب أهل التصوف): (اعلم أنّ علوم الصوفية علوم الأحوال، والأحوال مواريث الأعمال، ولا يرث الأحوال إلا من صحّح الأعمال، وأول تصحيح الأعمال معرفة علومها، وهي علم الأحكام الشرعية … ثم علم آفات النفس ومعرفتها ورياضتها، وتهذيب أخلاقها، … وهذا علم الحكمة، فاذا استقامت النفس على الواجب وصلحت طباعها، سهل عليه إصلاح أخلاقها، وتطهير الظاهر منها، والفراغ مما لها وعزوفها عن الدنيا وإعراضها عنها، فعند ذلك يمكن للعبد مراقبة الخواطر وتطهير السرائر، وهذا علم المعرفة، ثم وراء ذلك علم الخواطر وعلوم المشاهدات والمكاشفات وهي التي تختص بعلم الاشارة، وهو الذي تفرّدت به الصوفية بعد جمعها سائر العلوم التي وصفناها، وإنّما قيل علم الإشارة لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار يصعب العبارة عنها على التحقيق، بل تعلم بالمنازلات والمواجيد لا يعرفها إلا من نازل الأحوال وحل تلك المقامات) أهــ، ويستفاد من ذلك: أن علوم أهل التصوف تتمثل في (أولا) علم الأحكام الشرعية ويدخل فيه العقيدة والفقه، و (ثانيا) علم التقديس والتنزيه للحق، وهو علم المعرفة بالله، و (ثالثا) علم تزكية النفس وتطهيرها بالتخلية والتحلية، وسمي علم الحكمة لأنه يرث النفس العزوف عن الدنيا، الزهد فيما سوى الله، والشوق إلى لقاء الله، و (رابعا) علم الأحوال والمقامات والمنازل، وهو علم السفر إلى الله والدخول على حضرة الحق، و (خامسا) علوم المشاهدات والمكاشفات والحقائق، وهي علوم النور الذي يحصل للواصلين بعد سيرهم إِلى الله تعالى، يُكشف لهم الحجاب، وينظرون بنور الله وتنمحي أمامهم مقاييس الزمان والمكان، فيطَّلعون على عوالمَ من أمر الله، ويدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم، وهذا العلم من الحضرة الذاتية، قال تعالى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65]، لا ينالها إلا الوارث بعد الوارث، أكرم الله تعالى بها الوارثين من أهل التصوف بسبب صدقهم وتصديقهم وصفاء سريرتهم، واخلاصهم للحق سبحانه.
[1] مناهج التصوف الحق: لقد اشتملت مناهج التصوف السني الصحيح على العديد من الأقسام، قسم يبحث في الاجتهاد في العبادة مع تصحيحها، وحسن إِقامتها بالإخلاص والخشوع والحضور فيها مع الله تعالى، وقسم يبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها، والقلب وسلامته، بتخليته من صفاته الناقصة كالرياء والحقد والحسد وغيرها من الصفات المذمومة، وتحليته بالصفات الكاملة كالتوبة والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والخوف والرجاء وغيرها من الصفات الحسنة، وقسم يبحث عن الاخلاق العظيمة مع الخالق والخلائق، وقسم يبحث عن المعارف الربانية والمقامات القلبية التي توصل إلى درجات الإحسان، وقد تناول القرآن الكريم جميع تلك الأقسام بالبيان والتوضيح، فنجد فيه الآيات التي تدعو إلى الاجتهاد في العبادة كقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 63، 64]، وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 15 إلى 19]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]، ونجد فيه الآيات التي تدعو إلى تصحيح العبادات، وحسن إِقامتها بالإخلاص والخشوع والحضور فيها مع الله تعالى مثل قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر: 14]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 إلى 11]، ونجد فيه الآيات التي تبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها، كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، ونجد فيه الآيات التي تتناول اعمال القلوب وسلامته من عيوبه وتخليه عن آفاته وتحليه بالطاعات الباطنة والصفات الصالحة، ومنها قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 60، 61]، ونجد فيه الآيات التي تتحدث عن حسن الخلق وأصول الأخلاق العظيمة، منها قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]، وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133، 134]، وقد تناول القرآن الكريم بالتوضيح المقامات التي يمر بها السالك في سيره إلى الله تعالى ومن ذلك قوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]، وقوله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].
[2] أركان المنهج السلوكي لأهل التصوف: يقوم هذا المنهج على أركان ضرورية يمكن أجمال كالتالي، (الركن الأول): صحبة العالم المربي، و (الركن الثاني): العدة المطلوبة للمريد الصادق وتتمثل في طلب العلم الشرعي الصحيح، والتربية الحميدة، والأخلاق والآداب العظيمة، و(الركن الثالث): المجاهدة في ذات الله تعالى، و (الركن الرابع): المداومة على ذكر الله تعالى.
[3] الركن الأول من أركان المنهج السلوكي لأهل التصوف: صحبة العالم المربي: وهي ضرورة لابد منها، وذلك لان الترقي في مقامات الإحسان لا يكون صحيحاً إلا على يد عالم رباني شيخ مرشد يعرف آفات النفس ومداخل الشيطان، يبعده عن دروب العصيان، ويرشده إلى منازل الإحسان، ومن أهم صفات هذا العالم المربي: (أ) العلم الشرعي الواسع، (ب) العلم الوافي بالنفس البشرية وعيوبها وعلم أحوال القلب وأمراضه المعنوية، والسبيل إلى تخليصه منها، (ث) التزام السنة وتجنب البدعة، فيشترط للعالم المربي أن يكون عمله متمسكا بالكتاب والسنة، ولا يأذن بأي حال تخالف الشريعة.
(تنبيه) صحبة العالم المربي والشيخ المرشد أمر مهم، وذلك لأنّ العلماء والاولياء هم ورثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم خلفاؤه صلى الله عليه وآله وسلم في الهداية والإرشاد، فمَنْ جالسهم سرى إليه من حالهم الذي اقتبسوه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ربط حبله بحبالهم فقد اتصل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي صحبة هذا العالم العامل قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وكُونوا معَ الصادقين} [التوبة: 119]، وأمرنا – سبحانه – أن نتبع سبيلهم بقوله تعالى: {واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ إليَّ} [لقمان: 15]، فهم الاولياء المرشدون الذين جاء القرآن الكريم بالثناء عليه كما في قوله تعالى: {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} [الكهف: 17]، و (الصوفي الحق): لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ مرشد، يدله على الطريق إلى الله.
[4] الركن الثاني من أركان المنهج السلوكي لأهل التصوف: العدة المطلوبة للمريد الصادق وتتمثل في طلب العلم الشرعي الصحيح، والتربية الحميدة، والأخلاق العظيمة، والآداب العالية، فلابد للمريد من طلب العلم الشرعي من خلال مدارسه المتخصصة، ولابد له من التحلي بالأخلاق العظيمة والآداب الربانية، فقد اتفق المربون الربانيون على أن من لا أدبَ له لا سيرَ له في طريق الإحسان، ومن لا سيرَ له لا وصولَ له إلى مرتبة المشاهدة، وأن صاحب الأدب يَبلغ في قليل من الزمن مبلغَ الرجال، والطريق كلها آداب حتى قال بعضهم: (اجعل عملك ملحاً وأدبك دقيقاً)
[5] الركن الثالث من أركان المنهج السلوكي لأهل التصوف: المجاهدة في ذات الله تعالى للنفس والشيطان والدنيا والهوى: وقد ضمن الله تعالى للصادقين المجاهدين في ذات الله تعالى بالهداية، قال تعالى: {والذينَ جاهَدوا فينا لنَهديَنَّهم سُبُلَنا} [العنكبوت: 69]، فالدنيا هي العدو الأول، والاهتمام بها وانشغال القلب بتقلباتها قاطع كبير عن الله تعالى، ومجاهدة الدنيا يكون بالزهد فيها والحث على التقلل منها، عملا بقوله تعالى: {يا أيها الناس إن وعد اللَّه حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور}، فإنها غرور ولعب ولهو، قال تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}، والشيطان هو العدو الثاني، قال تعالى: {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواً إنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]، وقال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: 60]، ومجاهدة الشيطان تتمثل في المداومة على ذكر الله تعالى، فإنه أعظم سلاح لمقاومة الشيطان: قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، والعدو الثالث: هو (النفس) التي لا تفارق العبد لحظة من لحظات عمره، وإذا كان كيد الشيطان للإنسان المؤمن ضعيف كما قال تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}، فإن كيد النفس ووسوستها للإنسان عظيمة، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، وقال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}، [يوسف: 53]، ولهذا قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10] وقال صلى الله عليه وآله وسلم ((الْمُجَاهِدُ من جَاهَدَ نَفْسَهُ في طَاعَةِ اللَّهِ عز وجل)) ([32]) .
وللنفس ميزة أنها إذا جاهدتها في الله تعالى تتحول من نفس أمارة بالسوء إلى نفس مطمئنة راضية مرضية، وأول مرحلة في مجاهدة النفس عدم الرضى عنها، ومخالفتها وفطامها عن شهواتها، ثم: (التخلية الظاهرة) ومعناها التخلي عن المعاصي الظاهرة، التي تتعلق بجوارح الإنسان السبعة، وهي: اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج، ثم (التحلية الظاهرة) والمقصود بها أن يحلي السالك إلى الله تعالى هذه الجوارح السبعة بالطاعات المناسبة لكل منها، ثم: (التخلية الباطنة) ومعناها التخلي عن المعاصي الباطنة، معاصي القلب كالكبر والرياء والغضب، ثم: (التحلية الباطنة) ومعناها التحلي بالطاعات الباطنة، وتحلية القلب بالأخلاق العظيمة والصفات الكاملة كالتواضع والإخلاص والحِلم، والعدو الرابع هو (الهوى): وهو أشد الأعداء، لان مرجعه إلى عبادة النفس، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23]، وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان: 43]، ومجاهدة الهوى بان يكون الهوى تبعا لما جاء به الشرع، ولو كان الهوى يأباه.
[16] الركن الرابع من أركان المنهج السلوكي لأهل التصوف: المداومة على ذكر الله تعالى، و (الذكر) هو الركن المكين الذي يأوي اليه الطالب الصادق لمرتبة الإحسان، وهو أساس الدرجات جميعها، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب: 41]، وقال تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة: 152]، وقال تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم} [آل عمران: 191]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربَّهُ مثل الحي والميت)) [أخرجه البخاري]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ألا أُنبئكم بخير أعمالكم، وأزْكاها عند مليكِكم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق [الورق: الفضة]، وخيرٍ لكم من أن تلْقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكرُ الله تعالى)) ([33]) .
[المفتاح الحادي عشر]: ما الذي ينبغي أن يعرفه المسلم عن التصوف: أنقل هنا – باختصار يسير – ما قاله الشيخ العارف بالله تعالى محمد زكى إبراهيم في كتابه أبجدية التصوف، قال رحمه الله:
[السؤال الأول]: ما هو المقصود بالتصوف الإسلامي؟ وهل مورس هذا التصوف في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا يختلفون في تعريف التصوف؟ ولماذا يختلفون في تحديد مصادره؟ (الجواب) :
(1) المقصود بالتصوف الإسلامي: يعرف من تعريفاته الكثيرة: التي تتلخص كلها في أن: ” التصوف هو: التخلي عن كل دَنِى، والتحلي بكلى سَنى ” سلوكاً إلى مراتب القرب والوصول، فهو إعادة بناء الإنسان، وربطه بمولاه في كل فكر، وقول، وعمل، ونية، وفي كل موقع من مواقع الإنسانية في الحياة العامة “، ويمكن تلخيص هذا التعريف في كلمة واحدة، هي: (التقوى) في أرقى مستويات الحسية، والمعنوية، فالتقوى عقيدة، وخٌلق، فهي معاملة الله بحسن العبادة، ومعاملة العبادة بحسن الخلق، وهذا الاعتبار هو ما نزل به الوحى على كل نبي، وعليه تدور حقوق الإنسانية الرفيعة في الإسلام، وروح التقوى هو (التزكية) و {قد افلح من تزكى} ” [الأعلى: 14]، و {قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9]،
(2) وبهذا المعنى تستطيع أن تستيقن بأن التصوف قد مُورس فعلاً في العهد النبوي، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وقد امتاز التصوف مثلاً بالدعوة، والجهاد، والخلق، والذكر،والفكر، والزهد في الفضول، وكلها من مكونات التقوى (أو التزكى) وبهذا يكون التصوف مما جاء به الوحى، ومما نزل به القرآن، ومما حثت عليه السنة، فهو مقام (الإحسان) فيها، كما أنه مقام التقوى في القرآن والإحسان في الحديث: مقامُ الربانية الإسلامية، يقول تعالى: {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب بما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]، هذا هو التصوف الذى نعرفه، فإذا كان هناك تصوف بخلاف ذلك، فلا شأن لنا به، ووزره على أهله، ونحن لا نُسأل عنهم فــ ” كل امرئ بما كسب رهين “،
(3) أما الاختلاف في تعريف التصوف، فهو راجع إلى منازل الرجال في معارج السلوك، فكل واحد منهم ترجم أساسه في مقامه، وهو لا يتعارض أبداً مقام سواه ؛ فإن الحقيقة واحدة، وهي كالبستان الجامع، كلٌ سالك وقف تحت شجرة منها فوصفها، ولم يقل إنه ليس بالبستان شجرٌ سواها ومهما اختلفت التعريفات، فإنها تلتقى عند رتبة من التزكي والتقوى: أي الربانية الإسلامية، أي (التصوف) على طريق الهجرة إلى الله {ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين} [الذرايات: 50] وقال: {إني مهاجر إلى ربى} [العنكبوت: 26]، فالواقع أنها جميعاً تعريف واحد، يُكمل بعضه بعضاً،
(4) أما الاختلاف في تحديد مصادر التصوف، فدسيسة من دسائس أعداء الله ؛ فالتصوف كما قدمنا ” ربانية الإسلام “، فهو عبادة، وخلق، ودعوة، واحتياط، وأخذ بالعزائم، واعتصام بالقيم الرفيعة، فمن ذا الذى يقول: إنه هذه المعاني ليست من صميم الإسلام؟، إنها مغالطات، أو أغالط نظروا فيها إلى هذا الركام للدخول على التصوف من المذاهب الشاذة، أو الضالة، ولم ينظروا إلى حقيقة التصوف، والحكم على الشيء بغير الدخول عليه غلطٌ أو مغالطة، والحكم على المجموع بتصرف أفراد انتسبوا إليه صدقاً أو كذباً: ظلم مبين، وهل من المعقول أن يترك المسلمون إسلامهم مثلاً لشذوذ طائفة منهم تشرب الخمر، أو تمارس الزنا، أو تحلل ما حرم الله؟ وهل عملُ هؤلاء يكون دليلاً على ان الإسلام ليس من عند الله؟! …. شيئاً من التدبر أيها الناس !!! .
[السؤال الثاني]: من هو الصوفي؟ وبماذا يمتاز عن عامة المسلمين؟ وهل هناك فرق بينه وبين التقى، أو المؤمن، أو المسلم، أو الصديق؟ وإذا لم يكن هناك فرق، فلماذا الإصرار على استخدام الاصطلاح؟ (الجواب) :
(1) تستطيع أن تعرف الصوفي الحق، بأنه المسلم النموذجي، فقد اجمع كافة أئمة التصوف على أن التصوف هو الكتاب والسنة، في نقاء وسماحة واحتياط، وشرطه أئمة التصوف في مريديها أخذاً من قوله تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]، والعلم هنا أولاً: علم الدين بدعامتيه ” الكتاب والسنة “، ثم هما بدورهما منبع كل علم إنساني نافع، على مستوى كافة الحضارات، وتقدم البشرية، مقتضى تطور الحياة، فالتصوف إذن هو: ربانية الإسلام الجامعة للدين والدنيا (قال الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السهروردى رحمه الله تعالى: ” إن الصوفي من يضع الأشياء في مواضعها ويدبر الأوقات، والأحوال كلها بالعلم، يقيم الخلق مقامهم، ويقيم أمر الخلق مقامه، ويَستر ما ينبغى أن يُستر، ويُظهر ما ينبغى أن يظهر، ويأتي بالأمور من مواضعها بحضور عقل، وصحة توحيد، وكمال معرفة، ورعاية صدق وإخلاص “ ([34]) .
ومن هنا جاء قول أئمة التصوف، وفي مقدمتهم (الجنيد) : ” من لم يَحصل علوم القرآن والحديث، فليس بصوفي “، وأجمع على ذلك كل ائمة التصوف، من قبل ومن بعد، وتستطيع مراجعة نصوص أقوالهم عند القشيري، والشعراني، ومن بينهما، ومن بعدهما.
(2) أما الامتياز عن عامة المسلمين ؛ فالقاعدة الإسلامية هنا هي المل ؛ فإذا عمل الصوفي بمقتضى ما يتعين عليه كقدوة وداعية، امتاز بمقدار جهده، شأن كل متخصص وإلا فهو دون كل الناس إذا انحرف أو شذ، بل إن تجاوز، فالصوفية يجعلون خلاف الأولى في مرتبة الحرام اتقاءً للشبهات، واستبراءٌ للعرض والدين “ومن نصوص الحديث كما في الفتح الكبير قوله صلى الله عليه وسلم: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل مَلك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه، الا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب] . ([35]) .وهم يعرفون كيف أن السلف كانوا يتركون تسعة أعشار الحلال: خوف الوقوع في الحرام، فهم يؤمنون بهذا، ويحاولون العمل به، والله تعالى يقول: {ولكل درجات مما عملوا}، فهم يؤمنون بهذا ويحاولون العمل به.
(3) أما مسألة الفرق بين الصوفي، والمسلم، والمؤمن، والتقى: فإن الإسلام شرع لنا تعريف الناس بخصائصهم، وذكرهم بما يميزهم عن غيرهم، وقد ذكر الله المهاجرين والأنصار بخصيصتهم: تعريفاً، وهم مسلمون مؤمنون أتقياء، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً الحبشي، وصهيباً الرومي، وسلمان الفارسي بما يميزهم من الألقاب، وهم مسلمون مؤمنون أتقياء، وذكر القرآن من المسلمين أصنافاً: الخاشعين، والقانتين، والتائبين، والمتصدقين، والعابدين، والحامدين، والسائحين وغيرهم، وكلهم من أهل {لا إله إلا الله}، إذن، فذكر إنسان بخصيصة عُرف بها عند الناس، سنة قرآنية ونبوية، وما دامت هذه الطائفة، قد عرفت باسم الصوفية لسبب أو لآخر، فليس بدعاً أن تُدعى بهذا الاسم، ثم لماذا كل هذه الزوبعة هنا، ولا تكون هناك زوبعة حين يقال (سلفية)؟! ـو (أزهرية)، أو (وهابية)، أو (شافعية)، أو (مالكية)، أو(حنبلية)؟! وهل كان فيما مضى (جمعية كذا – أو جماعة كذا)؟ أرايت أن الأمر كان أهون من أن يكون سؤالاً، لولا المذهبية المدمرة، والتعصب الموبق 1؟
[السؤال الثالث]: ما رأيكم فيما يوجه للتصوف من اتهام بأنه يعود في أصوله الأولى للبوذية؟ والمجوسية؟ والرهبانية … ألخ؟ (الجواب): قدمت أن التصوف الإسلامي، هو الربانية، فهو: إيمان وعمل، وعبادة، ودعوة، وأخلاق، وبر مطلق، وهو إرادة وجه الله في كل قول وعمل، أو نية، أو فكر، دنيوي أو أخرى، وهو التساوي بالبشرية إلى مستوى الإنسانية الرفيعة، فهو وحى من الوحى، وهو الدين كل الدين ؛ لأنه بهذا الوصف (طلب الكمال)، وطلبُ الكمال فرض عين، وهو علاج لأمراض النفوس، وما من إنسان إلا وهو مبتلى بجانب – قل أو كثر – من النقص الذى نسميه: مرض النفس، أو الخلقُ، وإنما جاءت رسالات السماء كلها لعلاج هذه الأمراض النفسية والخلقية أول ما تعالج في بنى أدم، ولما كان التصوف قد تخصص في هذا الجانب، كان طلبهُ فرضاً شرعياً، وعقلياً، وإنسانياً واجتماعياً – حتى يوجد الإنسان السوى الذى به تتسامى الحياة، وتتحقق خلافة الله على أرضه، وينتشر الحب والسماحة بين الناس، وتأخذ الحضارة والتقدمية روحهما الإيماني المحقُق لمراد الله، وأدلة ذلك جميعاً مما لا يغيب عن صغار طلبة العلم، ومما تزخر به علوم الكتاب والسنة، ولا أعرف أن الكتاب والسنة نقلاً عن المجوسية، والبوذية والرهبانية شيئاً أبداً، وإنما هو الغل المورث للتهم الكواذب، وتضليل خلق الله، أما إذا كان المراد بالتصوف في السؤال، هو هذه الفلسفات الأجنبية عن العقيدة والشريعة، فهذا باب آخر، لا علاقة له بتصوف أهل القبلة، والاحتجاج بهؤلاء علينا فيه تلبيس الحق بالباطل، ثم إن أخذ البريء بذنب المجرم: فعلة دنيئة، على أن الذين اشتهروا بهذا الجانب الفلسفي، ممن ينسبون إلى التصوف، عدد محدود، قد لا يجاوز العشرة، وسواء قبلت فلسفتهم التأويل والتوجيه – ولو من وجه ضعيف – أو لم تقبل، فهؤلاء، وقد أصبحت كتبهم بما فيها من الأفكار أشبه بنواويس الموتى: تُعرض – إذا عُرضت – للزينة، او التاريخ والعبرة، فليس بين صوفية عصرنا من يرى رأيهم، او يذهب مذهبهم، سواء على ظاهره، أو على تأويله، وأين فكرٌ الجماهير من العمال والفلاحين، وأنصاف المتعلمين، أو حتى كبار المثقفين، من كتب هؤلاء وألغازهم وأحاجيهم؟! .. والغاضبون على التصوف جميعاً يحتجون بهؤلاء، وقد انتهي أمر هؤلاء، فقد كانت مذاهبهم شخصية، لا تجد طريقها إلى الجماهير، لحاجتها إلى استعدادات وقابليات ومدارك، ومنطق لا يوافق لدى الكافة ومؤاخذة الخلف بفعل السلف- لو سلمنا جدلاً بأنهم سلف – أمر بعيد عن العلم والعدل، والحكم على الكل بذنب البعض – لو سلمنا بهذه البعضية – أمر بعيد عن العلم والعدل، ولو أن إخواننا (خصوم التصوف) . نظروا إلى الواقع الفعلي، فكافحوا معنا منكرات العصر ومبتدعاته، من نحو: الطبل، والزمر، والرقص، وتحريف أسماء الله، وغير ذلك من مناكر المواد، والتجمعات العامة، وأخذوا طريق التعاون بالحسنى، والدعوة بالحكمة، لكان هذا أدنى إلى الصواب وأهدى سبيلاً، عند الله والناس، أما حملتهم على هؤلاء الموتى، ممن جنحوا إلى الفلسفة، فاستئساد على الرمم، وصيال في غير مجال، ومبارزة مع الهواء الطلق ؛ فهؤلاء الموتى، ما يملكون الدفع عن أنفسهم، وليس من ورائهم وراث يدافع عنهم، إلا – إذا وجد – لمجرد التصويب وإحسان الظن بأهل القبلة، أو لمجرد الثقافة والتاريخ، وهنا أقر بملء الثقة واليقين، أنًّ كل ما جاء منسوباً إلى التصوف مما يخالف الكتاب والسـنة، مهما كان مصـدره، فليس – فيما نرى – من ثمرة الإسـلام بوصـفه مقام (الإحسان) الذى سجله الحديث النبوى المشهور، كما قدمنا،وهو في تساميه أبعد من لهو الفلسفة وعبثها، وإن تأولت .
[السؤال الرابع]: ثابت أن المسلمين لم يعرفوا التصوف، إلا بعد ثلاثة قرون من انتشار الإسلام، فهل يحتاج الإسلام إلى التصوف؟ وهل التصوف يضيف جديداً إلى الإسلام؟ وما هو الفرق بين الزهد الإسلامي والتصوف؟ (الجواب) : من الذى قال بأن المسلمين لم يعرفوا التصوف إلا بعد القرون الثلاثة الأولى؟، هذه مجازفة: ليست بعلمية، ولا تاريخية، وليس لها سند، فإذا كان المراد بأنهم لم يعرفوا لفظ التصوف إلا بعد القرون الثلاثة، فليس هذا بصحيح أيضاً (هذا الذى قالوه: إنما من كلام ابن تميمة رحمه الله تعالى، قال في كتابه ” الصوفية والفقراء “: ” الحمد لله: أما لفظ الصوفية، فإنه لم يكن مشهوراً في القرون الثلاثة الأولى وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك، وقد نقل التكلم به من غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد بن حنبل، وأبى سليمان الدراني، وغيرهما، وقد روى عن سيفان الثوري أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى، وتنازعوا في المعنى الذى أضيف إليه الصوفي ؛ فإنه من أسماء النسب كالقراشي، والمدني، وأمثال ذلك، فقيل: إنه نسبة إلى أهل الصفة، وهو غلط ؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: صُفي، وقيل: إنه نسبة إلى الصف المقدم بين يدى الله، وهو أيضاً غلط، فإنه لو كان كذلك لقيل: صَفي، وقيل: نسبة إلى صوفة بن أُد بن طابخة قبيلة من العرب كان يجاورون بمكة من الزمن القديم، ينسب إليهم النساك ” إلى آخر ما قال)، فقد اثبت مؤرخو اللغة وغيرهم أن هذا اللفظ كان عندما اشتهروا بالخشونة والرجولة، ولبس الصوف، والاستعداد للجهاد، فإن تصوف المسلمين: دعوة إلى القوة، والحرية، والمساواة، والتكافل، والإخاء، والتوحيد، ومعالى الأمور، لبناء شخصية المسلم المتكامل، وكان عهد التدوين قد بدأ بمن كتب الحديث في عهد رسول صلى الله عليه وسلم، وظل ينمو حتى ازدهر في أواخر القرن الأول، وأوائل الثاني، بتحرير الحديث والفقه، والتفسير، واللغة، وما إلى ذلك، وقال ايضاً بعد كلام: ” … والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ؛ ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذى هو من أهل اليمين … ” إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى، فراجعه هناك .”، أما إذا كان المراد بأن مادة التصوف وحقيقته وأصوله وموضوعه لم تُعرف إلا بعد هذه المدة، فالخطأ هنا يستحيل إلى خطيئة، فمادة التصوف من حيث العبادة، والخلق – على أوسع معانى العبادة والخلق – موجود مشهودة في الكتاب والسنة، شأن بقية مواد علوم الدين، فإذا لم يكن لفظ (التصوف) موجوداً في هذا العقد، فقد كانت العبادات والأخلاق، وتربية النفس، ووسائل العفة بالله، والارتفاع بإنسانية الإنسان، كل هذه مسجلة في دين الله، وهي التصوف (سماه الناس كذلك) كل هذه مسجلة في دين الله، وهي التصوف (سماه الناس كذلك) فالاسم حادث، والمادة قديمة بقدم الكتاب والسنة، شأن بقية علوم الدين سواء بسواء، ولم يكن هذا بدعاً، فلم يكن في هذا العهد علم باسـم (الفقه) ولا باسم (الأصول) ولا باسم (مصطلح الحديث)، ولا غير ذلك من علوم الدين، ولكن المادة كانت موجودة بين دفتى الكتاب والسنة . فلا دٌونت العلوم، ورٌسمت القواعد والمصطلحات، أطلقت الأسماء حسبما رجحته الظروف الواقعية آنذاك.
وإذن، فلماذا ننكر تسمية التصوف، ولا ننكر تسمية بقية علوم الدين، والشأن واحد !؟ ثم لماذا ننكر تسمية (التصوف) ولا ننكر تسمية (التسلف)؟! إن كلمة التصوف عربية قديمة، في لغة العرب، فمن ارجعها إلى (سوفيا) اليونانية، فقد جهل وانحرف وقلد العميان، ومن أدعى إنها بدعة محدثة، كان أشد جهلاً وانحرافاً ؛ فالتصوف أخلاق، وعبادة، ودعوة، وجهاد، وسلوك، فهو وحى من الوحى ودين من الدين، إن كلمة صوفي بعيدة كل البعد – من حيث المعنى – عن التأثر باليونان، فقد عرفت واستعملت قبل نهاية القرن الثاني الهجري، حيث أطلقت على أبو هاشم الكوفي (المتوفي سنة 150هـ)، وإن هذا النوع من التصوف وليد لحركة الإسلام ذاته، أما: هل الإسلام يحتاج إلى التصوف؟ فإذا كان الشىء يحتاج إلى نفسه، جاز أن يقال: إن الإسلام يحتاج إلى التصوف، الإسلام انقياد ظاهري، لا يتم إلا بالانقياد الباطني، وإلا كان نفاقاً، والانقياد الباطني هو: الإيمان بوصفه عملاً من أعمال القلب، التي نسميها ” التصوف “، فليس التصوف شيئاً غير الإسلام، حتى يقال: إنه يحتاج إليه، او يستغنى عنه، إنما التصوف هو ذروة الدين كله، مقام ” الإحسان “: التقوى، والتزكية، والربانية، كما قدمنا، فهو الغاية والثمرة التي لا تتاح إلا لسالك مريد موفقًّ ذَواق، وهكذا نجد: أن السؤال الذى يقول: هل التصوف يضيف جديداً إلى الإسلام سؤال غير وارد، والإجابة عليه واضحة في الرد على الشطر السابق، أين هذا السؤال من قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى، ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة: 2].
إن التصوف الحق هو: الإسلام في اعلى مستوياته، ومن اعجب العجب من بعضهم أن يكتب أنه يقبل أوصاف الشكر والصب والورع والزهد والذكر والفكر، من كتب المتمسلفة، ولا يقبلها من كتب المتصوفة، تعصباً وغلاً للذين آمنوا، أما الفرق بينه وبين الزهد الإسلامى: فإن الصوفي أكبر من زاهد في الدنيا ؛ لأن الزاهد إنما يزهد في الدنيا، وهي لا شئ، فالزهد في الدنيا زهد في لا شئ، والزاهد في (لا شئ) غافل أو جاهل، لكن زهد الصوفي منصب على كل ما يبعده عن الله، على أى وضع يكون، أما كل ما يكره بالله (ولو على المال) فليس هو بزاهد فيه، دخل صوفي على أحد الخلفاء، فحدثه، فأجازه الخليفة بما لم يكافئ بمثله أحداً قبله: فاعتذر الصوفي عن قبول عطية الخليفة، فاندهش الخليفة قائلاً له: ما أزهدك !! قال الصوفي: بل أنت أزهد منى يا أمير المؤمنين، قال: كيف؟ قال: لأنني أزهد في الدنيا، وهي لا شيء، وأنت تزهد في الآخرة، وهي كل شيء، “وهو نوع من التبكيت الواضح “.
الزهد عند الصوفية: أن تكون الدنيا في يده، لا في قلبه، لأن الزاهد (غير الصوفي) تاجر، يحرم نفسه من متع الدنيا، ليعوضها أضعافاً في الآخرة، ولا كذلك الصوفي الذى لا يحرم نفسه متعة أحلها الله، إلا إذا حجبته عن الله، وهذا أبو الحسن الشاذلى رضي الله عنه، كان صاحب تجارات ومزارع، وهذا شمس الدين الدمياطى، كان تاجراً من أثرى علماء الصوفية، وهو الذى بنى برج دمياط من ماله الخاص في عهد السلطان الغورى، وهذا الليث بن سعد، فقيه مصر، وأمام زهادها، كان أثرى أهل عصره . ولم تمنع هؤلاء أموالهم أن يكونوا أزهد الناس في الدنيا إذا شغلتهم عن الله عز وجل . ولكنهم لم تشغلهم بعد، بل كانت طريقهم إليه عز وجل !! وهكذا يتضح أن سحق الشخصية بالزهد المادى، والتبتل البشرى مما لا تعرفه قوانين التصوف الإسلامي، وقد كان من أعيان الزاهدين من الصحابة: بلال، وسلمان، وأبو ذر ن وتميم الداري، أول من جلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام عمر يذكر الناس بالله في يوم الجمعة، فإنما الزهد في حده المحدود، مما جاء عن كثير من الصحابة والتابعين وتابعيهم كما أسلفنا، وفي صدر هؤلاء جميعاً زهد (العمرين) ابن الخطاب، وابن عبد العزيز بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد كانت الدنيا في أيديهم، ولم تكن في قلوبهم، فاستغنوا برب الدنيا عن الدنيا وما فيها ومن فيها، إن الذى يملك هو الذى يملك، وهو الذى يزهد، أما الذى لا يملك، ففي أي شيء يزهد؟!
[السؤال الخامس]: بم تعلل فضيلتكم كون شيوخ التصوف من الفرس، وأحفاد المجوس، في العصر الإسلامي؟ وكيف تعلل ازدهار التصوف في القرن السابع، وما بعده بين العرب والمنتسبين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ (الجواب) : ليتك يا ولدى لم توجه إلى هذا السؤال العنصري الذى لا يرضاه الله ولا رسوله، أو لم تقرأ قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ” سورة الحجرات، الآية: 13 . وقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} وقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا فضل لأبيض على احمر، ولا عربي على عجمي إلا بالتقوى ” “ ([36]) .
وفي رواية ذكرها ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم: {يا أيها الناس، وأن الله تعالى قد أذهب عنكم غبية بالجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل يرتقى كريم على الله، ورجل فاجر شقى هين على الله} إلى آخر الحديث الذى رواه أبن أبى حاتم} ([37]) .
” . وقوله صلى الله عليه وسلم ” إن الله أذهب عبية الجاهلية وفخرها بالآباء ؛ مؤمن تقى، وفاجر شقى،أنتم لآدم وآدم من تراب . .. ألم يأتك أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق به سيدنا سلمان الفارسى، فقال: ” سلمان منا أهل البيت ” – ألم يرسل الله رسوله للناس كافة بشيراً ونذيراً؟! إنها حمية الجاهلية، يرددها ببغاوات البشر، بلا تدبر، ولا بينة، وهل جاء الإسلام للعرب وحدهم، فاغتصبه منهم غيرهم، فأصبحوا منبوذين؟! لم هذه الشعوبية، والعنصرية الكريهة، التي ينكرها الإسلام، وتنكرها الإنسانية الشريفة؟! أليس الإمام البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والطبراني، والبيهقي، والاكثرية الغالبة من رجال الحديث، كلهم من غير العرب، وكذلك طائفة من أكبر المفسرين، كالزمخشري، والنيسابوري،، وطائفة من أكبر علماء البلاغة، كالجرجاني، والتفتازاني !؟ من هو طارق بن زياد، وموسى بن نصير، هذان الموليان القائدان الفاتحان، اللذان أسسا للإسلام مجداً تاريخياً، لا يمحوه الزمان؟ من هو ابو حنيفة النعمان؟ اليس كان من الموالى، ولولاه ما كان لبنى تيم الله ذكر ولا فخر ” أبو حنيفة من الأفغان، قالوا من كابل “، يا ولدى: إمام مصر الليث بن سعد، أصله من (أصبهان)، أمام أهل السنة، احمد بن حنبل، أصله من (مرو) والإمام المفسر الطبرى، أصله من (طبرستان)، والشعبى علامة التابعين وغمامهم، كانت أمه من (جلولاء)، والحسن البصرى، الكوكب الفرد،، كان أبوه من (ميسان)، وهذه علاّمة اللغة سيبويه، فارسى الأصل، والأمام الكسائي، فخر اللغة العربية، أصله من فارس، وتلميذه الإمام الفراء من الديلم، ثم أن إبن مسكويه وابن سينا، والفارابي، كانوا فرساً أعجمين، اسمع يا ولدى: فقيه مكة، عطاء بن رباح، وفقيه الشام: مكحول، وفقيه الجزيرة: ميمون بن مهران، وفقيه خراسان: الضحاك بن مزاحم، وفقيها البصرة والكوفة: إبراهيم النخعي وابن سيرين، كل أولئك ليسوا من العرب أصلاً، ولكنهم برزوا في جوانب العلم والفكر والمعرفة والدين ؛ كانوا الأئمة بكل ما في اللفظ من معنى يتجدد ولا يفنى، إنما يتفاضل الناس بالأحلام ” العقول “، لا بالأرحام، والناس عند الله سواسية كأسنان المشط، والله يقول: {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237]، ولقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد (مولاه) على جيش كان فيه أبو بكر وعمر . وعندما أراد عمر أن يستخلف قال: ” لو كان سالمُ مولى حذيفة حياً لوليته !! “، تأمل هذا الموقف الخطير، ولدى ها هم أهل العلم: لا يكادون يذكرون ابن عمر ذكروا معه مولاه نافعاً، ولا يكاد يذكر أنس بن مالك، إلا ومعه مولاه ابن سيرين . ولا يكاد يذكر ابن عباس، إلا ومعه مولاه عكرمة . ولا يكاد يذكر أبو هريرة إلا ومعه مولاه ابن هرمز ….
وما اكثر هذه الامثلة في الإسلام، لقد أطلت عليك – عامداً في هذا المجال – يا ولدى ؛ فإن هذه الشعوبية هي التي كانت مسمار النعش في وحدة الإسلام، والتي انتهت بما يسمى زوراً ” النهضة العربية ” وهي التي قصمت ظهر الخلافة، وشتت العرب أوزاعاً وشيعاً ودويلات هزيلة متناحرة باسم العروبة، والقومية، التي تٌستخدم الآن بلا وعى ولا تدبر، ولنرجع إلى سؤالك في تعليل كون بعض الشيوخ الصوفية اوائل من الفرس ؛ فهؤلاء الناس اجتهدوا في هذا الجانب، كما اجتهد غيرهم ممن ذكرنا أسماءهم، فاستحقوا التقديم والإمامة كمسلمين، فإذا قيل: إنهم فعلوا ذلك ليحطموا الإسلام من الداخل، فهذه قضية، إذا فرضنا نهوض دليلها في واحد، فلن ينهض هذا الدليل في كل واحد . وفي كل طائفة طيب وخبيث، والحلال بين والحرام بين، ولو طبقنا قاعدة سوء الظن بالفرس، أو بغير العرب عموماً، لأذهبنا ثلثي علوم الإسلام، ولكان أول ما ننبذه كتاب البخاري، ومن والاه، فهل هذا منطق يقول به إنسان سوى أو قاض منصف؟ {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم} [المطففين: 4، 5]، أولا يذكرون قول الله تعالى: {وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار} [ص: 62]، إن من إحفاد المجوس: من خدم الإسلام أصدق الخدمات في الثقافات والعلوم، والفتوحات والفنون … وراجع إن شئت من حضرنا ذكرهم وأسلفناه، ومن ورائهم صف شريف طويل معروف، لم نشر إليه، وهؤلاء شــأنهم – بالضبط شـأن كبار الصحابة (وقد كانوا – أى الصحابة – من المشركين، أما تعليل ازدهار التصوف في القرن السابع، وما بعده بين العرب، والمنسوبين بحق أو بباطل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا السؤال يحتاج إلى تكملة: هي أن هذا الازدهار في هذا القرن وما قبله، كان بين العرب وغيرهم، وكان هذا نتيجة لطبيعة الأشياء ؛ فإن تطور الدعوة الصوفية وامتدادها، كان قد أهل الكثيرين للزعامة والاجتهاد في هذا الوقت، كثمرة للتفاعل، والتطور فيما سبق هذا الزمان، فمثلاً: نجد من صوفية القرن السابع أمثال أبى الحسن الشاذلي، وأحمد البدوي . وابن دقيق العيد، ومجد الدين القشيري، وزكى الدين المنذري – ونجد من قبلهم في القرن السادس أمثال أحمد الرفاعي، وأبى مدين . ونجد في القرن الخامس، أمثال الغزالي، وعبد القادر الجيلاني . وفي الثالث والرابع أمثال: الجنيد، والشبلي، ومن قبلهم ذو النون المصري، وأبو يزيد، ومن قبلهم الحسن البصري، وسفيان الثوري، ومالك بن دينار، وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض، وشقيق البلخي، وحاتم الأصم – بكل ما في تواريخهم من صدق وكذب، وأصيل ودخيل، أضف إلى ذلك موضوع التطور والامتداد، وقابلية البيئة، بما كان من الحروب الصيلبيية والتترية والمغولية، واضطراب عاصمة الخلافة ببغداد، ومثل هذه الظروف بطبعها تدفع الناس إلى الله تلقائياً، وقد جربنا نحن أخيراً في العاشر من رمضان، فمن أجل هذا وما هو منه، أو يتعلق به، كان هذا الازدهار الذى تشير اليه.
[السؤال السادس]: من الاتهامات الموجهة إلى التصوف: أنه لا سند له من الكتاب والسنة، وأنه دخيل على الإسلام، وأنه يدعو إلى عقائد تتعارض مع عقيدة التوحيد، كالحلول، والاتحاد والوحدة، وأنه يدعو إلى تقديس المشايخ، والاستعانة بهم في الشدائد، واعتقاد أنهم يملكون النفع والضر، وأنه يدعو إلى التواكل والسلبية، (الجواب) : أما أن التصوف لا سند له من الكتاب والسنة . فقول ساقط بعد كل ما قدمنا، فإذا لم يكن التعبد ومكارم الأخلاق ومحاسبة النفس، والأخذ بالأحوط، ومجاهدة الهوى والشيطان، إذا لم يكن كل ذلك له سند من الكتاب والسنة، فقد جهل الناس الكتاب والسنة، وفيما سبق أدلة مكررة على أن تصوف المسلمين هو عصارة الإسلام وإكسيره، لا يمترى في ذلك إلا ذو هوى، أو من هوى !؟، وبهذا، وبالذي قدمنا، يتأكد أن التصوف نابع من العقيدة، والبيئة الإسلامية جملة وتفصيلاً، وليس هو بدخيل على دين الله، إنما الدخيل، هو هذه الدعوى العصبية المتشنجة، التي تفوح بالغرض، والمرض، وحسبك أنها بضاعة استشراقية، استعمارية صهيونية، لا هم لها إلا انتقاض الإسلام، أما أن التصوف يدعو إلى عقائد الحلول والاتحاد والوحدة، فليس هذا هو تصوف المسلمين، وإنما هو تصوف أجنبي، أعجمي، مدسوس والمتهمون به نفر معدود محدود، انتهي أمرهم، وليس لهم اليوم تابع ولا وارث، كما قدمنا، وأصبح ما نسب إليهم بحق أو بباطل، سواء قبل التأويل، أو لم يقبله، نوعاً من الحفريات التاريخية، التي لا يتابعها إلا الهواة والمتخصصون، إن وجد اليوم هواة أو متخصصون في البحث عن مقابر الأفكار المهملة، وإلا أصحاب الهوى الذى يعمى ويصم، ولا اعتبار لأولئك و هؤلاء، وقد اصبح الكلام اليوم في هذا الجانب نوعاً من مجرد الإثارة والتشويه، والعبث وإضاعة الأوقات، والتشويش على أفاضل الناس وشراء العاجلة بالآجلة، وإنما يقول الصوفية بنوع معين من الفناء، فصله الشيخ ابن تيميه في (رسائله) بشيء من الإنصاف، وأشار إليه الشيخ ابن القيم في شرحه على كتاب الهروي ” كتاب منازل السائرين لشيخ الإسلام: عبدالله بن محمد بن إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي الصوفي المتوفي سنة 481 هـ، شرحه أبو بكر بين قيم الجوزية الدمشقي الحنبلي المتوفي سنة 481 هـ، شرحه أبو بكر بن قيم الجوزية الدمشقى الحنبلى المتوفي سنة 751 هـ، وسماه ” مدراج السالكين “، وشتان ما بين هذا والقول الفاجر بالحلول، والاتحاد، والوحدة المنكرة .
أما أن التصوف يدعو إلى تقديس المشايخ، والاستعانة بهم في الشدائد، واعتقاد أنهم يملكون النفع والضرر: فهذا كلام فه تجاوز ومغالطة ؛ فإن التصوف يدعو إلى احترام الشيخ كوالد روحي، وهو أدب إسلامي مقرر، لا خلاف عليه . وفي الحديث الصحيح ” ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ولم يعرف لعالمنا حقه ” رواه الترمذي عن ابن عمر، وأبو يعلى عن أنس، والعسكري عن عبادة ابن الصامت، والقضاعي عن ابن عباس “، و لا تنس تأديب الله للصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أصل أدب التابع مع المتبوع ” راجع سورة الحجرات ” .
أما الاستعانة بدعاء الشيخ، وابتهاله إلى الله في شدائد ابنائه، فهو أدب إسلامي ثابت، يعرفه كل من قراً (باب الدعاء) في كتب المسلمين، أما أنهم يزعمون أنهم يملكون النفع والضرر، فالذي يملك هو الله وحده، وعندما يغضب الشيخ لربه من مخالف لله فيدعو، فيغضب الله لغضب وليه، ويستجيب له، فلا يقال عندئذ إن الشيخ يملك نفعاً ولا ضراً، إنما هو من باب: “” لئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه “، والقول بغير هذا إنما هو مسخ للصورة بالمغالاة والإغراق والتنفير، وإذا كان هناك شيء من ذلك فرضاً جدلياً فهو مما يعالج بالبيان والإرشاد والقول الطيب، ونحن أمة تحكمها الأمية، فلا ننكر أن فيها ضلالة وجهالة، وإنما في حاجة – أشد الحاجة – إلى النصح والتوجيه بالحكمة البالغة، والموعظة البليغة .
بقى القول بأن التصوف يدعو إلى السلبية والتواكل: التصوف الحق هو: الإسلام، وليس في الإسلام سلبية، ولا تواكل، وإنما هي أمراض اجتماعية لصقت بالتصوف زوراً وبهتاناً، وقد كان عبد الله بن المبارك، يحج عاماً ويجاهد عاماً، وقد كان شقيق البلخي فارساً مغواراً، يطلب الموت حتى استشهد في سبيل الله، وكذلك كان حاتم الاصل، مقاتلاً بارعاً، له في الجهاد مواقف وكرامات، وقدمت أن أبا الحسن الشاذلي كان صاحب مزارع وتجارات، وأن شمس الدين الدمياطي بنى برج دمياط من ماله الخاص، ومن ربحه من تجارته، ولو تتبعت آداب المريدين بالصوفية، لوجدتهم جميعاً يدفعون تلاميذهم إلى العمل والإنتاج، ويعرفون تماماً كل ما ورد في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن أشياخهم في الله الذين يؤكدون لهم أنه لا يمكن تحقيق خلافة الله على الأرض بالسلبية والتواكل والاستسلام، فإذا تغالى أو تطرف واحد، فليس هو كل واحد، ولقد ثبت في الحديث أن بعض الصحابة تغالى بأكثر مما يفعل الرهبان، والنبي صلى الله عليه وسلم حي، فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم ” وحديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التبتل متفق عليه، ورواه الإمام أحمد، وأبو داوود عن سعد، وأحمد الترمذي والنسائي وابن ماجه عن سمرة، ([38]) .
وروى الطبراني عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، قال: يا رسول الله: إني رجل تشق على هذه العزوبة في المغازي فتأذن لي يا رسول الله في الخصاء فأختصي؟ قال: لا، ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام فإنه مجفرة “ ([39]) .
إذا انفرد واحد بمغالاته، فليس هذا بقانون ولا قاعدة في الجميع، ولا بعار يؤخذ به سواه، نزل أحد المريدين على زاوية الشيخ ضيفاً، فأقراه ثلاثة أيام، ثم قال له: يا ولدى قد انتهت مدة الضيافة، فقال المريد: إنما جئت لأتصوف، فقال الشيخ: ” ليس التصوف عندنا أن تصف قدميك وغيرك يمون لك، ولكن أبداً برغيفيك فأحرزهما، ثم تصوف، ثم اجعل منشارك مسبحتك، واذكر على دقات الفأس والمكوك “، وقد كانت الألقاب الصوفية تدل على ما يتناولونه من حرف ومهن وصناعات: فمنهم الدقاق، والسماك، والوراق، والخواص، وهكذا تعرف أنهم كانوا بحق أمثالاً للمسلم الكامل إيماناً، وعملاً وإيجابية، وصلة كبرى بالله، فالتواكل مرض دخيل على التصوف الصحيح، يعالجه صوفية العلماء، كل بأسلوبه .
[السؤال السابع]: أولياء الله، من هم؟ وهل يجوز تعيين ولى لله بالاسم؟ وهل الولاية تورث بالأسرة؟ (الجواب) : أولياء الله هم عباده الصالحون،الذين نسلم عليهم في كل صلاة كلما قرأنا التشهد، وعلى رأسهم الأنبياء، عليهم صلوات الله وسلامه، ثم يليهم في ولاية الله أتباعهم، فأصحاب سفينة نوح، وأصحاب ميقات موسى، والحواريون مع عيسى والراشدون، ومن تبعهم بإحسان، والائمة من أمة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل أولئك، ومن على أقدامهم هم الأولياء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون “، والشرط في الولي: الإيمان، والتقوى، كما جاء في الآية {الذين آمنوا وكانوا يتقون} [فصلت: 18]، ثم الصلاحية للنيابة عن حضرة المصطفي صلى الله عليه وسلم، والله يتولى الصالحين، لقوله تعالى {وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196]، فالصلاحية بمعنى الصلاحية التي تستوجب كفاية معينة في الجوانب الثقافية والروحية، والذاتية والتعبدية، حتى يكون العبد أهلاً للتبليغ، ووارثة النبوة، وسيادة البشرية {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105]، وهنا ينكشـف البون الهائل، ما بين (الولاية) و(الــبلاهة)، وما بين (الولايـة) و(الاحتراف)، وأن الولاية كسب غال بمجهود أغلى أو هي اجتباء بحكم المشيئة الإلهية، كما جاء بالآية {الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب} [الشورى: 13]، وتعيين رجل توافرت فيه الشروط بوصف الولاية، لا يتعارض مع مبادئ الإسلام – فيما أعرف – وقد وصف علماء الحديث رجالاً بأوصافهم لا حرج، أما أن الولاية ميراث حتمي: فذلك ما لا علم للتصوف به، ولابد هنـا من الإشــارة إلى أنني أتحدث عن (التـصوف)، وهنــاك شيء آخر نسـميه (المتصوف) وهذا هو الذى أساء إلى التصوف، ومازال، وسوف يبقى كذلك، ما لم يشأ الله شيئاً، وما لم ينقذ الله التصوف من التردي الذى يعانيه، كما أنه لابد من الإشارة إلى أن للولاية معانِ شتى جاءت بها كلمات القرآن والحديث، تدور حول أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، وقد حصرنا الكلام هنا، فيما نرجح أنه المقصود وفي الحجم المطلوب للصحيفة . (فنحن هنا للقارئ عناوين ومؤشرات فقط وللبحوث مقام آخر) .
[السؤال الثامن]: لماذا يبدى الصوفية ولعاً شديداً: بإقامة الأضرحة؟ وبإقامة الموالد؟ والتماس بركة الموتى؟ … وما سند ذلك من الكتاب والسنة؟ (الجواب) : الصوفية لا ييأسون من الموتى {كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [آخر سورة الممتحنة]، وهم يرون أن الموت مرحلة من مراحل السفر الإنساني الكادح إلى الله، فالميت عندهم حي حياة برزخية، وللميت علاقة أكيدة بالحي، بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من احاديث، رد الميث السلام على الزائر، ومعرفته، وبتشريع السلام على الميت عند قبره، ومحادثته صلى الله عليه وسلم لموتى (القليب يوم بدر)، كما وردت في عدة أحاديث ثابتة، ومن القرآن حسبك قوله تعالى {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} [آل عمران: 17]، فهناك إذن علاقة مؤصلة بين الحى والميت، وإلا الدعاء والسلام على الميت موجهاً إلى الأحجار !!، ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع، والسلام عليهم وتكليمهم والدعاء لهم، وللأمام ابن قيم الجوزية (تلميذ ابن تميمة، وحواريه، ووارث دعوته) له كتاب الروح وقد أثبت فيه كل مذهب الصوفية، بما لا مزيد عليه، في موضوع الحياة بعد الموت، وعلاقة الأرواح بالأحياء، ولابن أبى الدنيا في ذلك تأليف مفيد، والصوفية يعتقدون: بحق: أن الولي في الدنيا ولى بخصائصه الروحية، ومواهبه الرهبانية، والخصائص والمواهب من متعلقات الرواح، ولا ارتباط لها بالأجسام ألبتة، فالولي حين يموت ترتفع خصائصه ومواهبه مع روحه إلى برزخه، ولروحه علاقة كاملة بقبره ؛ بدليل ما قدمنا من السلام عليه وده السلام … إلخ . ومن هنا جاء تكريم هؤلاء السادة الصالحين من أصحاب القبور، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع حجراً على قبر بعض الصحابة، وهو عثمان بن مظعون رضى الله عنه ” في أسد الغابة: أنه لما توفي سيدنا إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” الحق بالسلف الصالح: عثمان بن مظعون ” . وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم قبر عثمان بن مظعون بحجر، وكان يزوره “، وقال: ” أتعرف به قبر أخي ” وكان هذا الحديث، بعد حديث على رضي الله عنه بتسوية القبور المشرفة، فاستدلوا به على جواز اتخاذ ما يدل على القبر، وعلى فضل صاحب القبر بلا إغراق ولا مبالغة، رجاء استمرار زيارته، والدعاء له والقدوة به، والصدقة عليه، وحفظ أثره، ومن هنا نقل الميت من مكان إلى مكان أفضل، كما صح في حديث جابر غيره، ثم بالغ بعض الناس في ذلك – بحسن نية من جانب، وخوف اندثار القبر من جانب آخر – فاتخذ الآمر بالتطور الصورة التي تراها، وقالوا: إن الأمر يدور مع علته، وقد كانت علة تسوية القبور، والمنع الأول من زياراتها، هي مخالف الانتكاس والعودة إلى الشرك، وقد استقر الإيمان والتوحيد في قلوب الناس، (وإن أخطأت أحياناً ألسنتهم) فلا باس بعمل ما يذكر الصالحين للقدوة والاعتبار، والقيام بحق صاحب القبر من الزيارة وغيرها.
هذه هي وجهة النظر عندهم بصفة عامة: وهي على علاتها – أبعد شيء عن التهويل بالشرك والوثنية، والكفر والردة، واستحلال ماء المسلمين، وقد مرت السنين على هذه الأضرحة ن فما عبد منها ضريح من دون الله – ولا صلى مسلم لولى ركعة، والمثل العملي مضروب بقر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبور كبار الائمة، أما ما يكون على عادة من بدع الزيارات ومناكرها، فأمور يمكن تقويمها بالتعاون على علاجها بالتي هي أقوم، وإنني مستيقن – سلفاً بأن هذه الكلمات بالذات، ستنبرى لها ألسن وأقلام احترفت خصومة هذا الرأي، واتخذته أساس مذهبها، وهو كل دعوتها وبضاعتها، ولكنى أعرض الرأي، ولا أدعى العصمة، ولا أحتكر الصواب، وأرى أن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه، إلا ما جاء عن الله ورسوله . بقدر ما أعرف سلفاً، كافة النصوص المقابلة، ووجهات النظر الأخرى، فالحديث هنا قديم ومكرر، لا جديد فيه على الإطلاق، والتقريب بين وجهات النظر ممكن . ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله، وارجع إن شئت إلى ما كتبناه بتفصيل عن التوسل والقبر في رسالة (قضايا الوسيلة والقبور)
أما الاحتفال بالمولد: فهو ما لم يكن بصورته هذه في الصدر الأول، وهو – على وضعه الحالي – فيه المقبول والمرفوض، وإن كان المرفوض قد غلب فعلاً على المقبول، ولابد من وقفة إصلاح ؛ فإن القائلين بالإلغاء يطالبون بغير الممكن أصلاً، ولا ينظرون إلا إلى الجانب المرفوض وحده، أن أول من احتفل بذكرى المولد النبوي، هو الملك المظفر (طغرل) ملك (إربل) العراق، بموافقة الإمام أبى شامة، والعلماء، ثم التقط الفاطميون الحبل، فزودا وتوسعوا، وقد التمس علماؤنا الدليل، فوجدوا أن الله كرم يوم الولادة، ويوم الموت، والبعث مرتين، مرة بلسان القرآن، وأخرى حكاية عن لسان عيسى عليه السلام ” {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت يبعث حياً} – {والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً} [سورة مريم]، أذن فليوم الولادة منزلة عند الله، ثم نظروا فوجدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلازم صوم يوم الاثنين من كل أسبوع ! فسئل في ذلك، فقال: ” هو يوم ولدت فيه، وأنزل على فيه ” كما ثبت في الحديث الشريف، ومعنى هذا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يحيى ذكره مولده الشريف، شكراً لله تعالى في كل اسبوع مرة بالصيام، وربما بما تيسر له من خير، فهو يوم من أيام الله، وقد أهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيام الله، كما فعل في يوم عاشوراء، وكما فعل في (سبوع) الحسن والحسين، بالإضافة إلى ما ورد من أنه ذبح صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة، بعدد سنى عمره الشريف، ومن مجموع هذا، وما هو منه، يمكن استنباط مشروعية إحياء الموالد، لما فيها من الذكريات النافعة، والعبر الموجهة، وبما فيها من تلاوة القرآن، والوعظ والإرشاد، والذكر الصحيح، والثقافة، ثم بما فيها من التعرف على البر والتقوى، والرواج الاقتصادى والصدقات، والحركة الاجتماعية ؛ فهي بهذا الوصف أسواق خير ونفع عام لا تضيق به اصول الأحكام الشرعية، ولا فروعها، بل إنها تدعو إليه، وتحض عليه، ثم إن الله تعالى يقول: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الانبياء: 107] إذن، فليوم الولادة منزلة عند الله، ثم نظروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلازم يوم الاثنين من كل أسبوع ! فسئل في ذلك، فقال: ” هو يوم ولدت فيه، وأنزل على فيه ” كما ثبت في الحديث الشريف، ومعنى هذا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يحي ذكرى مولده الشريف، شكراً لله تعالى في كل اسبوع مرة بالصيام، وربما بما تيسر له من خير، فهو يوم من أيام الله، وقد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيام الله، كما فعل في يوم عاشوراء، وكما فعل في (سبوع) الحسن والحسين، بالإضافة إلى ما ورد من أنه ذبح (صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة، بعدد سنى عمره الشريف، ومن مجموع هذا، وما هو منه، يمكن استنباط مشروعية إحياء الموالد، لما فيها من الذكريات النافعة، والعبر الموجهة، وبما فيها من تلاوة القرآن، والوعظ والإرشاد، والذكر الصحيح، والثقافة، ثم بما فيها من التعرف على البر والتقوى، والرواج الاقتصادي والصدقات، والحركة الاجتماعية ؛ فهي بهذا الوصف أسواق خير ونفع عام لا تضيق به أصول الأحكام الشرعية، ولا فروعها، بلى أنه تدعو ايه، تحض عليه، ثم إن الله تعالى يقول {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إنما رحمة مهداة ” وقد أمر الله تعالى أن نفرح بفضله ورحمته صلى الله عليه وسلم: {قل بفضل الله وبرحمته، فبذلك فليفرحوا} [يونس: 58]، فإحياء ذكرى مولد الرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشروع من العبادات والخيرات ونحوها، إنما هو فرح برحمة الله، فهو تنفيذ لأمره تعالى، كذلك نحن مأمورون بالشكر على النعمة، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم بشروطها: نوع منشكر النعمة، وهو واجب قرآني صريح، وعلى نحو ذلك أو بعضه ينسحب حكم مشروعية إحياء ذكريات موالد الله جميعاً، بشروطها المقررة، وهنا يجب أن نقرر أيضاً القاعدة العلمية الثابتة: بأنه ليس كل ما لم يكن في الصدر الأول هو حرام، وإلا فلم يبق في حياتنا شيء حلال، وفيما عدا هذا – مما اندس في هذه التجمعات من المفاسد الخلقة والدينية والاجتماعية وغيرها فالحكومة والصوفية الرسمية، والجمهور، هم المسئولون جميعاً عنها، في الدنيا والآخرة . وهو شيء عم وطم وأورث الهم والغم.
[السؤال التاسع]: يقول الصوفية بضرورة وجود الشيخ، لتوصيل المريد إلى ربه، ويقولون: من لا شيخ فالشيطان شيخه، فهل هذا صحيح؟ (الجواب) : يا ولدى: الصوفية في هذا يصدرون عن صحيح الشريعة، وصحيح التجربة، وصحيح الممارسة والواقع، أما الشريعة فالله تعالى يقول: {فاسألوا أهل الذكر} [الأنبياء: 7] ويقول تعالى: {الرحمن فاسأل به خبيراً} [الفرقان: 59] ويقول تعالى: {ولكل قوم مهاد} [الرعد: 7] ويقول تعالى: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14]، ويقول تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]، ويقول تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلى} [لقمان: 15]، ويقول تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} [الممتحنة: 4]، وفي الحديث الثابت: هلا سألوا، فإن دواء العى السؤال !، وإذن: فلابد من هاد (قدوة سئول)، ذا ذكر، خبير بوسائل الفرار إلى الله، والهجرة إليه، ألم تر إلى موسى كيف طلب المرشد ليتبعه، كما جاء في سورة الكهف، وكيف كان أدب موسى مع مرشده، ولذا كان لابد لطالب حفظ القرآن من المقرئ الموقف الخبير بأحكام التلاوة، وصحة الأداء، ولو ترك القارئ العادي لنفسه، لاستحال عليه أن يحصل حق التلاوة وصحة الأداء، وبالتالي ربما اضطربت معه مفاهيم الآيات، وغابت الأحكام، وقل ذلك في علوم الدين واللغة، وكل علوم الدنيا فكرية كانت أم عملية، حتى الحرف والمهن والصناعات، مهما علت أو دنت، لابد لها من اختصاصي يلقنها ويكشف أسرارها، فما لم يكن للمرء شيخ في العلم ضل وافترسه الشيطان، واستهواه وجعل إلهه هواه، فهلك، وما لم يكن للمرء معلم في بقية الصناعات لما أصاب ولا أجاد وربما أهلك وهو يطلب الحياة، ومن هنا كان لابد للسالك إلى الله من غمام يرشده ويوجهه ويسدده، ويكشف له أحابيل الشيطان، في العبادات والمعاملات، والخطرات النفسية والإرادات القلبية، والواردات التي قد تكون أخطر على صاحبها من الكفر على صاحبها من الكفر الصريح، يا ولدى: فكر في موقف الإمام في الصلاة، وفي تلقى الرسول عن جبريل عليهما الصلاة والسلام، ولهذا سجل كبار ائمتنا أخذهم وتقيهم عن كبار شيوخهم، كابراً عن كابر، بالإجازة الشريفة، والثبت المحكم، وسواء في العلوم، او في تلقى البيعة الصوفية، واتصال السند، ولا يزال في عصرنا هذا يستعد الطالب لأعلى درجات الثقافة (الدكتوراه مثلا) ولابد له من مشرف يشاركه رحلة العلم والجهد {وما يستوى الأعمى والبصير} [الرعد: 16]، وقد تلقينا من قواعد أهل العلم (غير الصوفية) قولهم: ” لا تأخذ العلم من صحفي ولا القرآن من مصحفي “، و” الصحفي “: هو الذى جمع محصوله من الصحف وحدها، دون مرشد، و” المصحفي “: من قرأ القرآن وحده، من غير موقف، وهذا مجرح عند أهل العلم، ثم تأمل مرة أخرى بعثة الرسل إلى الناس، ونزول جبريل صلى الله عليه وسلم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتوجيه والهداية، ولا تنس يا ولدى: أن التقاء روح الطالب والأستاذ، وتبادل الود، ووحدة الإرادة، واندماج الشخصيتين بالحب والتسامي، وقصد وجه الله: فيه أثر روحى ونفسى مقرر عند أهل العلم بالقديم والحديث، وحين يكون السند موصولاً، يكون من ورائه سر مجر، يسميه الصوفية (بركة السند)، وإن لم يؤمن الجاهلون بسره ألا ترى قوله تعالى: {وداعياً إلى الله بإذنه} ” سورة الأحزاب، الآية 46 . تأمل، فمن هنا تبدا البركة، ثم تتسلسل !!وأظن في هذا الإجمال كفاية إن شاء الله، وإلا فـــ {إنك لا تهدى من أحببت} [القصص: 56]،
[السؤال العاشر]: ما هو الحكم في استخدام الرقص والطبل والزمر والغناء (والحركات غير اللائقة في كثير من حلقات الذكر)؟!، وتحريف أسماء الله تعالى؟! و (أه، أه) أو (هه، هه)؟!، وإصدار الأصوات الساذج بنحو (ها) و (أه، أه) أو (هه، هه)؟!، واشتراط أن يتخيل الذاكر شيخه بين عينيه؟!، والاعتراف للشيخ بالذنوب والمعايب؟! (الجواب) : .. أولاً: فأما استخدام الراقص، والطبل، والزمر، والغناء – فيما يسمى حلقات الذكر – فليس من دين الله (قولاً واحداً) ..، وإنما هو من الدخيل، والدسيس الذى تسلل إلى التصوف، فأفسده، وأساء إليه، ينقل الشيخ (ابن الحاج) في مدخل (الشرع الشريف) : قلنا: وقد عاب الله نحو ذلك على المشركين من قبل، فقال: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35]، يعنى تصفيراً وتصفيقاً ! وهما من لوازم الطبل والزمر والرقص !!، إن الرقص، والطبل، والزمر، لاشك هو لهو ولعب، فإذا اتخذناه ديناً، كان افتراء على الله، وهو تعالى يقول: {وذروا الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} [الأعراف: 51] و {لعباً ولهواً} كما في آيتي (الأنعام والأعراف) والله لا يأمر بترك شيء هو قربة إليه . فإذا كرر الأمر كان معنى هذا أنه شيء يغضب له غضباً مضاعفاً، لما فيه من تعد على حدوده تعالى، وعلى حدوده يقول شاعر الصوفية: (يا عصبة ما ضر أمة أحــمد … وسعى على إفسادها إلا هي … طار، ومزمار، ونغمة شادن … أتكون قط عبادة بملاهـي؟!) وإنما يعبد الله بما شرع وفيما شرع تعالى سعة وكافية، ومتعة روحية بغير حدود، والعبادة جد كلها، وهو تعالى يقول: {لو أردنا أن نتخذ لهواً، لاتخذناه من لدنا، إن كنا فاعلين، بل نقذف الحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق} [الأنبياء: 17]، ومن شاء لهواً مباحاً، فليبتعد به عن العبادة، وعن التصوف، ولوجهه الله، وللحق في ذاته ورغم ما أصابنا، ولا يزال – وفي سبيل التجديد والإصلاح الصوفي – نقرر أن مشيخة الطرق الصوفية المعاصرة، أصدرت عدة منشورات، تنهي فيها عن هذا العبث، ولكن هناك أهواء، وخلفيات، ومواريث ومصالح، ونوع من الجهلوت ” الجهل المتأصل في النفس ” المستحكم، والاقتدار، بل الإصرار على المخالفة كل ذلك يقف دون التنفيذ الواقعي لهذه المنشورات، حتى كأنها لم تكن، ولكن لابد لهذا الليل من آخر.
ثانياً: أما الغناء والإنشاد، فإن كان ملتزماً، وبشروطه المشروطة شرعاً، فإن له أصلاً في السنة الصحيحة ؛ ففي البخاري وغيره أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أصحابه رضي الله عنهم وهو يشارك في بناء مسجده الشريف ينشدون: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا … فانزلنا ســكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا) إلى آخر ما قالوا بأصوات منغمة طبعاً على لحون العرب !! كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يردد نحو هذه المقاطع على من كان ينشد مع المرديين من الصحابة، وساء في بناء المسجد، أو حفر الخندق أو غيره، وقد استمع صلى الله عليه وسلم: ” رويدك، رفقاً بالقوارير “! يريد النساء عن خلف الركب، منهن من لا يقوين على شدة خطو الإبل المأخوذة بجمال الحداء وحسن الصوت، ورقة الأداء والتلحين ” تواتر أنه صلى الله عليه وسلم استمع إلى غناء الجواري، عند دخوله المدينة كما استمع إلى المرأة التي نذرت أن تضرب له الدف وتغنى، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يستمع لبعض ” الأراجيز ” في بعض المناسبات والأراجيز شعر ينسد منغماً بلحن عربي موروث، فهو ضرب جاد من الغناء العفيف، فضلاً عما كان يستمعه من الشعر (بلحون العرب) وأصواتها بمسجده، وتأثر النفس الشريفة باللحن والصوت الجميل طبيعة في الإنسان الكامل، لا ينكرها رجل سوى قط، ألا ترى أنه سوف يكون من متع الجنة أن يستمع أهلوها كلام الرحمن عز وجل، وكيف اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلالاً) لأذان، وكيف كان العرب يضربون المثل بصوت وأداء (أبى محذورة) أحد مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه صلى الله عليه وسلم أقام منبراً لحسان في المسجد ينشد الشعر عليه منافحاً، ولقد استمع صلى الله عليه وسلم لصوت عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، فقال: ” لقد أوتى هذا مزماراً من مزامير آل داود “ ([40]) .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن، ترتيلاً يأخذ بمجامع القلوب الصحاة فيتمنون لو أنه طال وبالغ، وفي الصحيحين حديث: ((حسن استماع الله لنبي حسن الصوت بالقرآن)) ([41]) .
ومن ألفاظ الحديث: ((ما أذن لشيء ما اذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن: يجهر به)) ([42]) .
ثم ألا ترى أن الله أبغض لصوت الكريه، فقال تعالى: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} [لقمان: 19] !! ومن مجموع هذا، وما هو منه (وهو كثير) . يمكن الحكم على الإنشاد الملتزم بالمشروعية على اقل صور الحكام، إن لم يكن السنية، أو الندب، أو الاستحسان ؛ فأن من الإنشاد ما يرتقى بالمرء إلى أسمى معارج الأرواح، إذا كان رقيق القلب شفيف الروح .
ثالثاً: أما تحريف أسماء الله الحسنى في حلقات الذكر: فإجماع أئمة التصوف على أنه حرام موبق، وحسبك فيه قوله تعالى: {ولله الاسماء الحسنى، فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في اسمائه، سيجزون ما كانوا يعلمون} ” سورة الأعراف، الآية 180 فهنا أمر بالذكر، مع نهي شديد عن تحريفه والتحذير عن اصلة بمن يحرفونه، أي يلحدون فيه، وإعلان أنهم سيجزون بسوء عملهم، فيكون هذا الإعلان بمثابة إنذار، ونهي شديد مكرر، حتى ندع من يحرفون أسـماءه تعالى، فكيف بحـكم المحرفين أنفسهم !؟، وهذا الإلحاد يشمل نحو قولهم ” ها، ها ” أو ” هي، هي ” أو ” أه، أه ” وغير ذلك من الأصوات الساذجة الحمقاء، التي لا تكون أبداً من كرام الناس، ولا أفاضلهم: لا أسلوباً، ولا أداء .
لكن المأخوذ عن نفسه، لا يؤاخذ ؛ لأنه ممن رفع عنه القلم ولهذا وجبت التفرقة الشرعية بين هذا وذاك، ويلحق بهذا نطقهم باسم (الله) على غير وضعه الشريف، من نحو ضم ألفه الأولى أو كسرها، مع قصر الفم الوسطى، ومع تخفيف لامه أو تغليطها، مما يخرجها من منطوقه القرآني إلى منطوق سوقي محرم، وخصوصاً مع ما يسمونه (الدوكة) أي تغليظ الصوت، أما قولهم (هو، هو) : فهذا اللفظ (ضمير الغائب لغة) وقد ورد في القرآن الكريم كثيراً من نحو قوله تعالى: {الله لا اله إلا هو} [اية الكرسي] وقوله: {هو الحى لا إله إلا هو} [غافر: 65]، فهو الغائب عن النظر، المشهود بالبصيرة، وقد أفرد الإمام الفخر الرازي في تفسير الفاتحة بحثاً ضافياً، أثبت فيه أن لفظ (هو) ربما كان اسم الله الأعظم بنحو عشرين دليلاً، نحن في ذلك معه، فالمسألة في لفظ (هو) على أسوأ الأحوال خلافية، ومادام في الأمر وجهان ودليلان، فإنه يسعنا ما يسع غيرنا وليس منن العدل تجريم من أختار أحد الوجهين لصحة دليله عنده، والفروع كلها محل خلاف !! والقاعدة: ” متى دخل الاحتمال، بطل الاستدلال ”
أما لفظ (آه) فلم يثبت علمياً أنه ذكر به إمام الشاذلية (أبو الحسن) رضى الله عنه ولا كبار تلاميذه – من أمثال: أبى العباس المرسى، وابن عطاء الله ” والشيخ الحنفي، ولم يرد له ذكر في أهم مراجع التاريخ الشاذلي، كــ ” درة الأسرار ” و ” المفاخر العلية “، ” واللطائف “، ولكنه منسوب إلى بعض كبار أئمة الشاذلية المتأخرين، ولهم على مشروعية الذكر بعد أدلة شتى، لعل من أقواها، وأحكمها ما كتبه المرحوم الشيخ الظواهري شيخ الأزهر السابق، ثم ما كتبه المرحوم الشيخ عمران الشاذلي في عصرنا الحديث، ثم إن الذاكرين بهذا الاسم يقررون: أن له أثراً عظيماً بالممارسة والتجربة ولابد من مراجعة أدلتهم قبل الحكم لهم أو عليهم، فهو أيضاً نمط من الخلافات الفرعية . ومن الشاذلية من لا يذكرون به، (كالحصافية، والحامدية، والمحمدية) ومن أشد الناس تمسكاً به فروع (الفاسية الشاذلية)، وكان والدى رضى الله عنه لا يستهجنه، ولا يستحسنه، ويقول: (أنا لا آمر بهذا الاسم، وأنهي عنه)، وكان يقول: (إن عذري معي في التوقف في هذا الاسم بما له، وما عليه، وما خلاف عليه خير مما فيه الخلاف)، قلنا: ونحن على الأثر ؛ فلا نعيب على من يذكر به بدليله، ولا نلوم من لا يذكر به لدليله.
رابعاً: وفيما يتعلق باشتراط تخيل المريد شيخه عند الذكر بين عينيه: فهم يقولون: إن المراد الأساسي من هذا، هو استجماع المهمة، وطرد الشواغل، وتفريغ القلب لحسن التوجه، والاستعداد للاستمداد، فهو وسيلة – مؤقتة – للتجهيز لدخول حضرة الحق، فإذا ما انحصرت الطاقة في تصور الشيخ، والنبي، وهما يدفعان المريد إلى الله، ويهيئانه للعمل، ثم إذا أخذ المريد في الذكر، كان أول ما ينطرح على المريد هو الخيال الفاني، فلم يبق إلا الله الباقي، هذا هو أصل الموضوع عندهم، وتخيل صورة الشيخ ليست شرطاً، ولكنها من الوسائل الاجتهادية والتجريبية النافلة، ولهذا لم يقل بها كثير من الشيوخ، اكتفاء بصدق المحبة، والربطة بين المريد وشيخه ونبيه صلى الله عليه وسلم، حتى كأنه بينهما، وفي هذا الموضوع بحوث نفسية عميقة، وإذا عرفنا أن هذه الحالة – عندهم – إنما تكون قبيل البدء في التعبد، ولمدة لحظات فقط . ثم يكون الذكر الذى يستغرق كل أحاسيس الذاكر، إن تخيل النبي صلى الله عليه وسلم والشيخ عند الذكر، أشبه شيء بما يخطر على بال المصلى من اخيلة الجنة والنار، والإنس والجن، وأهوال الحشر، وعظمة الله، وهذه صورة لا تبطل الصلاة، ولا تتهم بالوثنية . فالموقف هنا وهنا واحد، وبالتالي يكون الحكم واحداً، فقد انتفت دعوى الوثنية، التي يرمى بها الصوفية – أو بعضهم – في هذا المجال، تهوراً ومجازفة.
خامساً: ثم تأتى قضية اعتراف المريد لشيخه بذنوبه وعيوبه، فأي حرام في هذا؟ إنك عندما تذهب إلى الطبيب تذكر له كل ما تشكوه، وما يؤلمك، وهذا الشيخ هو طبيبك الروحي في الله، وعقدة الذنب تؤرق صاحبها، فهو يسأل طبيبه الروحي عما عسى أن يطهره ويغسله من خطاياه، وينقذه من آلامه، ووخز الضمير، وهو (النفس اللوامة) في لغة القرآن والتصوف، أليس كان يأتي الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول أحدهم مثلاً: ” هلكت يا رسول الله، فقد فعلت كذا وكذا ” كما حدث مثلاً في قصة ” ماعز ” وقصة ” الغامدية ” واعترافهما بارتكاب الخطيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يدل المعترف بخطئه على لو عمل به تقبله الله، وعفي عنه ؛ فإن من الفطرة ضرورة الإفضاء والاستنصاح ” والدين نصيحة ” رواه البخاري في التاريخ عن سيدنا ثوبان رضى الله عنه، والبزار عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه “، أليس الله يقول {فاسألوا أهل الذكر} [الانبياء: 7]، ثم إن الآيات القرآنية كلها تدل على أن المؤمنين – بل وغير المؤمنين – كانوا يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسنبئونه، ويستفتونه، في مثل قوله تعال: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآيتنا، فقل سلام عليكم ..} [الانعام: 54]، وقوله تعالى: {ولو إنهم إذا ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله …} [النساء: 64]، وقوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم …} [المائدة: 42]، وقوله تعالى: {يا ايها البنى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ..} [الممتحنة: 12]، فكلها حث على المجيء إلى أهل الصلاح وطلب النصح منهم، أو الفتوى، او التوجيه، ولا يكون ذلك إلا مع بيان طلب الاستيضاح أو الاستفتاء، فكان هذا جميعاً من أسباب الإفضاء إلى الشيخ بالنوب أو العيوب، طلباً للتعرف على ما يرضى الله، وما يكون سبباً للإنابة والمتاب، ثم أليس يستشير الرجل من هو اعلم منه، ليستفيد من تجربته أو خبرته أو سوابقه في معاناة الأمور؟ أليس يقض الأخ إلى الاخ بما يؤرقه ويقلقه طالباً نصحه وتوجيهه؟ وهل اتخاذ الشيخ إلا من اجل تنقية النفس من أوضارها، وترقيتها في معارج السالكين؟ فلست أرى ممنوعاً – شرعاً، أو وضعاً – ان يطلب المريد نصيحة شيخه فيما واقعه من مثالب وخطايا، ليدله على وسيلة النجاة، وفي القرآن {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38]، وأظن ما قدمته كافياً الآن، في هذا المجال، ولا اعتراض بأن: هذا يشبه نوعاً من الكهنوت في الاعتراف لرجال الدين (وهي كلمة ” كنسية ” وإما كلمة الإسلام فهي ” علماء الشريعة ” وفوق كبير بين هذا وذاك، فالفارق هائل ضخم ؛ فهناك يعتقدون أن مجرد الاعتراف كاف في محو الخطيئة، وأن الاعتراف الذى يقبله الكاهن، يقبله الكاهن، يقبله الله حتماً، أما هنا: فإنما يدل الشيخ مريده على ما به يرضى الله عنه، من توبة واستغفار أو صدقة، أو عبادة، ثم يدع ما وراء ذلك لله وحده، إن شاء قبل، وإن شاء لا، وهذا فارق ما بين الشرك والتوحيد .
[السؤال الحادي عشر]: ما حكم التضرع والتوسل بأصحاب الأضرحة؟!، وما حكم الاستخدام الشائع لكلمة ” مدد ” والمدد لله وحده؟! (الجواب) : مسألة التوسل إلى الله بما يحب، وبمن يحب، مسالة قديمة، تناولتها طبقات من السلف والحلف، بين الرفض والقبول، وكما مال إلى الرفض أمثال الشيخ ابن تيمية، مال إلى القبول أمثال الحافظ ابن حجر والإمام الشوكاني، وبخاصة في كتابه ” الدر النضيد “، وللإمام الألوسي في ذلك تفصيل مفيد، والإسلام متفق على صحة مبدأ التوسل، والخلاف كله على اللفظ والكيفية والاتجاه، والأدلة هنا لا يتسع لها مقال، وقد سبق أن نشرت لي (التعاون) ما يكفي، وعليك أن تراجع ما كتبناه في رسالة ” الوسيلة ” ففيه التفاصيل الكافية، والمهم في هذه المسألة المتشعبة الجوانب، الفسيحة الرحاب أن يوجه الطلب إلى الله وحده، وأن يكون ذكر المتوسل به – لمن شاء التوسل – نوعاً من تأكيد الطلب، بالاعتراف بالتقصير والتفريط في جنب الله، مما يخجل معه المتوسل أن يكتفي بدعائه، وهو ليس أهلاً للاستجابة، فيستشفع إلى الله بما (أو بمن) يغلب على ظنه أنه مقبول عنده في رجاء إلا يرد أو يرفض، وما دام الطلب إلى الله، وإلى الله، ابتداء وانتهاء، كقول القائل: ” اللهم إني أسألك كذا وكذا، متوسلاً إليك بكذا ” فلا خطأ، ولا شرك على الإطلاق، وقد ذهب إلى هذا المرحوم الإمام حسن البنا، واعتبرها من الخلافات الفرعية، وليس التوسل واجباً، وإنما هو اختيار لمن شاء، على ألا يكون الطلب موجهاً إلى العباد، سواء أحياؤهم أم أمواتهم، فإذا أخطأ الجاهل – مع هذا – وطلب من العبد، فإنه يعلم ويرد إلى الصواب، ويكفيه نيته وحسن اعتقاده، وعلمه اليقيني – مهما كان أميا جاهلاً – بأن الله هو الفعال، وإنما العبد وسيلة، لا يملك مع الله شيئاً، وإذن فلا نخرجه من الإسلام بجرة قلم، أو انفعال لسان ؛ فإن هذا أمر خطير، لا يملكه أحد، وإن كان قد شاع تكفير الناس في أيامنا هذه بما لا يقبله عقل ولا دين.
أما قولهم “مدد “: فإن نعمة الإيجاد والإمداد كلتاهما لا تكونان إلا لله، ومن الله عز وجل، فالحياة الأولى والآخرة جميعاً، ومحتوى الملك، والملكوت كله، إنما هو من إيجاده، وإمداده تعالى . وهو يقول: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} [الإسراء: 20]، وهي أية كاملة شاملة، ومؤداها في معنى: {قل كل من عند الله} [النساء: 78]، والعبد سبيل أو سبب، ولكل شيء سبيل وسبب، فطالب المدد: إن كان يطلبه من شيخ حي، فهو إنما يريد بالمدد: طلب العلم، أو الإرشاد، أو الدعاء، قلبياً كان أو نفسياً، أو تلقى السيالات، والتيارات الروحية من طاقات الشيخ المشحون بأسرار الإيمان، وقوى التعبد، والعلاقة بالله، ولكل مخلوق ميالات وتيارات كهربية ومغناطيسية مؤثرة، أثبتها العلم القديم والجديد، واستدل بما في الإنسان من الشجاعة والمروءة، والهمة، ونحوها، فكلها قوى خفية، سميناها بالأسماء، ووصفناها بالأخلاق، ثم قررها علم النفس الحديث، واتخذ من ” الحسد ” دليلاً على القوى الشريرة في الإنسان، وهذا يثبت إن للإنسان – بالمقابلة دليلاً قوى خيرة، تؤثر في الغير بمثل ما تؤثر قوى الشر من الحسد في المحسود، فكل شيء له مقابل، هو ضده، ثم إن التنويم المغناطيسي في أسلوبه العلمي المعترف به في كل جامعات العالم، وكل المحاكم العالمية هو دليل في هذا الجانب غير مدفوع ” راجع كتاب ” سبيل السعادة ” للمرحوم يوسف الدجوى، وكتاب ” على أطلال المذهب المادي ” للمرحوم محمد فريد وجدى، وقد قرر الشيخ ابن القيم في كتابه ” الروح ” كثيراً من القوى والطاقات الإنسانية في الإحياء والموتى، فارجع إليه، وهذا، وإن كان يطلب المدد من شيخ متوفي، فهو يطلب من روحه ” التي يعتقد أنها تحيا برزخيا، في مقام القرب من الحق ” أن تتوجه شفاعة إلى الله في شأنه بما يهمه ؛ فالأرواح في عالمها تحيا حياة غير مقيدة بحدود زمان أو مكان، فالقيود والحدود نتيجة الحياة البشرية، وأما الأرواح، فهي من عالم الانطلاق، ولاشك أن هذا الجانب كله مزلق من اخطر المزالق، ولا يقوى على فهمه وضبطه إلا أولوا الألباب، ومن ثم وجب تبصير الناس، أو سد الذرائع، وليس معنى هذا أنني أجيز الحالات الهستيرية التي نشاهدها في كثير من التجمعات المنسوبة إلى التصوف، وإنما أردت أن أبين علة الموضوع وإسناده إلى أهل العلم، ولكل حق باطل يشبهه، وما يستوى الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور.
أما ما يحيط بالموالد من منكرات جعلتها مجالاً خصباً للمرتزقة والنصابين، فقد قررنا أن الموالد بوضعها الحالي فيها الشروع والممنوع، وقد أصبح الممنوع فيها غالباً على المشروع للأسف الشديد، فمثلاً: قراءة القرآن، ومجالس العبادة، وحلق العلم، وانتشار الصدقات، وما يكون بين الناس من التعارف، والتآلف، والتعاطف، ورواج الحكة التجارية، والتلاقي على الله بحسن النية وصفاء القلب، وفقره الاجتماعي المحبب شرعاً وطبعاً، كل ذلك ” حركة فيها بركة ” لا ينكرها عقل، ولا دين، والإسلام دين التجميع والتكتيل، ومعنا جماعات الصلوات، والجمع،والعيدين، فضلاً عن اعتبار الموالد نوعاً من الفرح بفضل الله ورحمته، فبذلك فليفرحوا، ولكن بجوار هذا شر موبق: عبادة محرفة، وتجمعات منكرة، ولصوصية أراض، ولصوصية أموال، ومراتع فسوق، وبؤر ميسر، ومستنقعات تخريف، وتحريف، وشعوذة، وتفاخر، وتكاثر بالاتباع والأموال، والمظاهر . وضياع أي ضياع للأموال والأوقات والأخلاق والطاعات !! إن هذه الموالد يمكن أن تصبح أسواقاً للثقافة الربانية . ومنابر للدعوة الوطنية والإسلامية، ومناسبات للخير العام والخاص، لا يمكن أن تضارعها فيه أي تجمعات مصنوعة، مهما استقطبت من المغريات، وليس هذا في يد أحد سوى الحكومة أولاً، فيما لها من الإشراف عليه، ثم في يد مشيخة الطرق الصوفية، فيما لها من الإشراف عليه إذا صح العزم، وصح الحزم، على التغيير، وطرحت المجاملات، وصدقت المواجهات، أما والحال على هذا المنوال، فخسارة ووبال، وليس بعد الحق إلا الضلال، إن الكلام عن الموالد في جوانبها المختلفة تاريخياً وشرعياً، كلام طويل، وتستطيع أن ترجعه إلى بعضه في بعض نشرات العشيرة ومجلتها، وفما قدمناه هنا آنفاً كافية.
[السؤال الثاني عشر]: ما حكم المواكب الصوفية؟ وما يكون فيها من الرقص؟ والدفوف؟ والصاجات؟ والأعلام؟ والأزياء الشاذة؟ والأوشحة؟ والعمائم الملونة؟ (الجواب) : أما الطبل . والزمر . والرقص . وما يليه من الدفوف والصاجات، فقد أوضحنا – فيما قدمنا – حكم تحريمه باتفاق كعبادة ؛ فهو لهو وباطل، وعبث ليس من الدين، ولا هو شأن الرجال ” راجع ما قررناه آنفاً “، أما نفس المواكب: فقد كان أول موكب انعقد في الإسلام يوم إذن الله بإعلان هذا الدين الخاتم، فخرج المسلمون في صفين على رأس أحدهما: عمر بن الخطاب، وعلى رأس الآخر: حمزة بن عبد المطلب . وأخترق هذا الموكب شعاع مكة وثنياتها، يعلن بالتهليل والتكبير، ثم جاءت مواكب المجموعات في المدينة تعلن بالتكبير ليالي الأعياد والجماعات، التي تعلن بالتلبية في الحج . ثم جاءت السرايا والبعوث، تأخذ وجهتها في الدعوة إلى الله، كلما علوا شرفاً، أو هبطوا سهلاً، هللوا وكبروا، فكان هذا جميعاً أصل ” المسيرات ” والمواكب الصوفية السليمة، أما الأعلام: فقد وجدت في مسيرات الجيوش في الصدر الأول، حتى إذا غزا لويس التاسع دمياط، ودع الإمام الصوفي العظيم ” الشيخ أبو الحسن الشاذلي ” الناس في الجهاد، بعد أن كف بصره، ودقت طبول الحرب بين يديه، وسار إلى موكبه أئمة الدين في عصره، ومنهم سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، وإمام المحدثين الشيخ زكى الدين المنذري ” صاحب الترغيب والترهيب “، ومكين الدين، وابن دقيق العيد، ورجاله من الصعيد إمام علماء الأصول، وغيرهم من الخاصة، فضلاً عن الجماهير الهائلة، وكان قد أثار خروج أبى الحسن (وهو مكفوف) حماس الناس وغيرتهم، فتابعه الآلاف يخرجون إلى كفاح الفرنسيس بأموالهم وأنفسهم، وقد اتخذت كل بلدة أو اسرة راية لها، تعرف بها، ويتجمع تحتها رجالها، حتى إذا نصر الله المسلمين، وأسر ” لويس ورجاله “، وحبس في دار ابن لقمان (الصوفي) بالمنصورة ” لا زالت دار ابن لقمان موجودة في المنصورة، وقد حولت إلى متحف معروف “، ثم ورث بعض المتصوفة هذه الأعلام من أسرهم، وأقاربهم، وبلادهم، واتخذها شعاراً وحولها من حقيقة إلى تمثيل، وفلسفوها، فأدخلوا إشارة في مجال مجاهدة النفوس، ولست أرى هذا الرأي ولا أسيغه، وخصوصاً بعد هبوط مستواه إلى ما ترى في المدن والقرى ومن الناس.
أما الأزياء الشاذة: فمدسوسة على أهل الله . ولم يعرف ولى الله كان له زي غير مألوف: فهي أثواب شهرة . ” ومن لبس ثوب شهرة شهر الله به ” . كما جاء في الحديث الشريف ” وفي حديث آخر {من لبس ثوب شهرة ألسه الله يوم القيامة ثوباً مثله، ثم يلهب فيه النار} رواه أبو داود، وابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه، .. أما القول بان: الصفراء كانت علامة الملائكة يوم بدر، فلا دليل من العلم فيه، وأكثر ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما عمامته بيضاء كالغمامة، وكل ما جاء في ألوان العمائم، فحديث واه شديد الضعف، أو حديث موضوع، وكلاهما لا يؤخذ به . وخصوصاً من الصوفية: فإنهم يجعلون خلاف الأولى، في رتبة الحرام، غير أنه ثبت أن الصحابي الجليل (أبا دجانة) كانت به عصابة حمراء، سماها (عصابة الموت) كان يلبسها إذا غامر في صفوف الأعداء . فسئل فقال: حتى يعرفني بها المسلمون، إذا شرفني الله بالشهادة، فقد لبسها لسبب غير الشهرة والترفع والزهو على خلق الله، وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوب الأحمر غير المخطط، أما العمامة الخضراء فقد احدثها السلطان (شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون) أيام حكم المماليك . وخص بها آل البيت لبعض الأسباب، كما نقله العدوي في (مشارق الأنوار)، والشبلنجى في (نور الأبصار)، على ان للعلماء فيها رأيا مضاداً، فإذا لبس الناس عمائمهم الملونة على أنها ” عادة ” فلعله لا يكون بها بأس، أما إذا لبسوها تعبدا، أو تمذهبا، فلن يكون معهم كتاب ولا سنة ثابتة ؛ لأنها أما أن تكون تعصباً للمذهب والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” ليس منا من دعا إلى عصبية ” ” ومن نصوص الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: ” ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منّا من مات على عصبية ” . رواه أبو داود، وإما أن تكون تزكية للنفس، وإعلاناً عن الشرف: والله يقول: {لا تزكوا أنفسكم} وإما أن تكون تعبداً . وإنما يعبد الله بما شرع، وإما أن تكون تبركاً، ولا تكون البركة إلا فيما أذن فيه الله ورسوله: {ومن احسن من الله حكماً لقوم يوقنون} فليكن إذن لبسها على سبيل العادة، خروجاً من الحرج، لمن يشاء، إذا ضمن ألا يجره لبسها إلى الرياء والتعالي والسمعة وغضب الله ورسوله،
[السؤال الثالث عشر]: ما حكم الاعتقاد في قدرة بعض الاشياخ على الاطلاع على الغيب؟ وقد نفي القرآن عن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه علمه بالغيب؟ (الجواب) : هذا الباب مما لا ينبغي فيه التعميم المبهم، فأن الغيب نوعان: غيب حقيقي، وغيب مجازي، فالغيب الحقيقي: ما كان في كنون العلم الإلهي، لا يحيط به إلا الله وحده، أما الغيب المجازي: فما قد كشف الله عنه لمن شاء من خلقه، فهو العلم الذى تنزل به الملائكة والروح بإذن ربهم من كل أمر، وبخاصة حين – يفرق – في ليلة القدر – كل أمر حكيم – (ومن معانى الفرق: الكشف، والإظهار، والبيان)، ومما يدخل في الغيب المجازي: ما يكون في الأحداث الكونية التي تقع في منطقة ما، فيراها من هم حولها، ولا يراها ولا يعرفها الآخرون، فالغيب الحقيقي: لله وحده {وعند مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [الانعام: 59]، وقد يتفضل الله على بعض رسله فيحيطهم علماً بما يشاء من علمه ؛ تأييداً لهم، وتعجيزاً لخصمهم {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 27]، كما كان عيسى صلى الله عليه وسلم ينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، راجع الآية رقم 49 من سورة آل عمران، وكما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم – في أعلام نبوته – عن وقائع واحداث جاءت في حياته وبعد مماته، كما حدث بها بكل تحديد، وهناك نفر من أهل الله – ولله آهلون من عباده، كما صح في الحديث الكريم ” الذى رواه الائمة: أحمد والنسائي، وابن ماجه، والحاكم عن سيدنا أنس رضى الله عنه ” إن لله آهلين من الناس “: قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته “.
ومعنى كل هذا: أن الله تعالى يتعطف على بعض الخواص من عباده بما يشاء من بحر علمه، فلا أحد يستطيع أن يحيط بشيء من علمه إلا إن يشاء الله ! وهو قوله تعالى – على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسنى السوء} [الأعراف: 188]، أي فلا أعلم إلا ما علمني ربى، وما كشف عنه لي، ومن هذا الوجه أيضاَ قول تعالى: {وعلمناه من لدناً علماً) وقوله على لسان يوسف صلى الله عليه وسلم في تأويله الرؤيا {ذلكما مما علمني ربي} [يوسف: 37]، وقوله تعالى: {وعلمك ما لم تكن تعلم} [النساء: 113]، كل هذا في الغيب الحقيقي، أما المجازي: وهو ما خرج من نطاق المكنون الرباني، فلا يتمنع أن تكون هناك وسائل للإحاطة به، وقد فصل الإمام الألوسي هذا الجانب تفصيلاً مفيداً حاسماً، وقد يكون من هذه الوسائل: صفاء النفوس بطول ملازمة العبادة والاستغراق، وعدم الانشغال بغير الله – شأن أولياء الله الصالحين، وقد يكون من هذه الوسائل ما هو آلي فلسفي، كالذي نراه في فقراء الهنود، وقد يكون من هذه الوسائل استخدام الشياطين، كما جاء في الصحيح: ((إن الشياطين يذهبون في العنان فيخطفون الكلمة من الملك، فيقرونها في آذان الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة) وروى البخاري أن الملائكة تنزل في العنان – وهو السحاب – فتذكر الأمر قضى في السماء – فيسترق الشيطان السمع فيسمعه، فيوجهه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم ” ([43]) .
راجع الزواجر لابن حجر “، وقد يكون من هذه الوسائل تطوع بعض صالحي الجن، بما لا بأس به مع بعض الصالحين من الإنس . وقد يكون بأسباب أخرى كثيرة جداً – فالأمر متشابه متشعب دقيق، لا تحكمه العواطف المنفعلة، وبين أيدينا من التجارب الواقعية ما يغطى كل هذه الأنواع وغيرها، مما لم نشر إليه، وهو كثير، وهذه الأصول كلها يجب أن يستنبطها من يتصدى للحكم على الغيب ؛ فإن فتنة تعميم الأحكام، والتهويل والإيهام، كثيراً ما تخرج بطرفي القضية عن المنهج العلمى، او العلم المنهجى، فلا يتحقق إنصاف، ولا ينصف تحقيق .
[السؤال الرابع عشر]: ادعاء العصمة للأشياخ؟ (الجواب) : العصمة للأنبياء وحدهم، أما غيرهم، فلو صحت لهم العصمة لكانوا أنبياء، ولا نبوة بعد سيدنا المصطفي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل بالعصمة لبشر بعد النبي إلا في (الشيعة) الذين أعطوا ائمتهم هذا الحق بأدلة قبلوها هم، وليس في الصوفية الراشدين من يقول هذا القول في شيخ له، ” ولا عبرة بالمتصوفة ولا المستصوفة “، لكنهم نقلوا عن أبى الحسن الشاذلي قوله: ” إن الله يتفضل على وليه ” بالحفظ ” كما يتفضل على ” نبيه ” والفرق بين الحفظ والعصمة، فسيح الأبعاد، وحسبك أن العصمة هبة ومنحة، والحفظ كسب وأثر للاجتهاد والاحتياط والورع {فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين}، وقد قررنا أن المتطرفين والغلاة موجودون في كل مذهب ودين، وبغيهم على أنفسهم، لا على المذهب، ولا على الدين، كما قررنا أن الغلاة وجدوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردهم وأمرهم بالتشبه به.
[السؤال الخامس عشر]: ما حكم توارث المشيخة في أبناء الأسرة الواحدة؟ (الجواب) : إذا وجد في الأسرة من هو أهل لحمل عبء الدعوة، فلا شك أنه أحق وأولى من كل الوجوه، وفي القرآن أن الله فضل آل إبراهيم وآل عمران على العالمين {ذرية بعضها من بعض} ” سورة آل عمران، الآية: 34 ” ومن ثم كان سيدنا إبراهيم أباً لجميع الانبياء، أي أن الانبياء جميعاً كانوا من آسرة واحدة، فلا اعتراض من جهة الشرع أو العقل على ذلك، مادام يحمل الأمانة من هو أهل لها، وقد ورث سليمان داود، واستورث موسى آخاه هارون، ودعا ذكريا ريه: {هب لي من لدنك ولياً * يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 5، 6]، وفي الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: ” من كنت مولاه فعلى مولاه ” رواه الإمامان: أحمد، وابن ماجه، قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}، أما إذا فقد شرط الصلاحية والكفاية، كان ذلك إقطاعاً بشرياً، ولا يعرفه دين الله، ولا يقبله نظام الانضباط الاجتماعي: {فإذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ، ولا يتساءلون} ثم نذكر هنا نوحاً وابنه، وفرعون وامرأته.
[السؤال السادس عشر]: تعيين ولى الله بالاسم؟ مع أن الولاية سر بين العبد وربه؟ (الجواب) : سبق أن قررنا أن للولاية مواصفات، وعلامات، فمن تحققت فيه هذه العلامات، فهو ولى الله، بالنص القرآني {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون} ” [الأعراف: 196]، وفي الآية {وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196]، فإذا تحصلت الولاية – وللإيمان والتقوى والصلاحية وإشارات وعلائم، ولها روائح وملامح معروفة بين الناس، فإذا ما تحققت – أطلق الله ألسنة خلقه بحسن الذكر، وطيب السمعة، وإفاضة البركة، وفي الحديث المشهور: ((إن الله اذا أحب عبداً نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، ثم يكتب له القبول في الأرض والسماء) ) رواه البخاري ومسلم، عن أبى هريرة رضى الله عنه ورواه الترمذي عنه أيضاً ” .، فالولاية وظيفة إلهية في الأصل، فإذا تسنى أن يعرف الناس صاحبها، واطلقوا عليه بمقتضى وظيفته، فلا أظن أن بذلك بأساً، على أن من أولياء الله من هو مستور مغمور، على قدم العبد الصالح صاحب موسى عند مجمع البحرين، والعبد الصالح أويس القرني ؛ فأولياء الله نماذج للإنسانية الكاملة ؛ لأنهم الممثلون الشخصيون للحضرة النبوية فيما ندبهم الله إليه، ويجب أن يكون مفهوماً: أن الولاية شيء، والبلاهة شيء آخر، فمن شروط الولاية: تمام العقل، الفقه بدين الله، أما الأبله: فلا نعتقده ولا ننتقده، أما إطلاق الولي على من ميز نفسه بملبس خاص، ووضع خاص، وأسلوب حياة خاصة، ولم يتحقق فيه أوصاف الآيات: فطوى الناس تحت لواء الشعوذة والتهريج، والدعوى، واختلاق الكرامات، والخوارق، فذلك ولى الشيطان وحزيه، فلا يفلح حيث أتى، وإن اجتمع عليه الثقلان، فإنما هو حينئذ من طلائع المسيخ الدجال، وكثير ما هم، وكثير أتباعهم، ثم تأمل: هل أحد أكثر اتباعاً من ابليس؟ فكثرة الاتباع لا تدل على حقيقة الولاية، بل قد تكون نوعاً من الفتنة والابتلاء الإلهي.
[السؤال السابع عشر]: ما هو القول في شفاعة الأولياء لاتباعهم؟ وحضورهم عند سؤالهم؟ (الجواب) : شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض يوم القيامة آمر لا خلاف عليه بين المسلمين، وإذا ثبت لمجرد الإخوة في الإسلام، فلعلها تكون أثبت إذا اجتمع مع الأخوة في الإسلام أخوة أخص منها في الله، فلا يستبعد أبداً أن يشفع مؤمن في مؤمن بإذن الله {من ذا الذى يشفع عنده إلا بأذنه} [آية الكرسي]، لكن من غير المقبول أن يشيع بين بعض الطوائف أن شيخهم يحضرهم عند السؤال في القبر، وقد دسوا مثل هذا الهراء في تاريخ (أبى الحسن الشاذلي) وهو منه براء، كما دسوه في تاريخ بعض ائمة الصوفية الآخرين، وهو مخالف للعقل، والتاريخ الصحيح، والنقل جميعاً، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بذلك مع أصحابه، سألت أحدهم: لو أن عشرة مثلاً من أتباع الشيخ في عدة بلاد أو دول متباعدة، أو حتى في بلدة واحدة، وقد ماتوا جميعاً في وقت واحد، وهم يسألون في وقت واحد، فمع من يكون الشيخ يا ترى؟ أم أن الملائكة تنتظر حضور الشيخ حتى يفرغ من وجوده مع الآخرين؟؟ (فعبس ويسر . ثم أدبر واستكبر)، ثم ما هو الدليل من كتاب الله وسنة مصطفاه صلى الله عليه وسلم؟ لا دليل . ولا استئناس، ولا نظر، ولا استصحاب بالمرة، وإن من علمائنا من يرى في تصديق ذلك مزلقاً إلى الوثنية، ولعل من أشد ما يتألم له المرء أن يأخذ بعض الصالحين هذه القضايا الدخيلة على التصوف بحسن النية، ويرددوها على أنها حقائق، لأنها وجدت مطبوعة في بعض الكتب، وقد دسها من دسها على الشيوخ بلؤم وخبث نية، إن بعض الكتب المطبوع تقول: (إن الله ثالث ثلاثة) فهل نأخذ بهذا الشرك، لأنه مطبوع في كتاب، فاعتبروا يا أولي الألباب.
[السؤال الثامن عشر]: لماذا الاهتمام بصناديق النذور بحيث يندر أن نجد ضريحاً كبيراً ليس به صندوق نذور؟ (الجواب) : النذر في ذاته مشروع، وإن كان لا يرد قضاء، فالله يقول {وليوفوا نذورهم} ومدح قوماً فقال: {يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً} [الإنسان: 7]، ويقول {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} [سبأ: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من نذر ان يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه)) ([44]) .
والنذر أصلاً لله (ومن نذر لغير الله فقد أشرك) يعنى عمل عمل أهل الشرك، وإن لم يخرج من الملة، فإذا اتضح هذا التأصيل، كان لا بأس بأن تجمع النذور بطريقة واعية، لتصرف على أهلها، وعلى وجوه الخير، التي تعود على المسلمين بالأهدى والأجدى، وتعود على من كان سبباً فيها وعلى فاعلها بالأجر والمثوبة، .. وعندما يكون الناذر جاهلاً، فيقول مثلاً: هذا النذر للسيد البدوي، او السيدة زينب، أو غيرهما، فعلينا أن نعلمه أن يقول: ” النذر لله، وثوابه للبدوي أو للسيدة زينب، أو نحو ذلك، ولا نرميه بكفر ولا شرك ؛ فمراده صحيح، وتعبيره خطأ، ولنتذكر أن سيدنا (سعدا) رضى الله عنه عندما حفر بئره المعروفة، قال (هذه لأم سعد) ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ؛ لصحة قصده، وانتظام هذا التعبير مع علوم اللغة العربية سليم، فهو في اللغة على حذف مضاف تقديره(هذه لرب أم سعد)، فالقائل (هذا للسيد البدوي) أو للسيدة، أو للحسين – يريد أنه (نزر لرب السيد، أو السيدة أو الحسين) وإن لم ينطق بلسانه،كما حدث تماماً من سعد بن أبى وقاص، وإنما الأعمال بالنيات، لا بالكلمات.
كلمة اخيرة: قد طاوعتك رجاء تصحيح بعض المفاهيم لوجه لله، وقد أجبت (بغاية الاختصار) على ما سألت من أسئلة، بعضها يحتاج إلى سعة كبرى في الوقت والبيان، والدليل والتعليل، وقد أكون مصيباً أو مخطئاً في حكم أو في أحكام وما أبرئ نفسى، ولا أزكى على الله أحداً، وهذا شأن البشرية {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} [النساء: 82]، فأسأل الله أن يجعل لي ما كسبت صواباً، وأن يغفر لي ما اكتسبت من خطأ هو قطعاً غير مقصود، وهو الغفور والودود، وبهذا أكون قد أجبت على أهم ما سألت، مما ينفع الناس ويمكث في الأرض إن شاء الله، ومنه يظهر بكل الوضوح: أنه ليس هناك خلاف بين الصوفية وبين غيرهم من أهل السنة، إلا في بعض صور الفهم، وتحليل المضامين التي جعلت الصوفة يهتمون بالقلوب والتربية والأخلاق، والاعتصام بمقامات التسامي والربانية، فالتصوف مذهب إسلامي أصيل، من مذاهب أهل السنة التي لابد منها للحياة الصحيحة، وإذا كان الصوفية يدعون إلى الأخلاق وبناء داخل الانسان بعد أن تهدم وتحطم، فهم إنما يعملون غابة ما يجب على الإنسان لاستعمار الأرض والاستخلاف عليها، وتنقية الحضارة من أوزارها وأوضارها، واستقرار الأمة بأفرادها على ما لو يكن لهلكت، وها نحن قد جربنا، وضرب الامثال، وليس بعد الحق إلا الضلال، ونستغفر الله، ونتوب إليه .
[المفتاح الثاني عشر]: التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ولابد من ترشيد أمره وتصفيته من الدخن
(أ) دين الإسلام جاء بتزكية الظاهر والباطن، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَعراف: 33]، وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَنعام: 151]، وقد تكفل علم التصوف بتزكية الباطن، لأن من تعريفات التصوف أنه ((العلم الذي يعرف به كيفية تصفية الباطن وتخلية القلب عن صفاته الذميمة، حتى يتوصل إلى تزكيته وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق)) وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وقد قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-89]، والتصوف – كما هو معلوم لأهله – يتخصص في تزكية القلب بطهارته من الكفر والشرك والنفاق والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء…، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق… وهذا القسم الذي تخصص فيه التصوف هو القسم الأهم لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ([45]) .وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ([46]) . ، وقوله صلى الله عليه وسلم (… التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ([47]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه) ([48]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم) ([49]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) ([50]) .
وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، والحق يقال أنه على مر عصور الإسلام فإن للسادة الصوفية الحظ الأوفر من الوراثة النبوية في تحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والورع والتوكل والرضا والأدب والتسليم والمحبة والذكر والمراقبة.
(ب) التصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، ولذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي: بعد أن اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته (ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق،، ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم: وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله) ([51]) .
(ت) إن التكاليف الشرعية المتعلقة بالقلب أهم من التكاليف الشرعية المتعلقة بالبدن – وإن كان الكل مُهمَّاً – وذلك لأن الباطن أساس الظاهر ومصدره، وأعماله مبدأ أعمال الظاهر، ففي فساده إخلال بقيمة الأعمال الظاهرة، وفي الحديث ما يدل على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” وقوله صلى الله عليه وسلم ((إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم)) وما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء: 88ـ 89]، قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله: (وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها، فقال الغزالي: إنها فرض عين) ([52]) . ويقول العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة: (إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين، ومثلها غيرها من آفات النفوس، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من “الإحياء”، قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه، وإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه) ([53]) .
(ث) إن التصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة الأمراض القلبية، وتزكية النفس والتخلص من صفاتها الناقصة، قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته: ” علمٌ به تصفيةُ البواطنْ… مِن كدَرَات النفس في المواطنْ “، قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت: ” التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس، أي عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبر والرياء والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء، لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته، فبعلم التصوف يُتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى) ([54]).
(ج) إن التصوف هو العلم الذي اختص بتحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب والمحبة والذكر والمراقبة، وللصوفية في هذا المجال الحظ الأوفر من الوراثة النبوية.
(ح) التصوف هو العلم الذي اهتم برسم الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الكمال الإيماني والخُلُقي، وليس كما يظن بعض الناس أنه مجرد اجتماع لذكر الله وقراءة الأوراد وحسب، بل نقول (التصوف) منهج عملي كامل، يحقق صلاح المسلم وتهذيب أخلاقه وتحوله إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة، تعيش في درجات الإحسان، ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته، ويتجلى لنا بوضوح، أنه علم إسلامي قيم، لا غنى عنه لكل مسلم، كما لا غنى له عن علوم العقيدة التي تصلح الاعتقاد وعلوم الفقه التي تصلح العبادات والمعاملات، وأنه (علم التصوف) العلم الذي يصلح القلوب والأخلاق وبه يصل العبد إلى مرضاة الله.
(خ) علم التصوف من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ولابد من إنصافه، لان (التصوف) هو مقام الاحسان من الاسلام الذي ورد في حديث جبريل المشهور حيث ينتقل العبد من مقام الايمان بالغيب إلى مقام شهود الغيب (أن تعبد الله كأنك تراه)، وهذا لا يتأتى إلا بتصفية القلب وتخليصه من كثير من السحب المتلبدة عليه، و(التصوف) مرتبة عالية تتمثل في إصلاح القلب بالوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وهو مبني على الكتاب والسنة وذلك باتباع شرع الله تعالى والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأحوال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأفعال، وتسليم الامور كلها لله من غير إهمال في واجب ولا مقاربة محظور، وحاصله اتصاف بجميع المحامد وترك لجميع الأوصاف الذميمة، وهو مسلك قائم على العلم والعمل، وله منازل أعلاها المشاهدة (أن تعبد الله كأنك تراه) وأولها المراقبة (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وله مقامات عديدة شريفة منها التوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والصدق والإخلاص والصبر والورع والزهد والرضا والتوكل والشكر، و(التصوف) هو الطريق المؤدي إلى أرقى درجات الكمال الإيماني والإحساني الذي به يتحقق مقام الشهود وحق اليقين، وهو الطريق إلى مدارج السالكين ومراقي الصاعدين إلى مرضاة رب العالمين.
(د) علم التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة علم من أجَّلِ العلوم الإسلامية، ولابد وأن ينصف، ولو رجعنا إلى علماء الأمة الأفاضل العلماء الأبرار الأخيار لوجدنا أكثرهم ينتمي إلى التصوف أو يثني عليه خيرا،ولكن التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف، بل ضررهم على أنفسهم، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين، ويصححون مسار التصوف، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف، يثنون على التصوف الصحيح وأهله بالخير، ويهاجمون الأدعياء والدخلاء دون إساءة للتصوف والصوفية، أما أن نأخذ الصالح بجريرة الطالح فهذا ظلم عظيم، قال الله تبارك تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام:164]،
(ذ) إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء، وصفة مدح، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا التنطع من تنطع، وأين يذهب تسعة أعشار أهل السنة في العالم اليوم في مصر والسودان ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، هذا اليوم، فما بالنا بهم على مر عصور الإسلام السابقة، وأين يذهب الجنيد وأصحابه، وحجة الإسلام الغزالي وأتباعه، وعبد القادر الجيلاني والرفاعي والشاذلي وآلاف الآلاف من أتباعهم، إن هؤلاء هم سادة التزكية وأقطاب التصوف ودعائم الأخلاق، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام.
(ر) ليس معنى ذلك أن نبرأ الصوفية من كل خطأ وأنهم معصومون، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف، ولابد من ترشيد التصوف حتى يسير في إتمام مهمته من تزكية النفس وبناء أمة الأخلاق في خضم زمان لا يعرف أهله سوى الماديات.
[المفتاح الثالث عشر]: لابد من انصاف التصوف ورد الاعتبار إليه وتصفيته من الدخن والخلل، والعودة به إلى تزكية الكتاب والسنة، لقد أساء – على مر عصور الإسلام – أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه وادِّعائهم له مع خيانة مبادئه ومخالفة أوامره، وأساء آخرون باعتراضهم عليه جملة وتفصيلا، إن واجبنا نحو التصوف اليوم هو التزام المبادئ الإيجابية التي جاء بها التصوف الإسلامي، مع إصلاحه و تجديد أمره وإعادته إلى تزكية القرآن والسنة وتأكيد ارتباطه بالكتاب والسنة، لأنه – بحق – علم رباني من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة، ولابد من ترشيد التصوف وتصفيته من الدخن والخلل: فإن (الصوفية) طائفة إسلامية كبيرة من طوائف أهل السنة والجماعة، تنتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وهي مثل بقية الطوائف الإسلامية كالمحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين، فيهم الصالح والطالح، والصحيح والفاسد والمصيب والمخطئ ولا يصح أن ننسب إلى أي طائفة من هؤلاء الطالح والفاسد والمخطئ فقط، فعندما يقال (الصوفية) فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي وعبد القادر الجيلاني والجنيد وغيرهم كثير من الأولياء والصالحين على مر عصور الإسلام، ولا يراد بالصوفية أولئك الدجالون المخرفون المخالفون للكتاب والسنة، الذين دخلوا على التصوف فأفسدوه، لذلك وجب عدم خلط الأوراق بعضها من بعض فالعدل مطلوب مع الموافق والمخالف، وهو الأمر الذي طلبه منا الله في محكم تنزيله بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] فالعدل مطلوب مع العدو الكافر، فضلاً عن كل المسلم، فضلا عن من انتسب إلى إطار الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، أما إلقاء التهم اعتباطا ليس من خلق المسلم، والصوفية أسم جامع لطائفة عظيمة من المسلمين، نخص منهم أولئك الصالحين المتمسكون بالكتاب والسنة والقائمون على ثغور مهمة التزكية التي هي إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه الطائفة هي المقصودة بالتصوف الصافي النقي الصحيح الذي قام على صفاء النفس من الكدر، وامتلائها من الفكر والذكر والخلق العظيم، وتحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب دين الإسلام، إن من الإنصاف أن نذكر فضل التصوف الصحيح الذي نهض برسالته منذ فجر الدعوة الإسلامية، في التزكية والإحسان وبناء المؤمن الحق، وكان رجال التصوف السابقون مدارس التربية والتزكية داخل المجتمع الإسلامي، وكان بهم يتحقق تكامل العلم والسلوك، وكانوا في الجهاد في مقدمة صفوف المجاهدين يحثونهم على التعلق بالآخرة، والشوق إلى لقاء الله، وكانوا ينشئون الرباطات على أطراف المدن الإسلامية وثغورها المتاخمة للأعداء، فكانوا يشتغلون فيها بذكر الله حتى إذا ما دعاهم داعي الجهاد، كانوا خيل الله السابقة، وكانوا هم أئمة الدعوة إلى الله، يصلون بدعوة الإسلام إلى المواقع التي لم تكن تبلغها جيوش الفتح العسكري، فكان الدعاة من رجال التصوف يتكفلون بهذه الرسالة، ينشرون الإسلام في مختلف أنحاء الأرض، هذا هو التصوف الحق المستمد من قواعد الكتاب والسنة وأحوال السلف الصالح، وهو التصوف الصافي الذي كان الفقهاء يعتبرون أنه من الشرف الانتساب إليه وانه بنقائه جزء مهم في تكوين شخصية كل مسلم، ولكننا – اليوم – نرى التصوف قد اختلط بصفائه بعض الأخطاء مما جعل الكثيرين لا ينظرون إليه بعين الرضا والقبول، بل بعين الشك والريبة، فلابد من ترشيد التصوف، حتى نزيل عنه ما ليس منه، وننقيه من العثرات والهفوات، ونعيده إلى ثوب الكتاب والسنة، حتى يتبوأ مكانه الحقيقي في مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، وما أحوجنا إلى منهاج تجديدي صحيح نقي صافي، يقوم على أكتاف رجال التزكية المخلصين، لا أشباه الرجال من الأدعياء والمنتسبين، منهاج يعود بالصوفية إلى قمة منازل الصالحين من أهل السنة والجماعة، وما أشد حاجة المسلمين إلى قيم التصوف المثلى وحضارته الروحية الطاهرة الزكية، لقد أساء أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه، وادِّعائهم له، وأساء آخرون باعتراضهم عليه، وردِّهم له جُملةً وتفصيلاً ؛ وذلك لأنهم لم يفقهوا حقيقته التي كان عليها السَّلف الصالح، ولم يفرِّقوا بين الحقِّ الذي هُدِيَ إليه الصوفية الصادقون، وبين الباطل الذي أُلصق بهم وأُدخل على طريقتهم، وهم منه براء، ولاشك أن هناك عوامل عديدة يجب إصلاحها بسرعة وإتقان داخل (التصوف) حتى يعود التيار الصوفي إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية – وأنا هنا لا أعمم تلك العوامل على جميع التيار الصوفي فالمنصفون يعلمون أن هناك صوفية أولياء في عداد الصديقين والأصفياء، وهناك أدعياء للتصوف متمصلحون منه يأخذون منه عرض الحياة الدنيا، وهناك جهلاء، وهناك غلاة مبتدعون، وهناك منحرفون، وهناك مغرضون تزيّوا بزيه، وانتسبوا إليه، لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، والتصوف منهم براء، ولذلك كان لا بد من التفريق بين أدعياء التصوف المنحرفين، وبين الصوفية الصادقين، أصحاب السلوك، ممن لهم درجات عليا في التزكية والإيمان والورع والتقوى واليقين، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين، والدعوة إلى الله تعالى في سائر أزمان المسلمين، ثم هل يتحمل التصوف الصحيح في جوهره النقي جريرة المدعين، وهل يؤاخذ البريء الطاهر بجرم المعتدين، وهل من الإنصاف أن تنسب إلى هذه الفئة النقية أخطاء المتصوفة الشاذين من أعداء التصوف، ولطالما حذّر الصوفية أنفسهم من هؤلاء الأدعياء، إن الذين يحاولون طمس التصوف والقضاء عليه وإخراج أهله من دائرة أهل السنة والجماعة، مخطئون، يناطحون الصخور، وهم – للأسف – غير منصفين يجهلون حقيقة التصوف الإسلامي، ورجاله الصادقين وعلماءه المخلصين، نظرتهم للإسلام هي فقط نظرة سطحية بعيدة عن الإنصاف والتمحيص، وها هو العالم الأصولي المدقق (الإمام الشاطبي) صاحب كتاب الاعتصام ورافع لواء الحرب على البدع والمحدثات يصف الصوفية بأوصاف حميدة ومناقب جليلة، فقال: ” الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة ؛ مجمعون على تعظيم الشريعة، مقيمون على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من آدابها، أبعد الناس عن البدع وأهلها، ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى فرقة من الفرق الضالة، ولا من يميل إلى خلاف السنة، وأكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومحدثون، وممن يؤخذ عنه الدين أصولا لا فروعا، ومن لم يكن كذلك؛ فلا بد من أن يكون فقيها في دينه بمقدار كفايته” أهــ ([55]) . كما أثنى عليهم بوصفهم: ” أهل الحقائق والمواجد والأذواق والأحوال والأسرار التوحيدية، فهم الحجة لنا على كل من ينتسب إلى طريقهم ولا يجري على مناهجهم…” أهــ ([56]) . وقد كان في نيته – رحمه الله – أن يخصص مؤلفا للإشادة بطريق التصوف، وتحصينه من أهل البدع والأهواء، حيث قال: “وفي غرضي- إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله، ويسّر لي الأسباب- أن ألخص في طريقة القوم أنموذجا، يُستدل به على صحتها، وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما دخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع: من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادّعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقوّلوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الآخر كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم…، وطريقة القوم بريئة من هذا الخُباط بحمد الله” أهـ ([57]) .
والحاصل أن الإنصاف تجاه القوم مطلوب شرعي، وفضل التصوف الصحيح الذي هو ضرورة لإحياء القلوب، وتهذيب النفوس، لا ينكره منصف أضاء الله تعالى بصيرته بأهمية الحفاظ على طوائف أهل السنة والجماعة القائمين على ثغور الإسلام، والإصلاح واجب شرعي لهذا أشرع في بيان الأخطاء التي يجب إصلاحها بسرعة وإتقان حتى تعود الصوفية إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية.
[المفتاح الرابع عشر]: ومن أهم جوانب التصوف التي تحتاج إلى الإصلاح والتجديد:
(1) إهمال العلم الظاهر، حتى آل ذلك ببعضهم إلى ممارسات خارجة عن الشريعة، وخروقات تخدش جناب التوحيد وتخرق حصونه، ومن ذلك الطواف حول القبور والأضرحة، ومع أن الطواف عبادة، وهو مخصوص بالكعبة المشرفة، والطواف على قبور الصالحين لا تقره الشريعة المطهرة، ولا نقول أنه شرك بالله كما يقوله البعض، وذلك لأن مناط الشرك في الطواف اعتقاد إلهية المطاف به وربوبيته، وهذا لا يفعله مسلم أبداً، وإنما نقول أنه من أعظم البدع والجهل بدين الله تعالى.
(2) الإسراف في اعتقاد الصالحين، حتى وصل الأمر إلى النذر لهم، والتمسح بأعتابهم، والسجود عند أضرحتهم، وحتى شكوا إليهم أحوالهم، وطلبوا منهم شفاء المرضى وعودة الغائبين، ونجاح الأولاد وصلاح الأحوال، وإغناء الفقير وإسعاد الزوجات ودفع المصائب والبلايا، وإصلاح شئون البلاد والعباد، وغير ذلك مما يعتبر إسرافاً في اعتقاد الصالحين، وممارسات خارجة عن حد الشريعة، ونحن لا نقول أنهم عبدوهم من دون الله، وذلك لان ضابط العبودية هو اعتقاد الإلوهية والربوبية لمن نصرف له العبادة، وهؤلاء إنما توسلوا بهم عند الله لأجل صلاحهم، وإن كان هذا النوع من التوسل جائزا عند جمهور الفقهاء ولكن وضعوا له ضوابط عديدة، فلا ينبغي أن يخرج من حد التوسل إلى التوكل عليهم كأن لهم حق عند الله – تعالى وتقدس عن ذلك -، وقد قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
(3) الغلو في علاقة المريد بالشيخ، والوصول بها إلى حد التقديس أحيانا، لدرجة إلغاء الحسبة على الدين معه، والتحذير كل التحذير من الاعتراض على أخطائه، ولو كانت كبائر، ولاشك أن احترام الشيخ مطلوب، لأنه وارث علم الرسول وسبب الهداية، ولكن لاشك أن الحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة وحق على كل مسلم في حدود الأدب والاحترام،
(4) ومن الغلو ظنّ بعض جهلة المتصوفة أنّ الشيخ يجل عن الخطأ وهذا مخالف لكلام الصوفية الصادقين، كقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله: (إذا علم المريد من الشيخ خطأ فلينبهه، فان رجع فذاك الأمر وإلا فليترك خطأه وليتبع الشّرع) قال ذلك في أدب المريد، وقال الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله: (سلم للقوم أحوالهم ما لم يخالفوا الشرع فاذا خالفوا فكن مع الشرع)، وكتب الصوفية طافحة بمثل هذا.
(5) التوسع والتساهل في مسائل الإتباع والابتداع إلى حد أدى إلى انتشار المحدثات والبدع والمنكرات، وحتى صار (السماع) – بدلا من سماع القرآن – سماعاً للألحان، وصار الذكر – ولا حول ولا قوة إلا بالله – مضبوطاً بالحركات، ورقصاً على نغمات الألحان، وحتى صارت الموالد والاحتفالات والمهرجانات على مدار العام، وكأن الإسلام قد اكتملت فرائضه وطبقت أحكامه ووثقت عراه ولم يبق إلا الاحتفال بمناسباته، وما أكثرها عندهم.
(6) أخطاء تتعلق بمناهج التزكية مثل جعل همة الصوفي تجري وراء الكشف والكرامة، والأصل أن همته تبحث عن تحقيق كمال العبودية لله رب العالمين، والكشف ما هو إلا أثر وثمرة من ثمرات التزكية، والكمال الصوفي يتمثل في عدم البحث عن الكشف والكرامة التي ما هي إلا مثبتات لغير الكمل من سالكي الطريق.
(8) هناك أقوام منهم غلب عليهم الكسل والتواكل والبطالة، وصفهم العارف بالله الشيخ أحمد زروق بقوله: ” هناك قوم غلب عليهم الكسل والبطالة، وجمحت نفوسهم للانتساب للقوم، فعدلوا لرخص المذهب من السماع والاجتماع، وإيثار التزيي من المرقعات المزينة، والسبحات المزخرفة، والسجادات المزوقة، والعكاكيز الملفقة، وتباهوا في ذلك مباهات النسوان في الثياب، وتضاهوا فيه تضاهي أبناء الدنيا في الأسباب، فإذا عوتبوا في ذلك قالوا: يكفينا من اتباع القوم التشبه بهم، فإن من تشبه بقوم فهو منهم، فإن قيل: هذا منكم قلة همة، قالوا: أنتم في بركة الحال، ونحن في بركة الزِّي، وقد قنعنا بالتزي، وما هو إلا الركون للبطالة وحب الشهوة بالباطل ([58]) .
(9) الشطح التي تصدر عن بعضهم وقت ورود الوارد الثقيل، الذي لا يقوى على تحمله، فيشطح بما لا يمكن تأويله بحال، كقول بعضهم (ولجنا بحرا وقف الأنبياء بساحله)، والأصل في الشطح أنها زلات لسان لا ينبغي محاسبة قائلها عليها وقت الذهول، كمثل الذي أخطأ من شدة الفرح فقال: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح)) ([59]) .
ولكن سيف الشريعة يمنع من التمادي في تلك الأقوال التي لا يحسن تأويلها، لاسيما مع تشنيع الخصوم بها،
(10) بعض الصوفية مغرم بالأحاديث الواهية شديدة الضعف والموضوعة كذلك، فيروونها بمناسبة وغير مناسبة، والتصوف الحق لا يحتاج إلى تلك الروايات التالفة فإن في الكتاب وصحيح السنّة الغناء التام لأهل التصوف بعيدا عن المبالغات الفجة في تلك الاخبار التالفة والاحاديث الموضوعة والتي تصد أو ما تصد علماء الامة عن الانخراط في سلوك التصوف.
(11) الفساد والجهل المتفشي في العديد من المؤسسات والطرق الصوفية بسبب التكالب على الدنيا وكثرة الأتباع، وذلك غالبا ما يكون بين أدعياء التصوف أو أنصاف المشايخ ممن ورثوا هذا الأمر وراثة، دون الوصول إلى حقائق التصوف، وصار هم هؤلاء كثرة الأتباع ولو على حساب التزكية، وكثرة الأموال ولو على حساب الدين، والتكالب على الشبهات وأموال الحكام والرؤساء، فما أبعد هؤلاء عن التصوف الصافي، وهل التصوف إلا الزهد في الدنيا، وفيما بين الناس، وهل التصوف إلا الخلق، وقد لخص العارفون معنى التصوف في الخلق الحسن، وقالوا ((التصوف كله أخلاق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في التصوف)).
(12) لقد دس أعداء الاسلام علي التصوف من يشوه صورته فسار وراء بعضهم العوام والجهلة، وإن التصوف الإسلامي الأصيل يبرأ من كل ما يُخالف الدين، فليس من التصوف الإسلامي: القول بمخالفة الشريعة للحقيقة، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف، وليس من التصوف الإسلامي: القول بالحلول أو الاتحاد، أو الوحدة التي تزعم أن الكون هو الله، والله هو الكون، وما جاء مما يوهم ذلك على لسان بعضهم فله معاني توافق دين الله ولكن لا يعلمها إلا العارفون، وصدم العوام بها تحميل لهم بما لا يطيقون، وبعضه مدسوس على القائل، وبعضه مما قاله في حالة الفناء والغيبوبة على لسان الحق عز وجل، ونحن نحسن الظن بالأولياء لانهم أوتاد الأرض.
وليس من التصوف الإسلامي: الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت (اما الدف ففي الاناشيد والقصائد والمدائح فجائز)، وليس من التصوف الإسلامي: تحريف أسماء الله والرقص بها، رقصاً سخيفاً مع القفز والنط كما يفعل الجهلة، ولا يجوز وجود أدوات وآلات اللهو والغناء، وكل ما نراه من ذلك من بعض الاشخاص فهو ليس من التصوف والتصوف منهم براء، أن هناك جماعة من الدخلاء على الصوفية ـ نسبوا أنفسهم إليهم وهم منهم براء ـ شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من بدع ضالة، وأفعال منكرة، تحرمها الشريعة الغراء ؛ كاستعمال آلات الطرب المحظورة، والغناء الفاحش، فلم يَعُدْ وسيلةً عملية لتطهير القلب من أدرانه، وصلته بالله تعالى، بل صار لتسلية النفوس الغافلة، وتحقيق الأغراض الدنيئة، وليس من التصوف الإسلامي: القذارة، ولا البلادة، ولا البطالة، ولا الجهالة بدين الله، ولا المتاجرة بالكرامات.
(13) إنّ التصوف مرتبة عالية: تتمثل في إصلاح القلب بالوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وهو مبني على الكتاب والسنة في الأخلاق والأحوال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأفعال، وتسليم الامور كلها لله من غير إهمال في واجب ولا مقاربة محظور، وحاصله اتصاف بالمحامد وترك للأوصاف الذميمة ، وهو مسلك قائم على العلم والعمل، أعلاه علم التوحيد وأداء الواجبات قبل النوافل ثم عمل البر والخير و الزهد والتحلي بالأخلاق الحسنة ، قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16، 17]، لقد قال العارف الرباني الشيخ الرفاعي عن أهل زمانه وهو في القرن السادس الهجري: (أي بُنيّ أكثَرُ مَن يَدّعِي التّصوّفَ اليومَ زَنادقةٌ وحُلُوليّة ومُبتَدِعة)، وكانوا أهل العزوف عن الدنيا وزينتها، فكيف لو رأى صوفية اليوم وما هم فيه من تنعم وترف، وتمسك بالدنيا وعزوف عن الآخرة إلا ما رحم الله من الصادقين الخالصين المخلصين من أهل التزكية والإحسان.
(14) حال الإسلام وحال أهل الإسلام – اليوم – يستلزم تغيير النمط الصوفي الذي يكتفي بتزكية نفسه بالذكر والتخلي عن التدسية والأخلاق الرديئة، والتحلي بالتزكية والأخلاق العظيمة، ويوجب عليه أن ينطلق نحو المسلمين داعياً إلى الله على بصيرة، ومحتسباً على الدين بالأمر بكل معروف أتت به الشريعة والنهي عن كل منكر نهت عنه الشريعة، وأن ينطلق نحو المسلمين معلما للدين ومربيا للناس على تعاليمه، وأن يحمل لواء الدين تجاه ما يُحاك له من أعدائه المحيطين به والمتكالبين على إبادته وإبادة أهله، لقد كان في الأزمان السابقة مجال للترقي في منازل الإحسان بالعزلة والاعتكاف والعيش في البراري والفلوات، والمجاهدات العظيمة التي منها ما الموت أهون منه، لكننا اليوم نعيش معركة وجود، إما أن نعيش بديننا بين الأمم الكافرة والفاجرة، وإما أن نزول بتراثنا ومقومات وجودنا، فلا مجال لا للعزلة ولا السكون، ولا مجال للرعونة، ولا للترف العبثي الذي أُلحق بالتصوف في غيبة من رجاله الحارسين وقادته الربانيين، والذي من مفرداته كثرة الرايات والاحتفالات والمهرجانات والمناسبات، والحرص على الرياسات، في الوقت الذي فيه الدين ينزف من جراحه العميقة التي أثخنه بها أعداؤه، والمسلمون يُعانون من الإبادة والقتل والتشريد والفتنة عن الدين في مشارق الأرض ومغاربها، وقد كان رواد التصوف الأوائل قادة العمل والاجنهاد، وخيرة كتائب الدعوة والجهاد ورؤوس العلماء الربانيين والقادة الدعاة المجاهدين، وبعد: وبعد فتلك هي العوامل التي لابد من إصلاحها لإصلاح التصوف، ذلك الجبل الواقف على ثغور التزكية والمقامات، ومناهج التربية والأخلاق، وما أحسن قول السيوطي رحمه الله فيه إذ يقول عن التصوف: ” علم شريف رفيع قدره سني أمره، لم تزل أئمة الإسلام وهداة الأنام قديما وحديثا يرفعون مناره ويجلون مقداره ويعظمون أصحابه، ويعتقدون أربابه، فإنهم أولياء الله وخاصته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، غير أنه دخل فيهم قديما وحديثا دخلاء تشبهوا بهم وليسوا منهم، وتكلموا بغير علم وتحقيق فزلوا وضلوا وأضلوا، فمنهم من اقتصر على الاسم وتوسل بذلك إلى حطام الدنيا، ومنهم من لم يتحقق فقال بالحول وما شابهه، فأدّى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع، وقد نبّه المعتبرون منهم على هذا الخطب الجليل ونصوا على أن هذه الأمور السيئة من ذلك الدخيل ” أهـ ([60]) . إنّ الإصلاح الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وتجرد وإتقان حتى تتبوأ الصوفية مكانها المرموق كحارس على ثغر التزكية والإحسان اعلى مراتب الدين.
[المفتاح الخامس عشر]: لماذا التصوف الإسلامي
[1] التصوف الحق أعظم حقائق الدين وأجل معارفه، و(التصوف الحق): هو القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، و(التصوف الحق) اسم يطلق على الطريقة التي يسلكها الصوفي من أجل الوصول إلى الحق تعالى، و(علم التصوف) يطلق على الجانب النظري المتعلق بهذا السفر إلى الله، و(سلوك التصوف) يطلق على الجانب العملي والسلوكي المتعلق بهذا السفر إلى الله، ويتناول المجاهدة المستمرة التي تبدأ بالتخلي عن جميع الصفات الذميمة والتحلي بجميع الصفات الحميدة والتهيؤ للتجلي والدخول على حضرة الحق، ولا يكون هذا التجلي إلا بالزهد في الدنيا والآخرة، والفناء عن السوى والأغيار واماتة النفس والرسم في الحق والفناء في الله ومن ثم البقاء بالله، ولكي يصل الصوفي إلى ذلك لابد له من سفر أول يبدأ بمنزل اليقظة وينتهى بمنزل الفناء وهو المنزل الثاني والتسعون من منازل السير إلى الله، ثم يبدأ السفر الثاني بمنزل البقاء بالله ثم التحقيق بصفات الحق ثم الوراثة عن الحق ثم الوجود الحق ثم التجريد بالحق ثم التفريد في الحق، ثم الجمع بالحق، ثم التوحيد الحق للحق بالحق، إذن التصوف رحلة إلى الحق وأساسها: تزكية النفس وطهارة القلب، والتخلي عن الصفات الذميمة والتحلي بالصفات الحميدة، ومداومة ذكر الله مع المحبة لله، ورعاية آداب الشريعة الظاهرة والباطنة، و(التصوف) طريق إلى المعرفة بالله، وطريق إلى صناعة الأولياء، وهو علم راسخ وعمل جاد دائب، لا محل فيه للهزل واللهو، وهو أعلى مراتب الدين، وأهله الكُمل هم الأولياء، أهل الوراثة عن رسول الله، والسائر منهم في أول الطريق يسمى (مريد) أو(المبتدئ) وله منازل أربعين تبدأ باليقظة وحتى الانبساط، والسائر في منتصف الطريق يسمى (سالك) أو(محب) أو (عاشق) ومنازله ثلاثون تبدأ بالقصد وتنتهي بالذوق، والسائر في آخر الطريق يسمى (عارف) أو(ولي) أو(وارث) وهذا قد أُذن له في الدخول على حضرة الحق وشهود تجليات الحق، ومنازله ثلاثون تبدأ باللحظ وأعلاها التوحيد الحق للحق بالحق.
[2] (سبب انكار البعض على التصوف): التصوف ليس حروفاً تكتب إنما هو أحوال ومقامات وأذواق فلا بد أن يعيشها الإنسان كي يدركها، لهذا أنكر البعض على التصوف وعلى من ينتسبون إليه، وإنكارهم سببه أنّ أكثر معارف الصوفية ليست فقهاً يكتب فـــي السطور أو في مؤلفات الفقهاء إنما هي أحوال ومقامات ومنازل، يتذوقها ويحس بها من أراد الله تعالى أن يشرح صدره لمنازل هؤلاء الاكابر، لقد جاء علم التصوف ليرسم منهجاً عن طريق مجموعة من القواعد والآداب للوصول إلى هذه الأحوال والمقامات ومن ثم منازل الإحسان ومراتب السابقين، إنّ التصوف بلفظِهِ لم يكن في زمنِ النبي أما ماهيتُهُ ومضمونُهُ ومَدارُهُ واستمدادُهُ وهيئتُهُ فليسَ إلاَّ الدينُ الكاملُ الذي جاءَ بهِ الرسولُ الأعظمُ، ويشتمل على علوم الإسلام جميعا، قال ابن خلدون في مقدمته: ” وهذا العلم – يعني التصوف – من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية) أهـ ([61]) .
[3] ما هي أنواع التصوف: (التصوف الحق): هو التصوف الحقيقي المستمدة أصوله وآدابه من القرآن والسنة، فإن شئت أن تطلق عليه علم التزكية أو علم الإحسان، أو علم التصوف، فإن الأسماء لا تغير حقائق المسميات، ويتمثل في: سلوك معرفة الله لا عن طريق القراءة للكتب، ولكن عن طريق المجاهدة وإدمان الذكر والتخلية والتحلية والتزكية للنفس والقلب، وحمل الجوارح والجوانح على عبادة الله وطاعته، مع المحبة والخوف والرجاء والشوق إلى بلوغ مقام لا حدود له من حب الله جل وعلا والحرص على رضاه، ولا يمنع ذلك من العمل لدين الله والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الاصلاح، فإن هذا من أصول الدين وأهم أعماله.
[4] هناك قوم اعتقدوا التصوف الرهباني، واستغرقوا في الأوراد وكثرة العبادة، وهؤلاء على خير ولا يلام أحدهم، ولهم سلف في ذلك من الصحابة كأبي ذر وأبي الدرداء وسلمان الفارسي رضي الله عن الجميع، ولكنهم ليسوا على ثغر التصوف الكامل، لان الصوفية الحقة ليست انطوائيًة ولا انعزالية، ولكنها تشمل جميع ثغور الدين وجوانبه، مع حراسة دائمة على القلب ألا يلتفت إلى غير الله.
[5] هناك قوم اعتقدوا التصوف الخرافي: وهم عوام بعيدون عن العلماء، يعيشون في الجهل، شغلوا أنفسهم بسرد القصص الخرافية والمبالغات الخيالية في كرامات الأولياء دون تحقق، وقد تجد أحدهم لا يقيم الصلاة كما ينبغي، ثم يشغل نفسه عن أعمال الطاعة والعبادة بسفاسف الامور، والقيل والقال، وهؤلاء في واد والتصوف في واد آخر، واكثر هؤلاء أدعياء، لهم دور كبير في تشويه صورة التصوف الحق، ولكن وجودهم لا يقدح في التصوف الحق، لان التصوف الحق هو روح الإسلام، ولا حياة لجسد بلا روح.
[6] يقول الغزالي: (ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق،، ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم: وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله) ([62]) .
وقال الإِمام فخر الدين الرازي: (المتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية، ويجتهدون ألاَّ يخلو سرَّهم وبالَهم عن ذكر الله تعالى في سائر تصرفاتهم وأعمالهم، منطبعون على كمال الأدب مع الله عز وجل، وهؤلاء هم خير فرق الآدميين) ([63]) .
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه تأييد الحقيقة العليَّة: (إِن التصوف في نفسه علم شريف، وإِن مداره على اتباع السنة وترك البدع، والتبرِّي من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها، والتسليمِ لله، والرضى به وبقضائه، وطلبِ محبته، واحتقارِ ما سواه،، وعلمتُ أيضاً أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم، فأدخلوا فيه ما ليس منه، فأدى ذلك إِلى إِساءة الظن بالجميع، فوجَّه أهل العلم للتمييز بين الصنفين ليُعلمَ أهل الحق من أهل الباطل، وقد تأملتُ الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أرَ صوفياً محقِّقَاً يقول بشيء منها، وإِنما يقول بها أهل البدع والغلاةُ الذين ادَّعَوْا أنهم صوفية وليسوا منهم) ([64]) .
إن التصوف هو طريق أهل الإحسان، وهو (التحقق بمرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين) ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، والتصوف منهج يقوم على (التخلية) و (التحلية)، تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من الأخلاق السيئة، وتحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة، وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، وطريق التصوف هو الاجتهاد في العبادات والقربات والمسارعة في الخيرات، مع اجتناب المنهيات والمكروهات، وتربية النفس على طاعة الله وجهادها على دوام ذكر الله، وتطهير القلب من مساوئ الأخلاق، ودسائس الطباع، وتحليته بأحسن الأخلاق مع الله ومع الناس، وكل ما سبق يحويه ما أسماه أصحابه بـ (التصوف)، وقد ألف الأئمة العارفون فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه ومناهجه الربانية في بلوغ مراتب الصديقين والمحسنين والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
[7] التصوف أعلى مراتب الدين: لقد بين القرآن الكريم مراتب الدين قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، ومن الآية نعلم: أن عباد الله الذين اصطفاهم الله تعالى لدين الإسلام ثلاث مراتب، فالمرتبة (الأدنى) هي مرتبة الظالم لنفسه، أي المقصر في بعض حقوق الله تعالى عليه، والمرتبة (الوسطى) هي مرتبة المقتصد وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات لا يزيد ولا ينقص، والمرتبة (الأعلى) هي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله، وهو الذي ويزبد على الواجبات بالتقرب إلى الله بالمندوبات، وجميع أصحاب المراتب الثلاث داخل بحمد الله في الاصطفاء الرباني، والعلم بهذه المراتب هو العلم بالدين كله، وذلك لما جاء في حديث جبريل المشهور، الذي أخرجه مسلم، وفيه: ((قال: يا محمّد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله و أ نّ محمّدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا، قال: فأخبرني عن الإيمان،قال: أن تؤمن بالله و ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و تؤمن بالقدر خيره و شرّه، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم قال في آخر الحديث: إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم)) فجعل العلم بمراتب الاسلام والايمان والاحسان هو العلم بالدين، والمسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين المراتب الثلاث الإسلام والايمان والاحسان، و [صاحب مرتبة الإسلام]: وهو الواقف على أركان الإسلام ولكنه قد يفرط في أداء بقية الفرائض والواجبات وقد يقع في بعض الكبائر والمحرمات فهذا هو الظالم لنفسه، ولكنه مسلم في دائرة مرتبة الإسلام، وهذه المرتبة إذا اقتصر المسلم عليها لا يتعداها، صار ظالما لنفسه لأن في الدين واجبات أخرى ينبغي أن تؤدى سوى الأركان الخمس، و [صاحب مرتبة الإيمان]: وهو المؤدي لما عليه من الأركان والفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات، والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها فهذا هو المقتصد، و صاحب مرتبة الإيمان، أعلى من صاحب مرتبة الإسلام، قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فقد ذم القرآن الكريم أولئك الذين ادعوا مرتبة الإيمان ولم يقوموا بحقوقها، قال تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، أما صاحب مرتبة الإحسان: فهو المؤدي لكل ما يقوم به المقتصد صاحب مرتبة الإيمان ثم يزيد على ذلك بالتقرب إلى الله تعالى بالنوافل وبالتنزه عن المكروهات وبالتورع عن بعص الحلال خوفا من الوقوع في الشبهات، وهذه المرتبة هي أعلى مراتب الدين، اختص الله أهلها بالعناية، قال تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128]، وهي منازل عالية، أولها: المراقبة وأعلاها: المشاهدة، قال صلى الله عليه وسلم: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، إذن: مراتب الدين ثلاثة: هي: (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، وعلوم الدين الأساسية إن تدبرناها ثلاثة: (علم الفقه، وعلم العقيدة، وعلم التصوف)، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم مرتبة الإسلام، ومثلما اهتم علم العقيدة بمرتبة الإيمان، فإن التصوف اهتم بتحقيق مرتبة الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهو علم عظيم له مباحثة القائمة على الكتاب والسنة وجهود علمائه في فهم أدلة الكتاب والسنة، فكما أنه من الخطأ أن نقول (الفقه مذهب إسلامي) أو (العقيدة مذهب إسلامي) فكذلك من الخطأ أن نقول (التصوف مذهب إسلامي)، لأن الفقه يتناول العلم بالشريعة، وهناك مذاهب فقهية لفهم أدلة الفقه واستنباط أحكامه، فليس الفقه مذهب إسلامي ولكنه ركن من أركان الدين، وفيه مذاهب لفهمه على منهاج أهل السنة والجماعة، وكذلك العقيدة، وكذلك التصوف تماما، فهو ركن من أركان الدين يتناول العلم بحقائق الدين التي هي أعمق علوم الدين، ويرسم الطريق للوصول إلى الله، وذلك عن طريق معارف ووسائل منها الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتزكية النفس وتطهير القلب بالتخلية من الأخلاق السيئة، والتحلية بالأخلاق الحسنة، وارتقاء المنازل إلى الله، وهذه المعارف وتلك المنازل وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، فجعلوه علما سموه بـ علم التصوف، أو علم التزكية، أو علم الأخلاق، أو علم الإحسان، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده، إذن: مراتب الدين ثلاثة: هي: (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، وعلوم الدين الأساسية ثلاثة: (علم الفقه تعلق ببيان مرتبة الإسلام، وعلم العقيدة تعلق ببيان مرتبة الإيمان، وعلم التصوف قام على مرتبة الإحسان، وتعلق ببيان أركانها ودرجاتها أحوالها ومنازلها.
[8] ومنه نعلم لماذا الحرص على التصوف: الحرص على مسمى التصوف: لأنه يمثل احترام التخصص العلمي الضارب في عمق التاريخ الإسلامي، ويمثل الاعتزاز بثوابت الأمة العلمية والسلوكية المتمثلة في المرجعية المذهبية التي ترسخت على مر عصور الإسلام، هذه المذهبية العلمية التي تحترم التخصص، وتمثل مرجعية أهل السنة والجماعة في علوم العقيدة والفقه والتزكية، ففي العقيدة ثلاث مدارس متخصصة، وهي (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، ويمثل مرجعية أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة، يدخل فيه كل من لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار، والسواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد هذه الجماعة الناجية، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع ونحوها، فإنّ الله تعالى بعلمه وإرادته، جعل هذه الأمة تنقسم إلى قسمين: أهل السنة، وهم الجماعة والسواد الأعظم، يحترمون التخصص ويقبلون التعدد والتنوع، والقسم الثاني أهل أهواء وبدعة، وهم من شذ عن سنن الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، وميزة أهل السنة أن الخلاف بينهم في الفروع العقدية والفقهية والسلوكية لا يفرق جماعتهم، بل يعتبرونه من عوامل السعة والمرونة والرحمة والشمول والصلاحية لكل زمان ومكان، ويجهدون جهدهم على نبذ دواعي الفرقة وتحقيق التآلف والتضامن بين طوائف الأمة، ولكن أرباب الأهواء ليسوا كذلك، فهم لا يعرفون الاختلاف، ولكنهم يعرفون الفرقة والشقاق والتبديع والتضليل والتكفير واستحلال الدماء والأعراض والأموال.
[المفتاح السادس عشر]: منزلة التصوف من الدين كمنزلة الروح من الجسد: التصوف هو الجانب الروحي يبدا من الإسلام فالإيمان فالإحسان وينتهي مع الوراثة في منازل الوارثين الواصلين الأولياء العارفين
(أ) التصوف علم إسلامي أصيل مرادف لمصطلح التزكية في القرآن ومصطلح الإحسان في السنّة، وكما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعلى مر العصور تتبلور العلوم، وتتخصص المدارس العلمية، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو المرادف لمصطلح (التزكية) المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وكذلك فإن (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك“)) [أخرجه مسلم]،
(ب) التصوف علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها، والتصوف الإسلامي هو تربية علمية وعملية للنفوس وعلاج لأمراض القلوب وغرس الفضائل واقتلاع الرذائل وقمع الشهوات وتدريب على الطاعات، والتصوف لا يعدوا أن يكون جهاداً عنيفا ضد الرغبات ليصل الإنسان إلى منازل الإحسان، أعلى أركان الدين ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، والتصوف منهج يقوم على (التخلية) و (التحلية)، تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من الأخلاق السيئة، وتحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة، وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، وطريق التصوف هو الاجتهاد في العبادات والقربات والمسارعة في الخيرات، مع اجتناب المنهيات والمكروهات، وتربية النفس على طاعة الله وجهادها على دوام ذكر الله، وتطهير القلب من مساوئ الأخلاق، ودسائس الطباع، وتحليته بأحسن الأخلاق مع الله ومع الناس، وكل ما سبق يحويه ما أسماه أصحابه بـ (علم التصوف)، بينوا أصوله وفروعه ومناهجه الربانية في بلوغ مراتب الصديقين والمحسنين والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
(ت) التصوف علم له أهمية بالغة بين علوم الدين: لأنّه اختص بتزكية الباطن عملاً بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَعراف: 33]، وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَنعام: 151]، كما تخصص في تزكية القلب بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء…، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق… وهذا القسم الذي تخصص فيه التصوف هو القسم الأهم لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ([65]) .وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ([66]) . ، وقوله صلى الله عليه وسلم (… التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ([67]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه) ([68]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم) ([69]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) ([70]) .
وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، كما أنّ التصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس كما أنّ التصوف هو العلم الذي اختص بتحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب والمحبة والذكر والمراقبة، وللصوفية في هذا المجال الحظ الأوفر من الوراثة النبوية، وهو العلم الذي اهتم برسم الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الإيمان والإحسان والأخلاق والتزكية، وعلى ذلك يمكننا القول بأنّ (التصوف) منهج عملي كامل، يحقق صلاح المسلم وتهذيب أخلاقه وتحوله إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة، تعيش في درجات الإحسان، ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته، ويتجلى لنا بوضوح، أنه علم إسلامي قيم، لا غنى عنه لكل مسلم، كما لا غنى له عن علوم العقيدة التي تصلح الاعتقاد وعلوم الفقه التي تصلح العبادات والمعاملات، وحاصله اتصاف المسلم بجميع المحامد وترك جميع الأوصاف الذميمة، وهو مسلك قائم على العلم والعمل، وله منازل أعلاها المشاهدة (أن تعبد الله كأنك تراه) وأولها المراقبة (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وله مقامات عديدة شريفة منها التوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والصدق والإخلاص والصبر والورع والزهد والرضا والتوكل والشكر، و (التصوف) هو الطريق المؤدي إلى أرقى درجات الكمال الإيماني والإحساني الذي به يتحقق مقام الشهود وحق اليقين، وهو الطريق إلى مدارج السالكين ومراقي الصاعدين إلى مرضاة رب العالمين، وأنه – علم التصوف النقي الصافي القائم على الكتاب والسنّة – أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ولابد من إنصافه.
(ث) التصوف الإسلامي النقي الصافي بريء من الانتساب إلى غير الإسلام: وذلك لأنّ التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، ويقوم على مبادئ التزكية والإحسان كما جاء بها الكتاب والسنّة، أما الزعم الكاذب بان التصوف يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة، فهذا ظلم بين لعلم التصوف، وجحود واضح لأهله الصادقين المخلصين، والله تعالى أمرنا بالإنصاف مع الكافرين في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، فكيف بالإنصاف مع عباده الصالحين وأوليائه المحسنين، وفي الحديث الصحيح: ((إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه)) ([71]) . وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث.
[المفتاح السابع عشر]: التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف، بل ضررهم على أنفسهم، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين، ويصححون مسار التصوف، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف، يثنون على التصوف الصحيح وأهله بالخير، ويهاجمون الأدعياء والدخلاء دون إساءة للتصوف والصوفية، أما أن نأخذ الصالح بجريرة الطالح فهذا ظلم عظيم، قال الله تبارك تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام:164].
هناك فريق جاهل بالتصوف الصحيح وقيامه على ثغر الإحسان أعلى مراتب الدين، فريق حشوي متنطع لا يعرف ثغور الدين، ولا يحيط بجوانب الدين يدعي الإصلاح يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره، وهؤلاء يريدون ان يأخذوا التصوف ببعض أدعيائه؟ وهم يبذلون كل الوسائل المتاحة لمحاربته، ويصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق بين محق وكاذب، وبين ولي وجاهل، ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال، ثم تراهم يريدون هدم التصوف كله، هذا التراث العظيم والعلم الجليل والسلوك القويم، بمقولة وجدها هنا او هناك، قد تكون مدسوسة على ولي من أولياء الله، أو قالها في حال أنس وفرح مع الله، _ كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال: اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح _ إن الأصل في ديننا أنه ما من معصوم في هذه الأمة سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، وجميع العلماء بعده والطوائف كذلك يؤخذ منها ويرد عليها وهم غير معصومين عن الخطأ، أخطاؤهم غير مقبولة كدين، ونغض الطرف عن عثرات علمائهم لأنه الأدب مع العلماء الذين لهم فضل ننظر إلى محاسنهم ونترك المساوئ والعثرات.
إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء، وصفة مدح، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا التنطع من تنطع، وأين يذهب سواد أهل السنة في العالم اليوم، وعلى مر عصور الإسلام السابقة، إن أهل التصوف هم سادة التزكية والاحسان، وهم أقطاب السلوك ودعائم الأخلاق، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام، وليس معنى ذلك أن نبرأ الصوفية من كل خطأ وأنهم معصومون، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف، ولابد من تجديد التصوف حتى يسير في إتمام مهمته من تزكية النفس وبناء أمة الأخلاق في خضم زمان لا يعرف أهله سوى الماديات، إن واجبنا نحو التصوف اليوم هو التزام المبادئ الإيجابية التي جاء بها التصوف الإسلامي، وتقدير اهله، مع الدعوة إلى إصلاحه و تجديد أمره وتصفيته من الدخن والخلل، والعودة به إلى تزكية الكتاب والسنة، لأنه – بحق – أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة لآنه القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين.
[من هم أهل التصوف الحق (أهل الطريق إلى الله]: الطريق هو الصراط المستقيم الذي ندعو به في كل ركعة من ركعات الصلاة: {اهدنا الصراط المستقيم}، هناك أهل الطريق إلى الدنيا يعملون بعمل الآخرة ابتغاء الدنيا، يطيعون الله ويؤدون الفرائض ويجتنبون الكبائر من أجل أن يوفقهم الله تعالى في الدنيا، قال تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}، وهناك أهل الطريق إلى الجنة، يعملون من أجل الآخرة، يعملون من أجل أن يصرف الله تعالى عنهم عذاب النار وان يمن عليهم بالجنة، قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}، وهناك أهل الطريق إلى الله، يريدون وجهه ورضاه، يعبدون الله لله، لا يشغلهم عن الله نعيم جنة ولا عذاب نار، وهؤلاء قال الله تعالى فيهم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}، إذن: أهل الطريق درجات: الظالم لنفسه يسبر فيه طاعة لله من أجل تيسير أموره في الدنيا، والمقتصد يسير فيه طاعة لله من أجل النجاة في الآخرة، والمحسن يسير فيه من أجل الدرجات العليا في الجنة ولذلك هو يزهد في الدنيا ويسارع في الخيرات من أجل الآخرة، وأما الصوفي الحق، أهل الطريق إلى الله، فهم يسيرون فيه من أجل الله يزهد في الدنيا ويزهد في الآخرة من أجل الدخول على حضرة الحق، فهو يسير في الطريق إلى الله بالله من اجل الله، وعلى ذلك فأهل الإسلام ثلاثة: أهل الدنيا وأهل الآخرة وأهل الله، هناك من يعمل بأوامر الله من اجل الرزق والستر في الدنيا وان ينسا له في عمره و يبارك له في رزقه، هذا مسلم يعبد الله لأجل الدنيا، وهناك من يعمل بأوامر الله من اجل الآخرة وما فيها مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذا جائز ومن أحسن العمل، وهناك من يعمل بأوامر الله من اجل الله، فهذا يعمل لله من أجل الله، وهذا هو الصوفي الحق.
[المفتاح الثامن عشر]: ما هي معاني التصوف التي جعلته أعلى علوم الدين
(1) التصوف هو الجانب الروحي في الإسلام، وهو للدين بمثابة الروح للجسد، فكما ان الجسد لا قيمة له بغير الروح فيموت ويتحلل، فكذلك التصوف هو روح الدين، يبدا من مرتبة الإسلام متمثلا في منازل التسليم والانقياد والخضوع والتعظيم، ثم مرتبة الإيمان متمثلا في منازل المحبة والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر، ثم مرتبة الإحسان متمثلا في منازل الصدق، والإيثار، والتواضع، والتقوى، والفقر إلى الله، والغنى بالله، والعلم بالله، والحكمة، والبصيرة، والسكينة، والطمأنينة، والهمة، والغربة، والمكاشفة، والمشاهدة، والمعاينة، ثم مرتبة الوراثة عن احوال ومنازل ومعارف النبي صلى الله عليه وسلم العالية، كمنازل: المعرفة، والتحقيق، والتجريد، والتفريد، والجمع، والتوحيد، و إذا كان الزهد في الدنيا من معاني التصوف، فإن ذلك لا يعني أن التصوف مقصور عليه، بل التصوف هو تحقيق لروح الإسلام، فلا يمكن فصله عن الإسلام إلا كما يُفصل الروح عن الجسد، وآنذاك يموت الجسد ويتحلل،
(2) العقيدة والشريعة والحقيقة ثلاثة جوانب للدين تمثلها علوم الدين الأساسية الثلاث: علوم الاعتقاد والفقه والتصوف، وكما هو معلوم لطالب العلم أنّ: مراتب الدين ثلاثة: هي: (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، وعلوم الدين الأساسية إن تدبرناها ثلاثة: (علم الفقه، وعلم العقيدة، وعلم التصوف)، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم مرتبة الإسلام، ومثلما اهتم علم العقيدة بمرتبة الإيمان، فإن التصوف اهتم بتحقيق مرتبة الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهو علم عظيم له مباحثة القائمة على الكتاب والسنة وجهود علمائه في فهم أدلة الكتاب والسنة، وكما أنه من الخطأ أن نقول (الفقه مذهب إسلامي) أو (العقيدة مذهب إسلامي) فكذلك من الخطأ أن نقول (التصوف مذهب إسلامي)، لأن الفقه يتناول العلم بالشريعة، وهناك مذاهب فقهية لفهم أدلة الفقه واستنباط أحكامه، فليس الفقه مذهب إسلامي ولكنه ركن من أركان الدين، وفيه مذاهب لفهمه على منهاج أهل السنة والجماعة، وكذلك العقيدة، وكذلك التصوف تماما، فهو ركن من أركان الدين يتناول العلم بحقائق الدين التي هي أعمق علوم الدين، ويرسم الطريق للوصول إلى الله، وذلك عن طريق معارف ووسائل منها الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتزكية النفس وتطهير القلب بالتخلية من الأخلاق السيئة، والتحلية بالأخلاق الحسنة، وارتقاء المنازل إلى الله، وهذه المعارف وتلك المنازل وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، فجعلوه علما سموه بـ علم التصوف، أو علم التزكية، أو علم الأخلاق، أو علم الإحسان، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده، إذن: علم التصوف قام على مرتبة الإحسان، وتعلق ببيان أركانها ودرجاتها أحوالها ومنازلها.
(3) الطريقة والشريعة والحقيقة مصطلحات ضرورية لكل صوفي، فالطريقة وسيلته للسير إلى الله، وتشتمل الطريقة على الأذكار والأوراد إضافة إلى التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والمندوبات والكف عن الكبائر والمحرمات، وكما أنه لا غنى للمتعلم عن العالم، فإنه لا غنى للسائر إلى الله عن الشيخ المربي والولي المرشد، ليدله على طريق سفره إلى الله، والشريعة منهاجه أثناء سيره إلى الله، والشريعة تقوم على الكتاب والسنة وجهود العلماء الوارثين في فهم أدلة الكتاب والسنة، والتصوف ركن من أركان الدين يتناول العلم بحقائق الدين التي هي أعمق علوم الدين، ويرسم الطريق للوصول إلى الله، وذلك عن طريق معارف ووسائل منها الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتزكية النفس وتطهير القلب بالتخلية من الأخلاق السيئة، والتحلية بالأخلاق الحسنة، وارتقاء المنازل إلى الله، وهذه المعارف وتلك المنازل وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد الأولياء الربانيين فيما لم يرد فيه نص، فجعلوه علما وسلوكا سموه بـ التصوف، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده القائمة على ادلة الكتاب والسنة وفهم العارفين لأدلة الكتاب والسنة، والحقيقة المطلقة غايته، وهي الدخول على جناب الحق تعالى وتقدس في حضرته الأحدية، تلك الحضرة التي تقهر كل شيء، ويكون الفناء المحض للولي في حضرة الحق حيث فناء الرسوم وانطماس الآثار، ولا يبقى إلا أحدية الحق تعالى وتقدس، ولهذا فإن معاني الطريقة والشريعة والحقيقة ضرورية لكل سائر إلى الله، يبتغي وجه الله.
(4) من أهم مصطلحات أهل التصوف: التخلي والتحلي والتجلي، والتخلية ظاهرة وباطنة، والتحلية ظاهرة وباطنة، فأما (التخلية الظاهرة) فمعناها التخلي عن المعاصي التي تتعلق بالجوارح السبعة، وهي: اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج، وأما (التحلية الظاهرة) ومعناها التحلي بالطاعات الظاهرة والباطنة، والمقصود بها أن يحلي السالك إلى الله تعالى هذه الجوارح السبعة بالطاعات المناسبة لكل منها، فهذه الجوارح السبعة منافذ على القلب إما أن تصب عليه ظلمات المعاصي فتكدره وتمرضه، وإما أن تُدخل عليه أنوار الطاعات فتشفيه وتنوره، و(التخلية الباطنة) معناها التخلي عن المعاصي القلب كالكبر والرياء والغضب، و(التحلية الباطنة) معناها التحلي بالطاعات الباطنة، وتحلية القلب بصفات الخلق العظيم كالتواضع والإخلاص والحِلم، قالوا: فمن تخلى عن المعاصي الظاهرة والباطنة وتحلى بالطاعات الظاهرة والباطنة، فقد تعرض لتجليات الحق الجلالية والجمالية.
(5) أركان المنهاج السلوكي لبلوغ مرتبة الإحسان: وهو يقوم على أركان ضرورية يمكن أجمال أهمها في أربعة أركان، (الركن الأول): صحبة العالم المربي: وهي ضرورة لابد منها وذلك لان الترقي في مقامات الإحسان لا يكون صحيحاً إلا على يد عالم رباني شيخ مرشد يعرف آفات النفس ومداخل الشيطان، يبعده عن دروب الفسوق والعصيان، ويرشده إلى دروب الإيمان ومنازل الإحسان، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المرشد الأول والمزكي الأعظم الذي ربَّى أصحابه الكرام وزكَّى نفوسهم بقاله وحاله، كما وصفه الله تعالى بقوله: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً مِنْهُم يتلو عليهم آياتِه ويُزكِّيهم ويُعلِّمُهم الكِتاب والحِكمَةَ وإن كانوا من قَبْلُ لَفي ضلالٍ مُبينٍ} [الجمعة: 2] [من هنا نجد أن التزكية شيء وتعليم الكتاب والحكمة شيء آخر، لذا قال الله تعالى: {ويزكيِّهمْ ويعلِّمهمُ الكتابَ والحكمةَ}، و(الركن الثاني) العدة المطلوبة للمريد الصادق وتتمثل في طلب العلم الشرعي الصحيح، والتربية الحميدة، والأخلاق العظيمة، والآداب العالية، و (الركن الثالث): المجاهدة في ذات الله تعالى للنفس والشيطان والدنيا والهوى، و(الركن الرابع): المداومة على ذكر الله تعالى.
(5) لقد اشتملت مناهج التزكية والإحسان (التصوف السني الصحيح) على العديد من الأقسام، قسم يبحث في الاجتهاد في العبادة مع تصحيحها، وحسن إِقامتها بالإخلاص والخشوع والحضور فيها مع الله تعالى، وقسم يبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها، والقلب وأحواله ؛ من تخليته عن صفاته الناقصة كالرياء والحقد والحسد وغيرها من الصفات المذمومة، وتحليته بالصفات الكاملة كالتوبة والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والخوف والرجاء وغيرها من الصفات الحسنة، وقسم يبحث عن الاخلاق العظيمة مع الخالق والخلائق، وقسم يبحث عن المعارف الربانية والمقامات القلبية التي توصل إلى درجات الإحسان، وقد تناول القرآن الكريم جميع تلك الأقسام بالبيان والتوضيح، فنجد فيه الآيات التي تدعو إلى الاجتهاد في العبادة كقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 63، 64]، وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 15 إلى 19]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].
ونجد فيه الآيات التي تدعو إلى تصحيح العبادات، وحسن إِقامتها بالإخلاص والخشوع والحضور فيها مع الله تعالى مثل قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر: 14]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 إلى 11]، ونجد فيه الآيات التي تبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها، والقلب وأحواله ؛ من تخليته عن صفاته الناقصة كالرياء والحقد والغل والسمعة والجاه والحسد وغيرها من الصفات المذمومة، وتحليته بالصفات الكاملة كالتوبة والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والإِخلاص، والصدق والخشوع والمراقبة وغيرها من الصفات الحسنة، فما أكثر الآيات التي تحث على مجاهدة النفس وإصلاحها كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
وما أكثر الآيات التي تتناول اعمال القلوب وسلامته من عيوبه وتخليه عن آفاته وتحليه بالطاعات الباطنة والصفات الصالحة، ومنها قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 60، 61]، وما أكثر الآيات التي تتحدث عن حسن الخلق وأصول الأخلاق العظيمة، منها قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]، وقوله تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 17 إلى 19]، وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133، 134].
وقد تناول القرآن الكريم بالتوضيح المقامات التي يمر بها السالك في سيره إلى الله تعالى ومن ذلك مقامات التوبة والورع والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا والمراقبة والقرب والمحبة والخوف والرجاء والشوق والذكر والأنس والطمأنينة والمشاهدة واليقين، ومن ذلك قوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]، وقوله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].
(6) منهاج التصوف، الذكر والفكر والصوم والخلوة ضروريات التصوف، الشيخ والصحبة وطريق التصوف، احترام التخصص العلمي نهج الصوفية، احترام رتبة الصحابة أدب الصوفية، الصوفية والتخلية والتحلية (الفقه الواجب فيما يتعلق بالباطن) {وذروا ظاهر الإثم وباطنه}، الصوفية والمنازل والأحوال (علم الأولياء)، الصوفية والزهد في الدنيا ثم الزهد في الآخرة ثم الزهد في الزهد نفسه، الصوفية والاخلاق مع الله ومع الرسول ومع العلماء ومع الوالدين وذوي القربى ومع الناس ومع النفس، الصوفية واحتقار النفس والرأي والتواضع والبعد عن الاعجاب بالرأي والنفس، الصوفية وكشف الحجب.
[المفتاح التاسع عشر]: إشارة إلى بعض منازل أهل الطريق إلى الله:
[1] إذا كان توحيد العامّة من أهل الإسلام هو اعتقاد وجود الإله الحق الرب المعبود وحده لا شريك له، متمثلين في ذلك شهادة التوحيد (لا إله إلا الله)، وإذا كان توحيد الخاصة من المتخصصين في العقيدة هو توحيد الذات وتوحيد الأسماء وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية، بما تشتمل عليه تلك الأقسام من علوم غزيرة ومعارف واسعة، فإنّ توحيد أهل الإحسان أعلى بكثير، لأنّه توحيد الشهود، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور: ((قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، إلى قوله صلى الله عليه وسلم: إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم)) ([72]) .
فإن الأمر يختلف باختلاف أدلته، واليقين يختلف باختلاف مصادره، وأعظم اليقين هو المشاهدة بالبصر والبصيرة، ولهذا جاء التعبير عن الشهادة بلفظ أشهد أن لا إله إلا الله، لأنّه لا يقين أتعظم من الشهادة، لأنّ الشهادة من المشاهدة والنظر، وهي تعني: الرؤية بالبصر والبصيرة وجزم العقل والقلب على الأمر مع الشهادة على هذا باللسان بيقين دون شك أو تردد، وعلى ذلك، فقولنا في بداية الشهادة (أشهد أن لا إله إلا الله) أي أقر وأعترف وأجزم وأرى وأُوقن دون شك أو تردد أنّه (لا إله إلا الله)، كما أنّ اليقين مراتب أولها علم اليقين وثانيها عين اليقين وثالثها حق اليقين، كما جاء في قوله تعالى في سورة التكاثر: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} فبينت السورة وجود منزلتين من منازل اليقين: الأول {عِلْمَ الْيَقِينِ}، وهو ما يعلمه الإنسان ويوقن به دون أدنى شك عن طريق السمع والخبر والقياس والنظر، والثاني هو: {عَيْنَ الْيَقِينِ} وهو ما يعلمه الإنسان ويوقن به عن طريق المشاهدة والنظر، وهو أقوى من اليقين الاول لأنّه ليس الخبر كالعيان، وليست المشاهدة كالسماع، وهناك منزلة ثالثة اعلى من عين اليقين الا وهي {حَقُّ الْيَقِينِ} والذي جاء في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: 88 إلى 96]، وحق اليقين أعلى درجات اليقين لأنّه لا يقتصر على الرؤية والمشاهدة، وإنّما يتعداها إلى المعايشة والمباشرة والملابسة الدائمة المستمرة، فتلك هي أعلى مراتب اليقين، وكما أنّ اليقين درجات، فإنّ التوحيد درجات، وتوحيد الشهود أعلى درجات التوحيد، وهو توحيد العارفين والصديقين والصالحين من أهل الإحسان المقربين والسابقين، وذلك لأنّه توحيد من يعبد الله تعالى على المشاهدة كما في الحديث: ((أن تعبد الله كأنك تراه))، وتلك العبادة أعمق في اليقين من عبادة من يعبد الله تعالى على السمع والخبر والدليل، فهو عبادة من كانّه يرى الله ويرى كل شيء في الوجود تجلياً من تجليات أسماء الله الحسنى، أو أثراً من آثار صفاته، وبديع أفعاله، فإنه الله الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فكل ما في الوجود من تدبير وتصريف وهداية وارشاد وغيرها من الأفعال إنما هي من تجليات اسماء الله تعالى الحسنى، فالتوحيد عند أهل الإحسان والشهود هو توحيد كل من يرى أنّ الله تعالى قائم على كل شيء وقائم فوق كل شيء، حي قيوم، أوجد الحياة كلها بتجليات اسمه الحي، وقامت الخلائق كلها بتجليات اسمه القيوم، فلولا الله تعالى لما كان الوجود بما فيه، ولولا إمداد الله للوجود في كل لحظة وحين لزالت الخلائق وكان الفناء، فهو إذن توحيد من لا يرى في الوجود شيئاً إلا يدله على الله تعالى وعلى أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الحكيمة وآثار رحمته التي وسعت كل شيء.
والتوحيد عند أهل الطريق هو توحيد الفناء عمّا سوى الله، فهو فانٍ عن الخلائق لا يرى لهم في الكون تأثيرا ولا تدبيرا ولا تصريفا، لأنّ الله تعالى هو الرب المهيمن المدبر المصرف، فلا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين، ولا مالك لا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين، فهم أهل الشهود في الربوبية، وكما ذكرنا ليس المخبر كالمعاين، يتمثلون في كل حركاتهم وسكناتهم قول الله تعالى {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]، وقوله تعالى {لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38].
والتوحيد عند أهل الطريق هو توحيد البقاء بالله بعد الفناء عن الخلائق، وفي هذا المقام يكون العبد موجودا بالله باقيا ببقاء الله بعد فنائه التام عما سوى الله، فهو عبد أعاده الله تعالى بعد فنائه عن السوى في نور تجليات جناب الذات الأحدية، فهو عبد أعاده الله تعالى بعد فنائه، وأبقاه بعد محو رسومه، وأقامه نشأة أخرى فشاهد الحق بعين الحق باقيا ببقائه، حيا بحياته، عالما بعلمه، يسمع بسمع الله، ويبصر ببصر الله ويتكلم بالله، وفيه جاء الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعـطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) ([73]) .
فهو ولي يسمع بالله ويبصر بالله ويتحرك بالله، من عاداه فقد آذنه الله تعالى بالحرب،
[2]: المنازل التي يمر بها المحسن حتى بلوغ منزلة التوحيد كثيرة جدا: ذكر الهروي في كتابه [منازل السائرين] أنها ألف مقام، ذكر أصولها وجعلها مائة مقام، وقسمها عشرة أقسام، في كل قسم عشر مقامات، وقال في مقدمة كتابه: ” واعلم أن الأقسام العشرة التي ذكرتها في صدر هذا الكتاب هي: قسم البدايات وهو عشرة أبواب وهي: اليقظة، والتوبة، والمحاسبة، والإنابة، والتفكر، والتذكر، والاعتصام، والفرار، والرياضة، والسماع، ثم قسم الأبواب وهو عشرة أبواب وهي: الحزن، والخوف، والإشفاق، والخشوع، والإخبات، والزهد، والورع، والتبتل، والرجاء، والرغبة، ثم قسم المعاملات وهو عشرة أبواب وهي: الرعاية، والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم ثم قسم الأخلاق وهو عشرة أبواب وهي: الصبر، والرضى، والشكر، والحياء، والصدق، والإيثار، والخلق، والتواضع، والفتوة، والانبساط، ثم قسم الأصول وهو عشرة أبواب وهي: القصد، والعزم، والإرادة، والأدب، واليقين، والأنس، الذكر، والفقر، والغنى، ومقام المراد، ثم قسم الأودية وهو عشرة أبواب وهي: الإحسان، والعلم، والحكمة، والبصيرة، والفراسة، والتعظيم، والإلهام، والسكينة، والطمأنينة، والهمة، ثم قسم الأحوال وهو عشرة أبواب وهي: المحبة، والغيرة، والشوق، والقلق، والعطش، والوجد، والدهش، والهيمان، والبرق، والذوق، ثم قسم الولايات وهو عشرة أبواب وهي: اللحظ، والوقت، والصفاء، والسرور، والسر، والنفس، والغربة، والغرق، والغيبة، والتمكن، ثم قسم الحقائق وهو عشرة أبواب وهي: المكاشفة، والمشاهدة، والمعاينة، والحياة، والقبض، والبسط، والسكر، والصحو، والاتصال، والانفصال، ثم قسم النهايات وهو عشرة أبواب وهي: المعرفة، والفناء، والبقاء، والتحقيق، والتلبيس، والوجود، والتجريد، والتفريد، والجمع، والتوحيد، فجعل رحمه الله تعالى خاتمة المقامات المائة مقام التوحيد، ولكل منزل من تلك المنازل معارف وحقائق عظيمة لا يحمل أسرارها ولا يعرف قيمتها سوى أهلها أهل الطريق إلى الله.
[المفتاح العشرون]: لقد أراح الإمام الأنصاري رحمه الله العالم الإسلامي مؤنة معرفة المنازل وسر ترتيبها، فجمع السلوك كله في مائة منزل توصل إلى التوحيد الذي هو أعلى المنازل، وجعلها في عشرة أقسام، الأقسام الأربعة الأولى: البدايات والأبواب والمعاملات والأخلاق، مجالها النفس وهي تتعلق بترقية النفس وتزكيتها، والأقسام الثلاثة التالية: قسم الأصول وقسم الأودية وقسم الاحوال مجالها القلب، وتتعلق بمجاهدات القلب في السير إلى الله، والأقسام الثلاثة الأخيرة: قسم الولايات و قسم الحقائق و قسم النهايات جميعها يتعلق بالروح وصفاء الروح، وتأهله للدخول على حضرة الحق.
القسم الاول: [قسم البدايات]: قسم البدايات فيه عشرة منازل: تبدأ باليقظة، ثم التوبة، ثم المحاسبة، ثم الإنابة، ثم التفكر، ثم التذكر، ثم الاعتصام، ثم الفرار، ثم الرياضة، ثم السماع.
أول المنازل (اليقظة) وهي الاستعداد للسفر إلى الله، أول السير القيام، واليقظة هي القيام الذي يسبق السير، واليقظة هي القومة لله من الغفلة، وهي أول ما يستنير به قلب العبد للسير إلى الله، فمن طالع عظيم نعم الله تعالى عليه وعظيم تقصيره في حق الله، وأحس بأيامه تجري وعمره يتناقص وأنه قد اقترب وقت اللقاء، فإنه يشعر بالندم على ضياع العمر في غير طاعة الله والتقرب إلى مولاه، فإنه يتيقظ وتتنبه نفسه ويشمر ساعديه للسير إلى الله، فإذا تنبهت النفس وأفاقت، تيقظت، ومتى تيقظت تابت ودخلت إلى مقام (التوبة)، والتوبة يحتاج إليها كل عبد، قال الله عز وجل: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}، فمن لم يتب مهما كان حاله كان من الظالمين، فمتى عرف العبد ذنبه وأيقن سوء أدبه وقلة حيائه مع الملك الجليل بعصيانه تاب إلى الله، وشرائط التوبة ثلاثة أشياء: الندم بالقلب، والاعتذار باللسان، والإقلاع عن الذنوب بجوارحه، ورد الحقوق لأصحابها.
فإذا تابت النفس التوبة النصوح حاسبت نفسها على كل جليل وصغير، ودخلت إلى مقام (المحاسبة)، ونظرت إلى ما قدمت وما أخرت، وقاست بين عظيم النعم من المنعم الكريم وعظيم الجناية والجحود في حق المتفضل بالنعم سبحانه، ساء ظنها بالنفس الامارة بالسوء، وعلمت ان التقصير في حق الله تعالى عظيم، فحاسبتها.
فإذا حاسبتها حسابا دقيقا، قلت السيئات، وغلبت الحسنات، ودخلت إلى مقام (الإنابة)، والمنيب يرجع إلي الله تعالى إصلاحا لعمله وتفانيا في طاعته بعد أن اعتذر عن ذنبه في مقام التوبة، وإذا كان رجوع التائب إلى الله تعالى عهدا أن لا يعود إلى المعصية، فإن رجوع المنيب يكون وفاء لفضل الله تعالى عليه وأداء لنعم الله تعالى عليه، وإذا كان التائب يرجع إلى الله تعالى إجابة لقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فإن المنيب يرجع إلى الله تعالى بصدق حاله مع الله {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ}.
فإذا أنابت النفس إلى بارئها وخالقها تداركتها رحمة الله، ودخلت إلى مقام (التفكر)، والتفكر هو عبادة الأولياء، والتفكر هو رؤية الآيات بالبصيرة، فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلب التي في الصدور، والتفكر هو استعمال (البصيرة) في الوصول إلى الحق سبحانه، الكون كتاب مفتوح امتلا بالآيات، جعله الله تبارك وتعالى عبرة لمن تفكر يقف على بديع صنع الله الذي أتقن كلّ شيء، التفكر في الآيات الكونية والقرآنية يكشف عن عظمة الخالق في خلقه , وقد سئل الأعرابي البسيط عن الدليل على وجود الله، فقال: البعرة تدل على البعير، والروث على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج . وبحار ذات أمواج، أما تدل على الصانع الحليم العليم القدير؟ أن التفكر يورث الحكمة، ويحيي القلوب، ويغرس فيها الخوف والخشية من الله عز وجل، ولو تفكر الناس في عظمة الله حق التفكر ما عصوا الله عز وجل طرفة عين.
ومن نتائج التفكر الاتعاظ والدخول إلى مقام (التذكر)، وقد ورد الأمر بالتذكر في القرآن الكريم أكثر من أربعين مرة، وورد الأمر بالتفكر في أربعة عشرة آية، فهذا يدل على أن التذكر فوق التفكر، قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}، وقال تعالى: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، والتذكر هو الرجوع إلى الفطرة الأولى لتذكر الرب الخالق الرازق، وكل ما يريده العبد ويطلبه اهل السلوك ويسافر إليه اهل التزكية فإنما هو أقرب إليهم من ذواتهم ومن حبل الوريد، وهذا من أعظم نعم الله تعالى على العبد، أن رحلة المسير لا تتطلب من السالك سوى تزكية نفسه وتحلية قلبه وصفاء روحه وعندها يتذكر الميثاق الأول: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}، إذن المطلوب موجود قريب بالغ القرب ولا يحتاج إلا إلى التذكر، {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ}، فلا بد من اليقظة ثم التوبة ثم المحاسبة ثم الانابة ثم التفكر فيذوب الران وتنجلي الغشاوة فيتم التذكر.
والتذكر الدائم لنعم الله يورث العبد التزام الطاعة وشكر النعمة، وهذا يؤهله للدخول إلى مقام (الاعتصام) بالله وبحوله وقوته، والاعتصام منزلة عالية، وقد أمر به القرآن الكريم في مواضع عديدة من كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}، وللاعتصام مرتبتان: الأولى: الاعتصام بحبل الله ويكون بالمحافظة على طاعة الله مراقبا لأمره وسائرا على شرعه، والثانية وهي الأعلى: وهي الاعتصام بالله بالفناء عن السوى والأغيار.
و(الاعتصام) يؤهل السائر للدخول إلى مقام (الفرار) والفرار: هو الفرار مما سوى الله تعالى إلى الله وحده، قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}، إذن الفرار إلى الله تعالى منزل عظيم، وهو فرار من السوى إلى الله، ولكن لما كان أهل الطريق يعلمون أنه في الحقيقة ما من سوى، وانه لا موجود بحق سوى الله تعالى، وكل ما سواه فهو من تجليات جناب ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، كان فرارهم من الله إلى الله، كما قال تعالى: {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ}، فروا من غضبه إلى رضاه، وفروا من معصيته إلى طاعته، وفروا من صفات جلاله إلى صفات إكرامه، وآنذاك ما أشد حاجة المريد إلى رياضة نفسه، فيدخل في مقام (الرياضة) لزيادة إرادته ومضاعفة قدرته على الطاعة والعبادة، و(الرياضة) تمرين النفس على قبول الصدق أي مع الله تعالى، فلا يريد بعمله إلا الله، و(الرياضة) تدريب على أن لا يعمل عملا ولا يتصرف تصرفا إلا إذا كان موافقا للشريعة، و(الرياضة) تصفية الأعمال بالإخلاص، عن النفاق والرياء والعجب، و(الرياضة) توفير حقوق الحق سبحانه بالعبودية والطاعة، وتوفير حقوق الخلق بحسن الخلق، و(الرياضة) بجمع القلب بالحضور مع الله، وجمع الهمه في السلوك إلى الله فلا يلتفت إلى ما سوى الله، و(الرياضة) بالاقبال على الله تعالى بالكلية، والاعراض عن كل ما سوى الله.
فإذا تريض السالك تلطف سره وطهرت سريرته فيتأثر أشد التأثر بسماع الوعد والوعيد، وهذا يؤهله للدخول إلى مقام (السماع) فيسمع بالله لا بنفسه ويتأثر بزواجر الوعيد، وللسماع منزلة عظيمة، وقد قصر القرآن الاستجابة لأهل السماع، فقال تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ}، أي لا يستجيب لأمر الله إلا أهل استماع الحق استماع طاعة وتدبر وتفكر، وأهل الله لا يلتذون بشيء من السماع كما يلتذون بسماع كلام الله، ولذلك كان أعظم السماع عند أهل الله تعالى هو سماع كلام الله تعالى سماع تدبر وعظة، ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وأهل الله: لا يسمعون إلا لله ولا يسمعون إلا بالله، فإذا أتم السالك منزل السماع، أتم البدايات بتمام منازل البدايات، فيرتقي إلى (قسم الأبواب)، حيث منازل الحزن، والخوف، والإشفاق، والخشوع، والإخبات، والزهد، والورع، والتبتل، والرجاء، والرغبة.
القسم الثاني: [قسم الأبواب] و فيه عشرة منازل: تبدأ بمنزل الحزن، ثم الخوف، ثم الإشفاق، ثم الخشوع، ثم الإخبات، ثم الزهد، ثم الورع، ثم التبتل، ثم الرجاء، وآخرها الرغبة، فإنّ السالك إذا أتم قسم البدايات بمنازله العشرة ((اليقظة، والتوبة، والمحاسبة، والإنابة، والتفكر، والتذكر، والاعتصام، والفرار، والرياضة، والسماع)) ارتقت نفسه، وانفتحت عليها أبواب التزكية والسلوك والترقية، ودخل إلى قسم الأبواب.
وأول منازل قسم الأبواب: (الحزن)، والحزن درجات منها: الحزن على التفريط في العبودية، والتقصير في حق الله تعالى وفي طاعته، وحزن على التورط في الجفاء، والوقوع في المعاصي والآثام والبعد عن الله وعن ذكر الله، وحزن على ضياع الأيام في غير طاعة الله، ومنها: الحزن على تعلق القلب بالدنيا وشواغلها والحزن على اللحظات التي تمر في غير ذكر الله وشهود فضله.
وهذا (الحزن) يؤهله للدخول إلى مقام (الخوف) خوف المبتدئين، وهو الخوف من العقوبة، وخوف الخاصة، لا يخافون العقاب وإنما يخافون الاحتجاب، يخافون من تبدل الحال، يخافون المكر، قال تعالى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، وأما خاصة الخاصة فلهم من الخوف هيبة الإجلال، لأنها متعلقة بتجليات أسمائه، وهي أعظم منازل الخوف، وهذه الهيبة تأتي لأهل المعرفة لتصونهم عن انخلاعهم من أدب العبودية.
فإذا تملك الخوف السائر وضاقت عليه الارض بما رحبت، تأهل لمنزلة (الإشفاق) فتشفق نفسه عليه من سوء الخاتمة، و(الإشفاق) خوف مشوب برحمة ورقة، إشفاق من الوقوف بين يدي الله تعالى للحساب، وإشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد، وأن تميل إلى الهوى والعناد، وإشفاق على العمل أن لا يقبل بسبب عدم الصدق فيه أو الصواب، وإشفاق على الوقت أن يشوبه تفرق إلى ما سوى الله، واشفاق على القلب أن يزاحمه أمر يعوقه عن الارتقاء في منازل السالكين.
فإذا أتم السائر مقام الإشفاق تأهل لمقام (الخشوع)، تخشع جوارحه وظواهره في طاعة الرب الجليل، و (الخشوع) هو التذلل للأمر، وهو التعبد لله في غاية الخضوع، و هو الاستسلام للحكم مع اظهار غاية التسليم، وهو الاتضاع لنظر الحق، ليقينه في أن الله يراه ويسمع كلامه ويرى أفعاله ويعلم بسره ونجواه، وخشوع أهل الطريق هو سكون هيبة وإجلال لعظمة الحق، ومحبة لجميل منته، ورغبة في رضاه ورهبة من نقمته وغضبه.
فإذا أتم السائر مقام الخشوع تأهل لمقام (الإخبات) فيخبت القلب لبارئه تمام الاخبات، والاخبات هو الخشوع مع السكون إلى الله مع شدة اللجوء إليه والشوق إلى رؤياه، وفي منزل الاخبات، تستغرق العصمة الشهوة، وتستدرك الإدارة الغفلة، ويغلب طلب الحق والانس به والشوق إليه السلوى عنه والانشغال عنه، فلا يعاني صاحب الاخبات لا من شهوة ولا من غفلة ولا من سلوى، لان الاخبات احرق ذلك كله، فلا تقطع الطريق عليه فتنة، والسائر بوصوله إلى منزل الاخبات يكون قد أمن من التردد في السير، وقد امن من الرجوع في نية السفر، وقد سلك من الطريق ما يمنعه من العودة، وبالتالي فهو في مأمن من النظر إلى الدنيا وإلى شهوات النفس وملذاتها وقد قطع من طريق سفر النفس نحو كمالها اكثره، وقد بدأ يشعر بالأنس في مناجاة الله تعالى وذكره بما يمنعه من مجرد التفكير في إلغاء الرحلة المباركة إلى الله.
فإذا بلغ ذلك تأهل لمنزلة (الزهد) فيزهد في الفاني ويرجو الباقي، والزهد اسقاط الرغبة بالكلية عن الدنيا مع عدم الميل إليها، او التشوق إلي ملذاتها، وهو للعامة قربة، وهو للمريد ضرورة لأنه لو لم يزهد في الدنيا لم يستطع الترقي في المنازل، فأول شروط الترقي في المنازل الزهد في الدنيا، والمريد إنما سمي مريدا لجمعه الإرادة والهمة على إرادة الله وترك الدنيا وعلى السير والترقي في المنازل إلى الله فلو لم يزهد لما صح أن يُقال عنه انه مريد، والزهد خسة للخاصة، لانهم اهل عرفان، عرفوا حقيقة الدنيا، فهم لا يرون الدنيا تستحق أصلا ان يُزهد فيها لأنها دار الغرور، فهم يزهدون في الزهد فيها.
فإذا بلغ السائر ذلك الزهد: تأهل لمنزلة (الورع) فيبتعد عن الشبهات وينقطع عن الشهوات ابتغاء مرضات رب البريات، والورع معناه غاية الحذر في التوقي من الشبهات مخافة الوقوع في الحرام، ومعناه تضييق على النفس في ترك التوسع في المباح مخافة الوقوع فيما حرمه الله، ومعناه ترك ما لا باس به اتقاء الوقوع فيما به البأس، وترك بعض الحلال لأجل البعد عن الشبهات، ومعناه ترك الفضول وما زاد على حاجة الانسان الضرورية، من اجل اغتنام الأوقات في السير إلى الله، ومعناه التورع عن كل شاغل يضيع الوقت ومعناه: التورع عن التعلق بما سوى الله من امور الدنيا والنفس والخلق،.
فإذا بلغ السائر تلك المعاني من الورع تأهل لمنزل (التبتل) إلى الله والانقطاع لطاعته والحرص على مرضاته، التبتل هو التجرد عن كل ما سوى الله إلى الله، والمتبتل إلى الله هو الذي جرد نفسه عن كل ما سوى الله، فمن انقطع عن الدنيا لأجل الآخرة فقد تبتل ولكن للآخرة، ومن انقطع عن السوى لأجل الله فقد تبتل إلى الله، قال تعالى (وتبتل إليه تبتيلا)، أي إلى الله، فالعبد الصادق في تبتله، يعمل بمقتضى عبوديته لله، يتبتل إلى الله تعالى لأنه سبحانه المستحق للعبودية لجناب ذاته، والمتبتل إلى الله منقطع عن حظوظ النفس فلا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا الله، والمتبتل إلى الله يجانب الهوى ويرفض الأهواء ولا يانس غلا إلى الله، والمتبتل إلى الله لا يشغله شاغل عن قصد الوصول إلى الله تعالى.
فإذا بلغ المتبتل إلى الله تلك المعاني أكرمه الله تعالى بمقام (الرجاء) فلا يرجو إلا الله، ولا يرجو إلا لقاء الحق عز وجل، وهذا الرجاء ينغص للعيش الدنيوي، ويزهد في الخلق.
فإذا صفت روحه عن التعلق بغير الله، أكرمه الله تعالى بمقام (الرغبة) فلا يرغب إلا إلى الله، والرغبة أعلى من الرجاء، لأن الرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق والرغبة سلوك على تحقيق، وهذه الرغبة تبعث على الاجتهاد، وهذه الرغبة تصون السالك من وهن الفترة وتمنع صاحبها من تتبع الرخص، وهذه الرغبة تجعل صاحبها من أهل العزائم الذين لا يبالون في الله أي شيء، ولا ينظرون إلى مخلوق، بل همهم وقصدهم هو الله، ولو مشى أحدهم على الجمر، وهذه الرغبة الصادقة لا تبقى من المجهود إلا مبذولا ولا تدع للهمة ذبولا ولا تترك غير المقصود مأمولا، فهي لا تلوى على شيء ولا تلتفت إلى السوى، ومرادها في سيرها هو الحق تعالى ولا شيء سواه، فإذا أتم السالك منازل الابواب العشرة: (الحزن، والخوف، والإشفاق، والخشوع، والإخبات، والزهد، والورع، والتبتل، والرجاء، والرغبة) انتقل إلى القسم الثالث من أقسام منازل السائرين، ألا وهو قسم المعاملات مع الحق تبارك وتعالى، وهو عشرة منازل أيضا وهي: الرعاية، والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم.
القسم الثالث: قسم المعاملات فيه عشرة منازل: تبدأ بمنزل الرعاية، ثم المراقبة، ثم الحرمة، ثم الإخلاص، ثم التهذيب، ثم الاستقامة، ثم التوكل، ثم التفويض، ثم الثقة، وأعلاها التسليم.
فأول ما يبتدئ من منازل المعاملات هو منزل: (الرعاية)، رعاية الأعمال والأقوال والأوقات، الرعاية تشمل صيانة وحفظ وعناية الأعمال، وصيانة وحفظ وعناية الأحوال، وصيانة وحفظ وعناية الأوقات، رعاية الأعمال: تكون بتكثيرها وتحقيرها بالنظر إليها على أنها لا تليق بحضرة الحق سبحانه، وان الله تعالى غني عنها، وأنها معلولة، بالرياء والنفاق والنقص، فلابد من الوجل من عدم قبولها، ورعاية الأحوال أن يتهم نفسه فيها حتى تنكسر نفسه فلا يصيبها عجب ولا رياء، ورعاية الأوقات تكون بوقوفه كل وقت مع خطواته يصححها ولا يتجاوز كل خطوة إلا وقد استوفى حقها، ويرى أن ما هو فيه إنما هو من سابق عناية الله تعالى له، فلا فضل له فيه، وإنما الفضل فيه والتوفيق فيه إنما هو لله، ولا يتم له منزل الرعاية حتى يذهب عن شهود صفائه، فيغيب بالله تعالى عن شهود صفائه، فيكون له الفناء الكلي في الله فلا يرى لنفسه عمل ولا منزل ولا صفاء ولا كدر، ذاهب بالله عن نفسه، وتلك هي الدرجة العالية من الرعاية، تؤهل السالك إلى مقام (المراقبة) مراقبة الحق سبحانه في السير إليه، والمراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه، والمراقبة هي دوام ملاحظة الله تعالى على الدوام، مراقبة متواصلة لا تنقطع، بين تعظيم لله يتلاشى معه وجود الخلائق، واحساس بالقرب يحمل على التفاني في الطاعة والبعد عن المعصية، وسرور بالقرب من الله يبعث على السير الحثيث إلى الله وإلى ترقي المنازل نحو الله بلا فتور ولا وهن ولا تراخي، ومراقبة نظر الحق فلا تفعل إلا ما يرضيه، ولا يلقاك إلا في مواضع محبته، ولا يفتقدك إلا في مواضع غضبه وعقابه.
فينشأ عن تلك المراقبة مقام (الحرمة) بتعظيم الحرمات: و الحرمة هي مراعاة الشرع بفعل الأوامر وترك النواهي، وأداء حق العبودية لا يرى لنفسه في عبادته فضلا، والحرمة أن يراعي الأدب ولا يخرج عن اطار العبودية، ويعظم حرمات الله.
فينشأ عن تعظيم الحرمات تحقق (الإخلاص)، والإخلاص تصفية العمل من كل شائبة رياء أو آفة تُخل بالعمل كالعجب به أو التزين به، فلا يكون العمل إلا لله، ولا يعتد بعمله، ولا يرى عمله من كسب نفسه بل توفيق من الله، فلا يستحسن عمله، ولا يقف معه، ولا يطلب عليه اجرا، بل يبرأ إلى الله منه ومن تقصيره فيه، ويستغفر الله من القصور فيه لأنه لا يليق بالجليل سبحانه، بل ويشعر بالخجل من العمل مع بذل أقصى المجهود فيه.
فإذا تم الاخلاص وتحقق، يتوجه السالك إلى مقام (التهذيب)، ويكون ذلك بمخالفة العادات إلى العبادات ونسيان حظوظ النفس في تلك العبادات، والتهذيب: هو تحسين الأدب والخلق والعمل، به تطهر العبودية من الخلل والنقص، وبه تتخلص النفس من دنس الطبائع ولوث التعلق بغير الله، وبه تتأهل النفس للسير إلى الله تعالى بلا علائق وهو بمثابة الكير الذي ينقي خبث النفس، فلا بد من التهذيب، فلا يكون العمل إلا خالصا لله.
فإذا تم (التهذيب) تأهل السالك إلى منزل (الاستقامة) في السير إلى الله، والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة، والاستقامة تشمل كذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها، الظاهرة والباطنة، مع الاستمرار على ذلك، والاستقامة: هي السير إلى الله بلا أدنى انحراف، ولا تكون الاستقامة إلا بطلب الله وحده، فلا يطلب السالك دنيا ولا آخرة، بل يطلب القرب من الله، ويسلك إلى الله ويتوجه بقلبه إلى الله ولا يشغله شيء عن الله، ولا تتم الاستقامة إلا بترك رؤية الاستقامة نفسها.
فإن استقام المرء حق الاستقامة تأهل لمنزلة (التوكل) على الله، وعلامة المتوكل: أن لا يسأل أحدا ولا يحبس خيرا، وأن يكون العبد بين يدي الله عزَّ وجل كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف شاء لا يكون له أدنى اعتراض، والتوكل : كِلَهُ الأمر كله إلى مالكه والتعويل على وكالته، ومن توكل على الله حق توكله تأهل لمنزلة (التفويض) بتفويض الأمر إلى الله، العبد يبدا بالتوكل على الله تعالى في كل أمر من أموره، ومع زيادة التوكل وتحققه، يصل العبد إلى التفويض الكامل لله، فيترك أمره كله لله تعالى طالبا منه أن يتولاه هو بعنايته وتدبيره لأمره كله، والتفويض عين الاستسلام، وهو عين الاستسلام والانقياد لله بالكلية واسلام الوجه له والبراءة من الحول والقوة إلى الله.
ومن فوض أمره كله لله تأهل لمنزلة (الثقة بالله) وبكفايته وعنايته ورعايته، والثقة بالله، أن لا تطلب غير ما حكم الله، ولا تريد إلا ما أراد الله، ولا تعترض على قضاء الله، والثقة بالله أن تفنى إرادتك في إرادة الحق فلا تريد إلا ما أراده الحق، فيستوي عندك الرخاء والبلاء، والثقة بالله ثقة بحكم الله، وأن ما قدره الله سيكون لا محالة، وأن ما قسم له لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه رفعت الأقلام وجفت الصحف.
فإذا تمكنت الثقة بالله من قلب السالك تأهل لمنزلة (التسليم) لله ولأمر الله ولقضاء الله، والتسليم يعني تسليم الأمور إلى صاحبها دون أدنى اعتراض ظاهرا ولا باطنا، لقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ}، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، وقوله تعالى: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، والتسليم: تسليم أمور الغيب كلها إلى الله، والتسليم لحكمة الله تعالى في ذلك دون أدنى اعتراض، ولابد من الاذعان لما يقضي به الملك الديان، ومنزلة التسليم هي آخر منازل المعاملات، وبعدها ينتقل السالك إلى القسم الرابع قسم الأخلاق، و قسم الأخلاق هو القسم الرابع والاخير في سفر النفس إلى الله، بعد أقسام البدايات والأبواب والمعاملات، والأخلاق مواريث المعاملات، لأن الأخلاق ملكات في النفس تصدر منها الأفعال، فإذا تكررت المعاملات القلبية مع الله، من الرعاية، والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم، أورثت عظيم الأخلاق، وقسم الأخلاق: عشرة منازل عالية، وعشرة أخلاق عظيمة، تبدأ بالصبر وتنتهي بالانبساط، وهي: الصبر، والرضا، والشكر، والحياء، والصدق، والإيثار، والخلق، والتواضع، والفتوة، والانبساط.
القسم الرابع: [قسم الأخلاق]: فإذا تكررت المعاملات القلبية مع الله، من الرعاية، والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم، أورثت عظيم الأخلاق، وقسم الأخلاق: عشرة منازل عالية، وعشرة أخلاق عظيمة، تبدأ بالصبر وتنتهي بالانبساط، وهي: الصبر، والرضا، والشكر، والحياء، والصدق، والإيثار، والخلق، والتواضع، والفتوة، والانبساط:
فأول ما يبتدئ من منازل الأخلاق: (الصبر) فيصبر على الطاعات ويصبر عن المعاصي والسيئات، ويصبر على المكاره والابتلاءات، و (الصبر) من أعظم الأخلاق حتى زادت مواضع ذكره في القرآن الكريم عن مائة موضع، لان أكثر الأخلاق ترجع إليه، وتصدر عنه، والصبر هو حبس النفس عن إظهار الجزع، وعدم الشكوى إلى غير الله، والصبر منه: الصبر عن المعصية، بالابتعاد عنها حياء من الله وتعظيما لأمر الله، ومنه: الصبر على الطاعة بالمحافظة عليها في أوقاتها وتحقيق الإخلاص فيها، ورؤيتها من الله، ومنه: الصبر على البلاء.
ومتى تحقق العبد بمنزل الصبر ارتقى إلى منزل (الرضا) فيرضى بالله وبقضاء الله ويرضى عن الله، والرضا: سرور القلب بُمرِّ القضاء، ولهذا كان الرضا أعلى وأجل من الصبر، والرضا أساس الدين، فلا يسلم العبد حتى يرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبياً، والرضا منزل للوقوف الصادق مع الله ومع مراد الله، وحقيقة الرضا فناء الإرادة، وهي أول ما يفنى في طريق أهل الفناء، والرضا درجات: أولها: الرضا بالله ربا وبدينه دينا وبنبيه نبيا ورسولا، ثم: الرضا عن قضاء الله وقدره وتدبيره، وأعلاها: فناء الإرادة في إرادة الله والرضا برضا الله فلا يرى العبد لنفسه سخطا ولا رضى، فكل ما يختاره الله تعالى له فهو حسن عنده، فلا يختار إلا ما يختاره الله،ولا يتم منزل الرضا إلا: باستواء الحالات عند العبد، فلا يفرح بحصول مرغوب ولا يحزن بفواته، ويتساوى عنده النعمة والبلاء، وأن يسقط الخصومة مع الخلق، فلا يخاصم أحدا لشيء من أمور الدنيا، ولا يسأل أحدا شيئا شيئا من امورها.
ومتى تحقق العبد بمنزل الرضا ارتقى إلى منزل (الشكر) فيشكر الله في السراء والضراء، ويرى البلاء نعمة من الله تستحق الشكر والوفاء، والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، وشكر بالقلب أن يشهد بقلبه نسبة النعمة للمنعم سبحانه {وما بكم من نعمة فمن الله}، وأما باللسان: فهو إظهار الشكر لله بالتحميد {وأما بنعمة ربك فحدث}، وأما بالجوارح: فهو استعمال نعم الله عز وجل في طاعته، ولا يتم منزل الشكر إلا بان يرى نفسه ليس أهلا للنعم، ولا يتم منزل الشكر أيضا إلا بالشكر في المكاره كما يكون في المحاب، وإظهار الفرح والسرور على الشدائد والمكاره، ولذا كان الشكر أعلى من الرضا، لأن الرضا رضا بمر القضاء، والشكر فرح بمر القضاء، ومتى تحقق العبد بمنزل الشكر ارتقى إلى منزل (الحياء)، فيستحي أن يسأل ربه غير ما هو فيه وهذا حق الحياء، والحَيَاء خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ كل ذي الحقِّ، والحياء ينشأ عند السالك من علمه الدائم بأن الله تعالى يراه في كل أحواله، فينشأ من هذا العلم الحياء من الله، والحياء يتولد من أمرين هما التعظيم والمحبة، فمن عظم الله وأحبه فقد بدأ السير في منزل الحياء، والحياء يدفع إلى تحمل المجاهدة في الله، ويدعو إلى ركوب المحبة في السير إلى الله، وأعظم الحياء هو الحياء الذي يتولد من الدخول على حضرة الملك سبحانه وشهود تجلياته.
ومتى تحقق العبد بمنزل الحياء ارتقى إلى منزل (الصدق)، والصدق : استواء السر والعلانية، والصادق : من صدق في أقواله وأفعاله وأحواله، وأول الصدق: صدق النية، واعلاه أن يوقن أنه ليس لنفسه في ادعاء صدقه نصيب، قال تعالى {والذين يؤتون ما آتو وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}.
ومتى تحقق العبد بهذا الصدق مع الله ارتقى إلى منزل (الإيثار) يؤثر الحق على الخلق، ويؤثر الخلق على نفسه، ويؤثر ما يؤثره الله تعالى، فهو مع الله، يؤثر إيثار الله تعالى في التدبير والتصريف.
ومتى تحقق العبد بمنزل الإيثار ارتقى إلى منزل (الخلق)، الخلق العظيم مع خلق الله ومع الناس، وحَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ مع الخالق أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذرا وكل ما يأتي من الحق يوجب شكرا وأن لا ترى له من الوفاء بدا، قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}، وقال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}، وحَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ مع الخلق: بذل المعروف للخلق، وكف الأذى عن الخلق، واحتمال الأذى من الخلق، وطلاقة الوجه لهم والبشر عند مقابلتهم.
ومتى تحقق العبد بمنزل الخلق مع الخالق ومع الخلق: ارتقى إلى منزل (التواضع)، والتواضع هو أن يتضع العبد لأنه عبد لصولة الحق لأنه الرب، فيتضع العبد لحكم ربه وإرادته ومشيئته فلا يقابل الربوبية إلا بذل العبودية، فهذا هو التواضع للحق، والتواضع للمسلمين، كما قال تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، وكما قال تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، فيتواضع للمسلمين ببذل المعروف وحمل الأذى.
ومتى تحقق العبد بمنزل التواضع ارتقى إلى منزل (الفتوة) فلا يشهد لنفسه فضلا، بل يكون شاهدا لربه على تقصير نفسه، ولا يرى له على أحد حقا، فيترك الخصومة ويتغافل عن الزلة وينسى الأذية، ويقرب من يقصيه ويكرم من يؤذيه ولا يحوج أحدا معه إلى شفاعة ولا اعتذار، و الفتوة: الصفح عن عثرات الإخوان، والفتوة: كفّ الأذى وبذل الندى، وخلاصة الفتوة محو أنانية النفس ورعوناتها، فلا تشهد لك على أحد فضلا، ولا ترى لك حقا على أحد، بل ترى الحقوق واجبة عليك إلى الجميع، وهي على ثلاث درجات: أولها: ترك الخصومة والتغافل عن الزلة ونسيان الأذية، فينسى أذية كل من آذاه، لأنه مشغول بصفاء نفسه ووقته مع الله، والدرجة الثانية من الفتوة: أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك وتعتذر إلى من يجنى عليك سماحا، والدرجة الثالثة من الفتوة: أن لا يلتفت إلى سوى الله، لا إلى نفسه ولا إلى الخلق.
ومتى تحقق العبد بمنزل الفتوة ارتقى إلى منزل (الانبساط)، فينبسط مع الخالق بالحب والقرب والود، وينبسط مع الخلق بكمال الخلق، فلا يعتزلهم ضنا على نفسه، ولا يترك صحبتهم حفاظا على منزلته وقدره، وأن يواسيهم بما زاد عنده عن حاجته ويوسع عليهم مما في يده ولا يمنعهم شيئا مما أعطاه الله، وأن يسعهم بخلقه، فيحتمل سيء أخلاقهم وسوء عشرتهم، ويدفع لهم بالتي هي أحسن، ومنزل (الانبساط) هو آخر منازل الأخلاق، وبه تنتهي مراحل النفس وتبدأ مجاهدات القلب.
القسم الخامس: [قسم الأصول]: فمع قسم الأصول تبدأ مرحلة جديدة من السير تتعلق بالخاصة، وهي (الرتبة الثانية) هي رتبة الغربة، ولها ثلاثون منزلا على ثلاثة أقسام، هي: قسم الأصول ثم قسم الأودية، ثم قسم الأحوال، (الرتبة الأولى) من منازل السائرين هي (رتبة تزكية النفس): وهي رتبة القصد إلى السير، وتتعلق بالمبتدئ في السير، ولها أربعون منزلا على أربعة أقسام هي: قسم البدايات، ثم قسم الأبواب، ثم قسم المعاملات، ثم قسم الأخلاق، فإن: (الرتبة الثانية) هي رتبة الغربة، ولها ثلاثون منزلا على ثلاثة أقسام، هي: قسم الأصول ثم قسم الأودية، ثم قسم الأحوال، وهي (رتبة القلب)، فإن المقام الأساسي المفترض للإنسان هو القلب، قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، فعلق النجاة على القلب السليم من الآفات، وقسم الأصول فيه عشرة منازل: تبدأ بمنزل القصد، ثم العزم، ثم الإرادة، ثم الأدب، ثم اليقين، ثم الأنس، ثم الذكر، ثم الفقر، ثم الغنى، ثم الاجتباء، إنّ أول ما يتعلق بالقلب من أقسام السلوك، هو قسم الأصول، وسمي هذا القسم أصولا لان منازله هي مباني السلوك وأساس السير واركان الإرادة عند المريد، وهي مفاوز للقلب يقطعها السالك من أجل الانتقال إلى الرتبة الثالثة. وتبدأ منازل هذا القسم بمنزلة (القصد): وهو عقد النية على التجرد للطاعة، وصدق القصد يبعث على الترقي في المنازل، ويخلص من التردد ويدعو إلى مجانبة الأغراض، فلا يطلب السائر لقصده عوضا ولا غرضا، ولا حظا من حظوظ الدنيا ولا من الآخرة، السائر يجرد قصده لله، قصد لا يلتقي سببا إلا قطعه، ولا يدع حائلا إلا منعه، ولا تحاملا إلا سهله، لا يهدا القصد دون اقتحام في بحر الفناء.
فإذا صدق القصد، ترقى السالك إلى مقام (العزم)، العزم على طاعة الله، وإماتة الهوى في الله، والاستغراق في اتمام السير إلى الله، والعزم هو الجد والثبات على الامر، والعزم يميت الهوى، ويديم نور الانس، وينير الطريق بأنوار التجليات، والعزم يجمع جميع الهموم في هم واحد، وهو الدخول على حضرة الحق.
فإذا صدق العزم، ترقى السالك إلى مقام (الإرادة)، وهي تعلق القلب بالله طلبا لقربه، ويكون ذلك بخلع كل شاغل عن الطريق، والارادة: ترك الغفلة وترك الشهوة والانسلاخ عن العادات مع أداء الواجبات والمستحبات والكف عن المحرمات والمكروهات، والارادة صدق القصد إلى الحق سبحانه، منزها عن الأغراض والأعواض فلا يطلب لقصده دنيا ولا آخرة، ولا يطلب إلا رضا الله، والإرادة بعد عن كل ما يشغل عن السير في الطريق إلى الله، والإرادة جمع الهمة على السير إلى الله وحده.
فإذا صدقت الإرادة مع ملازمة الرعاية للأقوال والاعمال والأحوال، ترقى السالك إلى مقام (الادب)، وللأدب عند أهل الطريق شأن كبير في سيرهم وسلوكهم إلى الله، الأدب مع الله والادب مع الخلق، الأدب مع الله بتحقق تذلل العبودية أمام عزة الربوبية، والتسليم أمام كمال المشيئة، وأن يعلم أن مقام العبد دائما هو التقصير، فما أصابه من خير أو حسنة أو طاعة فمن الله وما أصابه من مصيبة فمن نفسه، وأدبه مع إخوانه: أن يعتقد أنهم خير منه لأنهم سبقوه في طاعة الله، وهو سبقهم إلى معصية الله، فيعتقد الإحسان في إخوانه والنقص في نفسه، و(الأدب) شرط أساسي في كل ركن من أركان الطريق إلى الله، وسوء الأدب يفسد السلوك كله، ولذلك قالوا: (لا سير بلا أدب)، وقالوا: (التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف)، وقالوا: (بالأدب تطوى المسافات)، وقالوا: (من لزم آداب الأوقات، بلغ مبلغ الرجال)، وقالوا: العبد يصل بطاعته إلى الجنة وبأدبه في طاعته إلى الله.
فإذا صدق الادب، ترقى السالك إلى مقام (اليقين)، واليقين غاية درجات المبتدئين، وهو أول خطوة من خطوات الخاصة، حتى قال بعض العارفين: أنه الحد الفاصل بين العامة والخاصة، و (اليقين) مراتب: علم اليقين، وهو ما يعلمه الإنسان عن طريق السمع والخبر، وعين اليقين وهو ما يعلمه الإنسان ويوقن به عن طريق المشاهدة والنظر، وهو أقوى من اليقين الاول لأنّه ليس الخبر كالعيان وحق اليقين، وهو أعلى درجات اليقين لأنّه لا يقتصر على الرؤية والمشاهدة، وإنّما يتعداها إلى المعاينة والمعايشة الدائمة المستمرة.
فإذا صدق اليقين، ترقى السالك إلى مقام (الانس) وهو أول منازل الخاصة بعد اليقين، وهو الانس بالله، واستحلاء ذكر الله، وقرة العين بالعبادة، و (الأنس) هو الألفة وهو المحبة، و هو ثمرة الطاعة، وهو الشعور بشدة القرب من الله، فمن انس بالله، فإن الله تعالى مؤنسه، ومن علامات الانس: أن لا يفتر القلب عن ذكر الله، ولا يسأم من عبادته، ويشتاق إلى لقائه.
فإذا صدق الأنس، ترقى السالك إلى مقام (الذكر)، وفي هذا المنزل يتخلص السالك من الغفلة والنسيان والفتور، ويبقى مع الذكر بقلبه ولسانه، فلا يلتفت قلبه إلى سوى الله، ولا يفتر لسانه عن ذكر الله.
فإذا صدق الذكر، ترقى السالك إلى مقام (الفقر)، الفقر إلى الله، وأوله نفض اليدين من الدنيا، ثم صدق الاضطرار إلى الله، وذهول القلب عما سواه وعدم التفاته إلا إلى الله، فالعبد عبد لا يملك شيئا وإنما هو وما يملك ملك لسيده، وبالتالي فإن الإنسان فقير إلى الله لأنه عبد الله، فهو وما يملك ملك لله، والفقير حقا من يرى ذلك، فهو لا يرى الملك إلا لله، فمن ادعى ملك شيء لا يصح له ادعاء منزلة الفقر، وقد اتفق أهل الطريق على أن من لم يبلغ منزلة الفقر فليس من أهل الطريق المقتدى بهم في هذا الشأن، ومن هذا القبيل كانوا يسمون اهل الطريق (الفقراء) لأن من لم يتحقق بالفقر (الافتقار إلى الله) فلا يكون من أهل الطريق المقتدى بهم في هذا الشأن.
فإذا صدق الفقر، ترقى السالك إلى مقام (الغنى بالله) غنى القلب بالله عما سواه، غنى القلب بالله عن كل سبب، و(غنى النفس) عن كافة حظوظها، و (وغنى العارف بالحق)، ومن كان غنيا بالله، فهو الغني حقا لأنه غني بالغني المطلق سبحانه، فإذا تحقق الفقر إلى الله والغنى بالله عما سواه، تحقق الاجتباء من المولى الغني الكريم، وترقى السالك إلى مقامات المريد إلى مقام (المراد)، والمراد هو المجتبى في قوله تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}، وفي هذا المنزل يضع الله تعالى عن العبد عوار النقص ويستخلصه لرضاه، ويصطنعه لنفسه، فالمريد عند أهل الطريق هو المبتدىء، وهو المجتهد المنيب، والمراد: هو المنتهي، وهو المجتبى المختار، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}، فالمريد متعنِّ مجتهد، والمراد: مراد، تتولاه رعاية الحق سبحانه، المريد يسير والمراد يطير، وأكثر أهل الطريق على أن المريد يرتقي في المنازل باجتهاده إلى أن يصير مرادا، كأنه كان محبا، فصار محبوبا، فكل مريد صادق نهاية أمره أن يكون مرادا، وهذا من رحمة الله بالأولياء وأهل الطريق، وبهذا المنزل تنتهي الأصول ومباني السلوك وأسس السير في الطريق، ويبدأ قسم الاودية، وهو القسم السادس من أقسام السلوك.
القسم السادس: [قسم الأودية]: أقسام المنازل عشرة، الأقسام الأربعة الأولى (من قسم البدايات وإلى قسم الأخلاق) تتعلق بترقية النفس، وهي أقسام المريدين المبتدئين في السير، ثم الأقسام الثلاثة التالية (قسم الأصول، ثم قسم الأودية، ثم قسم الأحوال)، وهي أقسام السائرين أهل الخصوص، وهي تتعلق بمجاهدات القلب نحو الكمال الإنساني، ثم الأقسام الثلاثة الأخيرة التي تتعلق بالروح النوراني العلوي (قسم الولايات، ثم قسم الحقائق، ثم قسم النهايات) وهي أقسام الأولياء العارفين أهل خاصة الخاصة المقربين، أهل الدخول على حضرة الحق حيث المشاهدات والمعاينات وعظيم التجليات، وهذا القسم السادس الذي نحن بصدد البدء فيه: (قسم الأودية) يتناول عشرة منازل: تبدأ بمنزل الإحسان، ثم العلم، ثم الحكمة، ثم البصيرة، ثم الفراسة، ثم التعظيم، ثم الإلهام، ثم السكينة، ثم الطمأنينة، وتنتهي بمنزل الهمة، وقد سميت منازل هذا القسم (أودية) لان معظم السير والسلوك إنما هو فيها، وهي كالأودية قد يكون فيها المهالك والمخاوف وقد يقع فيها الزلل لأن للسعي فيها قوة وللعقل فيها مدخل وللشيطان فيها مكائد، ولولا التأييد الإلهي والهداية الربانية لضل في تلك الأودية أكثر السالكين، ولكن الله تعالى برحمته يهدي لنوره من يشاء، وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ.
وأول منازل الأودية: منزل (الإحسان)، بكل معاني الاحسان، الإحسان في النية، بأن تكون النية جازمة لله وحده ليس لشيء سواه، صافية من شوب الرياء والنفاق والأغراض والاعواض فلا يطلب لعمله أجرا سوى الله، والإحسان في الأحوال، فيراها من الله منة وفضلا، ويحفظها عن النشر غيرة عليها ويسترها عن أعين الناس ويجتهد في تصحيحها وتمحيصها، والإحسان في الوقت فيجعله كله لله، ويجعل هجرته إلى الله تعالى بلا انقطاع، لا منتهى ولا غاية، فمن طلب منزل الإحسان بصدق بلغه الله تعالى هذا المنزل لأنه سبحانه قال {هل جزاء الاحسان إلا الاحسان}.
فإذا أكرم الله السالك رقاه إلى منزل (العلم اللدني): علم خفي ينبت في الأسرار الطاهرة، ويظهر في الأنفاس الصادقة لأهل الهمة العالية، واول العلم: علم جلي مستمد من أدلة الشرع (الكتاب والسنة)، وثمرته علم خفي ينبت القلوب الطاهرة، يدل على احوال صادقة ومنازل عالية، وثمرته علم رباني من علم الله، يتجلى به الله تعالى على أوليائه.
فإذا أكرم الله السالك رقاه من منزل العلم إلى منزل (الحكمة)، ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا، قال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، وأول الحكمة: أن تعطي كل شيء حقه ولا تعديه حده ولا تعجله وقته، ثم أن تشهد نظر الله في وعيده وأن تعرف عدله في حكمه فكل ما حكم به الله تعالى عدل محض لا ظلم فيه، وأن تلحظ بره في منعه، فإنه سبحانه ما منع شيئا إلا لعلة وشر وفساد، ثم أن تبلغ في استدلالك البصيرة، وأن تبلغ في إرشادك الحقيقة، وأن تبلغ في إشاراتك الغاية.
فإذا أكرم الله السالك رقاه من منزل الحكمة إلى منزل (البصيرة): والبصيرة هي اكتحال عين القلب بنور الهداية، وأول البصيرة: أن تعلم أن الشرع صادر عن الحق فتتبعه وتغار عليه ان ينتهك، ثم أن تعلم ان القضاء والقدر صادر عن الحق، فلا ظلم فيه، يهدي من يشاء بمحض فضله، ويضل من يشاء بمحض عدله، هو أعلم بمن يستحق الضلال، وهو أعلم بمن اهتدي، ثم بصيرة أهل العرفان التي تفجر المعرفة وتثبت الإشارة لأن الحقائق ألطف من أن تُعرف، وتنبت الفراسة في القلب من غير استدلال بشاهد ولا احتياج لتجربة.
فإذا اكرم الله تعالى السالك رقاه من منزل البصيرة إلى منزل (الفراسة): فمن طهر نفسه وخالف هواه والشيطان وزهد في الدنيا وأكل المال الحلال وحرص على طاعة الله، وترك فضول الدنيا لعادت فراسته إلى صدقها وصفائها ولنظر إلى الأمور بنور الله، فلا تكاد تخطئ له فراسة، وهذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))، يعني: بنور خصه به الحق سبحانه، فراسة ربانية صافية تضيء بنور الله، وترى بتوفيق الله، وتورث صاحبها التعظيم لأمر الله.
ولهذا كان المنزل التالي في الترقي هو منزل: (التعظيم) لله ولشرع الله ولحكم الله، تعظيم المريدين: (تعظيم شرع الله) بالطاعة والانقياد فلا يُخالف، ثم تعظيم السالكين: تعظيم (قضاء الله وقدره) بالرضا والتسليم فلا يُعارض، ثم تعظيم العارفين وهو تعظيم الحق وحده، فلا تطلب سواه، ولا تبغي إلا وجهه، ويورث التعظيم في قلب السالك (الإلهام) الصائب، والإلهام مقام المحدثين، وهو فوق الفراسة لأن الفراسة تقع نادرا، والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد، وأول الإلهام إلهام الانباء والاخبار وهو إلهام المريدين، ثم إلهام الكشف والشهود وهو إلهام السالكين، وأعلاه إلهام يجلو عين التحقيق، يبصر به الحقائق على ما هي عليه، وهو إلهام العارفين، ويورث منزل الإلهام في قلب السالك (السكينة) إلى الله، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}، والسكينة شيء من لطائف صنيع الحق يُلقي على لسان المحدث الحكمة كما يُلقي الملك الوحي على قلوب الأنبياء، وتُنطق المحدثين بالحقائق مع ترويح القلوب بنور الكشف وكشف الشبه بجلاء اليقين، وهذه السكينة تنور القلب بنور الحق سبحانه، والسكينة تجمع لأصحابها نور الإيمان وقوة اليقين وروح البصيرة، والسكينة راحة وطمأنينة ووقار يُعظم الناس به أصحاب تلك السكينة، وتلك هي السكينة التي جعلها الله تعالى لأهل الطريق،
و(السكينة) تنبت في القلب (الطمأنينة)، وأول الطمأنينة طمأنينة القلب بذكر الله، وهي طمأنينة المريدين، والثانية طمأنينة الروح إلى نور الله، وهي طمأنينة السالكين، وأعلى الطمأنينة طمأنينة الدخول على حضرة الحق، وشهود تجليات الحق سبحانه، وهي طمأنينة الأولياء أهل المعرفة والتحقيق، والرجوع إلى الله تعالى يكون بالنفس المطمئنة إلى الله، وهذه النفس المطمئنة هي التي تستحق شرف الانتساب إلى عبوديته ودخول جنته، قال تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}، وجنة العارف هي حضرة الحق حيث لا يؤذن للدخول عليها وشهود تجلياتها سوى أولياء الحق الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والطمأنينة تقوي همة السالك، وترقيه إلى (منزل الهمة): والهمة قوة تدفع العبد إلى طلب الحق سبحانه طلبا صرفا، لا رغبة في ثواب ولا خوفا من عقاب، بل خالصة لوجه الله، والهمة الصادقة: همة لا يقوى صاحب الهمة على دفعها، ولا يصبر عنها لأنه تحت قهر سلطانها فلا يتركها، ولا يلتفت عنها، واول الهمة: همة تورث الزهد في الدنيا، و الدرجة الثانية من الهمة: همة تجعل صاحبها يجد في السير لا يلتفت إلى شيء سوى الوصول إلى الحق، وهي همة السالكين، و الدرجة الثالثة من الهمة: همة تصاعد عن الأحوال والمقامات وتزري بالأعواض والدرجات وتنحو عن النعوت نحو الذات، وهذه هي همة الأولياء لا ينظرون إلى أحوال ولا مقامات ولا منازل، ولا يأبهون بالأعواض والدرجات، فهمتهم همة تصون القلب من خسة الرغبة في الفاني وتحمله على الرغبة في الباقي وتصفية من كدر التواني، وبهذا المنزل تنتهي منازل الاودية، وتبدأ منازل القسم السابع (قسم الاحوال)، حيث تتعاقب على القلب الأحوال، وتتوالى المواهب والعطايا، واول تلك الاحوال وأساسها المحبة، ثم الغيرة، ثم الشوق، ثم القلق، ثم العطش، ثم الوجد، ثم الدهش، ثم الهيمان، ثم البرق، وآخرها الذوق، وبعده تنطلق الروح في سفرها إلى الله تعالى في قسم الولايات.
القسم السابع: [قسم الأحوال]: (قسم الأحوال) هو آخر أقسام السير القلبي إلى الله تعالى، وبعده تبدأ أقسام السير الروحي إلى الله وهي أقسام تتعلق بالأولياء والعارفين، و (قسم الأحوال) بمنازله آخر منازل القلب التي تمهد لانطلاق الروح، حيث تتعاقب على القلب الأحوال، وتتوالى المواهب والعطايا، واول تلك الاحوال وأساسها المحبة، قسم الأحوال يبدأ بالمحبة، ثم الغيرة، ثم الشوق، ثم القلق، ثم العطش، ثم الوجد، ثم الدهش، ثم الهيمان، ثم البرق، وآخرها الذوق وهو آخر المنازل القلبة وما بعده منازل الروح المتعلقة بالأولياء، في (قسم الاحوال) تتعاقب علي السالك الأحوال، تنقلب الإرادة (محبة)، وتتوهج (الغيرة) ويزداد (الشوق)، ويبدأ (القلق)، ويستولي علي السائر (العطش) ويغلبه (الوجد)، ويؤرقه (الدهش)، الذي يغلب على عقله وصبره وعلمه وحاله، فيرتقي إلى (الهيمان)، ثم تشتد به (الحيرة)، فلا يقوى على فراق المحبوب، يهيم على وجهه طلبا للشهود، فإن تغمدته العناية أبرقت له (البرق) من جانب اللطف الإلهي، والبرق تثبيت إلهي وكشف رباني يريح المحب من خوف الانقطاع، وكثرة البرق يورث تذوق حلاوة العبودية، وفي منزل: (الذوق)، يتذوق المحب طعم الأنس بالله فلا يعلق به شاغل ولا يفتنه عارض ولا تكدره تفرقة، ولا يخاف الانقطاع بعد الوصال، وبهذا المنزل تنتهي منازل قسم الأحوال.
(إذن): أول منازل (قسم الأحوال): (المحبة)، و المحبة لله من أعظم أعمال القلب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، و حقيقة المحبة: (تعلق القلب) بالله وحده، بين همة عظيمة في السير إلى الله وبين متعة الانس بالقرب من الله، (والمحبة أول أودية الفناء) لأن المحبة الصادقة تقتضي الفناء في المحبوب، وهي آخر منزل تلقى فيه العامة مع الخاصة، فما قبل مقام المحبة من المقامات إنما هي محبة النفس وليست محبة الله الخالصة على مصطلح اهل الطريق، لأنها محبة أغراض لأعواض، العامة تحبون الله لما يأتيهم به من خير وفضل ولما ينتظرونه من أجر وثواب في الدنيا والآخرة، فهي عند التحقيق محبة أغراض لأعواض، فلا تصح دعوى المحبة الخالصة، أما محبة أهل الطريق فهي محبة الله تعالى لجناب ذاته، فليس المحرك لها الأجر والثواب والأعواض، فلو لم تكن هناك جنة ولا نار لعبدوه ولأحبوه لجناب ذاته بجلاله وجماله، وتلك هي المحبة الحقيقية والخالصة، فليست محبة أغراض لأعواض، والمحبة هي سمة الطائفة وعنوان الطريقة ومعقد النسبة، بها يُعرفون وإليها ينتسبون، هم أهل منازل المحبة يتحركون بالمحبة،.
وتتحول (المحبة) إلى (غيرة)، حيث لا يستطيع صاحب الغيرة احتمال البعد عن محبوبه، ضنا بمحبوبه، وأول الغيرة: غيرة العابد على الطاعات فيسارع إليها، والدرجة الثانية من الغيرة: (غيرة المريد والسالك): على وقت فات، فيندم على كل وقت لم يكن في السير إلى الله، والدرجة الثالثة من الغيرة: غيرة العارف على الحقائق إذا حجبها حجاب، وغيرته على مجرد (نَفَس) واحد يتعلق بغير الحق جل جلاله.
والغيرة تورث الشوق، ومنزل (الشوق)، هو المنزل الثالث من منازل الأحوال، واول الشوق: هو الشوق إلى الجنة، واعلى منه الشوق إلى الله تعالى، شوق ناشئ من رؤية إنعامه وإحسانه، والدرجة العالية من الشوق، وهي درجة أهل المعرفة والتحقيق الذين لا يشغلهم عن الله شاغل ولا يطفئ شوقهم إلى الله تعالى شيء، فهي نار لا تهدأ حتى يتم اللقاء، فلا يزول همه ولا يهدأ حزنه وهو في حضرة شهود الأفعال والصفات حتى تنكشف الحجب ويحظى بالجمع في حضرة جناب الذات الأحدية.
ويلي الشوق: منزل (القلق)، وهو المنزل الرابع من منازل قسم الاحوال، حيث يحرك الشوق صاحبه فيسقط الصبر، فلا يقوى على فراق الحبيب ولا يقر له بدونه قرارا، فيبدا القلق، واول القلق: قلق يضيق الصدر ويوحش عما سوى الحق، والدرجة الثانية من القلق، وهي درجة المتوسطين، وهو: قلق شديد فوق احتمال طاقة السالك لا يكاد له استقرار ولا يكون له صبر ولا احتمال، والدرجة الثالثة من القلق وهي قلق الأولياء، وهو: (قلق لا يرحم أبدا، ولا يقبل أمدا)، فإنه حاكم على صاحبه يذهب به في طريق الفناء حتى يهلكه في طلب الحق.
فإذا اشتد القلق صار العطش، ومنزل (العطش)، وهو المنزل الخامس من منازل قسم الاحوال، وأوله: عطش المريد إلى وارد يشهد له بصحة سلوكه واستقامة طريقه، والدرجة الثانية من درجات العطش وهي درجة أهل الخصوص، وهي عطش السالك إلى أجل معلوم محدد يعرفه ويسعى إلى طيه من اجل الوصول إلى حضرة الحق، والدرجة الثالثة من العطش وهي درجة الأولياء، وهي عطش الولي العارف إلى تجلٍ عظيم من رب كريم، تجل لا حجاب فيه، فهو يطلب أعلى المقامات وغاية التمكين، فلا يعرج دون هذه الغاية على انتظار ولا سكون حتى يدخل على حضرة حناب الذات الأحدية التي هي مقام التوحيد أعلى منازل السائرين.
وإذا اشتد العطش كان الوجد، ومنزل (الوجد)، وهو المنزل السادس من منازل قسم الأحوال، و (الوجد) نور يقذفه الله تعالى إلى القلب، فيربط على القلب بقوة الإيمان، واوله: وجد يأتي بغتة، ينتبه له قلب المريد، والدرجة الثانية من الوجد: وجد يستفيق له الروح، بتجلٍ من تجليات الحق الأزلية، والدرجة الثالثة من الوجد: وجد يخطف العبد من يد الكونين (الدنيا والآخرة) فيفنيه عن شهود الدنيا والآخرة، ويصفي حقيقته من أدران الحظوظ المتعلقة بالدارين، ويحرره من رق الانتساب إلى الماء والطين، وهذا الوجد هو وجود الحق، ولا يكون وجود الحق إلا بعد خمود البشرية , وفناء الواجد عن الاغيار والسوى.
فإذا تحقق الوجد، كان الدهش، ومنزل (الدهش)، وهو المنزل السابع من منازل قسم الأحوال، والدهش: حيرة تأخذ السائر على حين بغتة تغلب على عقله وقلبه وعلمه، وأوله: دهشة المريد عند صولة الوجد على طاقته، فيبدأ في البكاء، وعند صولة الكشف فيركن إلى السكون، والدرجة الثانية: دهشة السالك عند شهود فناء السوى في حضرة الحق، فيرى ببصر الحق ويشاهد الحق بالحق في مقام المشاهدة فيدهش، والدرجة الثالثة: دهشة العارف عند شهود القرب من الحق فيدهش في أنوار بحر التجليات.
فإذا تحقق الدهش، كان الهيمان، ومنزل (الهيمان)، وهو المنزل الثامن من منازل قسم الاحوال، واول الهيمان: هيمان العبد في النظر إلى عظيم فضل الله تعالى عليه وهو لا يستحق ذلك، والدرجة الثانية: هيمان في تلاطم أمواج المكاشفات والغيبيات والانوار في الحضرات الأسمائية وتجلياتها الجلالية والجمالية، والدرجة العالية من الهيمان: هيمان ناشئ عن فناء العبد في بقاء الرب، عند الغرق في بحر شهود الحضرة الأحدية، وهو أشد الهيمان حيث يغيب صاحبه عن الاحساس، وتصدر عنه حركات وسكنات تدل على محض الهيمان.
فإن تحقق الهيمان ترقى السالك إلى منزل (البرق)، وهو المنزل التاسع من منازل قسم الاحوال، والبرق هو مبدأ طريق الولاية، فأول ما يدعو للدخول في طريق الإرادة والسير هو مقام اليقظة، وأول ما يدعو للدخول إلى طريق الولاية هو مقام البرق، وأول البرق: برق يستكثر فيه العبد القليل من العطاء لأنه عطاء الولاية، ويستقل فيه الكثير من الأعباء لما اكرمه الله تعالى به من الكرامة، والدرجة الثانية من البرق، برق يستقصر فيه العبد الأمل لشدة الخوف من الله، ويزهد في الخلق لأنه مشغول بالحق، والدرجة الثالثة من البرق: برق يلمع من جانب اللطف في عين الافتقار إلى الله، فينشئ سحاب السرور بمشاهدة أنوار اللطف الرباني، وما يرى من الألطاف الإلهية والكرامات الربانية.
فإذا توالت البروق وكثرت العطيات، ترقى السائر إلى منزل (الذوق)، ومقام (الذوق) آخر الأحوال القلبية، وهو بمثابة التمهيد لمنازل الأولياء، وكما قال أهل الطريق: الذوق نهاية المراقبة وبداية المشاهدة، واول الذوق: (ذوق التصديق) الناشئ من التصديق الجازم بموعود الله تعالى باللقاء والقرب، والدرجة الثانية من درجات الذوق: هو (ذوق الإرادة) الناشئ من الارادة الجازمة الصادقة حتى يصل إلى الله فيجد الأنس به، والدرجة الثالثة من درجات الذوق وهو (ذوق العارف): طعم الاتصال بلا انقطاع، وذوق العارف بالله طعم الجمع بلا تفرقة، وذوق العارف بالله طعم المشاهدة والعيان بلا حُجب، ومقام (الذوق) آخر قسم الأحوال القلبية، وبه تتحرر الروح وتبدأ أقسام النهايات، وهي الولايات والتحقيق والنهايات، وجميع هذه المنازل يتعلق بمقامات الروح، واهل الولايات الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
القسم الثامن (قسم الولايات): قسم الولايات به عشرة منازل:
أولها: منزل (اللحظ): وهو أول التجليات، وأول طريق الشهود، ويتمثل في ملاحظة الفضل على نعمة الولاية ملاحظة تمنع من الامن من مكر الله، وتبعث على الشكر لأفضال الله، واللحظ أول طريق الدخول على الحضرة المقدسة، حضرة الأسماء، وأول اللحظ: ملاحظة الفضل: فيلحظ العبد العطاء الرباني بحكم العناية الأزلية، وهذه الملاحظة تجعله يستحي من سؤال ربه وقد أغناه، والدرجة الثانية من درجات الملاحظة: ملاحظة نور الكشف وهي تلبس السالك لباس الولاية وتذيقه حلاوة المشاهدة، وتعصمه من عوار التسلي لان أهل الولاية لا فراغ عندهم للتسلي، والدرجة الثالثة من الملاحظة: وهي للأولياء العارفين: (ملاحظة عين الجمع) وشهود الحقيقة الأحدية بالفناء المحض عن السوى والأغيار، وهي أعلى درجات الملاحظة.
فإذا تمكن السائر في منزل اللحظ ترقى بفضل الله تعالى إلى منزل (الوقت) وهو الوقت المؤذن للدخول على حضرة الشهود قال تعالى: {ثم جئت على قدر يا موسى}، والوقت منزل نحو التمكن في الولاية، وفيه يستغرق السالك في وجود الحق سبحانه، فلا يرى في الوجود ولا يشهد سوى تجليات الأسماء والصفات والأفعال، وللوقت ثلاثة معان: المعنى الأول: وقت يجذب إلى الرغبة في لقاء الله، والمعنى الثاني هو: اسم لطريق سالك يسير إلى التمكن في الولاية، والمعنى الثالث: لا يبقى للوقت وجود، حيث الوقت كله لله، عندما يتجلى الحق سبحانه بجناب ذاته في الحضرة الأحدية.
والوقت يؤهل السالك إلى منزل (الصفاء)، إذ لا يؤذن في دخول الحضرة لغير الأصفياء، صفاء حال يدخل به الولي إلى حضرة الشهود، ويذوق به حلاوة المناجاة وينسى به الكون وما فيه، و (الصفاء): على ثلاث درجات: الاولى: (صفاء علم) قائم على اتباع الكتاب والسنّة، والثانية (صفاء حال) يتمثل في تنور القلب بالكمالات والتجليات التي ترد من الحق إليه، والثالثة: (صفاء اتصال): وهو صفاء الفناء عن السوى في الله تعالى، وهو صفاء البقاء بالحق بعد الفناء عن السوى، يرى بالحق ويسمع بالحق ويعلم بالحق.
والتمكن من الصفاء يؤهل السائر للترقي إلى منزل (السرور)، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}، والسرور على ثلاث درجات: (الدرجة الأولى) سرور ذوق لمن أيقن في وعد الله تعالى بالوصول، وسرور لمن دل الطريق إلى الله، وسرور لمن أيقن في جمع القصد والتوجه بالكلية إلى الله، والدرجة الثانية: سرور شهود للتجليات الأسمائية الجمالية والجلالية، والدرجة الثالثة: سرور ينشأ من شهود الحضرة الأحدية، وهو سرور تام يضحك الروح لمشاهدتها لجمال جناب الذات تعالى وتقدس، وليس بعد هذا السرور سرور.
والسرور: يذهب بأحزان الولي، ويؤهل الولي للترقي إلى منزل (السر)، وسمي بمقام السر لأن الولي فيه لا يعلم بحقيقة حاله، فهو في تحير يزداد مع تمكن هذا المقام، مقام لطيف، من بلغه فهو من ((الأخفياء)) والسر من أرق مقامات أهل الولاية، والأخفياء على ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: علت هممهم حتى أنهم لا ترضى همتهم بغير جناب الذات، فهم لا يسكنون إلى الحضرات الأسمائية حتى يؤذن لهم في شهود حضرة الذات، وهؤلاء لم يعرفوا بين الناس باسم، وهم ذخائر الله عز وجل حيث كانوا يدفع الله عز وجل بهم عن اهل الأرض البلاء، والطبقة الثانية: أهل تمكين تنزلوا عن مقامهم إلى منازل العامة مع أنهم في مقام خاصة الخاصة، كلموا الناس على قدر عقولهم وما تبلغه أفهامهم، هم مع الناس بظواهرهم وهم مع الله بأرواحهم، يسترون أحوالهم عن الخلق، ينتفع الناس بعلومهم ومعارفهم وهم مع الله في حضرة الشهود بأرواحهم، والطبقة الثالثة: طائفة أخفاهم الله تعالى به عن أنفسهم، يحسبهم الجاهل مجانين، ولكن المحقق لحالهم يعلم بالشواهد صحة حالهم وعلو مقامهم.
فإذا تمكن السائر في منزل السر ترقى بفضل الله تعالى إلى منزل (النَفَس)، حيث تنجلي عنهم حالة الاستتار، ويسمى نفسا لتروح المتنفس به، وهو نفس ينقل المحب من مقام السر إلى روح المعاينة، والانفاس ثلاثة: النفس الأول: نفس في حين احتجاب المحبوب واختفاؤه بعد التجلي، وهو يوجب تنفس الحزين المكروب، والنفس الثاني: نفس في حين التجلي والشهود وهو نفس شاخص عن مقام السرور، والنفس الثالث: نفس مطهر من دنس السوى ولوث الغيرية، نفس مطهر بماء القدس من عند القدوس تعالى وتقدس، نفس قائم بإمدادات الحي القيوم، نفس قائم عند التجلي الذاتي لجناب الذات حيث القدم والأزل، وحيث البقاء والأبد لأبد الأبد.
فإذا تمكن السائر في منزل النفس ترقى بفضل الله تعالى إلى منزل (الغربة): فيتبدل حال المحب فيرى المحب محبوبا، ويرى الشاهد مشهودا ويرى الطالب في حضرة الشهود صار مطلوبا، فيكون غريبا عن الأوطان والاحوال، واول الغربة: الغربة عن الأوطان، والدرجة الثانية: غربة الحال، والدرجة الثالثة: غربة الهمة وهي غربة طلب الحق وهي غربة العارف، لأنه غريب الدنيا وغريب الآخرة، لفنائه عن نفسه وعن الأغيار في الله ولبقائه بالله بعد فنائه في الله، ولانفراده بأنوار الشهود وتجليات حضرة جناب ذات الحق الأحد سبحانه.
فإذا تمكنت منه الغربة وصار إلى غربة الغربة، ترقى إلى منزل (الغرق) فيغرق عن العلم في عين الحال ويغرق عن الإشارة في الكشف ويغرق عن الشواهد في الجمع، والدرجة الأولى من الغرق: الغرق في الأحوال: كالمحبة، والغيرة، والشوق، والقلق، والعطش، والوجد، والدهش، والهيمان، والدرجة الثانية من الغرق: الغرق في الشهود فلا يشعر لا بنفسه ولا بالسوى، والدرجة الثالثة من الغرق: الغرق في حالة الجمع مع الله، والجمع غاية مقامات السالكين وهو طرف بحر التوحيد، وصاحب هذه الدرجة رجل غارق في رؤية المعارف القديمة والحقائق الأزلية، ومن كان هذا حاله فهو الغريق حقا وصدقا.
فإذا تمكن منه الغرق في الجمع، ترقى إلى منزل (الغيبة) غيبة العارف عن عيون الأحوال والشواهد والدرجات إلى حصن الجمع، وأول الغيبة: (غيبة المريد): غائب عن كل ما يشغله عن الله، برفض العلائق التي تشغله عن الله، وقطع العلائق التي تعوقه عن السير في طريق الله، والدرجة الثانية من درجات الغيبة: (غيبة السالك): غائب بالأحوال من المحبة، والغيرة، والشوق، والقلق، والعطش، والوجد، والدهش، والهيمان، غائب في الأحوال مع الله، والدرجة الثالثة من درجات الغيبة: غيبة العارف الواصل إلى حضرة الجمع، حضرة جناب الذات، فهو في حالة جمع مع الحق، على طرف بحر التوحيد، قد أفناه الجمع عما سوى الله، وتلك أعلى درجات الغيبة، وليس بعدها غيبة.
فإذا تعمق في الجمع، وتمكنت منه الغيبة، ترقى إلى منزل (التمكن) وهو إشارة إلى غاية الاستقرار في حضرة الشهود، فتجتمع للمحب صحة الانقطاع وصفاء الحال، ويكون في حضرة الشهود متمكنا مستقرا، والدرجة الأولى من درجات التمكن: (تمكن المريد) وهو أن يجتمع له صحة القصد في سيره إلى الله مع قطع الالتفات إلى السوى، والدرجة الثانية من درجات التمكن: (تمكن السالك) وهو أن يجتمع له صحة انقطاع عما سوى الحق، مع صفاء حال يوافق العلم ويلازم الهمة، والدرجة الثالثة من درجات التمكن: (تمكن العارف) وهو أن يحصل له التمكن في حضرة الحق (الحضرة الأحدية)، فلا تكون هناك حجب تمنع من الشهود، وهذا هو التمكن الحقيقي، وهذا موطن الغيب المطلق، ولا يكون الولي متمكنا إلا إن بلغ تلك الرتبة، والتمكن آخر مقامات قسم الولايات.
القسم التاسع: [قسم الحقائق]: منازل القسم التاسع: هي منازل قسم الحقائق: وهي عشرة منازل: تبدأ بمنزل المكاشفة، ثم المشاهدة، ثم المعاينة، ثم الحياة، ثم القبض، ثم البسط، ثم السكر، ثم الصحو، ثم الاتصال، ثم الانفصال، ومنازل هذا القسم هي منازل الأولياء الذين فرغوا من السلوك، فألهمهم الله تعالى بالحقائق، وأنزلهم منازل الأولياء العارفين بالله، وألهمهم بالمكاشفات ثم أكرمهم بالمشاهدات ورفع عنهم الحجب، وتفضل عليهم بالمعاينات، واحياهم بحياته، قبض بعضهم إليه ضنا بهم عن الخلائق، وبسط بعضهم رحمة للخلق، وجعلهم للدنيا كالشمس وللناس كالعافية فليس للناس عنهم عوض.
وأول منازل هذا القسم: منزل (المكاشفة): وهي بلوغ ما وراء الحجاب، مكاشفة عين لا مكاشفة علم ولا مكاشفة حال، وهي على ثلاث درجات: (الأولى): مكاشفة لتجليات الأسماء الحسنى الجمالية والجلالية، حينا دون حين، فإذا فني عن رؤية نفسه في كشفه، كانت المكاشفة مستديمة لا يقطعها حظ من حظوظ الدنيا ولا الآخرة، وأما الدرجة الثالثة: فهي (مكاشفة عين) بعين الحقيقة، تُغيّب المكاشف عن السوى، وغاية هذه المكاشفة المشاهدة.
فإذا تمكنت منه المكاشفة، ترقى إلى منزل (المشاهدة)، لان المكاشفة شهود مع وجود بعض الحجاب، والمشاهدة سقوط الحجاب، وهي على ثلاث درجات: (الأولى): مشاهدة معرفة، تقف بفناء الجمع، تنتظر الإذن بالدخول وكشف الحجاب، والدرجة الثانية من درجات المشاهدة: (مشاهدة معاينة) فوق مشاهدة المعرفة، لأن المعاينة أعلى من المعرفة، والدرجة الثالثة من درجات المشاهدة: (مشاهدة جمع) في حضرة شهود جناب الذات الأحدية، حيث شهود الحق بلا خلق، والعارف في حضرة الجمع يرى الحق بالحق، مشاهدة جمع تجذب إلى عين الجمع، ليبدا الترقي إلى منزل المعاينة الذي هو اعلى من المشاهدة.
فإذا تمكنت المشاهدة، ترقى الولي إلى منزل (المعاينة)، وهي أوسع من المشاهدة، والمعاينات ثلاث: الاولى: معاينة الأبصار، والثانية: معاينة عين القلب وهي معرفة الشيء على نعته علما يقطع الريبة ولا تشوبه حيرة، والمعاينة الثالثة: معاينة عين الروح وهي التي تعاين الحق عيانا محضا والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتشاهد بهاء العزة وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة، وغاية المعاينة الترقي إلى منزل (الحياة)، فيحيي بحياة الله الأزلية الأبدية، حياة بالحق تميت الاعتلال، وتمنع الانفصال عن التجليات الربانية، وتورث الاتصال بحضرة الشهود الازلية، والحياة أنواع: الحياة الأولى: حياة العلم من موت الجهل، والحياة الثانية: حياة الجمع من موت التفرقة، والحياة الثالثة: حياة الوجود وهي حياة بالحق بعد الفناء عن السوى والأغيار.
فإذا تمكن المحب من منزل الحياة، قبضه الله تعالى إليه، ورقاه إلى منزل (القبض)، وهذا مقام الضنائن الذين ادخرهم الحق اصطناعا لنفسه وضن بهم على أعين العالمين، فأخفاهم عن عيون الخلق، حتى يرزقهم الانس به وحده، استخلاصا لنفسه، وهؤلاء مشغولون بالله وحده، غائبون عن رؤية انفسهم، يغار الحق عليهم فقبضهم إليه، ثم يبسط من شاء منهم ويرقيه إلى مقام (البسط) رحمة بالناس ليستضيئوا بنوره، ويتعلموا من حاله، وهؤلاء هم أعلام الطريق وأئمة الهدى ومصابيح الدجى للسالكين، وهؤلاء بسطهم الله تعالى رحمة للخلق يباسطونهم ويلابسونهم ليحصل للناس البركة بمعاشرتهم، فيستضئون بنورهم الرباني، والمكاشفات والمشاهدات والمعاينات مجموعة في بواطنهم لا تتشتت بمعاملة الناس، بل يشاهدون الحق في خلقه، فلا يحتجبون بهم عنه، بل يعاملونهم لله بالله، و سرائرهم محفوظة لا يعلم بها إلا الله، فلا يظهرون للخلق ما لا يجوز إظهاره، ولا ما لا تحتمله عقولهم وافهامهم، وهؤلاء لا يكون منهم شطح ولا بوح ولا تغير وذلك لقوة تمكنهم وتمام استقامتهم، وهؤلاء أعلام الطريق وأئمة الهدى، ومنهم الربانيين العارفين أصحاب مدارس التزكية والتربية والتصوف في العالم الإسلامي، الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت561هـ)، والشيخ أحمد الرفاعي (ت 578هـ)، والشيخ أحمد البدوي (ت 634 هـ)، والشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت656هـ)، ولا تخلو الأرض من هؤلاء الاولياء.
وقد يغلب البسط، فيترقى الولي إلى مقام (السكر) لسقوط التمالك من شدة الطرب بالانس بالله، وللسكر ثلاث علامات: (العلامة الأولى): الضيق عن الاشتغال بالاخبار لشدة شغله بالمحبوب، كل ذلك والتعظيم للأخبار قائم فهو معظم للكتاب وللسنة، متبع لما جاء فيهما، متشاغل بالله موافق له في أمره ونهيه معظم لشرعه مطيع لأمره، و (العلامة الثانية): الغرق في لُجة بحر الشوق والتمكن في العلم والعمل ولزوم الشرع والورع دائم، و (العلامة الثالثة) الغرق في بحر السرور بشواهد قرب المحبوب، مع ان صبره عن المحبوب مفقود، فهو غريق في بحر السرور يستولي عليه السرور بقرب رؤية الحق، والصبر عن المحبوب مفقود لغلبة الشوق، فحاله كما قال الشيخ: (الغرق في بحر السرور والصبر هائم).
فإذا شاء الله تعالى للمحب الترقي نقله إلى منزل (الصحو) والصحو فوق السكر، فإن السكر إنما هو في الحق والصحو إنما هو بالحق، والصحو من منازل الحياة، لأنه صحو بالحق، وهو من أودية الجمع لأنه في حضرة جناب الذات الأدية بالله، وهو من لوائح الوجود، لأنه فانٍ عن نفسه باقٍ بالموجود الحق يرى بالله وحدة الوجود الحق.
فإذا تمكن الصحو ارتقى المحب إلى مقام (الاتصال) بالحقائق، وبحضرة الشهود وهذا الاتصال لا يدرك منه نعت ولا مقدار، وللاتصال ثلاث درجات: اتصال الاعتصام، ثم اتصال الشهود، ثم اتصال الوجود، فالدرجة الأولى من درجات الاتصال: (اتصال الاعتصام بالله)، ومعناه: الترقي عن كل موهوم بالفناء عما سوى الله، فلا يرى سواه، فهذا هو الاعتصام بالله، والدرجة الثانية من درجات الاتصال: (اتصال الشهود) أي اتصال الشهود لجناب الحق في حضرة الشهود، وإنما يكون ذلك بالترقي عن حضرة الأسماء والصفات والتجليات الأسمائية إلى حضرة الحق ذاته، والدرجة العليا من درجات الاتصال: اتصال الوجود، وإنما يكون ذلك بفناء العبد عن وجوده في الوجود الحق، وهذا الاتصال هو أعلى معاني الاتصال، وليس بعده سوى الانفصال بالكلية عما سوى الله.
فإن دام الاتصال وتمكن الاتصال، ارتقى المحب إلى مقام (الانفصال) عن الكونين الدنيا والآخرة، فلا يرضى عن مقامه عوضا لا من الدنيا ولا من الآخرة، والوجه الأول من وجوه الانفصال: انفصال العبد عن الكونين الدنيا والآخرة، انفصال التعلق والتوجه والمبالاة والاشتغال، فلا يحتجب بهما عن الله، ولا يتعلق بهما من دون الله ولا ينظر إليهما، ولا يكون لهما أو لأحدهما أدنى قدر أو وزن في القلب، فهذا الانفصال الأول هو شرط الاتصال بحضرة جناب الله، والوجه الثاني من وجوه الانفصال: انفصال عن رؤية الانفصال السابق، لان الكونين لا يساويان شيئا إذا ما قورنا بالشهود والدخول على حضرة الحق، والوجه الثالث من وجوه الانفصال يلغي الوجهين الأول والثاني، فهو انفصال ناتج عن شهود حقيقة أزلية جناب الذات في الحضرة الأحدية، فجناب الحق أجل من ان يتصل به شيء أو أن ينفصل منه شيء، والانفصال والاتصال في العلة سيان، لان مبناهما على توهم وجود الغير وفي الحقائق فلا موجود إلا الموجود الحق وكل ما سواه عند التحقيق وهم وظلال لتجليات جناب الذات بأسمائه وصفاته وأفعاله، والظل لا يستقل بنفسه، وعند التحقيق فالظل ظل لا حقيقة لاستقلاله، وعند التحقيق لا غير ولا سوى، ولا موجود إلا الحق، فكيف يمكن توهم الاتصال والانفصال، جناب الحق أجل من ان يتصل به شيء أو أن ينفصل منه شيء، كيف وله الأحدية المطلقة فلا جزء ولا كل ولا اتصال ولا انفصال، ولا كفء ولا مثيل، أحد صمد لم ينفصل منه شيء ولا يتصل به شيء ولم يكن له كفوا أحد، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} له الأحدية المطلقة فلا جزء ولا كل، {اللَّهُ الصَّمَدُ} له الغنى المطلق فلا حاجة ولا علة {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} لم ينفصل منه شيء ولم يتصل به شيء {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} فليس كمثله شيء، وبهذا المنزل تنتهي منازل قسم الحقائق، وتبدأ منازل قسم النهايات، وهي أعلى مقامات السلوك وأرقى منازل الشهود، وهي مقامات يرى فيها العارف بربه لا بنفسه،
القسم العاشر: [قسم النهايات]: قسم النهايات: عشرة منازل: تبدأ بمنزل المعرفة، ثم الفناء، ثم البقاء، ثم التحقيق، ثم التلبيس، ثم الوجود، ثم التجريد، ثم التفريد، ثم الجمع، وأعلاها التوحيد، وهو أعلى المنازل وهو بحر لا ساحل له.
وتبدأ النهايات بمقام (المعرفة): الدرجة الأولى: معرفة صفات الله تعالى، وهذه هي المعرفة التي يعرفها الفقهاء والمتكلمون بأدلة الكتاب والسنة، والمعرفة الثانية هي معرفة جناب الذات، وهذه المعرفة تختص بالخاصة أهل الحضرة الواحدية، حيث شهود تجليات الأسماء الحسنى الجلالية والجمالية، فإذا انكشف هذا الحجاب عن وجه الذات في الحضرة الاحدية ارتقى الشاهد من حضرة الكثرة الأسمائية إلى حضرة جناب الذات، وهذه هي الدرجة الثالثة من المعرفة هي درجة خاصة الخاصة أهل الحضرة الأحدية، وهي أعلى درجات المعرفة.
فإذا تمكنت المعرفة ارتقى الولي إلى مقام (الفناء): والفناء في هذا الباب اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا، وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: فناء المعرفة في المعروف، وهو أن يعرف أن الحق هو عين الوجود من حيث هو الوجود الحق المطلق، وما عداه هو العدم المطلق، فيجحد ما دون الحق، لشهود الحق هو الموجود الحق، فلا يبقى لغير الحق رسم فلا موجود إلا الحق، والدرجة الثانية من درجات الفناء: فناء شهود الطلب، بالوصول إلى المطلوب والدخول على حضرة الحق، والدرجة الثالثة من درجات الفناء: هو الفناء عن شهود الفناء، وهو نهاية مقام الفناء وبداية مقام البقاء، في الحضرة الاحدية التي تقهر كل شيء فلا يبقى إلا جناب الذات، ويكون الفناء المحض للولي في حضرة الحق حيث فناء الرسوم وانطماس الآثار، و الفناء عن شهود الفناء، ولا يبقى إلا الأحد تعالى وتقدس.
فإذا بلغ العارف هذا الفناء، امتن الحق سبحانه بترقيته إلى مقام (البقاء)، ففي منزل الفناء يفنى العارف في الذات الأحدية، وفي منزل البقاء يبقي ببقاء الحق، ومنزل البقاء على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينا لا علما، والدرجة الثانية: بقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا لا نعتا، والدرجة الثالثة: بقاء ما لم يزل حقا وهو الحق سبحانه، بإسقاط ما لم يكن، وهو كل ما سوى الله، وفي هذا المقام يكون العبد موجودا بالله باقيا ببقاء الله بعد فنائه التام عما سوى الله، يشاهد الحق بعين الحق باقيا ببقائه، حيا بحياته، عالما بعلمه، يسمع بسمع الله، ويبصر ببصر الله ويتكلم بالله.
فإذا تمكن الولي من منزل البقاء، ارتقى إلى مقام (التحقيق): والتحقيق يكون بعد مقام البقاء، وهو تحقيق البقاء بالله في الله، وهو تجريد ما صحبك من صفات الحق، عن صفاتك في مقام البقاء بالله، فلا ينازع علم العارف المحدث علم الله القديم ولا ينازع شهوده المحدث شهود الله القديم ولا ينازع وجوده الإضافي وجود الحق، فيتم التحقيق بالحق، في حضرة الحق حيث تسقط الشهادات وتبطل العبارات وتفنى الإشارات، وللتحقيق ثلاث درجات: الدرجة الأولى: أن لا يخالج علمك علمه، وأما الدرجة الثانية من التحقيق: أن لا ينازع شهودك شهوده، وأما الدرجة الثالثة من التحقيق: أن لا يناسم رسمك سبقه، وهذا غاية التحقيق، حيث تسقط الشهادات وتبطل العبارات وتفنى الإشارات.
فإذا بلغ العارف هذا التحقيق، امتن الحق سبحانه بترقيته إلى مقام (التلبيس)، فيظهر للناس في رسوم الخلق، هداية للخلق ورحمة بهم، وهذه درجة الأئمة الربانيين الصادرين عن وادي الجمع المشيرين عن عينه، والتلبيس هو منزل الوارثين، الذين يلبسون على الناس صيانة لأنفسهم ورحمة بالخلق، ويكون التلبيس بكتمان الكرامات، صيانة لأنفسهم من الرعونة ورحمة بالناس أن يعظموهم بما لا ينبغي، ويكون التلبيس بالأخذ بالأسباب توسيعا على الناس لا لأنفسهم، لانهم يعلمون ضعف الناس وانهم اهل حجاب لا يقدرون على الانقطاع إلى الله بالكلية عاجزون عن فعل ذلك، لذلك يلبسون عليهم بمزاولة الاسباب ترحما عليهم وتوسيعا عليهم.
فإذا امتن الحق سبحانه بترقية الوارث رقاه بعد ذلك إلى مقام (الوجود) الوجود الأزلي القديم بالله منخلعا عن ذاته المحدثة، مستغرقا في الأولية التي لا ابتداء لها، و (الوجود) اسم لثلاثة معان تتعلق بالوجود: [الوجود الأول]: (وجود علم لدني) حاصل من عند الله تعالى بلا واسطة يقطع علوم الاستدلال، و [الوجود الثاني]: وجود الحق وجود عين حقيقة في حضرة الجمع بجناب الذات، حيث تنتفي الاثنينية، فتنقطع العبارة ولا مساغ للإشارة، و [الوجود الثالث]: مقام اضمحلال رسم الوجود بالفناء في أزلية الحق إذ لا رسم للحادث عند تجلي القديم، وهذه الدرجة هي أصفى مراتب الشهود، ونهاية مقام الوجود.
فإذا امتن الحق سبحانه بترقية العارف رقاه بعد ذلك إلى مقام (التجريد) فيذوب عن ذاته ويغيب عن نفسه في عين الجمع، وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى تجريد عين الكشف عن كسب اليقين، فيكون عالما بعلم الله لا بعلمه، و [الدرجة الثانية من درجات التجريد]: (تجريد عين الجمع عن درك العلم) بتجريد حقيقة الجمع بالذات عن الإدراك العلمي، فالعلم صفة، وعين الجمع جمع بالذات، والجمع لا يكون إلا بمحو الرسوم والصفات، و [الدرجة الثالثة تجريد الخلاص من شهود التجريد]، فإنه إن شهد تجريده كان شهوده شاهدا ببقاء ذاته، فلا يكون مُجرّدا، فكانت الدرجة العالية من التجريد تقتضي: تجريد الخلاص من شهود التجريد، وصاحب مقام التجريد يشهد بالله لا بنفسه، فيكون آنذاك خالصا من شهود التجريد.
فإذا امتن الحق سبحانه بترقية العارف رقاه بعد ذلك إلى مقام (التفريد) بالإشارة من الحق للحق فليس في الوجود سوى الحق واجب الوجود، و (التفريد): أن يتفرد الولي عن الأشكال , وينفرد في الأحوال , فلا يرى لنفسه حالاً , بل يغيب برؤية الحق جل جلاله عنها، وصاحب منزل التفريد هو المنفرد عن السوى والاغيار فلا يأنس بها ولا يستوحش منها لأنه مشغول بالحق عنها، والتفريد درجات: أولها: تفريد أهل البدايات بتخليص الإشارة إلى الحق، وتفريد اهل التوسط تخليص الإشارة بالحق، وتفريد اهل النهايات يكون بتخليص الإشارة عن الحق.
فإذا امتن الحق سبحانه بترقية العارف رقاه بعد ذلك إلى مقام (الجمع): والجمع ما اسقط التفرقة وقطع الإشارة، والجمع غاية مقامات السالكين وهو طرف بحر التوحيد، وهو على ثلاث درجات، جمع علم ثم جمع وجود ثم جمع عين، فأما جمع العلم فهو تلاشي علوم الاستدلال وانطماسها في العلم اللدني عند تجلي علم الحق الازلي، وأما جمع الوجود فهو تلاشي نهاية الاتصال في عين وجود الحق، وأما جمع العين فهو تلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق، حيث الترقي من الحضرة الواحدية إلى الحضرة الأحدية وهذا هو طرف بحر التوحيد الذي لا ساحل له، لتعلقه بالمنزه عن الحدود والغايات والنهايات، فلا حد ولا غاية ولا نهاية.
فإذا امتن الحق سبحانه بترقية العارف رقاه بعد ذلك إلى مقام (التوحيد)، وهو أعلى مقامات السالكين، وما سوى هذا المقام فكله مصحوب العلل، وهو مقام اختصه الحق لنفسه، وأول ساحله: إسقاط الحدث وإثبات القدم، وكل ما سوى الله حدث، فلا يوحده حق توحيده سوى إياه، ومهما بلغ العارفون وترقوا في علوم التوحيد ومعارفه، فإنّهم على ساحل بحر لا حد له ولا منتهى له، وهو نقطة في بحر توحيد الأنبياء والمرسلين، ومهما بلغ العبد وترقى في تجليات التوحيد ومعارفه، فإنّه قاصر عن بلوغ كمال التوحيد الذي لا حد له ولا منتهى، لتعلقه بالمنزه عن الحدود والغايات والنهايات، فلا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية، اللهم افتح علينا فتوح العارفين وخذ بأيدينا إلى الحق المبين.
(تنبيه) هذه مقامات السفر الاول والسفر الثاني إلى الله تعالى فقط، والسفر إلى الله تعالى أربعة أسفار: [السفر الأول]: السير من الخلق إلى الحق، وفي هذا السفر يتم التخلص من كل الشواغل والملهيات وإماته النفس والسوى في الله، وإطلاق الروح لرؤية تجليات الحق بجناب ذاته وأسمائه، وهو يتناول المنازل من المنزل الاول (اليقظة) وحتى منزل (الانفصال) عن الاكوان بالله، وهو المنزل التسعون آخر منازل قسم الحقائق.
و[السفر الثاني] وهو السير للحق في الحق، والسير في هذا السفر يكون بالله في الله، وهو يتناول المنازل العشرة الباقية من كتاب منازل السائرين للعارف بالله الأنصاري، في (قسم النهايات) حيث تبدأ ب: المعرفة، ثم الفناء، ثم البقاء، ثم التحقيق، ثم التلبيس، ثم الوجود، ثم التجريد، ثم التفريد، ثم الجمع، ثم التوحيد، توحيد الله لجناب ذاته وهذا التوحيد تزيده العبارة خفاء والصفة نفورا والبسط صعوبة، ولكنه توحيد العارفين، وهو نقطة في بحر توحيد الأنبياء والمرسلين.
و[السفر الثالث]: السير من الحق إلى الخلق بالحق: بمعنى الرجوع إلى الخلق ٬ ولكن يعيش حالة المعية الإلهية في كل سلوكياته ٬ وتلك للأكابر من أولياء الأمة، يعودن من عين الجمع الأحدية إلى دنيا الخلق يعلمونهم من المعارف مما علمهم الله.
و[السفر الرابع]: وهو السير في الخلق بالحق: وهذا خاص بالأنبياء والمرسلين، فهم أهل السفر الرابع، أهل السير في الخلق بالحق، وهؤلاء يؤثرون تربية الخلق والرفق بهم والسير بهم إلى الله تعالى على ديمومة حضرة الشهود، لانّ مهمتهم التي اصطفاهم الله تعالى لها هي هداية الخلق إلى الله، ولذلك فإنهم على صبر لا تطيقه الجبال، وهو أشد الصبر وأعظمه وهو الصبر عن الله بالله في الله، علاوة على تواصل الأحزان من معاناة معاملة الخلق والسير بهم إلى الله، ولهذا نعلم لماذا كان من وصف النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان دائم الأحزان، في حديث أبي هالة عند الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم: ((كان كثير الصمت، دائم الفكر، متواصل الأحزان))، بسبب أمته والتفكير في هدايتها وصلاح امرها، فلقد كان شديد الحرص على هدايتها، عزيز عليه مخالفتها لأمر الله، كما قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}، وبسبب اعراض الكافرين من بني آدم وكفرهم كما وصفه الله تعالى بقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}، وقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}،
***
([2]) الدلالة النورانية للشيخ حسني حسن خير الدين الشريف.
([3]) “قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق” ص2.
([4]) “النصرة النبوية” للشيخ مصطفى المدني ص22.
([5]) على هامش “الرسالة القشيرية” ص7.
([6]) نور التحقيق” للعلامة حامد صقر ص93.
([8]) حكايات الصوفية ص 25- 26.
([9]) معراج التشوّف إلى حقائق التصوف ص: 4.
([11]) شرح كلمات الصوفية” ص 326.
([12]) قواعد التصوف” قاعدة 13 ص 6.
([14]) حكم السيد أحمد الرفاعي” ص 49-50.
([15]) “معيد النعم ومبيد النقم” ص 119.
([16]) في رسالته “المقاصد” ص 20
([17]) حقيقة التصوف وكرامات الأولياء، ص2.
([18]) [راجع لتلك التعريفات: الرسالة القشيرية وطبقات الصوفية والتعرف لمذهب أهل التصوف]
([19]) السالكون إلى الله” ص 15.
([21]) السلفية مرحلة زمنية مباركة لا ذهب اسلامي ص 189.
([22]) المحامد من حياة الشيخ محمد الحامد“
([23]) تأييد الحقيقة العلية: ص 57.
([25]) مقدمة ابن خلدون” علم التصوف ص 329.
([26]) صحيح البخاري 3/171 ح 2652، صحيح مسلم 4/1936 ح 2533.
([27]) [المسلم مجلة العشيرة المحمدية” عدد محرم 1376هـ، من بحث: التصوف من الوجهة التاريخية للدكتور أحمد علوش]،
([28]) الانتصار لطريق الصوفية” ص 6 للمحدث محمد صديق الغماري.
([29]) صحيح البخاري 8/105 ح 6502.
([30]) صحيح البخاري 1/12 ح 15.
([32]) مسند أحمد 39/386 ح 23965.
([33]) موطأ مالك 1/211 ح 24، سنن ابن ماجة 4/706 ح 3791.
([34]) راجع الخطط التوفيقية لــ ” على باشا مبارك رحمه الله تعالى جـ1 ص90 طبع المطبعة الأميرية سنة 1305 هـ.
([35]) صحيح البخاري 1/20 ح 52.
([36]) مسند أحمد 38/474 ح 32489.
([37]) الجامع في الحديث لابن وهب ص 71 ح 30.
([38]) مسند أحمد 33/359 ح 2019 2، سنن الترمذي 3/385 ح 1082، سنن النسائي 5/151 ح 5302.
([39]) المعجم الكبير للطبراني 9/38 ح 8320.
([40]) مسند أحمد 38/141 ح 23033.
([41]) صحيح البخاري 9/158 ح 7544، صحيح مسلم 1/545 ح 792.
([42]) صحيح البخاري 9/158 ح 7544.
([43]) صحيح البخاري 4/111 ح 3210.
([44]) صحيح البخاري 8/142 ح 6696، مسند أحمد 40/86 ح 24075.
([45]) صحيح البخاري 1/20 ح 52.
([46]) صحيح مسلم 4/1987 ح 2564.
([47]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([48]) السنن الكبرى للنسائي 4/286 ح 4333.
([49]) مسند أحمد 41/470 ح 25012.
([50]) سنن الترمذي 4/355 ح 1987. مسند أحمد 35/319 ح 21404.
([51]) المنقذ من الضلال للغزالي ص 177.
([52]) الأشباه والنظائر” للسيوطي ص416.
([53]) حاشية ابن عابدين” المسماة رد المحتار على الدر المختار 1/43.
([54]) النصرة النبوية” للشيخ مصطفى إسماعيل المدني على هامش شرح الرائية للفاسي ص 26.
([55]) الاعتصام، الشاطبي، 1/172.
([58]) عدة المريد الصادق، دار ابن حزم، ص: 65.
([59]) صحيح مسلم 4/2104 ح 2747.
([60]) تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، لجلال الدين السيوطي، ص: 4.
([61]) مقدمة ابن خلدون” علم التصوف ص 329، وانظر نشأة علم التصوف للدكتور أحمد علوش.
([63]) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 72.
([64]) تأييد الحقيقة العلية ص57.
([65]) صحيح البخاري 1/20 ح 52.
([66]) صحيح مسلم 4/1987 ح 2564.
([67]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([68]) السنن الكبرى للنسائي 4/286 ح 4333.
([69]) مسند أحمد 41/470 ح 25012.
([70]) سنن الترمذي 4/355 ح 1987. مسند أحمد 35/319 ح 21404.