[الفصل الأول] مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في العقيدة
ويتناول تلك المباحث:
[1] حقيقة مذهب السلف في باب الصفات الخبرية والأخبار المتشابهات.
[2] الأسباب العلمية التي منعت السلف الكرام من الخوض في متشابهات الصفات.
[3] مدارس أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة وفضلها على مر عصور الإسلام.
[4] الأثرية هم الامتداد الحقيقي لمذهب السلف.
[5] بيان القواعد الأثرية في فهم الصفات الخبرية.
[6] الأشاعرة والماتريدية هم المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة.
[7] على مذهب الأشاعرة والماتريدية العقائدي غالب علماء أمة الإسلام.
[8] الأسباب التي تدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية.
[9] الأسباب التي دعت الأشاعرة والماتريدية إلى تبني منهج التنزيه في العقيدة.
[10] جهود الأشاعرة والماتريدية في بناء صرح العقيدة الإسلامية المتكاملة.
***
المبحث الأول مذهب حقيقة السلف الصالح في باب الصفات الخبرية والأخبار المتشابهات
[المفتاح الأول]: عصور السلف هي عصور القدوة المثلى لأهل الحق في باب العقيدة، فقد ثبت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الفرقة الناجية من أمة الإسلام هي تلك التي تتمثل بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، فقد أخرج الترمذي وحسنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابي)) ([1]) . وأهل السنة والجماعة يعتبرون عصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم هو العصر الأمثل الذي يقيدون به ويتأسون بهديهن ويسيرون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم في كافة عرى الدين وجوانبه، وخير من سار على هدى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم هم التابعون وتابعوا التابعون رحمهم الله تعالى، ولذلك وقد جاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تنعت هذه القرون الثلاثة بالخيرية العامة منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((خير أمتي قومي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) ([2]) .وقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل أي الناس خير؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((القرن الذي بعثت فيه ثم الثاني ثم الثالث)) ([3]) .
فهذه الأحاديث الكريمة تبين المدى الزمني والعمق المنهجي الذي ينبغي أن يتأسى به أهل السنة والجماعة في كافة جوانب دينهم وعراه، وإن من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، فظهرت مدارس التخصص العلمي في شتى مجالات العلم ببركة اتباع أئمة السلف الكرام من الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، ففي القرون التالية لعصور السلف ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد، وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة، وانتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم.
وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، وهي المدرسة الأثرية وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الأشعرية وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الماتريدية وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف.
[المفتاح الثاني]: منهج السلف في المتشابهات: هناك منهجان صحيحان ثابتان عن للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، (المنهج الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، و(المنهج الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ.
(أ) الدليل على وجود المحكم والمتشابه: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8].
(ب) خطورة ترك المحكم والاشتغال بالمتشابه: قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ}، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم)) ([4]) .
(ت) ماهي دائرة المتشابه: في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال.
(ت) من الذي يعلم المتشابه: قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة {الله} من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، قال: لا يعلم المتشابه إلا الله وحده، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ (أي المتشابه) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (أي المحكم والمتشابه) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} قال: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين، [أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير وعيرهم من المفسرين عند تفسير الآية].
(ث)اتباع المتشابه هو الذي أهلك الفرق الضالة: حذرنا القرآن الكريم من تتبع المتشابه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:(فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم)([5]) .
(ج) خلاصة القول في المتشابه من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، وذلك لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس له مثال يُقاس عليه، وكل ما يحكم البشر والخلق من قوانين ونواميس فهي من خلق الله تعالى ووضعه، ومحال أن تسري هذه النواميس والقوانين على الله تعالى خالقها وخالق كل شيء، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه، وحمله ما أمكن على محكمه، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص، وحمل المتشابه على المحكم، ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على: لفظ الجلالة (الله) أو بالوقف على: (الراسخون في العلم)، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط.
(ح) آيات الصفات التي توهم النقص من المتشابه وليست من المحكم: آيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته: فمن المحكم – على سبيل المثال – (صفة العلم) وهي صفة كمال من كل وجه، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى، و (صفة القدرة) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها (العجز)، وهو مستحيل على جناب الله تعالى، وما أكثر الصفات المحكمة التي تدل على وجوه الكمال والجلال والإكرام لله تعالى كما أنّ جميع الأسماء الحسنى الثابتة في حق الله تعالى فهي تدل على صفات محكمة لله تعالى، أما المتشابهات فهي (الأخبار) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه، وتلك المتشابهات أقسام: فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى كالوجه والعين واليد، والله أحد له الأحدية المطلقة فيستحيل عليه قبول الأجزاء التي تدل على الكثرة لأنها تنافي الأحدية المطلقة، فلابد من ردها إلى محكمها حتى لا تزيغ العقيدة، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء، والله تعالى قديم منزه عن الحدوث فيستحيل عليه قبول الحوادث والتغير من حال إلى حال، فهذه من المتشابه الذي ثبت عن السلف أنهم لهم فيها مذهبان صحيحان، (المنهج الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، و (المنهج الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ.
[المفتاح الثالث]: [1] المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة، – حاش لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس، و مما يدل على مدى حرصهم الشديد على هذا المنهج، مقالاتهم التي نُقلت عنهم والتي تتركز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، وقولهم: ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله، وقولهم: أمروا الأحاديث كما جاءت، وقولهم: كانوا لا يفسرون شيئا، وقولهم: قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره، وقولهم: فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وقولهم: فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، وقولهم: كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت، وقولهم: وما يعلم تأويله إلا الله، وقولهم: كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه، وقولهم: نكل علمه إلى الله، وقولهم: ونفوض علمه إلى الله، وقولهم: هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: المذهب في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وقولهم: نكل علمه إلى الله تعالى، وقولهم: والسؤال عنه بدعة، وقولهم: من تكلم في معناها فقد ابتدع.
(قلت): وهذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً تدل على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]، وفي بيان دقة هذا المنهج وتورعه وبيان أهم الأسس والضوابط التي يقوم عليها هذا المنهج العظيم، يقول الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه التفكير الفلسفي في الاسلام: ” عود فنتساءل عن موقف السلف من الصورة واليد والنزول والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه؟ 1- إن أول موقف يقفه السلفي من هذه الاخبار: إنما هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها، فإذا سمع كلمة الصورة: مثلا في قوله،صلى الله عليه وسلم (إني رأيت ربى في أحسن صوره) فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلق ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفه، مرتبه ترتيبا مخصوصا، مثل الأنف، والعين، والفم، والخد التي هي أجسام، وهى لحوم العظام، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئه في جسم، كما تقول: صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا، ولقد صورت للمسألة صوره في غاية الحسن، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذى هو جسم وهيئه، وإن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاتها: وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن، فإن خطر له أنه، عليه الصلاة والسلام، إن لم يرد هذا المعنى الجسم فأي معنى أراد؟ فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به، بل أمر بأن لا يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته، لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلال الله وعظمته ما ليس بجسم ولا عرض في جسم، وعلى هذا النمط يكون موقفه في بقية ما ورد: كالفوقية والنزول واليد والقدم يجب أن ينفي في كل ذلك المعنى المادي وأن يحدد معنى يخترعه هو، 2- ويجب عليه الايمان والتصديق: وهو أن يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته وأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم صادق في وصف الله تعالى به، فليؤمن بذلك وليوقن بأن ما قاله صدق، وما أخبر عنه حق لا ريب فيه ويقول آمنا وصدقنا وأن ما وصف الله، تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذى أراده، وعلى الوجه الذى قاله، وإن كان لا يقف على حقيقته، 3- ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز فإن التصديق واجب وهو عن إدراك المعنى عاجز فإن ادعى المعرفة فقد كذب، وأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة الى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة الى خواص الخلق، 4- وبالسؤال عن هذه الامور، يتعرض الإنسان لما لا يطيقه وقد ضرب عمر بالدرة من سأله عن المتشابهات ويرى الامام “الغزالي” أنه يحرم على الواعظ على رؤوس المنابر الجواب عن أسئلة المتشابهات وإنما يجب عليهم المبالغة في التقديس، ونفي التشبيه، 5- ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه سواء كان بالعربية أو بالفارسية وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إبهاما للباطل من البعض، فتفسيرها وترجمتها إذن ممنوعان ولا يجوز النطق إل بالفظ الوارد:” للأن من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسيه تطابقها، ومنها ما يوجد لها فارسيه، ولكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التى جرت عادة العرب باستعارتها منها ومنها ما يكون مشتركا في العربية ولا يكون في العجمية كذلك “والأمثلة كثيره: فمثلا لفظ ((الاستواء)) فإنه ليس له في الفارسية – كما يقول الإمام “الغزالى” – لفظ مطابق يؤدى بين الفرس من المعنى ما يؤديه لفظ الاستواء بين العرب، بحيث لا يشتمل على مزيد إيهام: إذ فارسيته أن يقال “راست بإستاد ” وهذان لفظان (الاول) ينبئ عن انتصاب واستقامة فيما يتصور أن ينحى ويعوج، و(الثاني) ينبئ عن سكون وثبات فيما يتصور أن يتحرك ويضطرب وإشعاره بهذه المعانى وإشارته إليها في العجمية: أظهر من إشعار لفظ الاستواء وإشارته إليها في العربية فإذا تفاوتا في الدلالة، والاشعار: لم يكن هذا مثل الأول، وإنما يجوز تبديل اللفظ بمثله، المرادف له الذى لا يخالفه ولو بأدنى شيء، 6- ويجب الاحتراز عن التصرف: فلا تقول في قوله تعالى:(استوى) أنه مستو فاسم الفاعل يدل على كون المشتق ممكنا ومستقرا، أما لفظ الفعل فدلالته على هذا المعنى ضعيفة، 7- ولا يجوز الجمع بين هذه الألفاظ المتشابهة في مكان واحد: لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وكما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها، والله سبحانه وتعالى: لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل، فذكر العبودية: عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى ” وهو القاهر فوق عباده يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية، 8- ولا يقاس على هذه الألفاظ فإذا ورد لفظ اليد فلا يجوز إثبات الساعد أو العضد أو الكف مصيرا الى أن هذا من لوازم اليد كل ذلك محال وكذلك زيادة قد يتجاسر عليها بعض الحمقى، 9- وكما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور: وهذا ثقيل على النفس ولكن من المكن أن يشغل الانسان نفسه عنه بمختلف أنواع العبادة أو بهواية من الهوايات العلمية أو العملية، ويرى الامام الغزالي أن الاشتغال بلعب أو لهو خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره العظيم خطره بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له ن أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى فإن ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وأخيرا فإن حاصل هذا المذهب – كما يقول الرازي – هو: أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها ” أهـ ([6]) .
وهنا حان الموعد لذكر تطبيقات السلف في متشابه تلك الإضافات إلى الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله في السنن: ” قد قال غير واحد من أهل العلم في هذه الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، فإنهم قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم، ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمرُّوها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة “ ([7]) .
وجاء في كتاب اعتقاد أهل السنة للحافظ هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي: ” أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها “ ([8]) .
وجاء فيه أيضا: ” أخبرنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن زهير قال ثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال ثنا بقية قال ثنا الأوزاعي قال كان الزهري ومكحول يقولان أمروا الأحاديث كما جاءت، أخبرنا محمد بن رزق الله قال أخبرنا بن عثمان قال نا عيسى بن موسى بن إسحاق الأنصاري قال سمعت أبي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل)) ([9]) .
وجاء فيه أيضا: ” سمعت محمد بن الحسن يقول اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له ” أهـ، ([10]) .
وجاء فيه أيضا: ” أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم، يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ” أهـ،([11]) . وجاء فيه أيضا: ” أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القزويني قال ثنا محمد بن أحمد بن منصور القطان قال ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال ثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال ثنا الهيثم بن خارجة قال سمعت الوليد بن مسلم يقول: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا: أمروها بلا كيف ” ، ([12]) .
وجاء في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي: ” وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه ومن تقصى وفتش وبحث وجد أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والصدر الأول لم يكن دأبهم غير الإمساك عن الخوض في هذه الأمور وترك ذكرها في المشاهد ولم يكونوا يدسونها إلى العوام ولا يتكلمون بها على المنابر ولا يوقعون في قلوب الناس منها هواجس كالحريق المشعل وهذا معلوم بالضرورة من سيرهم”أهـ، ([13]) .
وجاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد بن حنبل: ((نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل: وسئل قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منها شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ” أهـ ([14]) .
[2] والمنهج الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات، وذلك بتفسير النصوص وفق السياق القرآني مع مراعاة السباق واللحاق لتلك الآيات دون التعرض للخوض في جناب الذات، وهو ما اصطلح العلماء على تسميته بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم: والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة، وهذا (تعطيل) وليس تأويل، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة، وهذا (التعطيل) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة أما (التأويل الصحيح بضوابطه)، فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([15])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([16])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([17])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([18])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([19]) .
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
ومن تأويلات التابعين: تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. ([20])، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر. ([21])، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله ([22])، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو([23])، وتأويل الحسن البصري (المجيء) في قوله تعالى: (وجاء ربك): بمجيء أمره وقضاؤه([24])، وتأويله (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: في طاعة الله. ([25])
ومن تأويلات تابعي التابعين: تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى (ثم استوي إلى السماء) بالقصد إليها ([26])، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ([27])
وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى، في قوله تعالى (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ([28])
ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى (أو يأتى أمر ربك) ومثل هذا في القرآن (وجاء ربك) قال: إنما هو قدرته. ([29])
وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى (كلّ شـئ هالك إلا وجهه) (إلا ملكه) ([30])
وقد تأول الإمام الطبري: (العين) في قوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ([31])، وتأول (الاستواء) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته….علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) ([32]) ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه، الأول تفويض المعنى المراد منه إلى الله ورسوله، والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز.
***
المبحث الثاني الأسباب العلمية الحقيقية التي منعت السلف الكرام من الخوض في معاني متشابهات الصفات
[المفتاح الأول]: علم السلف بخطأ اعتماد جميع ظواهر النصوص في فهم القرآن: لأن هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، كقوله تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، كقوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، مثل قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]،، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ العالم كله محاط بالرحمن وأنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وقد حمل العلماء الإحاطة على إحاطة العلم لقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن، كقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3]، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه.
كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء الربوبية والملك والتسخير والتدبير وقد جاء المفتاح مع الأستواء في آيتين قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3]، وقال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، وليس لإثبات المحال على الله، لأنه منزه عن المكان، والمكان محدود مهما كبر والله تعالى أكبر من كل تصور ومن كل حد ومن كل مقدار لا حد لجناب ذاته.
والزعم بأنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، وهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء ظاهره المحال على الله من كون العرش مكان الذات، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يمارى فيه إلا أحمق جهول.
كما أنّ هناك آيات ظاهرها يوحي بنسبة الأبعاض والاجزاء والجوارح إلى الله تعالى كالوجه واليد والعين على حقائقها اللغوية، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، فينبغي التوقف وتفويض علمها إلى الله وهذا ما حدا بالسلف الصالح أن يقولوا: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وأن يقولوا: نترك التعرض لمعانيها، وان يقولوا: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه، وان يقولوا: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وان يقولوا: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وان يقولوا: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، فالوجه يفوضون علم حقيقته إلى الله، ويعلمون من السياق المراد منه، ففي قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} والمعنى المراد (ابتغاء رضا الله)، وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} أي إلا ذاته أو ما أريد به رضاه، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أي قبلة الصلاة، وهكذا، اللفظة التي تتعرض لذكر الذات يفوضون علمها إلى الله ولا يفسرونها، ويهمون الآيات وفق السياق، هكذا كانوا يعملون، فعدما ذكر القران اليهود لعنهم الله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، اليهود اتهموا الله الكريم بالبخل {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، فرد القرآن الكريم عليهم بأنه غاية الكرم والجود {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، وإلا فقد ورد بالقرآن قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}، ولم يفهم أحد من الآية لا من السلف ولا من غيرهم أن ظاهر الكلام مراد، وإنما هو مثال ضرب للتوسط في الانفاق، وعندما قال الله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، لم يشكوا لحظة أن المراد بحفظنا ورعايتنا، ولم يؤثر عن واحد منهم بأن المراد من الآية أن نؤمن بان لله عين، بل علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، فحملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله بعيدا عن تتبع المتشابه والذي لا يتتبعه إلا الذين في قلوبهم زيغ نسأل الله السلامة.
[المفتاح الثاني]: علم السلف الواسع ببلاغة القرآن الكريم وأسلوبه المعجز في إيصال المعاني: وهم أهل اللغة وأساطين البلاغة، والقرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 إلى 195]، فما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، ومن ذلك: التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [ابراهيم: 1]، والتعبير عن المؤمن بالحي وعن الكافر بالميت، لأن الحي يستفيد بما يسمع من النصيحة أما الكافر فلا وهذا كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81]، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال، والتعبير عن الكفر الموجب لدخول النار بشفا الحفرة، كما في قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103]، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب.
وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، والتعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، فقوله تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا}، معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، كناية عن الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية والمراقبة، وقوله تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك.
والتعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} [الأنفال: 70]، أي في قهركم واستيلائكم، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم، والتعبير عن الذات بالوجه، كما في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27]، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، سبحان الله وتعالى عما يصفون، كما أنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، كقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 75، 76]، فصحاء العرب وأهل البلاغة فيه يعلمون من قوله تعالى (لما خلقت بيدي) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين،هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد) وأيد جمع يد لقوله تعالى (ألهم أيد يبطشون بها) فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، والعربي الفصيح يقول: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد} وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة} وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه، وقد قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فهذا هو صريح القرآن، ومعنى الآية (لما خلقت بيدي): لا يليق بالخالق أن يحتاج إلى أن يفعل بواسطة، لأن له الأحدية والغني المطلق بذاته منزه عن الأعضاء والاجزاء، فلا ينبغي أن نتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه البارئ سبحانه من التعظيم بإثبات الأحدية {قل هو الله أحد} ونفي المثلية {ليس كمثله شيء} وذلك بنفي الأجزاء و الأبعاض والجوارح، ونفي المماثلة في الأفعال بمس الطين ومعالجته حتى ظن بعض الجهلاء بما يجوز وما لا يجوز في حق الله تعالى أن الله تعالى مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته، والمس قرين الاتحاد والحلول فما يقبل المس يقبلهما، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا، والحاصل أنّ المتشابه كاليد والوجه والعين ونحو ذلك ظاهره المستعمل في اللغة ((الجارحة)) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى.
[المفتاح الثالث]: علم السلف بوجود المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، ووجوب رد المتشابه من الأخبار إلى أمهاته من المحكم: لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، وآيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه، ومنها آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته.
إنّ (صفة العلم) – على سبيل المثال: صفة كمال من كل وجه، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى، و(صفة القدرة) صفة كمال من كل وجه وضدها (العجز)، وهو مستحيل على جناب الله تعالى، أما المتشابهات فهي (الأخبار) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه، فمن هذه المتشابهات نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى كالوجه والعين واليد، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال، وكل ذلك مستحيل على جناب الله، وليس في إثبات ظاهره كمال، بل عند التدبر فإنّ إثبات ظاهره نقص يوهم محدودية الخالق وتحيزه في مخلوقاته وتشكله وتبعضه مع أنّه الأحد الصمد {ليس كمثله شيء}، ومذهب السلف فيها أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها على مراد الله ومراد رسول الله، ولا تفسر ولا تتوهم ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن النقص والعجز، وعن الشبيه والمثيل، وذلك لعلمهم الراسخ بأن اثباتها على ظواهرها يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد، إنّ مذهب السلف الصالح أنّه يعامل اللفظة التي توحي بتكييف جناب الذات على أنها من المتشابه، فلا يفسر ولا يخوض، ثم يفسرون الآية او الحديث بما سيق لأجله دون التعرض لمتشابه، فمثلاً حديث النزول سيق لبيان فضل الثلث الآخر وليس لبيان كيفية النزول، فيفسرونه بذلك، ولا يتعرضون لتفسير لفظة (النزول) لأنها من المتشابه الذي يجب رده إلى محكمه من الأحدية والصمدية ونفي المثلية.
[المفتاح الرابع]: علم السلف الكرام بأدلة الشرع المحكمة على تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات خلقه: ومن تلك الأدلة القرآنية: قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بأي وجه من الوجوه، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، ويعلمون انه إذا كان المخلوق لا يحيط علماً بالروح التي تسكنه، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الاسراء: 85] فأنى له أن يُدرك شيئا عن ذات الإله، وهم أعلم الناس بعلوم سورة الإخلاص لأنهم يعلمون انها تعدل ثلث القرآن.
ويعلمون انه سبحانه (الأحد)، قال تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، ولا معنى للأحدية سوى نفي التبعيض والجارحة والتركيب على الله، لأنه سبحانه [واحد] لا شريك ولا ند ولا كفء ولا مثيل له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وهو سبحانه [أحد] لا جزء له منزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح، (أحدية الذات) تعني نفي التبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته، وهو توحيد في نفس الذات بعدم تصور الكثرة فيها أبدا، ولا حتى تصورها والفكر فيها: {ليس كمثله شيء}، و {ولم يكن له كفوا أحد}، أما الوجه في قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] والعين في قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] واليد في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، فلم يقل أحدٌ منهم معاذ الله أنها جوارح لله، (الأحدية) تنزيه ذات الله تعالى عن التبعيض والتركيب وعن الجارحة والجسمية وكل ما يفيد الانقسام في ذاته و (الواحدية) بتنزيه الله تعالى عن الشريك والند والنظير والشبيه والمثيل والوزير والمعين، وتنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد والوالد فالله تعالى واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ليس كمثله شيء، ولا شريك له، ولا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون و سبحانه وتعالى عما يصفون، والتوحيد في الذات يعني، إنه متفرّد ليس له مثل أو نظير، واجب الوجود الخالق المتعالي، له الأحدية المطلقة فلا يُمكن أن يكون مركباً أبداً، واسم الله تعالى [الصمد] أي السيد الذي اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب، و{اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ} أي الله الذي لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه، له الكمال المنزه عن النقصان والحاجه، وجميع خلقه إليه محتاج، والصمدية تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، وسورة الإخلاص التي ورد فيها (الأحد) و(الصمد) تَعْدل ثُلُثَ القرآن، ومما قيل في أَنَّها عَدَلَتْ ثُلُثَ القرآن أنَّه لأجل اسمي (الأحد والصمد) اللَّذان لم يوجدا في غيرها من السور، ولما اشتمل عليه اجتماعهما معاً من التوحيد (توحيد الذات) والتقديس والتنزيه، وقوله تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) نفي للمثلية كقوله تعالى (ليس كمثله شيء) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح.
[المفتاح الخامس]: علم السلف الكرام أنّ المتشابهات تُعارض قواعد التقديس العامة المستفادة من الكتاب والسنّة، ومن ذلك تنزيه ذات الله تعالى عن الحد لأنّ الحد معناه التناهي، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لذاته، هو {الواحد القهار} قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود، لأنّه مقهور عليها، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير، ومن ذلك تقديس ذات الإله عن الصور والأشكال، لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، ومن ذلك تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قل هو الله أحد}، ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، وقوله تعالى (الله الصمد) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا (إليه) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، وقوله تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) نفي للمثلية ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح.
ومن ذلك تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنه تعالى وتقدس، لأنهم أعلم الناس بالقرآن وهم يعلمون العلة التي من اجلها أقام نبي الله إبراهيم الخليل الحجة على قومه بنفي الإلهية عن الشمس والقمر والكواكب وسائر المعبودات من دون الله، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الانعام: 75 إلى 79]، هل كان السلف الصالح وهم أساطين اللغة لا يعلمون معنى (الآفلين)، وهل كانوا لا يعلمون العلة من كون الأفول يعارض الإلهية والربوبية، سبحانك هذا بهتان عظيم بل كانوا يعلمون أنّ (الآفلين) أي المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال وإنهم لتغيرهم من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، لأنّ من غاب بعد ظهوره كان حادثا مسخرا وليس ربا أزليا لا أولية له، ولهذا تبرأ الخليل عليه السلام من آلهتهم بقوله: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، هل نزعم ان السلف لم يعرفوا هذا، وأنه عليه السلام استدل عليهم ب (لأفول) تنبيها لقومه على أن الكواكب والشمس والقمر لتغير حالها لا تصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة مع الله فهو ضال مشرك، وأنه عليه السلام أشار إليهم بعبادة الله الدائم الذي لا يزول ولا يقبل التغير والحدوث، إنّ (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، إنّ (الأفول) ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، إنّ الصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس بالقرآن وعليهم نزل القرآن وهم أعلم الناس بحجة الخليل عليه السلام، ولكنهم كانوا اتقى الناس وأعلم الناس بالله بعد الأنبياء، فلم يؤثر عن أحدهم أن تكلم عن ذات الإله بما لا يليق، فكانوا أبعد الناس عن المتشابهات وتتبع المتشابهات كما يتتبعها الذين في قلوبهم زيغ.
[المفتاح السادس]: علم السلف الكرام أنّ المتشابهات محال نسبة حقائقها إلى الله المنزه عن النقص والعيب والمثلية، وأنه لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ عن العقيدة السليمة: كان الصحابة رضي الله عنهم – وهم أعلم الناس باللغة وحقائقها ومجازها وبلاغتها – يعلمون علم اليقين بإنّ ألفاظ (الوجه) و(اليد) و(العين) و(الساق) تستعمل في اللغة العربية للدلالة على جوارح هي أجزاء وأبعاض من الذات، وذلك لأنها وضعت لتدل على أجزاء الذات وليس صفاتها، ولذلك اعتبروها متشابهات لا يجوز الخوض في تفسيرها إذا تعلقت بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، فما أُثر عن أحد منهم أبدا أنه قال للمسلمين أنّ من العقيدة أن نؤمن بأن لله الوجه أو اليد أو العين، بل عاملوا معاملة المتشابه وقالوا نؤمن بها ولا نتعرض لمعناها ولا نفسرها ونكل علمها إلى الله، وذلك لعلمهم الراسخ بأنّ ظواهرها تدل على تجزؤ الذات وتبعضه وتشكله ومحدوديته ونهايته، وكل ذلك علامات الخلق والحدوث وسمات المخلوق الناقص العاجز المحدود الذي ظهر عجزه بمحدوديته ونهاية غايته، أمّا الخالق البارئ المصور تعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، فكانوا أبعد الناس عن الزيغ والضلالة، ما أُثر عن أحد منهم أنه فسر الاستواء، لأنهم – ولاشك – يعرفون ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وما يستحيل على جنابه من صفات النقص والعجز والعيب والحدثان، ويعلمون أنّ اثبات الاستواء على سبيل الجلوس لا يجوز لأنّه لا يكون الجلوس إلا بالجوارح والله تعالى منزه عن الجارحة، كما لا يكون الجلوس إلا بمماسة واتصال وهما يستحيلان بين الخالق والمخلوق وبين الرب والمربوب وبين الإله والمعبود، ويعلمون أن الاستواء بمعنى الكون في مكان لا يجوز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويحده وهو أكبر من المتمكن فيه، والله تعالى هو خالق المكان وهو القاهر للمكان وهو بكل شيء محيط، ويعلمون أنّ العرش أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن، لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة، وهو جل شأنه القريب منا (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ولكنة قرب منزه عن الحلول والاتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) كما أن الاستواء استواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والاستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله، وكما أنه منزه عن الحلول والاتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد.
ولهذا اعتبر السلف الكرام الراسخون في العلم صفة الاستواء من المتشابهات التي لا يجوز الخوض في تفسيرها، لأنّ ظواهرها تدل على محدودية الخالق ونهاية ذاته، ومحاذاته للمخلوق وتمكنه في المكان، وكل ذلك علامات الخلق والحدوث وسمات المخلوق الناقص العاجز المحدود الذي ظهر عجزه بمحدوديته ونهاية غايته، أمّا الخالق البارئ المصور تنزه عن الحد والغاية وتنزه عن المقدار والنهاية، وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، وهم أعلم الناس بالقرآن ومعاني القرآن وأن سياق آيات الاستواء في كل القرآن جاء لبيان كمال الربوبية والهيمنة والتدبير لقرينة قوله تعالى بعد ذكر الاستواء {يدبر الأمر}، ولذلك لم يؤثر عن أحد منهم أنه فسر الاستواء بالجلوس نعرض لتفسيره أصلا بل كانوا يطردون من مجالسهم من يسأل عن تلك المتشابهات، والمجسمة لا تجد في كتب العقائد لديهم سوى أبواب اليد والرجل والأصابع والانامل على الحقيقة وليس مجاز اللغة حتى ولا اعتبار لديهم بالسياق فآيات الاستواء ليست لاثبات الربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف مع وجود مفاتيحها في نصوصها، بل لاثبات المكان والجلوس والقعود وكأن العظمة والربوبية في اثبات الجلوس والقعود وليس اثبات الهيمنة والتصريف والتدبير، وحديث النزول عندهم ليس لإثبات أفضلية الثلث الآخر من الليل مع ان سيق لأجله بل هو لإثبات النزول والصعود ولوازمهما من الحركة والسكون فسبحان من بيده الهداية يهدي من يشاء فضلا ويضل من يشاء عدلا.
[المفتاح السابع]: علم السلف الكرام بما تحمله متشابهات الصفات في القرآن عند السياق من معانٍ بلاغية عظيمة: من التلبيسات الشيطانية على الحشوية والمجسمة، قولهم: ” وصف الله تعالى نفسه بالسمع والبصر في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، ووصف الإنسان بقوله تعالى: {فجعلناه سميعا بصيرا}، فقالوا كما أنّ الله تعالى له السمع والبصر والإنسان له السمع والبصر، والله تعالى ليس كمثل سمعه سمع ولا كمثل بصره بصر، فما المانع أن يكون لله تعالى الوجه ليس كمثل وجهه وجه وأن يكون له اليد ليس كمثل يده يد، وأن تكون له العين ليس كمثل عينه عين وهكذا، وأن يكون له الجسم وليس كمثل جسمه جسم وان يكون له الكلام وصوته ليس كمثل صوته صوت وأن يكون له النزول وليس كمثل نزوله نزول وان يكون له الجلوس وليس كمثل جلوسه جلوس، وهذا خلط بين الامور، وتلبيس في باب الاعتقاد، وقديما قالوا بأنه في صورة شاب امرد، ولولا أهل التقديس وجهودهم في ابطال هذا الزيغ لأجبروا الناس على اعتقاد هذه الخزعبلات والوثنيات، إنهم يحتجون بالسمع والبصر، وكلاهما في اللغة يستعملان للإخبار عن الصفات، وهما صفتا كمال ليس فيهما معنى النقص بحال، وضدهما العجز بكل حال، فضد السمع الصمم، وضد البصر العمى، وكلاهما عجز محض محال على الإله، ولكن (الوجه) و(اليد) و(العين) في اللغة ليست صفات وإنما هي أجزاء من الذات والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والبعض والجارحة، وهي توحي بالحد والغاية والنهاية والحدوث كما توحي بالتبعض والتجزئ والتشكل واحتياج الذات إلى بعضها وجزئها وكل ذلك نقص وعجز محض محال على الإله الأحد الصمد الحي القيوم، وإثبات علماء أهل السنّة لها على سبيل الصفة وليس الجزء وهذا من مجاز اللغة لمن تدبره، لأنّ الوجه على الحقيقة لا يُطلق إلا على الجزء من الذات وليس الصفة، وعلى ذلك فإن صفات الكمال تختلف تماما عن صفات العجز والنقص والمحدودية إذا نسبت إلى الله تعالى، فكل ما يوهم العجز أو العيب أو النقص أو الخلق والحدوث فإذا أضيفت إلى ذات الله تعالى كانت من المتشابهات التي لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم عملا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، فذكر الآيات المحكمات على أنّها أمهات إشارة إلى وجوب رد المتشابهات إليها إذ الأصول تقتضي رد الفرع إلى أصله، وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
والسلف الكرام أعلم الناس بالله، ما قالوا عندما قال الله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة /115]، نؤمن بأن لله وجه، بل هذا مما تشمئز منه الأسماع أن يكون السياق في واد والاستدلال في واد آخر، بل قالوا: فثم قبلة الله يعني بذلك الوجهة التي وجههم إليها، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}[سورة الكهف: 28]، نؤمن بانهم يؤمنون بأن لله الوجه يريدون هذا الوجه، بل فهموا انّ المعنى المراد وفق السياق: يريدون وجهه: أي يريدون رضاه وطاعته والمقصود الإخلاص والصدق في محبته والحرص على رضاه، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}، ما قالوا نؤمن بأن كل الوجود يفنى ويهلك إلا الوجه الذي هو الوجه على الحقيقة، ما هذا الهراء؟، إنّ الآية الكريمة تدعو إلى التوحيد وإخلاص الدعاء لله وتنهى عن الشرك ودعاء غير الله، ومناسبة الآية أن تختم بأنه لا يبقى إلا العمل الصالح الخالص الذي أُريد به رضا الله وحده لا شريك له، وعلى ذلك فالمفهوم من سياق الآية أن المقصود بالوجه هو ما قصد به الله تعالى من التوحيد والعمل الصالح، وما قالوا عند قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [سورة الرحمن: 26 , 27]، نؤمن ببقاء الوجه على العقيدة ولا يقبلون حتى بتفسير الوجه بالذات لأنه عندهم من التأويل الممقوت كما تفعل المتمسلفة، فسبحان الله وحسبنا الله على تلك العقول المتخلفة، بل سياق الآيات يوحي بأن كل الاعمال زائلة ولا يبقى إلا ما كان منها لله فهو من الآخرة وهو الذي يبقى ، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [سورة طه/39]: نؤمن بانه صنع على عين الله على الحقيقة، بل السياق يدل على انها كناية عن الحفظ والصون والرعاية، وغير ذلك جفاء تأباه اللغة الجميلة، وما قالوا عند قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ}، نؤمن بأن للقرآن يدين على الحقيقة لقوله تعالى {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، أو عند قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، أن هؤلاء لهم أيد مميزة لأن القرآن ذكرهم بتلك الصفة، فليس المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح بل المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، نؤمن بأن لله يدين اثنتين حقيقيتين لأن الآيات وردت بلفظ التثنية، بل كانوا يعلمون كما يعلم عامة العرب أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان}؟ قلت: ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب عظمة اللغة وجمالها، ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا، الشاهد ما رأينا أحدا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يقف عن ظواهر الكلمات بل كانوا أعلم الناس بمعاني الآيات وبالبلاغة التي جاء بها القرآن وما قالوا عند قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، نؤمن بأن لله الساق على الحقيقة، معاذ الله وهو يعلمون أن الأحد الصمد مقدس عن الأعضاء والجوارح، بل الصحيح الذي جاء عن حبر الامة عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما وهو الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين والدراية بالتأويل، أنه أول المعنى بالشدة يوم القيامة، قال الطبري في تفسيره: حدثنا ابن حميد قال ثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن عباس {يوم يكشف عن ساق} قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق… وحدثنا ابن حميد قال ثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} ولا يبقى مؤمن إلا سجد ويقسو ظهر الكافر فيكون عظما واحدا، وكان ابن عباس يقول يكشف عن أمر عظيم ألا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق… حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثنا معاوية عن ابن عباس قوله {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة… حدثني محمد بن عبيد المحاربي وابن حميد قالا ثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن مجاهد قوله {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قال شدة الأمر وجده، قال ابن عباس هي أشد ساعة في يوم القيامة، فهل بعد علم حبر الامة من علم، وهل بعد فهمه من فهم، فالمعنى المراد من قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ}، أي يُكشف عن شدة يوم القيامة وكربها ليس إلا، وما سيقت الآية لإثبات جارحة كما يفعل الذين في قلوبهم زيغ وبدعة.
المبحث الثالث مدارس أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ثلاث طوائف (الأثرية والأشعرية والماتريدية) وهم امتداد السلف الكرام في هذا العلم
[المفتاح الأول]: إذا كان السلف الصالح هم قدوة الأمة في شتى أمورها، وقد تبين أنّ لهم في المتشابهات مذهبان صحيحان:
(المذهب الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات من غير تفسير.
و(المذهب الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، فإن أتباع السلف على مر عصور الإسلام هم الخلف العدول، والمقصود بالخلف العدول هم (الأثرية والأشاعرة والماتريدية) وهم امتداد السلف، وهم حملة لواء عقيدة أهل السنة والجماعة، وهم الواقفون على ثغور الدفاع عن عقائد الإسلام أمام الفرق الضالة جميعها، وهم يمثلون أغلبية علماء أهل السنة على مر عصور الإسلام، لا يعرف قدرهم إلا عالم بالله وبدين الله ولا ينتقصهم إلا جاهل بأمرهم وقدرهم في دين الله تعالى أو مبتدع ضال، أو جاهل بقواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة، ثم كيف يعقل أن لا يكونوا ضمن إطار أهل السنة، وهم من بينوا إطاره، ووضحوا أسسه وقواعده، فإلى الله المشتكى من جهل هؤلاء الذين تكلموا في حقهم وهم يجهلون موقعهم من دين الله.
وهم (أهل السنة والجماعة) أهل الفقه الأكبر في الدين، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة، والتفريق بين المحكم والمتشابه، عملاً بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7}، ففي المحكم: تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم واليقين والفقه في الدين، لأن المحكم أصل العلم، {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، وفي المتشابه: تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة، وبين الجهمية والمعتزلة، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.
ثم لما كان الوقف – في الآية – محتملاً على لفظ الجلالة (اللَّهُ) أو على قوله تعالى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، ولا سبيل للجزم بأي منهما لأنه اجتهاد، اتسع إطار أهل السنة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله، وعلى ذلك استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، جميعها تمتد أصولها إلى السلف الكرام، (الأولى): المدرسة الأثرية الأصيلة وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، و (الثانية): الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري، و (الثالثة): الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي، ولا يمكن فصل إحداها بحال، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة، وعلى مر عصور الإسلام وقرونه المتتالية كان مصطلح (أهل السنة والجماعة) إذا أطلق فالمراد بهم أصحاب الحديث (أهل الأثر)، والأشاعرة، والماتريدية، ومجموعهم هم سواد الأمة الذين لا يجتمعون على ضلالة كما جاء في الحديث المشهور (لا تجتمع أمتـي علـى الضلالة) [قال الحافظ السخاوي بعد أن عدّد طرق الحديث وأسانيده: (وبالجملة فهو حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثير وشواهد متعددة في المرفوع وغيره) ([33]) .
[المفتاح الثاني]: مدارس أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس هي (الأثرية و الأشعرية و الماتريدية): المدرسة الأولى: (الأثرية): وهؤلاء هم النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه مالك والشافعي وابن حنبل وسفيان ابن عيينة، ومذهبهم واضح وأهم أصوله ثلاثة: (الأول): التفريق بين المحكم والمتشابه، و(الثاني) تفويض علم المتشابه إلى الله وعدم تفسيره أو التعرض له، و(الثالث): عدم الخوض في الذات الإلهي أبدا، فيحرم عندهم مجرد السؤال عن الوجه والعين واليد والاستواء على سبيل الخوض في جناب الذات الإلهي لان له الأحدية المطلقة مقدس عن الأجزاء والأبعاض وله التقديس المطلق عن مشابهة الخلق، والمدرسة الثانية والثالثة هم (الأشعرية والماتريدية): وهؤلاء هم امتداد السلف والمتخصصون في علم العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة والقائمون على ثغر الرد على الفرق الضالة والطوائف المنحرفة، وينتسب إليهما في العقيدة سواد علماء أهل السنّة والجماعة الأعظم في الفقه وفي التفسير وفي الحديث وفي اللغة وفي شتى تخصصات العلم الشرعي، وأهم أصول مذهبهم: الأصل الأول: التفريق بين المحكم والمتشابه، و(الثاني) رد المتشابه إلى أمهاته من المحكم، فحقيقة اللفظ المتشابه يفوضون علمه إلى الله ويفسرون الآية والحديث وفق السياق والسباق واللحاق فيقولون في الآية {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} أنه استواء تدبير المراد منه اظهار الربوبية والقدرة والهيمنة والتسخير، ومفتاحه {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، ثم لا يخوضون في الاستواء لأن حقيقته اللغوية لا تجوز على الله المقدس عن الأجزاء والأبعاض والكون في المكان وقبول الحركة والسكون والتغير والحدوث.
[المفتاح الثالث]: على مر عصور الإسلام وقرونه المتتالية كان مصطلح (أهل السنة والجماعة) إذا أطلق فالمراد بهم (أهل الأثر من أصحاب الحديث وفضلاء الحنابلة)، والأشاعرة، والماتريدية، ومجموعهم هم سواد الأمة الذين لا يجتمعون على ضلالة كما جاء في الحديث المشهور (لا تجتمع أمتـي علـى الضلالة) [قال الحافظ السخاوي بعد أن عدّد طرق الحديث وأسانيده: (وبالجملة فهو حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثير وشواهد متعددة في المرفوع وغيره) ([34]) .قال العلامة السفاريني الحنبلي: ” أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و (الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى ” اهـ، ([35]) .
وقال الإمام تاج الدين السبكي: ” اعلم أن أهل السنة والجماعة،، بالاستقراء ثلاث طوائف: الأولى: أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية، أعني الكتاب والسنة والإجماع، الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي…، الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومباديهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية) اهـ، ([36]) .
وقال الإمام المرتضى الزبيدي: ” والمراد بأهل السنة هم الفرق الأربعة، المحدثون والصوفية والأشاعرة والماتريدية ” اهـ، [إتحاف السادة المتقين: 2: 86]، وعلى ذلك فإنه إذا أطلقت كلمة أهل السنة والجماعة في كتب العلم- على اختلاف أنواعها- فإن المراد بها هذه الطوائف الثلاث، (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رحمه الله، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و (الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله، وأهل الفقه يدخلون بالضرورة ضمن تلك الطوائف، فالمالكية أشاعرة، والشافعية أشاعرة، والحنفية ماتريدية، والحنابلة أثرية ولا خلاف بينهم في شيء من الأصول إلا من مال إلى الاعتزال أو مال إلى الحشو والتجسيم،
[المفتاح الرابع]: لا يصلح للعقيدة الإسلامية: إلا المدارس الثلاث الأثرية والأشاعرة والماتريدية:
[1] المنهج الصحيح في معاملة المتشابهات هو منهج السلف الصالح: السلف الصالح المتمثل في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وتابعيهم وتابعي تابعيهم من علماء السلف الكرام، هم أعلم الناس بالقرآن وهم أعلم الناس بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم وهم اعلم الناس بالشرع الحنيف، ولذلك تميز منهاجهم في معاملة المتشابهات بالدقة والسعة والصحة والشمول، ولذلك كان لهم في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، والآية الكريمة في سورة آل عمران، {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، الوقف محتمل عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، والواو من قوله تعالى {والراسخون}، واو الابتداء، وهذا يمثل المنهج الأول للسلف، و الوقف محتمل أيضا عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، فحرف الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ}، واو العطف، وقوله تعالى: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}، على الابتداء بعد الوقف أي انهم يعلمون التأويل ويفوضون حقائق التأويل إلى علم الله وانه كله -المحكم والمتشابه- من عند الله، المحكم لنعمل به والمتشابه اختبار من الله للمؤمنين، فالصادقين في الإيمان يفوضون علمه إلى الله والذين في قلوبهم زيغ ومرض وشك ييتبعون المتشابه فيهلكون.وهنا تظهر قيمة العلم والعلماء فيردون المتشابه إلى امه من المحكم فيظهر المعنى المراد، وتزول الفتنة وينعدم الزيغ، وهذا يمثل المنهج الثاني للسلف وهو مذهب حبر الامة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وغالب من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة {الله} من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، قال: لا يعلم المتشابه إلا الله وحده، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ (أي المتشابه) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (أي المحكم والمتشابه) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} قال: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين، [أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية]، والامر قريب جدا، فمن المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، وذلك لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس له مثال يُقاس عليه، وكل ما يحكم البشر والخلق من قوانين ونواميس فهي من خلق الله تعالى ووضعه، ومحال أن تسري هذه النواميس والقوانين على الله تعالى خالقها وخالق كل شيء، فلا يكون في مكان، ولا يحيط به مكان ولا يسري عليه زمان، ولا ينتقل من مكان إلى آخر، لأنه محال أن يحل في شيء من مخلوقاته ومن مخلوقاته الزمان والمكان والحركة والسكون، وهو بكل شيء محيط وهو من كل شيء قريب وهو على كل شيء قدير، ليس كمثله شيء، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه، وحمله ما أمكن على محكمه، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص، وحمل المتشابه على المحكم، ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله.
ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على: لفظ الجلالة (الله) أو بالوقف على: (الراسخون في العلم)، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط، ومنه نعلم أيضا جمال التشريع واعجاز القرآن في تعدد المذاهب الصحيحة وفق معايير الوقف والوصل في القرآن الكريم، ولا يقول قائل بأن القول الأول هو الصحيح او القول الثاني هو الصحيح، لأن الوقف محتمل أراد الله في كتابه ان يكون محتملا، ولأنّه قال بالقول الأول: وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم كثير من التابعين، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله، وقال بالقول الثاني: عمالقة الفهم في القرآن وترجمان القرآن عبد الله ابن مسعود واعلم الناس بالقرآن أبي بن كعب وحبر القرآن عبد الله ابن عباس وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وكفى بها من أعلم الناس بالقرآن، وهو أيضا قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم كثير من التابعين، والحاصل: هو صحة المذهبين عن السلف، المذهب الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، والمذهب الثاني: حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ.
[المذهب الأول للسلف في المتشابهات]: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات إلى الله: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة، – حاش لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس.
و[المذهب الثاني للسلف في المتشابهات]: هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات]، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم: والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة، وهذا (تعطيل) وليس تأويل، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة، وهذا (التعطيل) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة، أما (التأويل الصحيح بضوابطه)، فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا)، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد)، قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة)، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)، ومن تأويلات التابعين: تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو، وتأويل الحسن البصري (المجيء) في قوله تعالى: (وجاء ربك): بمجيء أمره وقضاؤه، وتأويله (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: في طاعة الله، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ([37]) وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى، في قوله تعالى (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ([38])
ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى (أو يأتى أمر ربك) ومثل هذا في القرآن (وجاء ربك) قال: إنما هو قدرته. ([39])
وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى (كلّ شـئ هالك إلا وجهه) (إلا ملكه) ([40])
وقد تأول الإمام الطبري: (العين) في قوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ([41])، وتأول (الاستواء) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته….علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) ([42]) ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه، الأول تفويض المعنى المراد منه إلى الله ورسوله، والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز.
المبحث الرابع المدرسة الأثرية هم الامتداد الأول لمذهب السلف وبيان قواعد السادة الأثرية في متشابهات الأخبار
[المفتاح الأول]: إذا ثبت بأنّ للسلف الكرام منهجان في المتشابهات: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، فإنّ المدرسة الأثرية هم الامتداد الأول لمذهب السلف وهم الذين يمثلون المنهج الأول، منهج تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، وأهم علماء تلك المدرسة المباركة: الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله: التفريق بين المحكم والمتشابه، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه، وعدم الخوض فيه بالحشو والتجسيم، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله.
[المفتاح الثاني]: السادة الأثرية هم أتباع السلف في العقيدة : الأثرية: هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله: التفريق بين المحكم والمتشابه، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه، عدم الخوض بالحشو والتجسيم، والأثرية هم الامتداد الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة، إنّ أصول التقديس والتنزيه – عند أهل السنّة والجماعة – تمنع المؤمن العاقل من الخوض في ذات الله تعالى والمتشابه من صفاته، وذلك لأنّ الله عز وجل ليس له شبيه ولا كفء وليس له سمي ولا مثيل، وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه، دل على ذلك قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، وفي الآية الكريمة نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين،، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ وأفعاله لا تشبه الأفعال، وقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}[طه: 110]، ولو كان له كفء أو شبيه أو مثيل لأحاطت به علوم البشر، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، وخير من علموا تلك القواعد التنزيهية، هم أئمة السلف الصالح، فقد كان حرصهم شديدا على عدم الخوض في المتشابهات المتعلقة بذات وصفات الرحمن سبحانه، والمنع من مجرد السؤال عنها على سبيل الزيغ والفتنة.
والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: ويؤمن بها ولا تفسر ولا يتوهم ولا يقال كيف، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني، وقولهم: كلما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، وقولهم: ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية، وقولهم: فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله، وقولهم: أمروا الأحاديث كما جاءت، وقولهم: كانوا لا يفسرون شيئا، وقولهم: قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره، وقولهم: فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وقولهم: فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، وقولهم: كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل، وقولهم: فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: نحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، وقولهم: إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت، وقولهم: وما يعلم تأويله إلا الله، وقولهم: كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه، وقولهم: نكل علمه إلى الله، وقولهم: ونفوض علمه إلى الله، وقولهم: هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه، وقولهم: هذا من المكتوم الذي لا يفسر، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم:المذهب في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وقولهم: نكل علمه إلى الله تعالى، وقولهم: والسؤال عنه بدعة، وقولهم: من تكلم في معناها فقد ابتدع، ومن هذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً استدللنا على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ}
[المفتاح الثالث]: قواعد السادة الأثرية في متشابهات الأخبار التي تتعرض لجناب الذات غيب الغيوب من ألفاظ الوجه واليد والعين والصورة والنزول والمجيء والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه؟
1- إن أول موقف هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها 0 فإذا سمع كلمة الصور: مثلا في قوله،صلى الله عليه وسلم (إني رأيت ربى في أحسن صوره) فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلف ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفه، مرتبه ترتيبا مخصوصا، مثل الأنف، والعين، والفم، والخد 0 التي هي أجسام، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئه في جسم، كما تقول: صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا، ولقد صورت للمسألة صوره في غاية الحسن، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذى هو جسم وهيئه 0 وإن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاتها.
2- ثاني موقف هو الايمان والتصديق: بأن هذه الألفاظ أُريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته، فينبغي ان يرد معاني المتشابهات إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
3- ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز عن إدراك المعنى المراد لأن هذه المتشابهات تتعلق بجناب الذات وجناب الذات قديم أزل بلا ابتداء وآخر بلا انتهار وهو أحد صمد له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فلا يدرك وليس كمثله شيء.
4- يجب الامتناع عن السؤال عن المشابهات، لأنه بالسؤال عن هذه الامور0 يتعرض لما لا يطيق وقد ضرب عمر رضي الله عنه من سأله عن المتشابهات لأن الواجب الأساس هو المبالغة في التقديس 0ونفي التشبيه.
5- ولا يجوز التصرف في الألفاظ المتشابهات ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إبهاما للباطل من البعض، فالاستواء جاء بلفظ الفعل (استوى) فلا نحوله إلى الاسم (مستو) لأن الاسم أكثر ايهاما للشبهة وتقوية لها، ولا نقول تفسير الاستواء بمعنى الاستقرار ولا الجلوس لأنهما يوهمان التكييف لجناب الذات، ولكن قراءة اللفظة المتشابهة هو تفسيرها فقط، ولا يجوز النطق إلا بالفظ الوارد.
6- ولا يجوز الجمع بين الألفاظ المتشابهة في مكان واحد لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل، وهذا ما يفعله أهل الزيغ وتتبع المتشابه يجمعون المتشابه ويؤلفون المؤلفات في تتبعه.
7- كما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها، والله سبحانه وتعالى: لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل، فذكر العبودية: عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى ” وهو القاهر فوق عباده يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية وذكر التدبير عند ذكر الاستواء في قوله تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الامر} يدل على ان الاستواء استواء تدبير وقهر وتسخير وربوبية وليس استواء جلوس واستقرار.
8- كما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف في المتشابهات فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور لان العجز عن الادراك إدراك والتفكير في جناب الذات كفر وإشراك، وأخيرا فإن حاصل هذا (المذهب الأثري) هو: أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها.
[تنبيه]: السلفية المعاصرة مدرستان احداهما الأثرية وهي المعبرة عن مذهب السلف الأول في المتشابهات (التفويض)، والثانية حشوية مجسمة: المدقق لحال السلفية المعاصرة يجد انّ هناك اتجاهين يمثل كل اتجاه منهما فريق من السلفية المعاصرة: (الفريق الأول): أثري على العين والرأس ينتمي إلى المدرسة الأثرية التي تعلم من قواعد التقديس ما تفوض به علم المتشابه إلى الله وهي على وفاق مع بقية مدارس التخصص، و(الفريق الثاني): أهل حشو وتجسيم، ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا من أهل السنّة والجماعة، وإنما هم يدخلون ضمن إطار فرقة ضالة من فرق الضلال التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، آلا وهي الحشوية وإن تدثروا بلباس السلف، وإن زعموا الانتساب إلى أهل السنة والجماعة، واما النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام إنما هي للأثرية، أما: (الحشوية) انتسبت زورا إلى الحنابلة والحنابلة الأثرية منهم برآء, وإلى مذهب السلف والسلف الصالح منهم برآء، والحشوية بتسكين الشين وفتحها: لقب أطلق على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد، ثم أخذوا بظاهر لفظها، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم ” بلا كيف “، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكني أراهم أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية.
لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، وقد ذكرت من حالهم في الباب الاول: مفاتيح علم التقديس، ما يغني عن الإعادة هنا، والله المستعان وهو يهدي السبيل.
لقد ذهل الحشوية عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج أهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من أهل السنّة والجماعة في باب الصفات، مع أنّ الحق والصواب أنّهم (الحشوية) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة: أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح المتعلقة بذات الله تعالى، والمستمدة من الكتاب والسنة، وأدى ذلك إلى خلل في فهم قسم توحيد الذات (علم التقديس) الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان.
والحشوية ينتسبون إلى السلف الصالح، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، وما أحرى بالسلفية المعاصرة أن تعود إلى سلفية الكتاب والسنّة، وإلى دراسة علوم الدين على مناهج أهل التخصص في العلم، وإلى علاج القصور.
[المفتاح الرابع]: تنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية:
المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف، والأثرية: هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله: التفريق بين المحكم والمتشابه، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه، عدم الخوض بالحشو والتجسيم، والأثرية هم الامتداد الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وهناك تنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية.
(تنبيه أول): مذهب الأثرية من تفويض معنى المتشابه ليس معناه الجهل بالمراد من الآيات: لقد فهم البعض من السلفية خطئاً أنّ معنى تفويض المعنى هو الجهل العريض بآيات الصفات، وهذه سقطة عظيمة وزلة عالم، لا ينبغي تتبعها لأنّ مذهب السلف وأهل الأثر في الألفاظ المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث هو تفويض علمها إلى الله، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من سياق الآيات دون تتبع للمتشابهات.
(تنبيه ثان): الأثرية لا يخوضون في المتشابه لفرط خوفهم من التكلم على الله تعالى بغير علم، لكنّهم يعرفون من أصول توحيد الذات وقواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من نسبة النقص إلى ذات الله تعالى، إذ هم يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وإذ هم منزهون لله تعالى عن المكان والزمان وحلول الحوادث.
(تنبيه ثالث): الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة، ولذلك يعترف الجميع بأن الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و (الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ ([43]) .
(تنبيه رابع): الفرق كبير بين الأثرية والحشوية، بل لا تصح المقارنة أصلاً، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه، وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله.
(تنبيه خامس): لقد ذهل الحشوية عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج أهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من أهل السنّة والجماعة في باب الصفات، مع أنّ الحق والصواب أنّهم (الحشوية) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة، أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح المتعلقة بذات الله تعالى، والمستمدة من الكتاب والسنة، وأدى ذلك إلى خلل في فهم قسم توحيد الذات (علم التقديس) الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في الحشو على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك.
وممن تسربت إليه بدع الحشو (ابن تيمية)، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد.
(تنبيه سادس): الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة: الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة، ولذلك يعترف الجميع بأن الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، وقال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و (الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ([44]) .
(تنبيه سابع): الفرق كبير بين الأثرية والحشوية بل لا تصح المقارنة أصلاً، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه، وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله، وكلاهما (الأثرية والحشوية) يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس، وهو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري ينتهي نسبه إلى الصديق ابي بكر رضي الله عنه: أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان على تفويض علم المتشابه إلى الله، وهو على ذلك كان أثرياً، وهاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه، ودعا عليهم، وانظر كتابة الباز الأشهب في الرد على مخالفيه، وكانوا ثلاثة من شيوخ المذهب الحنبلي، وهم: ابن حامد البغدادي، والقاضي أبو يعلى الفراء، وأبو الحسن ابن الزاغوني، واتهمهم بأنهم صنفوا كتبا شانوا بها مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقال في خاتمة كتابه: ” ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال لم يعجبهم، لأنهم ألفوا كلام رؤسائهم المجسمة، فقالوا ليس هذا المذهب، قلت: ليس بمذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهتُ مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ونفيت عنه كذب المنقولات وهذيان المعقولات
(تنبيه ثامن): ذهول الحشوية عن حقيقة مذهب السلف: لقد ذهل الحشوية عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج أهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من أهل السنّة والجماعة في باب الصفات، مع أنّ الحق والصواب أنّهم (الحشوية) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة: أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح المتعلقة بذات الله تعالى، والمستمدة من الكتاب والسنة، وأدى ذلك إلى خلل في فهم قسم توحيد الذات (علم التقديس) الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، والحشوية ينتسبون إلى السلف الصالح، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية.
لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل
(تنبيه تاسع): براءة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله من انتساب الحشوية إليه: اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل (ت241هـ)، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر، ومن أكبر أئمّة الاسلام، لكن قد انتسب إليه هؤلاء هو منهم بريء،، وقد تقدم مخاطبة الإمام ابن الجوزي، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله، لحشوية الحنابلة ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي، ومن نظر في كتابه الباز الأشهب علم مدى الحشو الذي وصل إليه هؤلاء، حيث قال في مقدمة كتابه: اعلم وفقك الله تعالى أني لما تتبعت مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه رأيته رجلا كبيرا كبير القدر في العلوم، قد بالغ رحمه الله عليه في علوم الفقه ومذهب القدماء، حتى لا تأتي مسألة إلا وله فيها نص أو تنبيه إلا أنه علي طريق السلف، فلم يصنف إلا المنقول…، ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته.
وقال بعضهم ويتنفس، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لادليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم بلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا لا نحملها علي توجيه اللغة مثل يد علي نعمة وقدرة ومجيء وإتيان علي معني بر ولطف، وساق علي شدة، بل قالوا نحملها علي ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يجعل علي حقيقته إذا أمكن، وهم يتجرحون من التشبيه ويأنفون من اضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: ” كيف أقول ما لم يقل ” فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه، ثم قلت في الأحاديث، تحمل علي ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال: استوي بذاته فقد أجراه مجري الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنه به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم.
فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها علي الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة) أنتهى،[مقدمة كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب]، وقال أيضا في خاتمة كتابه: ((ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال، لم يعجبهم لأنهم أَلِفُوا كلام رؤسائهم المجسمة فقالوا: ليس هذا المذهب، قلت: ليس مذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهت مذهب الإمام أحمد، ونفيت عنه كذب المنقولات، وهذيان المقولات)) اهـ.
(قلت): ومن نظر في كتاب ابطال التأويلات للقاضي أبي يعلى علم ما وصل إليه القوم من الحشو،، ومن ذلك ما ذكره أبو يعلى: أن النبي يقعد على العرش يوم القيامة مع الله تعالى وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه، وذكر في ذلك روايات موضوعة، ثم قال مستدلاً بها على تضليل المسلمين: ((فلزمنا الإنكار على من رد هذه الفضيلة التي قالتها العلماء وتلقوها بالقبول، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة)) اهـ، وذكر في ذلك رواية موضوعة: ((إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر)) ([45]). وذكر عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا: ((هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى)) اهـ !!، وقد أثبت أبو يعلى بهذا وذاك وغيره من الباطل صفات لله تعالى وتقدس عن إفكه فقال: ((اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء: منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة بل على صفة لا نعقل معناها، وأن له رجلين كما له يدان، وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها)) اهـ([46]).
!!!، ثم لم يهدأ حتى وصف الله تعالى بأنه في صورة (شاب، أمرد، أجعد، في حلة حمراء، عليه تاج، ونعلان من ذهب، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب) !! وكتب في ذلك صفحات كثيرة من الكتاب ليثبت هذه الأوصاف لله ـ تعالى وتقدس عن إفكه ـ وكلها روايات موضوعة، ونقل أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، ثم قال أبو يعلى في 1/146: (وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتا ونفسا، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش،)) اهـ([47]).
، فهذه بعض مخازي أبي يعلى الفراء، كما أثبت (التدلي) !! بقوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) على أن المتدلي هو الله !! فقال ((فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى)) اهـ ([48]).
!! يقول هذا مع أن أئمة اللغة قد أجمعوا على أن الضمائر تعود على ما يناسبها ولو بعدت، ولم يتورع أبو يعلى من إطلاق الشمال على الله، ([49]).
ولم يتورع عن اتبات صفات بكلام اليهود، فذكر في عن كعب الأحبار أنه قال: ((إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إني واط على بعضك، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه)) اهـ، ([50]).
والمحقق يقول: ((الخبر من الإسرائيليات)) اهـ، لكن أبا يعلى لا يتورع عن إثبات صفات بمثل هذا، ولأن أبو يعلى حشوي جلد، فإنه مغرم بنسبة كل شيء إلى الذات ! لا يتردد أبدا في ذلك فتراه يذكر في رواية (إن الله يدني العبد يوم القيامة) فيقول: ((المراد من دنوه الدنو من الذات)) ! ([51]). ويذكر: ((نزول ذاته)) !! تعالى وتقدس، يستدل لذلك بخبر موضوع: ((إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته)) ! ([52]). ويذكر: ((هبوط الذات)) و ((الدنو والقرب من الذات)) !! ([53]). و((فأما التجلي فهو راجع إلى الذات)) !!، ثم أثبت الذراعين والصدر) !! ([54]). برواية مكذوبة باطلة، نصها: ((خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر)) !! ([55]). ثم قال: ((الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره)) اهـ !! فأثبت الذراعين والصدر والنور صفات، وأثبت (الفخذ والأمام والخلف لله) سبحانه وتعالى عن حشو المجسمة) !!!! برواية باطلة: ((إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له خذ بقدمي)) اهـ، ([56]).
ثم يذكر الرواية الباطلة التالية: ((إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول: ادن منا أزلفت لدينا)) اهـ، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين … ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة …)) اهـ !!!، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، جعل الفخذ صفة لله تعالى وتقدس، والفخذ من العورة في شريعة الإسلام، حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم أثبت (الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها) !! بروايات لا يثبت بها شيء حتى في الوضوء، فأثبت الإبهام صفة للهمستدلا برواية منكرة باطلة: ((أوحى الله إلى داود: ارفع رأسك فقد غفرت لك، ومحوت خطيئتك بإبهام يميني)) اهـ !!، ([57]). ثم قال أبو يعلى متحذلقا: ((وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام،)) اهـ، وقال في خبر تالف باطل. ((الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها)) اهـ، ([58]) ويقول في ((، الخنصر وهو على ظاهره، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته)) اهـ([59]).
ثم أثبت (اللهوات والأضراس) صفاتا لله، ففي يذكر أبو يعلى خبرا باطلا نصه: ((يضحك الله، حتى بدت لهواته وأضراسه)) اهـ([60]). ثم يقول: ((لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناها)) اهـ،([61]).
ولم يكتف بذلك حتى أثبت (الملل) !! صفة لله،برواية: ((إن الله لا يمل حتى تملوا)) فأثبت الملل له تعالى صفة، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل لا على معنى السآمة والاستثقال،)) اهـ !! ([62]). وأثبت (الفم) !! بأثر باطل ((كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك)) اهـ([63]).
أضف إلى ذلك روايات موضوعة لا تُصدق كرواية عن عبدالله بن الحسين المِصِّيصي قال: دخلت طَرَسُوسَ، فقيل لي ههنا امرأة قد رأت الجن الذين وفدوا إلى النبي ، فأتيتها، فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها فقلت: رأيت أحدا من الجن الذين وفدوا إلى رسول الله ؟ قالت: نعم، حدثني عبدالله سمحج قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: (على حوت من نور يتلجلج في النور)،،))، ([64]) فهل بعد ذلك من حشو، والعجيب أنّ بعض الجهلاء يعتقدون أنّه متخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، ووالله إن لم يكن هذا حشو فأين يكون الحشو إذن وهذا ما دعا ابن الجوزي أن يقول عنهم: (وقال بن حامد: رأيت بعض أصحابنا يثبتون لله وصفا في ذاته بأنه يتنفس قال: وقالوا الرياح الهفافة مثل الرياح العاصفة، والعقيم والجنوب والشمال والصبا والدبور مخلوقة، إلا رياحا من صفاته هي ذات نسيم حياتي، وهي من نفس الرحمن، (قلت): علي من يعتقد هذه اللعنة، لأنه يثبت جسدا مخلوقا وما هؤلاء بمسلمين) أهـ ([65]) . ولله دره قاتلهم الله ما أجهلهم بما يستحيل نسبته إلى الرحمن، ولو تعلموا أصول العقيدة وقواعد التنزيه ما كان هذا حالهم.
(تنبيه عاشر): من هم المعبرون عن الأثرية وأصحاب الحديث:
(أولاً): المعبرون عن الأثرية من أهل الحديث: (المحدث) هو كل من اشتغل بعلم الحديث رواية ودراية، واشتهر عنه ذلك، ولكن من المعروف عند أهل العلم: أن المحدثين ليس لهم مذهب مستقل في الاعتقاد، ففيهم أهل السنّة وفيهم الحشوية، وفيهم الرافضة وفيهم الخوارج، ونظرة سريعة إلى كتب الجرح والتعديل تدلنا على ذلك، والذي يهمنا في هذا المبحث: أنّ من أهل الحديث من يمثل الأثرية، وعلى رأسهم الإمام مالك بن أنس رحمه الله، فقد ذكر القاضي عياض في كتابه الشفا: أنّه كان ينهى عن التحديث بالأحاديث المتشابهات التي توهم التشبيه، وكان يمنع من السؤال عنها، وكان مجرد السؤال عن المتشابه أمامه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه في طرد السائل عن معنى الاستواء وتبديعه، وعلى رأسهم أيضاً: الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه تفويض معنى المتشابهات، كما ثبت عنه التأويل عند الضرورة رداً على أصحاب البدع بسند صحيح أخرجه البيهقي، والأثرية من أهل الحديث هم كل من سار على نهج الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، و(الأثرية) من أهل الحديث هم أهل التقديس والتنزيه الذين كانوا على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في مباحث العقيدة، واهمهم من علماء أهل الحديث، فخر الحديث وأهله الإمام البيهقي، وله رسالة (الأسماء والصفات) تدل على رسوخ قدمه في علم العقيدة والتنزيه والتقديس، وهي من أهم مراجع العقيدة الأثرية، والإمام النووي شارح صحيح مسلم، وقد تتبعت مباحث العقيدة في كتابه القيم المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، والمشهور بشرح النووي على صحيح مسلم، وهو أهم الشروح على صحيح مسلم، فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً لعقيدة أهل الأثر، وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني، صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري، وهو من أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها، لا يستغني عنه طالب علم، وأهم ما يميز فتح الباري أنّه يجمع في كل باب بالإضافة إلى ما رواه البخاري أهم الأحاديث المتعلقة بالباب التي وردت في دواوين السنة الأخرى من بقية الكتب الستة والمسانيد وغيرها، كما يجمع فيه شروح العلماء قبله على صحيح البخاري، وينقل عن شراح كتب السنة الأخرى كشرح النووي على صحيح مسلم وشرح الخطابي لسنن أبي داود وكلام البغوي في شرح السنة وغيرهم، حتى صار بحق أحد أعظم دواوين الإسلام المعتبرة، ومصادره العلمية المهمة، وقد تتبعت مباحث العقيدة فيه فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً كاملاً لعقيدة أهل الأثر.
(ثانياً): المعبرون عن الأثرية من الحنابلة: من أفضل علماء الحنابلة الذين تكلموا في العقيدة على منهاج المتخصصين الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري، (ت 597 هـ) في كتابه الباز الأشهب في الرد على منتقضي المذهب، والمسمى كذلك دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، رد فيه على حشوية الحنابلة، وكان يُخاطب ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي وهم من كُبراء حشوية الحنابلة، بقوله: ” ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي وابن الزاغوني فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهواتٍ وأضراساً،، ويدين وأصابعَ وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا: يجوز أن يُمس وَيمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم: ويتنفس، ثم يرضون العوام بقولهم: لا كما يعقل ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط:” كيف أقول ما لم يقل”، فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت ما أنكر عليكم أحد، إنما حمْلكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم،،) أهـ ([66]) .
وكتابه الباز الأشهب من خير الكتب التي ردت على بدعة الحشو، ومن الكتب المعبرة عن مذهب الأثرية كتاب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات) صنفه العلامة مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي (ت: 1033 هـ)، وكتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر لعبد الباقي بن عبدالباقي بن عبد القادر، وكتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية وكلاهما للشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي.
[المفتاح الخامس]: التحذير من كتب حديثية كُتبت على منهج أهل الحشو ونُسبت إلى أهل السنّة والجماعة: إنّ من الأمانة العلمية أمام الله تعالى وأمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأمام المؤمنين تقتضي التحذير من كتب تلبس مسوح أهل السنّة، والسنّة منها برآء، وهي في الحقيقة لا تنتمي إلى العقيدة الأثرية، ولا إلى عقائد أهل السنّة والجماعة القائمة على التقديس والتنزيه، بل هي إلى عقيدة الحشو والتجسيم أقرب، ومن ذلك:
(1) كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد: لعثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ): فقد احتج فيهما بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيهما أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، وأثبتَ الثقل والحركة والقرب الحسي الذي يُقاس بالمسافة والحد لله عز وجل، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وغير ذلك مما يدل على جهله العظيم بما يجب وما يستحيل في حق الله تعالى لما يوحي به من النقص والمشابهة لخلقه.
(2) كتاب السنة لابن أبي عاصم: وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك.
(3) كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (290هـ): وقلت: المنسوب لأنّ الغالب بل اليقين عندي أنّه لا تصح نسبته إليه، لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه، ولكونه اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان، وقد كان أبوه الإمام أحمد يُجل الإمام أبي حنيفة وتتلمذ على تلامذته كمحمد بن الحسن الشيباني، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك من الحشو الذي يؤول بصاحبه إلى التجسيم، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، ويعلم المحققون أنّ هذه الأخبار مكذوبة على الإمام أحمد وابنه عبد الله، بل الكتاب كله مكذوب عليه، فإن كان هو واضعه فالله حسيبه، والحق أحق أن يُتبع، والكتاب عند المتخصصين في العقيدة لا يمثل سوى طائفة الحشوية وحسب.
(4) كتاب السنة للخلال: وفيه أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو، والكتاب تقرير لعقائد أهل الحشو لا أهل السنّة.
(5) كتاب التوحيد لا بن خزيمة: تأثر – على علمه بالحديث – بابن كرام، صنف كتابه على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، ولكنه تاب عنه وندم فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: (ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه… ثم قال البيهقي: والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم ” [الأسماء والصفات للبيهقي، ص 342]، واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام ” أهـ [الأسماء والصفات للبيهقي، ص 340]، وكتاب التوحيد أخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
(6) كتاب الصفات المنسوب للدارقطني: وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه، وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه، فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري في [تبديد الظلام المخيم] ([67]) .
لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته في : (أقر بوضع حديث وتاب وأناب)، ([68]) .
ولا يخفى أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين الأول أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين ([69]) .
الثاني: أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده، نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال ([70]) .
ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي، وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال – فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) ([71]) . وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن.
(7) كتاب التوحيد لابن مندة: وله أيضا كتاب الرد على الجهمية، وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه، وعزاه إلى البخاري ومسلم، مع أنه ليس في أحدهما، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من أخبار أهل الحشو لا أهل التخصص والعلم بالعقيدة.
(8) كتاب العرش وما روي فيه: لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وحال الكتاب من حال مؤلفه الذي نقل الذهبي تضعيفه عن الجمهور وتكذيبَه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، وعن غيره الاتهام بالوضع، وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في روضة خضراء.
(9) كتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل الهروي (ت 481 هـ): وفيه ذكر أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة.
(تنبيه): أهم أغلاط هؤلاء المصنفين على وجه الإجمال أنّهم:
(أولاً): جمعوا فيها أخباراً متفرقة فأحدث هذا الجمع في دلالتها تقوية لظاهرها الموهم كما سبق في الكلام على التفويض.
(ثانياً): لم يفرقوا فيها بين النصوص التي تتفاوت دلالة وثبوتاً فمثلاً جعلوا قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} مع الأخبار المنكرة التي تتحدث عن القعود على العرش وأطيط العرش من ثقل الجبار فوقه، وجعلوا هذين المتفاوتين من أدلة الاستواء على العرش.
(ثالثاً): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا، بل ربما عارضوا ما هو مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرويات عن أحد التابعين، ومثال ذلك تفسير المقام المحمود بالإقعاد على العرش، بل لم يفرقوا بين حديث نبوي وخبر إسرائيلي، فربما جعلوا ما لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من القدسية والمكانة ثابتاً لقول أهل الكتاب، ومثال ذلك ما ذكروه في الاستلقاء على العرش ووضع إحدى رجليه على الأخرى وغير ذلك مما هو مبسوط في الشبه السمعية.
(رابعاً): أنهم لم يفرقوا بين منقول بالتواتر من الكتاب والسنة وخبر لم يصح سنده فأثبتوا بالثاني ما أثبتوه بالأول، [وللتوسع في معرفة خلل هؤلاء انظر كتاب التجسيم في الفكر الإسلامي للدكتور صهيب السقار، مبحث: التجسيم في فكر المحدثين]،
[المفتاح السادس]: الصفات السمعية عند الحنابلة من المتشابه: في درة من كلام الشيخ صالح بن محمد الأسمري قال حفظه الله تعالى: [[الصفات السمعية عند الحنابلة من المتشابه: شنَّع التقي ابن تيمية رحمه الله على الحنابلة الذين يجعلون أخبار الصفات المسماة ب (الصفات السمعية) من باب المتشابه الذي لا يبحث عن معناه! وقال –كما في: “مجموع الفتاوي”: “والمنتسبون إلى السنة من الحنابلة وغيرهم الذين جعلوا لفظ التأويل يعم القسمين، يتمسكون بما يجدونه من كلام الأئمة المتشابه، مثل قول أحمد في رواية حنبل: (ولا كيف ولا معنى)، فظنوا أن مراده أنا لا نعرف معناه!” أهـ ([72]) . وما حكاه التقي ابن تيمية عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه مشهور، ونقله الخلال في “كتاب السنة” عن حنبل بن إسحاق رحمه الله أنه قال: “سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى “إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا”، و “إن الله يرى” و “إن الله يضع قدمه” وما أشبه هذه الأحاديث؟ فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حق إذا كان بأسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف الله تبارك وتعالى بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء” أهــ، ([73]) . من كتاب “ذم التأويل” للموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى، والمشهور اعتماده مذهبا عند السادة الحنابلة أن أخبار الصفات من المتشابه، قال الموفق ابنُ قدامة رحمه الله تعالى في “رَوْضَةِ النَّاظِر “والصحيْحُ أنّ المُتَشابِه مَا وَرَدَ فِي صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ”، ([74]) .
وقال الشمس ابن مفلح رحمه الله تعالى في “أصوله”: “والمُحْكَم مَا اتَّضَحَ مَعْنَاهُ، فلم يَحْتَجْ إلى بَيَان، والمُتشابه عَكسُهُ، لاشْتراكٍ أو إجمَال، قال جماعةٌ من أصْحابنا وغيْرُهم: وما ظاهرُهُ التشْبيْه، كصِفاتِ اللهِ”، ([75]) .
وقال الطوفي رحمه الله في: “شرح مختصر الروضة” “والمتشابه مقابل المحكم، وهو غير المتضح المعنى، فتشتبه بعض محتملاته ببعض للاشتراك، أي: تشابهه، وعدم اتضاح معناه إما لاشتراك كلفظ العين والقرء… أو لظهور تشبيه في صفات الله تعالى، كآيات الصفات وأخبارها، نحو: “ويبقى وجه ربك”، “لما خلقت بيدي”، “بل يداه مبسوطتان”، “يد الله ملأى لا تَغِيضها النفقة”، فيضع الجبار قدمه”، “فيظهر لهم في الصورة التي يعرفونها”، “خلق الله آدم على صورة الرحمن”، ونحو ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة، لأن هذا اشتبه المراد منه على الناس، فلذلك قال قوم بظاهره فجسموا وشبهوا، وفَرَّ قوم من التشبيه فتأولوا وحَرَّفوا فعطَّلوا، وتوسط قوم فسلَّموا وأَمَرُّوه كما جاء مع اعتقاد التنزيه فَسَلِموا، وهم أهل السنة” أهــ، ([76]) .
وقال العلاء المرْداوي رحمه الله تعالى في “التحْبيْر شَرْح التحْريْر”:” والأصح: أنّ المُحْكم ما اتضح مَعْنَاهُ، والمُتَشابَه عَكسُهُ، لاشتراكٍ أو إجمالٍ، أو ظهورِ التشبيْه، كصفات الله تعالى”، ([77]) .
وكذا في: “شرح الكوكب المنير “، وقال مرعي الكرمي رحمه الله تعالى في: “أقاويل الثقات”: “هذا كلام أئمة الحنابلة ولا خصوصية لهم في ذلك، بل هذا مذهب جميع السلف والمحققين من الخَلَف، ([78]) .
قال الحافظ السيوطي في كتابه: “الإتقان”: “من المتشابه آيات الصفات، ولابن اللَّبَّان فيها تصنيف مُفْرد، نحو: “الرحمن على العرش استوى”، “كل شيء هالك إلا وجهه”، “ويبقى وجه ربك”، “ولتصنع على عيني”، “يد الله فوق أيديهم”، “لما خلقت بيدي”، “والسموات مطويات بيمينه”، وجمهور أهل السنة، منهم السلف وأهل الحديث: على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نُفَسِّرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها” اهـ ([79]) .
وعليه حكموا بشيئين: (أولهما): عدم جواز الخوض في المتشابه كأخبار الصفات بتأويل، لأنه قول بالظن، يقول مرعي الكرمي رحمه الله تعالى في: “أقاويل الثقات” ” مذهب السلف وإليه ذهب الحنابلة وكثير من المحققين عدم الخوض خصوصا في مسائل الأسماء والصفات فإنه ظن والظن يخطئ ويصيب فيكون من باب القول على الله بلا علم وهو محظور ويمتنعون من التعيين خشية الإلحاد في الأسماء والصفات ولهذا قالوا والسؤال عنه بدعة فإنه لم يعهد من الصحابة التصرف في أسمائه تعالى وصفاته بالظنون وحيث عملوا بالظنون فإنما عملوا بها في تفاصيل الأحكام الشرعية لا في المعتقدات الإيمانية وروى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية {هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى قوله أولوا الألباب} [آل عمران: 7] قالت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم،، وفي حديث ابن مردويه أن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به ” اهـ، ([80]) .
و(الثاني): تفويض معنى المتشابه إلى الله كأخبار الصفات، قرره ابن حمدان رحمه الله تعالى في: “نهاية المبتدئين”(ص: 30)، ([81]) .
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في: “فضل علم السلف على الخلف”(ص: 4): “والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل: ولا يصح من أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصاً الإمام أحمد ولا خوض في معانيها ” أهـ ([82]) .
المراد، وشرحه السفاريني رحمه الله تعالى في: ” لوامع الأنوار “بقوله: “فكل ما جاء عن الله تعالى في القرآن العظيم من الآيات القرآنية أو صح مجيئه في الأخبار بالأسانيد الثابتة المرضية عن رواة ثقات في النقل، وهم العدول الضابطون المرضيون عند أهل الفن العارفين بالجرح والتعديل، من الأحاديث الصحيحة، والآثار الصريحة: مما يوهم تشبيهاً أو تمثيلاً فهو من المتشابه، الذي لا يعلمه إلا الله، نؤمن به، وبأنه من عند الله تعالى، ونُمِرِّه كما قد جاء عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم… فمذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تكييف، وهو سبحانه: “ليس كمثله شيء” لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فالله تعالى منزه عنه حقيقة، فإنه تعالى مستحق الكمال الذي لا غاية فوقه، ومذهب السلف عدم الخوض في مثل هذا، والسكوت عنه، وتفويض علمه إلى الله تعالى” أهــ ([83]) .
المراد، ثم قال رحمه الله عن الحنابلة “اعلم أن مذهب الحنابلة هو مذهب السلف، فيصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فالله تعالى ذات لا تشبه الذوات، متصفة بصفات الكمال التي لا تشبه الصفات من المحدثات، فإذا ورد القرآن العظيم، وصحيح سنة النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بوصف للباري جلَّ شأنه تلقيناه بالقبول والتسليم، ووجب إثباته له على الوجه الذي ورد، ونكل معناه للعزيز الحكيم، ولا نَعْدِل به عن حقيقة وصفه، ولا نُلْحِد في كلامه ولا في أسمائه ولا في صفاته، ولا نزيد على ما ورد، ولا نَلْتفت لمن طعن في ذلك ورد، فهذا اعتقاد سائر الحنابلة كجميع السلف، فمن عدل عن هذا المنهج القويم زاغ عن الصراط المستقيم وانحرف، فدع عنك فلاناً عن فلان، وعليك بسنة سيد عدنان، فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، والجنة الواقية التي لا انحلال لها، والله تعالى الموفق” اهـ ([84]) .
ومع ذلك فهناك نوع من التفويض باطل، وله صورتان مشهورتان: (أولاهما): القول بأن آيات وأحاديث الصفات لا معنى لها، ولا مفهوم منها، والحنابلةُ يُقرُّون بأن للآيات والأحاديث معاني، ولكنهم يَكِلون معنى الصفة منها إلى الله، مع قطعهم أن لها معنى لائقا به سبحانه، فقوله عز وجل: “بل يداه مبسوطتان” قال عنها ابن الجوزي رحمه الله في: “زاد المسير” : “والمراد بقوله: “بل يداه مبسوطتان” أنه جواد ينفق كيف يشاء، وإلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري، قال ابن عباس: إن شاء وسَّع في الرزق، وإن شاء قَتَّر” اهـ، ([85]) .
وقطع السادة الحنابلة بأنه ليس في كتاب الله ما لا معنى له، وفي ذلك يقول العلاء المرداوي رحمه الله في: “شرح التحرير”: “(وليس فيه ـ أي: الكتاب… ما لا معنى له) وهذا مما يقطع به كل عاقل، ممن شم رائحة العلم، ولا يخالف في ذلك إلا جاهل أو معاند، لأن ما لا معنى له هذيان، ولا يليق النطق به من عاقل، فكيف بالباري سبحانه وتعالى” أهــ، ([86]) .
وقال ابن النجار رحمه الله في: “شرح الكوكب المنير”: “لأنه لا يخالف فيه إلا جاهل أو معاند، لأن ما لا معنى له هذيان لا يليق أن يتكلم به عاقل، فكيف بالباري سبحانه وتعالى” ([87]) .
اهـ، و (الثانية): القول بأن التفويض يَشْمل جميع أسماء الله وصفاته! والحنابلة يُقرُّون بأن معاني الأسماء والصفات معروفة لنا، سوى ما أوهم التشبيه والتمثيل كـ (الوجه)، و(اليد)، و(الأصبع)، و(الرجل)، و(القدم)، و(الساق)، و(النزول)، و(العين)، و(المجيء)، و(الإتيان)، وفي ذلك يقول العلامة السفاريني رحمه الله في: “لوامع الأنوار”: “فكل ما جاء عن الله تعالى في القرآن العظيم من الآيات القرآنية أو صَحّ مجيئه في الأخبار بالأسانيد الثابتة المرضية عن رواة ثقات في النقل، وهم العدول الضابطون المرضيون عن أهل الفن العارفين بالجرح والتعديل، من الأحاديث الصحيحة، والآثار الصريحة: مما يوهم تشبيهاً أو تمثيلاً فهو من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، نؤمن به، وبأنه من عند الله تعالى، ونُمِرُّه كما قد جاء عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم” اهـ ([88]) . هذا وبالله التوفيق) انتهى من كلام خادم الشريعة الشيخ صالح بن محمد الأسمري.
[المفتاح السابع]: القاعدة السلفية في الصفات السمعية: في درة من كلام الشيخ صالح بن محمد الأسمري، قال (وهو يصف حال السلف مع الصفات الخبرية): [القاعدة السلفية في الصفات السمعية: اعلم – رحمني الله وإياك – أن للسلف الصالح فيما يسمى بصفات الله السمعية (قاعدة) تقوم على ركائز ثلاث: الركيزة الأولى: الإيمان بما ورد من صفات سمعية كما ورد، الركيزة الثانية: تنـزيه الله سبحانه عن معاني المِثْليَّة والتَّشْبِيه، الركيزة الثالثة: التفويض مع عدم التفسير،
[أما الأولى]: فالإيمان بصفات الله التي وصف بها نفسه في آيات تَنْزيله أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها كقوله سبحانه: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وقوله: {بل يداه مبسوطتان}، وقوله: {ولتصنع على عيني}، وحديث النـزول، قرَّره عن أهل الحديث والسلف الأئمةُ، ومنهم الإمام الترمذي رحمه الله تعالى حيث قال في: “الجامع”: “والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم… أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا: نروي هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث: أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها” أه ([89]) .
وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى: كما في “شرح أصول اعتقاد أهل السنة “: “اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت به ثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب من غير تغيير ولا وصف، ولا تشبيه، فمن فَسَّر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفارق الجماعة، فإنهم لم يَصِفوا ولم يُفَسِّروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جَهَمٍ فقد فارق الجماعة، لأنه قد وصفه بصفة لا شيء” أهــ. ([90]) .
[وأما الثانية]: فتنـزيه الله سبحانه عن معاني المِثْليَّة والتَّشْبِيه: كما قال تعالى: (ليس كمثله شيء) وقال: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أنداداً) أشباهاً، وقاله جمع من السلف، خَرَّجه ابن جرير الطبري في: “التفسير” وقال: “(أندادا) جَمْعُ نِدّ، وهو العِدْل والمِثْل، وكل شيء كان له نظير لشيء، وله شبيه فهو له نِدٌّ” أهــ ([91]) . وكذا قوله سبحانه: (هل تعلم له سمياً) قال ابن عباس رضي الله عنهما: “هل تَعْلَمُ للرّبِ مِثْلاً أو شبيها”، خرجه ابن جرير في: “التفسير” ([92]) . وقوله: (ولم يكن له كفواً أحد) قال أبيّ بن كعب رضي الله عنه: “لم يكن له شبيه ولا عِدل، وليس كمثله شيء“ ([93]) .
[وأما الثالثة]: فالتفويض مع عدم التفسير، قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في: “التفسير) عند قوله: “إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام”: “والأولى في هذه الآية وما شاكلها: أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويَكلِ علمها إلى الله تعالى ويعتقد أن الله عز اسمه مُنَزَّه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة، ثم قال: “قال سفيان بن عيينة: (كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه، ليس لأحد أن يُفَسِّره إلا الله سبحانه ورسوله” ([94]) .
وقال الترمذي رحمه الله تعالى في “الجامع” “الذي اختاره أهل الحديث: أن تُروى هذه الأشياء كما جاءتْ ويُؤْمَن بها ولا تُفَسَّر، ولا تُتَوَهَّم ولا يُقال كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه” أهــ. ([95]) .
.. وحاصل حقيقة (التفويض) ثلاثة أشياء: (أولها): أن المعنى المُتبادَر للذِّهن من أخبار الصفات غيرُ مراد، لأنه لا يَلِيق بالله تعالى بل بالحسٍّيات كمعنى الجارحة في (اليد) والحَدَقَة في (العين)… و (ثانيها): أن هناك معنى للصفة يَلِيق بالله لكن يُسْكَتْ عن تَعْيينه وهو بَيِّن بِرَدِّ عِلْم الصِّفات إلى الله تعالى مع أن جماعة قَرَّروه عن السلف، ومنهم الإمام النووي رحمه الله تعالى، و (ثالثها): رَدُّ العلم بمعاني الصفاتِ اللائقة بالله إليه سبحانه، وفيه نُقُولٌ سبقتْ، وهو مشهور عن السلف، قال البدر العيني رحمه الله تعالى في “عمدة القاري”: “لا شك أن النـزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منـزه عن ذلك فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات والعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوِّضة، يؤمنون بها يُفَوِّضون تأويلها إلى الله عز وجل مع الجزم بتنـزيهه عن صفات النقصان، والثاني: المؤولة، يؤولونها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى (ينـزل الله): ينـزل أمره، أو ملائكته، وبأنه استعارة، ومعناه: التَّلطُّف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك” أهــ ([96]) .
وتلك المعاني الثلاثة لـ (التفويض) لخَّصها جماعة عند التعريف بتفويض السلف، ومنهم البدر العيني في: “عمدة القاري” حيث عَرَّف التفويض في الصفات بقوله: “وهو الإيمان بأنها حق على ما أراد الله، ولها معنى يليق به، وظاهرها غير مراد” أهــ… ([97]) .
” انتهى باختصار من كلام خادم الشريعة الشيخ صالح بن محمد الأسمري.
المبحث الخامس الأشعرية والماتريدية هم امتداد السلف الصالح وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج الكتاب والسنّة وهم المعبرون عن أهل السنّة والجماعة في كل أبواب العقيدة
[المفتاح الأول]: الأشعرية والماتريدية هم امتداد السلف وهم الذين يمثلون السلف بكافة مناهجه وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وقد بينا أنّ للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، فالمنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات: ومذهب السلف فيها: أن يوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وهؤلاء كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بالواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس، ومن مقالاتهم التي نُقلت عنهم والتي تتركز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، وقولهم: ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله، وقولهم: أمروا الأحاديث كما جاءت، وقولهم: كانوا لا يفسرون شيئا، وقولهم: قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره، وقولهم: فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وقولهم: فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، وقولهم: هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وقولهم: نكل علمه إلى الله تعالى، وقولهم: والسؤال عنه بدعة، وقولهم: من تكلم في معناها فقد ابتدع، (قلت): فهذه العبارات تدل على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من الفتنة، و المنهج الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات]، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وهذا قد ورد عن الحبر البحر ابن عباس رضي الله عنهما، كتأويله للساق في قول الله تعالى {يوم يُكشف عن ساق} بالكرب شديـد وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)، وهو ثابت كذلك عن التابعين: تأويل مجاهد للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير وهم من أئمة التابعين للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو وقد سبق ذكرذلك بالتفصيل ([98]) .
والأشاعرة والماتريدية مدرستان تمثلان مناهج السلف في العقيدة لاسيما في المتشابهات، والمذهب الأول هو تفويض المعنى المراد من المتشابهات إلى الله مع فهم الآيات وفق السياق العام، والمذهب الثاني هو رد المتشابه إلى امهاته من المحكم وفهمه في اطار المحكم، والمذهبان معتمدان عند السلف وعند الاشاعرة والماتريدية.
[المفتاح الثاني]: التعريف بالأشاعرة: (الأشاعرة): هم المتخصصون في العقيدة، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله (270 ه إلى 330 ه)، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة، نصر الحديث، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين، وهو يعد عند جمهور أهل التخصص في العقيدة المجدد الثالث للدين بعد عمر بن عبد العزيز الذي حفظ الله تعالى به السنّة ثاني مصادر الدين عند المسلمين، فامر بتدوينها، والشافعي الذي نصر الله تعالى به السنّة وربط الفقه بالسنّة وملأ علمه طباق الأرض، والثالث الأشعري الذي نصر الله تعالى به عقائد أهل السنّة فأظهرها وأصلها ونافح عنها ضد جميع أهل البدع.
والأشاعرة: هم الذين وقفوا في وجه المعتزلة، فزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم، والإمام أبو الحسن الأشعري لم يؤسس في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة، يخالف مذهب سلف هذه الأمة، وإنما هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم، وإبطال شبههم، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم، كما أن عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة، كالباقلاني، والقشيري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وفخر الدين الرازي، وابن عساكر، والعز بن عبد السلام، وأبناء الأثير، والرافعي، والنووي، والسبكي وابن السبكي، والمزي، والعراقي، وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي-، والسيوطي، والأنصاري، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا، ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين.
والأشاعرة لم يبتدعوا مذهباً، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان، وفي فضل الأشاعرة قال الحافظ ابن عساكر: (وهم – يعني الأشاعرة – المتمسكون بالكتاب والسنة، التاركون للأسباب الجالبة للفتنة، الصابرون على دينهم عند الابتلاء والمحنة، الظاهرون على عدوهم مع اطراح الانتصار والإحنة، لا يتركون التمسك بالقرآن والحجج الأثرية، ولا يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة ويتنكبون طرق المعطلة، ويَطَّرِحون تفريط المجسمة المشبهة، ويفضحون بالبراهين عقائد الفرق المموهة، وينكرون مذاهب الجهمية وينفرون عن الكرامية والسالمية، ويبطلون مقـالات القدرية ويرذلون شُبَهَ الجبرية… فمذهبهم أوسط المذاهب، ومشربهم أعذب المشارب، ومنصبهم أكرم المناصب، ورتبتهم أعظم المراتب فلا يؤثر فيهم قدح قـادح، ولا يظهر فيهم جرح جارح) اهـ ([99]) .
الأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة: فمن فضل الله تعالى على أمة الإسلام، أن سخّر للأمة أعلام الأشاعرة علماء العقيدة الذين أنقذ الله تعالى بهم الأمة من التجسيم والحشو والاعتزال، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، بما يمثل منهج الإسلام الصافي النقي في علم العقيدة بعيداً عن بدع الخروج والتشيع، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، في باب الإيمان والكفر، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد، وباب السنّة والبدعة، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات، بما لا مزيد عليه، توسطاً واعتدالاً و، وصحة وبياناً.
وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور: أهمها: الأول: دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة.
والمحور الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة.
الثالث: قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم.
وقائمة أسمائهم طويلة، وقد عقد الحافظ ابن عساكر في كتابه: « تبيين كذب المفتري » باباً أسماه ” باب ذكر جماعة من أعيان مشاهير أصحابه إذا كان فضل المقتدي يدل على فضل المقتدي به ” وقد قسّم المقتفين أثره على خمس طبقات ذكر فيهم العديد من العلماء، وبعد الحافظ ابن عساكر ظهر العديد من علماء الأصول المنتمين إلى المذهب الأشعري، ومن أبرز هؤلاء الأئمة – على مر عصور الإسلام -: أبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، و أبو منصور عبد القاهر البغدادي (ت ٤٢٩ هـ)، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، وحجة الإسلام الإمام الغزالي (ت ٥٠٥ هـ)، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)، وأبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي (ت ٦٣١ هـ)، والقاضي عبد الرحمن بن أحمد عضد الدين الإيجي (ت ٧٥٦ هـ)، ومسعود بن عمر بن عبد الله المعروف بسعد الدين التفتازاني (ت ٧٩١ هـ)، والسيد علي بن محمد بن علي الحسيني المعروف بالسيد الشريف شارح « المواقف » (ت ٨١٦ هـ)، وعلاء الدين علي بن محمد السمرقندي المعروف بالقوشجي (ت ٨٧٩ هـ)، والإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي (ت 895 هـ)، صاحب الرسائل المهمة في العقيدة، العقيدة الكبرى، مع شرحها، والعقيدة الوسطى، وشرحها والعقيدة الصغرى (أم البراهين)، وشرحها، وعقيدة صغرى الصّغرى، والإمام إبراهيم اللقاني المالكي (ت 1041 ه)، مؤلف متن جوهرة التوحيد، أحد أهم متون علم العقيدة والكلام عند أهل السنة والجماعة من الأشاعرة، والإمام شيخ الأزهر الشيخ إبراهيم بن محمد بن أحمد الشافعي الباجوري (ت 1276 هـ) أحد أبرز شّراح جوهرة التوحيد، فهؤلاء هم من أبرز أئمّة الأشاعرة الذين كان لهم دور بارز في إظهار عقائد أهل السنّة والجماعة على مذهب الأشاعرة.
[المفتاح الثالث]: ترجمة الإمام أبى الحسن الأشعري: هو الإمام المجدد ناصر أهل السنة والجماعة وقامع المبتدعة من معتزلة ومجسمة وحشوية، وخوارج وشيعة، ومرجئة، وقدرية، وجهمية جبرية وغيرهم، وعلم الدين،، علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن صاحب رسول الله ‘ ـ أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ـ رضي الله عنه، شيخ طريقة أهل السنة والجماعة وإمام المتكلمين على مذهب أهل الحق، ولد رحمه الله سنة ستين ومئتين، وتبع أول أمره مذهب الجبّائي المعتزلي، واستمر على الاعتزال أربعين سنة أو قريبا من ذلك، وبرع فيه وعرف جميع مداخله ومخارجه وجوانب الخطأ فيه، وعرف مذهب المجسمة وأسبابه وأسراره ومخاطره، اختاره الله تعالى لنصرة دينه، وهيأ له أسباب ذلك فخـرج إلى الجامع وصعد المنبر وصاح بأعلى صوته: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله تعالى لا يرى في الآخرة بالأبصار، وأن العباد يخلقون أفعالهم، وها أنا تائب من الاعتزال معتقد الرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم.
وقد قام على تقرير مذهب أهل السنّة والجماعة خير قيام، فضبط مسائل الإيمان عدلاً وسطاً بين الخوارج والمعتزلة والتكفيريين من جهة الإفراط، وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط، وضبط مسائل الذات والأسماء والصفات والأفعال عدلاً وسطاً بين المعطلة والمعتزلة من جهة التفريط والمجسمة والمشبهة والحشوية من جهة الإفراط، وضبط مسائل الآل والأصحاب عدلاً وسطاً بين الشيعة والنواصب والخوارج وسائر فرق أهل القبلة، وجاهد في اقرار مذهب أهل السنّة ومحاربة البدع وكشف عوارها حتى قال العلماء: إن أهل البدع قبل الإمام أبي الحسن قد رفعوا رؤوسهم فلما ظهر عليهم رحمه الله حجزهم في أقماع السمسم، وقد أخذ عنه رحمه الله خلق كثير من أعلام الأمة ممن تتزين بذكرهم المنابر، وتتعطر بسيرهم الدفاتر وكلهم خلّف تلامذة هم إلى اليوم أعلام الدنيا ونجوم الهدى، وعلى الجملة فقد انتهض لنصرة مذهبه أهل السنة والجماعة في جميع الأرض، وبلغ مذهبه ما بلغ الليل والنهار، لِمَا كان عليه من اقتفاءٍ لآثار السلف رضوان الله عليهم، ورفعٍ للواء السنة، ترك من المؤلفات شيئا كثيرا، قيل إنه بلغت مؤلفاته أكثر من مئتين كتاب، توفي رحمه الله تعالى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وكل أهل السنة باكون عليه، متوجعون لفقده، وكل أهل البدعة مرتاحون منه، ودفن في بغداد ونودي على جنازته: اليوم مات ناصر السنة، [انظر لترجمته تبيين كذب المفتري للحافظ ابن عساكر، وطبقات الشافعية للسبكي]
[المفتاح الرابع]: ثناء العلماء علي الإمام الأشعري: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: (،، إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله فلم يحدث في دين الله حَدَثاً، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين، وأن ما قالوا وجاء به الشرع في الأصول صحيح في العقول، بخلاف ما زعم أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء، فكان في بيانه تقوية ما لم يدلَّ عليه من أهل السنة والجماعة، ونصرة أقاويل من مضى من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، ومالك والشافعي من أهل الحرمين، ومن نحا نحوهما من الحجاز وغيرها من سائر البلاد، وكأحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث، والليث بن سعد وغيره وأبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري إمامي أهل الآثار وحفاظ السنن التي عليها مدار الشرع رضي الله عنهم أجمعين) اهـ ([100]) .
وقال أبو بكر البغدادي: (أبو الحسن المتكلم، صاحب الكتب والتصانيف في الرد على المٌلحِدة وغيرهم من المعتزلة والجَهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة،، حدثني محمد بن علي الصوري، قال: سمعت عبد الغني بن سعيد الحافظ يقول: سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن يزيد يقول: سمعت أبا بكر الصيرفي يقول: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم) أهــ ([101]) .
وقال الحافظ ابن عساكر: (،، ولسنا نُسَلِّم أن أبا الحسن اخترع مذهباً خامساً، وإنما أقام من مذاهب أهل السنة ما صار عند المبتدعة دارساً، وأوضح من أقوال من تقدمه من الأربعة وغيرهم ما غدا ملتبساً، وجدد من معالم الشريعة ما أصبح بتكذيب من اعتدى منطمساً، ولسنا ننتسب بمذهبنا في التوحيد إليه على معنى أنا نقلده فيه ونعتمد عليه، ولكنا نوافقه على ما صار إليه من التوحيد لقيام الأدلة على صحته لا لمجرد التقليد، وإنما ينتسب منا من انتسب إلى مذهبه ليتميز عن المبتدعة الذين لا يقولون به من أصناف المعتزلة والجهمية والكرامية والمشبهة والسالمية، وغيرهم من سائر طوائف المبتدعة وأصحاب المقالات الفاسدة المخترعة، لأن الأشعري هو الذي انتدب للرد عليهم حتى قمعهم وأظهر لمن لا يعرف البدع بدعهم، ولسنا نرى الأئمة الأربعة الذين عنيتم في أصول الدين مختلفين، بل نراهم في القول بتوحيد الله وتنزيهه في ذاته مؤتلفين، وعلى نفي التشبيه عن القديم سبحانه وتعالى مجتمعين، والأشعري – رحمه الله – في الأصول على منهاجهم أجمعين، فما على من انتسب إليه على هذا الوجه جناح، ولا يرجى لمن تبرأ من عقيدته الصحيحة فلاح، فإن عددتم القول بالتنزيه وترك التشبيه تمشعراً فالموحدون بأسرهم أشعرية، ولا يضر عصابة انتمت إلى موحد مجردُ التشنيع عليها بما هي منه بَرِيِّة) اهـ ([102]) .
وقال الإمام تاج الدين السبكي: (اعلم أن أبا الحسن لم يبدع رأياً ولم ينشئ مذهباً، وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله ‘، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقاً وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعرياً… وقد ذكر شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام أن عقيدته – يعني الأشعري – اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري) اه ([103]) .
وقال الإمام المرتضى الزبيدي: (وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور – رضي الله عنهما – وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، وناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) ([104]) .
[المفتاح الخامس]: الماتريدية: ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي وهي أحدى طوائف أهل السنّة والجماعة ظهرت في اوائل القرن الرابع في سمرقند، ودعت إلى مذهب أهل الحديث والسنّة وجمعت بين النقل والعقل، أسسها إمام الهدى ابو منصور محمد بن محمد السمرقندي الماتريدي، وتعتمد أسس الماتريدية على المذهب الحنفي في العقائد والفقه و الكلام حيث تلقَّى مؤسس الفرقة أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي السمرقندي العلم والحديث على يد نصير بن يحيى البلخي وابي نصر أحمد بن العياضي ومحمد بن مقاتل الرازي وجميعهم من كبار علماء المذهب الحنفي، وكان لأنصار أبي منصور الماتريدي الدور المهم في انضاج المذهب ونصرته ونشره وإشاعته، فقد كافحوا المعتزلة والمجسمة والحشوية وكان على رأسهم في تحمل تلك المسؤولية الجسيمة كبار علمائهم ومفكريهم أمثال: أبي اليسر محمد بن محمد البزدوي وأبي المعين محمد بن محمد النسفي ونجم الدين عمر بن محمد الحنفي النسفي وغيرهم من العلماء، قال أبو زهرة: «إنّ منهاج الماتريدية للعقل سلطان كبير فيه من غير أيّ شطط أو إسراف، والماتريديّة في خطّ بين المعتزلة والأشاعرة…) وقال الشّيخ محمّد زاهد الكوثري: «الماتريديّة هم الوسط بين الأشاعرة والمعتزلة… فالأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها، لهم كتب لا تحصى، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي.
[المفتاح السادس]: ترجمة الإمام أبى منصور الماتريدي: هو إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين ورئيس أهل السنة والجماعة ومهدي هذه الأمة وناصر السنة وقامع البدعة ومحي الشريعة وموطن عقائد المسلمين محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي الأنصاري، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، مضيف النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و سلَّم في دار الهجرة، وقد وصفه بذلك البياضي في “إشارات المرام”، ولقبه أبو منصور الماتريدي نسبة إلى ماتريد، وهي محلة بسمرقند فيما وراء النهر، وكان الإمام الماتريدي والإمام أبو الحسن الأشعري الإمامين الجليلين الذين حررا عقيدة الاشاعرة والماتريدية بالأدلة النقلية والعقلية، وقد لقب الماتريدي بـ”إمام الهدى” و”إمام المتكلمين” وهي ألقاب تظهر مكانته في نفوس متبعيه، ومن مشايخه الذين تلقى علومه عنهم أبو نصر أحمد بن العباسي بن الحسين العياضي، وتفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني ونصير بن يحيى البلخي، ومحمد بن مقاتل الرازي، أما أبو نصر العياضي وأبو بكر الجوزجاني فقد تفقها على الإمام أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، وهذا الأخير تفقه على صاحبي أبي حنيفة: أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني الذين تفقها على أبي حنيفة، وأما نصير البلخي ومحمد بن مقاتل الرازي فقد تفقّها على الإمامين أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي الذين تفقها على الإمام أبي حنيفة كذلك، ومعنى ذلك أنّ علم الإمام الماتريدي يصل سنده إلى الإمام الجليل أبي حنيفة النعمان، وقد دارت علومه حول تأويل القرءان الكريم وأصول الفقه وعلم الكلام وما يتعلق به.
وقد درس العلوم العقلية، كما درس العلوم النقلية درسًا متقنًا عميقًا، ووقف على دقائقها حتى صار إمامًا مبرزًا في الفقه والتأويل وعلم الكلام، وبعد أن نال القسط الوفير من الثقافة والعلم انصرف إلى التدريس والتثقيف، فصنّف وألّف وكرّس حياته لحماية الإسلام ونصرة عقيدة أهل السنة والجماعة، قطع المعتزلة وذوي البدع في مناظراتهم، وخصمهم في محاوراتهم إلى أن أسكتهم، وكان للإمام الماتريدي العديد من المؤلفات، أهمها كتاب “التوحيد”، وكتاب “تأويلات أهل السنة”، وقد وصف الإمام عبد القادر القرشي المتوفي سنة سبعمائة وخمس وسبعين للهجرة هذا الكتاب بقوله: “هو كتاب لا يوازيه فيه كتاب بل لا يدانيه شيء من تصانيف من سبقه في ذلك الفن”، اتفق جمهرة المؤرخين على أن وفاته كانت سنة ثلاثمائة وثلاث وثلاثين للهجرة.
[المفتاح السابع]: فضل الأشاعرة والماتريدية في صيانة عقائد أهل السنّة: الأشاعرة والماتريدية: هم المتخصصون في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة، وهم الذين وقفوا في وجه المعتزلة، فزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم، والإمام أبو الحسن الأشعري لم يؤسس في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة، يخالف مذهب سلف هذه الأمة، وإنما هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم، وإبطال شبههم، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم، كما أن عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة، كالباقلاني، والقشيري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وفخر الدين الرازي، وابن عساكر، والعز بن عبد السلام، وأبناء الأثير، والرافعي، والنووي، والسبكي وابن السبكي، والمزي، والعراقي، وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي-، والسيوطي، والأنصاري، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس.
فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا، ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين، والأشاعرة لم يبتدعوا مذهباً، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان.
وفي فضل الأشاعرة قال الحافظ ابن عساكر: (وهم – يعني الأشاعرة – المتمسكون بالكتاب والسنة، التاركون للأسباب الجالبة للفتنة، الصابرون على دينهم عند الابتلاء والمحنة، الظاهرون على عدوهم مع اطراح الانتصار والإحنة، لا يتركون التمسك بالقرآن والحجج الأثرية، ولا يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة ويتنكبون طرق المعطلة، ويَطَّرِحون تفريط المجسمة المشبهة، ويفضحون بالبراهين عقائد الفرق المموهة، وينكرون مذاهب الجهمية وينفرون عن الكرامية والسالمية، ويبطلون مقـالات القدرية ويرذلون شُبَهَ الجبرية… فمذهبهم أوسط المذاهب، ومشربهم أعذب المشارب، ومنصبهم أكرم المناصب، ورتبتهم أعظم المراتب فلا يؤثر فيهم قدح قـادح، ولا يظهر فيهم جرح جارح) اهـ ([105]) .
، وقال الإمام المرتضى الزبيدي: ” وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور – رضي الله عنهما – وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله ‘… وناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) اهـ ([106]) .
[المفتاح الثامن]: على مذهب الأشاعرة والماتريدية العقائدي غالب علماء أمة الإسلام
الأشاعرة والماتريدية جناحا أهل السنة والجماعة في علم العقيدة: الأشعرية والماتريدية مدرستان متخصصتان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، والحديث عن السادة الأشعرية والماتريدية يطول لأنهما جناحا أهل السنة والجماعة في علم العقيدة، ولأنهم هم القائمون على ثغور العقيدة والموضحين لكافة مباحثها برسوخ وأتم بيان، وهم حماة الصحة والصفاء لعقيدة الإسلام تجاه كافة الفرق الضالة من شيعة وخوارج ومن معتزلة وحشوية، ومن مرجئة وجهمية، ومن كافة فرق الضلال وبدع الزيغ والانحراف.
[1] مذهب الأشاعرة والماتريدية هو المذهب العقائدي المتخصص الذي عليه سواد الأمة وأكابر أهل الفضل فيها: فأكابر مفسري الأمة من الأشاعرة والماتريدية، منهم على سبيل المثال: الإمام العلامة القرطبي رحمه الله تعالى، صاحب تفسير الجامع لأحكام القرآن، والإمام الحافظ المفسر أبو الفداء إسماعيل بن كثير رحمه الله تعالى، صاحب التفسير العظيم والبداية والنهاية وغيرها،، والإمام المفسر الكبير قدوة المفسرين ابن عطية الأندلسي رحمه الله تعالى صاحب تفسير المحرر الوجيز، والإمام أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى صاحب البحر المحيط والإمام المقدم فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى صاحب تفسير مفاتيح الغيب، والإمام المفسر الحافظ البغوي محي السنة رحمه الله تعالى صاحب كتاب شرح السنة، والإمام المفسر أبو الليث السمرقندي رحمه الله تعالى، صاحب تفسير بحر العلوم، والإمام المفسر الواحدي أبو الحسن على النيسابوري أستاذ عصره في النحو والتفسير، له كتاب أسباب النزول، وهو من أشهر الكتب في بابه، والإمام المفسر شهاب الدين الآلوسي رحمه الله تعالى، خاتمة المفسريـن ونخبة المحدثيـن، والإمام الحافظ المفسر جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور، والإمام الخطيب الشربينى رحمه الله تعالى صاحب تفسير السراج المنير، وغير هؤلاء ممن لو أطلنا النفس بذكرهم لخرجنا عن المقصود، كلهم كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وأكابر محدثي الأمة وحفاظها من الأشاعرة والماتريدية، منهم على سبيل المثال: الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى إمام وقته، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى، صاحب حلية الأولياء، والحافظ أبو ذر الهروي عبد بن أحمد رحمه الله تعالى، والحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى، والحافظ الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى صاحب المستدرك على الصحيحين، وإمام أهل الحديث في عصره، والحافظ ابن حبان البستي رحمه الله تعالى صاحب الصحيح وكتاب الثقات وغيرها، والحافظ أبو سعد ابن السمعاني رحمه الله تعالى، صاحب كتاب الأنساب، والإمام الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى صاحب التصانيف التي طار صيتها في الدنيا والمؤلفات المرضية عند المؤيدين والمخالفين، والإمام الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى صاحب كتاب تاريخ مدينة دمشق، والإمام الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، والإمام الحافظ محي الدين يحيى بن شرف النووي محي الدين رحمه الله تعالى، صاحب المؤلفات النافعة التي كتب الله لها القبول في الأرض وبين الناس، مثل كتاب رياض الصالحين والأذكار وشرح صحيح مسلم وغيرها، والإمام المحقق بقية الحفاظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائي الذي لم يخلف بعده في الحديث مثله، ولم يكن في عصره من يدانيه في علم الحديث، والإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، والإمام الحافظ ابن أبي جمرة الأندلسي مسند أهل المغرب رحمه الله تعالى، والإمام الحافظ الكرماني شمس الدين محمد بن يوسف رحمه الله ورضي عنه، صاحب الشرح المشهور على صحيح البخاري، والإمام الحافظ المنذري رحمه الله تعالى صاحب الترغيب والترهيب، والإمام الحافظ الأبي رحمه الله تعالى شارح صحيح مسلم، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى صاحب فتح الباري، والإمام الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى، والإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى، والإمام القسطلاني رحمه الله تعالى شارح الصحيح، والإمام الحافظ المناوي رحمه الله تعالى، وغيرهم وغيرهم من أئمة الحديث وحفاظ الأمة، كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وأكابر فقهاء الأمة من الأشاعرة والماتريدية، قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: ” وأكثر العلماء في جميع الأقطار عليه – يعني مذهب الأشعري – وأئمة الأمصار في سائر الأعصار يدعون إليه… وهل من الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق له أو منتسب إليه أو راضٍ بحميد سعيه في دين الله أو مثنٍ بكثرة العلم عليه ” اهـ ([107]) .
وقال الإمام ابن السبكي رحمه الله تعالى: ” وقد ذكر شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام أن عقيدته – يعني الأشعري – اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري” اهـ، ([108]) .
كما أن أكثر كتّاب سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة والماتريدية، منهم على سبيل المثال: الإمام البيهقي رحمه الله تعالى صاحب دلائل النبوة، والإمام أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى صاحب دلائل النبوة أيضاً، والقاضي عياض رحمه الله تعالى صاحب الشفا في شمائل وأحوال المصطفى، والإمام الحلبي رحمه الله تعالى صاحب السيرة الحلبية المسماة بإنسان العيون، والإمام السهيلي رحمه الله تعالى صاحب الروض الأنف، والإمام القسطلاني رحمه الله تعالى صاحب المواهب اللدنية، والإمام الصالحي الدمشقي رحمه الله تعالى صاحب سبل الهدى والرشاد، والإمام المؤرخ المقريزي رحمه الله تعالى صاحب كتاب إمتاع الأسماع، والصروح الشامخة والمراكز العلمية التي كانت تنشر علوم الإسلام في بلاد المسلمين كانت تدرس المذهبين الأشعري والماتريدي، مثل الجامع الأزهر في مصر، وجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس، والجامع الأموي في دمشق، وندوة العلماء في الهند، وغيرها من منارات العلوم المبثوثة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كلها كانت تتبنى إما مذهب الأشاعرة أو الماتريدية.
[2] هناك حقيقة تاريخية وعلمية لا يمكن لمنصف بحال إغفالها أو إنكارها ألا وهي أنّ غالب علماء الأمة على مر العصور وفي شتى علوم الإسلام التفسير والحديث والفقه والتزكية والأصول، غالبهم ينتسب في الأصول إما إلى عقيدة الأشاعرة أو الماتريدية،
فأكثر المالكية والشافعية والأحناف، بل وكثير من فضلاء الحنابلة إما على مذهب الأشاعرة أو الماتريدية في الأصول ولو نظرنا إلى تراجم وطبقات علماء هذه المدارس العلمية لوجدنا أنها تحوي آلاف العلماء المجتهدين وغالبهم كما ذكرنا ينتسب في الأصول إلى هؤلاء وابن الجوزي الذي لا يوجد في الحنابلة مثله في سعة العلم وتبحره فيه هو عند التحقيق يوافق الأشاعرة في الأصول وكان يعيب على أمثال أبي يعلى الفراء وابن حامد وابن الزاغونى وغيرهم مخالفة هؤلاء في الأصول.
وكذلك فأكثر علماء التفسير ينتسب إلى هؤلاء في الأصول، بل ما خلا كتاب تفسير من كتب التفسير المعروفة المعتبرة من انتساب لهم أو اقتداء بمناهجهم في الأصول وانظر إلى تفسير البغوي(معالم التنـزيل) وما قاله عند تفسيره لقوله تعالى {الرحمن الرحيم} وما قاله عند تفسيره لقوله تعالى:{غير المغضوب عليهم} وما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: {إن الله لا يستحي} ([109]) .
وانظر إلى تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز) وابن عطية ينتسب في الأصول إلى الأشاعرة ويوضح عند كل آية مناهجهم في التنـزيه ويُبين أقوالهم في الأصول لاسيما المخالفة للمعتزلة والمجسمة المشبهة، وانظر إلى تفسير ابن الجوزى (زاد المسير) في تفسيره لصفات الحياء والوجه والمجيء والإتيان واليد والفوقية والعين وغير ذلك مما يدلنا على أنّ إمام عصره في العلم كان ينتسب إلى المتكلمين في الأصول، وانظر إلى تفسير القرطبي الذي وُضع له القبول في الأرض وبين أهل العلم وهو من رؤساء المذهب المؤصلين لقواعده اعتماداً على ما قرره علماء الأصول الأشاعرة كالجوينى إمام عصره والغزالي إمام عصره والرازي إمام عصره في زمانه،وانظر إلى تفسير النسفي وهو من أئمة المتكلمين والمنتسبين إليهم في الأصول،وانظر إلى تفسير البيضاوي وهو إمام عصره وعالم دهره وهو أشعري في الأصول ولاشك، وانظر إلى تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنـزيل) وانتسابه إلى الأشاعرة في الأصول لا يماري فيه أحد،وانظر إلى تفسير أبو حبان (البحر المحيط) وانتسابه إلى الأشاعرة في الأصول معلوم لكل أحد، وانظر إلى تفسير الثعالبى (الجواهر الحسان) وانتسابه إلى الإشاعرة في الأصول معروف،وانظر إلى تفسير الجلالين (جلال الدين المحلي ت 864 هـ وجلال الدين السيوطي الحافظ ت 911 هـ) وكلاهما من الأشاعرة في الأصول، وانظر إلى تفسير أبي السعود (إشارة العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) وهو أشعري في الأصول ولاشك في ذلك،وانظر إلى تفسير الألوسي (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم) وقد قرر في غالب تفسيره مذهب الأشاعرة، بل لو نظرت إلى تفسير الطبري الذي هو أقدم التفاسير الموجودة وصاحبه ابن جرير متقدم على الأشاعرة في الزمان والولادة إلاّ أنه أشار إلى الكثير ما أصلوه بعد ذلك من قواعد، مما يدل على أنّها قواعد الكتاب والسنّة في علم العقيدة، أظهرها الله تعالى ونشرها على أيديهم، وانظر إلى ما قاله في تفسير العلّو وتفسير الغضب والحياء تجد أنه ألمح إلى بعض قواعدهم الأصولية التي أصلوها بعده.
وكذلك لو نظرنا إلى علم الحديث: لوجدنا أنّ أكثر المحدثين ينتسبون إليهم في الأصول فهذا البيهقي شيخ المحدثين في زمانه صاحب السنن الكبرى الذي قال فيه ابن الصلاح لا نعلم مثله في بابه وقال عنه السبكى ما صنف في علم الحديث مثله، وهو من أئمة الأشاعرة في الأصول ويعلم ذلك من اطلع أدنى مطالعه لكتابه الاعتقاد أو كتابه الأسماء والصفات، وهو تلميذ أبي عبد الله الحاكم والحليمى وهم من أئمة الأشاعرة في الأصول كذلك، وكذلك الإمام الخطابى صاحب كتاب معالم السنن والذي نقل عنه غالب شراح الحديث بعده هو من أئمة الأشاعرة في الأصول، وهو الذي قال فيه الإمام النووي الإمام المجمع على إمامته وتفننه في العلوم وإتقانه وإطلاعه وتحرّيه وإنصافه وقال عنه الحافظ الذهبي كان علامة محقق ثقة ثبت من أوعى العلم، وكذلك منهم إمام الدُنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني ومن اطلع على كتابـه الموسوعـة (فتح الباري) علم قدر هذا الرجل وانتسابه في الأصول إلى مناهج الأشاعرة وهو إمام زمانه في الحديث غيره من فنون العلم، وكذلك منهم الحافظ السيوطي الذي ما ألف في الإسلام مثله وما كتب أحد من العلماء مثل ما كتب ومن نظر إلى مؤلفاته في التفسير وعلوم القرآن وغيرها لعلم انتسابه في الأصول إلى الأشاعرة، هذا بالإضافة إلى كون ابن دقيق العيد والعراقى وابن سيد الناس والكرمانى شارح صحيح البخاري والعسقلاني شارح صحيح البخاري والعيني شارح صحيح البخاري والآبي شارح صحيح مسلم والسنوسي شارح صحيح مسلم بل وغالب شراح الحديث كلهم ينتسب إلى الأشاعرة والماتريدية في الأصول.
ولو عرجنا إلى الفقه: لوجدنا كبار فقهاء الإسلام ينتسبون في الأصول إلى الأشاعرة والماتريدية وكما ذكرنا فإن غالب علماء المدارس الفقهية المتخصصة المعتبرة بما فيها من جهابذة العلم والفقه كلها ينتسب إما إلى الأشاعرة أو الماتريدية في الأصول ولا يقل في تراجم أحد هذه المدارس المالكية والشافعية والأحناف وكثير من الحنابلة عن مئات بل ألوف الفقهاء المنتسبة إلى هؤلاء في الأصول، ومن أعلام هؤلاء النووي شيخ الإسلام والمسلمين وعمدة الفقهاء والمحدثين بل وصفوة الأولياء الصالحين، ومنهم الإمام الفذ سلطان العلماء العز بن عبد السلام الذي قال فيه ابن دقيق العيد أحد سلاطين العلماء وقال عنه ابن السبكي شيخ الإسلام والمسلمين وأحد الأئمة الأعلام سلطان العلماء وإمام عصره بلا مدافع، ومنهم القاضي البيضاوي المفسر ومنهم ابن العربي الفقيه وابن رشد الفقيه وغيرهم من الفقهاء ممن يطول بذكرهم المجال، وكذلك لو نظرنا إلى كثير من علماء الأمة كابن حزم نجده في الأصول أقرب إلى هؤلاء وينصر لأقوالهم بشدة وإن كان لا يعلم في كثير من الأحيان أنها أقوالهم.
ولو نظرنا إلى العلماء الذين تحدثوا في البدع وصنفوا فيها المصنفات كالشاطبى وابن شامه وغيرهما وهكذا في كل فروع العلم نجد أكثر العلماء ينتسبون إلى الأشاعرة والماتريدية في الأصول وهكذا منذ ظهور علم الأصول كعلم مستقل مثلما ظهر علم الفقه كعلم مستقل وعلم التزكية كعلم مستقل وأكثر علمائه (أي الأصول) ينتسبون إما إلى الأشعرية أو الماتريدية وهكذا وحتى المعاهد والجامعات الأكاديمية اليوم أكثرها ينتسب إلى هؤلاء في الأصول.
وإذا علمنا ذلك علمنا مدى الحرص الواجب عند تقييم اتجاه يأخذ بأكثر من ثلثي علماء الأمة على أقل تقدير لأنهم يمثلون جمهور الأمة وإن أخرجنا هؤلاء من إطار أهل السنّة لم يبق فيها شيء يُذكر على مر عصور الإسلام، وليس الأمر بالعدد كما يعلم العلماء بل هذا مؤشر عظيم في أنّ هؤلاء على أكثر الحق وإن كان ليس هناك اتجاه معصوم من الخطأ بالكلية إذ ليست العصمة لأحد سوى الرسول صلى الله عليه وسلم أو إجماع علماء أهل السنّة الذين لا يجتمعون على خطأ أبداً، وهكذا كلما ذاد العلماء في إطار معين حتى مثلوا جمهوراً فهذا مؤشر إلى أنّ الحق أقرب إلى السواد الأعظم عن غيره.
والمقصد من ذلك أنه ينبغي التأني عند تقييم اتجاه عظيم كهذا الاتجاه ولاسيما في علم الأصول الذي تفرغوا له وأصلوا مسائله، كما أنّ الأشاعرة أكملوا مباحث علم العقيدة، فهل أصل قواعد الإيمان والكفر في الأصول وردّ على الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية سواهم ! وهل دحض شبه المعتزلة وقصم ظهورهم سواهم، وهل أصل في مسائل القدر سواهم، وكل علماء أهل السنّة عالة عليهم في هذه المسائل، وهل تكلم في الإلهيات من الجائر والواجب والمستحيل في حق الله تعالى غيرهم، وهل أصل قواعد التنـزيه التي منعت من دخول الأمة في التشبيه والتجسيم سواهم، ومن أراد معرفة مبلغ أهمية وجود هؤلاء كجانب من جوانب حماية الأمة من التشبه والتجسيم، فليقرأ مثل كتاب ابطال التأويلات لابي يعلى ليعلم مدى وقوعه في التجسيم والتشبه ورواية الروايات الموضوعة في هيئة الرحمن وأنه في صورة شاب اسرد أو شيخ أشيخ أو عروس أو غير ذلك من سخافات المجسمة والمشبهة، ثم ليقرأ ردّ ابن الجوزي عليه بما استفاده من أصول الأشاعرة والماتريدية في التنـزيه.
إذن الأشاعرة والماتريدية أصلوا في كافة جوانب الاعتقاد في الإلهيات والنبوات والسمعيات، وبمعنى آخر في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر وهم الذين انتصبوا للرد على المعطلة والمشبهة وعلى المعتزلة والحشوية والملاحدة والزنادقة وعلى كافة الفرق الضالة في الباب بل لو نظرت إلى كتب الفرق لوجدت أن كل من ابتدؤا الكتابة فيها هم من الأشاعرة والماتريدية كالأشعري والشهرستاني وعبد القاهر البغدادي والآمدى والنسفي وغيرهم.
وعلى ذلك فالأشاعرة والماتريدية مدرستان أصوليتان تناولتا أكثر قواعد الأصول وانتسب إليهما غالب الأصولين كما انتسب إلى المدارس الفقهية الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية) أكثر فقهاء الفروع فالحذر كل الحذر من التخطئة العامة لهذه المدارس التي أشرف على إخراج قواعدها مئات بل آلاف العقليات الإسلامية التي كانت مضرب المثل في العلم والفقه والفطنة، إنّ الذين أسرفوا على أنفسهم بالوقيعة في الأشاعرة والماتريدية تعجلوا الأمر وظلموهما ولم يضروا إلاّ أنفسهم، فهل وقف على ثغر الإسلام في باب تأصيل العلوم والرد على الفرق الضالة غيرهم، وهل أصل قواعد علم التقديس والتنزيه أحد مثلهم، وشهادة حق لله أنه لولا جهودهم في علم الأصول لكنا فريسة سهلة للمعتزلة وغبرهم من الفرق الضالة ولكن الله تعالى جدد بهم الدين في علم الأصول كما جدد بالفقهاء الدين في علم الحلال والحرام، والإنسان عدو لما يجهل فلا ينبغي التعجل بالوقيعة بهم قبل الإحاطة بجهودهم في حفظ الدين ووالله لو أن من خالفوهم في الدين من علماء المسلمين استوعبوا علومهم لأنصفوا واقروا لهم بالفضل كما أقر لهم ذلك سائر علماء الأمة في شتى فنون العلم،
***
المبحث السادس الأسباب التي تدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه السادة الأشاعرة والماتريدية
[المفتاح الأول]: لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وهو من الفقه في الدين ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه التأويل، وهناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل وانه من باب الرسوخ في العلم، وتكاد ترجع إلى خمسة ادلة: هي: [الدليل الأول]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، [الدليل الثاني]: أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام، وهو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات، [الدليل الثالث]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل، [الدليل الرابع]: ما يدل على جواز التأويل المقبول أنّه تأويل ناشئ عن ضرورة، [الدليل الخامس]: ما يدل على جواز التأويل المقبول أنّه ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه.
[المفتاح الثاني]: أهل الحشو ومحاربة التخصص العقدي يحاربون التأويل، ويعتبرونه أشد ضلالا من التعطيل، قال ابن تيمية: في معرض ذمه للتاويل،: (التأويل: هو الذي استخدمه المعطلة في تحريف الكلم عن مواضعه، وصرفوا معاني القرآن عن ظاهره بغير دليل، وقال ايضا: (وهذا التأويل استحدثه الطوائف الضالة، وهو أن يصرفوا اللفظ الذي أراده رب العزة والجلال وأراد أن يفهم منه المخَاطَب شيئاً معيناً إلى معنىً آخر، يقول صلى الله عليه وسلم: “ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر” فيقولون: المراد نزول الرحمة)، فدل على انه يقصد السادة الأشاعرة، وليس تأويلات الباطنية والزنادقة، وقال عنه: هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته، وقال أيضا: التحريف بالتأويل أقبح من التعطيل والتكييف والتمثيل، لأنه ما حرَّف إلا لأنه عطَّل، وما عطَّل إلا لأنه كيَّف ومثَّل”، وقال ايضا: وهو من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه، وقال تلميذه ابن القيم: َأَصْلُ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ، وقال ابن أبي العز الحشوي في شرحه للطحاوية: التأويل هو الذي أفسد الدنيا والدين.
[المفتاح الثالث]: ما هي مشكلة أهل الحشو ولماذا انكروا التاويل:
(المشكلة الأولى): أنهم يجهلون قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، وهي كثيرة وقد أفردت لها مقدمات عديدة، ومفادها: تقديس جناب ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء، و تقديس جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق، و تقديس جناب ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره.
(المشكلة الثانية): تسربت إليهم بدع التجسيم، وخلاصتها أن الله تعالى له مكان وهو العرش وله حد وحده التحتي العرش وكأن جناب الذات له سفل يحازي العرش، وانه ينزل حقيقة ولا مانع من الحركة والسكون لانه حي والحركة والسكون من لوازم الحي، وان له صفات أعيان بمعنى اجزاء من الذات كالوجه والعين واليد والساق على صورة الانسان.
وها هنا لنا ملاحظة: كل ما تكلموا به متشابهات لاسباب عديدة: الوجه والعين واليد أجزاء من ذات في اللغة وهم يسمونها صفات أعيان اي أجزاء من ذات وذهلوا عن الأحدية والصمدية، وما فيهما من تقديس عن الاجزاء والابعاض، (الاستواء): لم لا يكون استواء تدبير كما قالوا في القرب والاحاطة، (النزول): لم لا يكون نزول رحمة ونزول صفات، (العلو) لم لا يكون علو مكانة لا مكان لان نسبة المكان إلى الله محال، والمكان دائما أكبر من المتكون فيه، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والمكان اعلاه الظاهر وأدناه الباطن، وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان، والكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، ولهذا جل الإله الواحد القهار الأحد الصمد الحي القيوم عن الكون في المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و (الاحدية المطلقة): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى في مكان، إذن أنكر أهل الحشو التأويل ووصفوه بأشنع العبارات، بسبب تلك المشكلتين: (المشكلة الأولى): أنهم يجهلون قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، و(المشكلة الثانية): أنهم تسربت إليهم بدع التجسيم.
[المفتاح الرابع]: الأدلة على جواز التأويل
[الدليل الأول على جواز التأويل]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم: قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة فقال ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) ([110]) .
هذا هو التأويل الصحيح، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة، وهذا (تعطيل) وليس تأويل، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة، وهذا (التعطيل) لا يختلف على منعه وحرمته اثنان من علماء أهل السنة والجماعة، أما(التأويل الصحيح بضوابطه)، فهذا ما دعا به الرسول للحبر البحر، ورد عن السلف الكرام، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا، لقد حذرنا الله تعالى من تتبع المتشابه، لذا وجب ان نعلم حدود المتشابه وان نعلم من الذي يعلم المتشابه، وما هي طريقة الصحابة الكرام في معاملة المتشابهات، وما هي طريقة المذاهب المتخصصة في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة والتي هي امتداد للصحابة في معاملة المتشابهات، إن الأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، (فائدة): من الذي يعلم المتشابه: جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة {الله} من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، قال: لا يعلم المتشابه إلا الله وحده، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ (أي المتشابه) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (أي المحكم والمتشابه) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} قال: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين، ([111]) .
هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على: لفظ الجلالة (الله) أو بالوقف على: (الراسخون في العلم)، ولهذا صار للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، [المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات]: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن يوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وهؤلاء كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بالواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس، و [المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات]، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وهذا قد ورد عن الحبر البحر ابن عباس رضي الله عنهما كما سيأتي في الدليل الثاني.
[الدليل الثاني على جواز التأويل]:أما (التأويل الصحيح بضوابطه)، فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([112])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([113])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([114])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([115])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([116]) .
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
ومن تأويلات التابعين: تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. ([117])، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر. ([118])، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله ([119])، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو([120])، وتأويل الحسن البصري (المجيء) في قوله تعالى: (وجاء ربك): بمجيء أمره وقضاؤه([121])، وتأويله (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: في طاعة الله. ([122])
ومن تأويلات تابعي التابعين: تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى (ثم استوي إلى السماء) بالقصد إليها ([123])، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ([124]) وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى، في قوله تعالى (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ([125]) ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى (أو يأتى أمر ربك) ومثل هذا في القرآن (وجاء ربك) قال: إنما هو قدرته. ([126]) .
وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى (كلّ شـئ هالك إلا وجهه) (إلا ملكه) ([127])
وقد تأول الإمام الطبري: (العين) في قوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ([128])، وتأول (الاستواء) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته….علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) ([129]).
[الدليل الثالث على جواز التأويل]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: إذ هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126].
وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وهذه الادلة ظاهرها يفيد إحاطة الله تعالى الذاتية بكل شيء، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال وحشو وتجسيم، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء بل هو تكييف وتجسيم وحشو وضلالة، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة، وقوله تعالى (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة /115]، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها: (أ) فثم قبلة الله، (ب) فثم علم الله، (ت) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح، فالمتشابه كاليد والوجه والعين ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة ((الجارحة)) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل، أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: ولذلك يضطر منكروا التأويل أنفسهم إلى التأويل، يؤولون عند التعارض، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل، ومن ذلك اضطرار ابن تيمية لتأويل المعية في قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} بالعلم، بقوله: (حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم، عالم بكم)، وقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم) لصاحبه في الغار: (لا تحزن إن الله معنا)[التوبة: 40]) فقد تاوله بالنصر والتأييد، زاعما أن هذا هو التفسير، والنتيجة واحدة وهي التأويل.
إنّ الدعوة إلى التمسك بظاهر النصوص متعذر، ولا يمكن الثبات على التمسك بجميع الظواهر، كما أننا مجبرون على التأويل في مواضع عديدة وإلا أصبحنا في تهافتٍ وتناقضٍ واضطرابٍ عجيب، وذلك كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]، وظاهر الآية هلاك الذات إلا الوجه، ولا مناص من تأويل الوجه بالذات لأنّه يستحيل أن يهلك الذات إلا الوجه، وقوله تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} [الطور: 48]، والمعنى بمرأى منا ولا تغيب عنا وليس المراد أنك بداخل أعيننا، ولكن ظاهر الآية يدل على وجود النبي داخل العيون، وقوله تعالى: {فإني قريب}[البقرة: 186]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته، والمراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة، وقوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 4]، وقوله تعالى: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 4،]، وظاهر الآيات يدل على أن الله تعالى معنا بذاته، والمراد معيته بالعلم والسمع والبصر والقدرة، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: 2،]، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وظاهر الآيات يدل على أن الله تعالى محيط بذاته بكل شيء، والمراد احاطته بالعلم والسمع والبصر والقدرة،، وقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59]، وظاهر الآيات يدل على أن الله تعالى على العرش بذاته، وليس تأويل آيات القرب والمعية والإحاطة بأولى من تأويل الاستواء، لا سيما وآيات القرب والمعية والإحاطة أكثر عددا، والمراد استواؤه بالقدرة والربوبية والهيمنة، إذ التمدح لا يكون بالجلوس، وإنما بالهيمنة والقدرة.
[الدليل الرابع على جواز التأويل]: ما يدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: أنّه تأويل ناشئ عن ضرورة: الأصل في مذهب (الأشاعرة والماتريدية) هو مذهب السلف الحقيقي الصحيح، والمتمثل في الإيمان بما ورد به الكتاب والسنة من المتشابه على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، دون التعرض لتأويله مع اعتقاد التقديس وأن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وأن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ، ولكن قد يلجأ علماء الأصول إلى التأويل: لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والمشبهة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات، قال الحافظ بن حجر: ” أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها – آيات الصفات – إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته، وأكثر الخلف يؤولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس، لاضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم) اهـ،،
[الدليل الخامس على جواز التأويل]: ما يدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: أنّه ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه: المقصود بالتأويل عند الأشاعرة والماتريدية هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في:
(أ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية، (ب) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين، (ت) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا، (ث) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر، (ج) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ، (ح) أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم، و الله عز و جل يقول: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، فتلك ضوابط التأويل عندهم، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء في نفوسهم كمجرى الدم في العروق، كان هذا ما تيسر في بيان أنه لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وانه من الفقه في الدين، والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون بان التأويل شر من التعطيل، وان المؤولة أشر من الجهمية المعطلة.
***
المبحث السابع الأسباب التي دعت الأشاعرة والماتريدية إلى تبني منهج التنزيه في العقيدة
هناك أسباب عديدة دعت علماء الأشاعرة والماتريدية المتخصصين في العقيدة، إلى اعتقاد ما قرروه، وإلى صيانة عقائد المسلمين من مهاوي الاعتزال ومن مهاوي الحشو والتجسيم والتشبيه، فإنّهم الواقفون على ثغور الرد على سائر الفرق المخالفة لأهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، ومن هذه الأسباب التي دعتهم إلى تبني منهاجهم في التقديس والتنزيه وتأصيل مباحث العقيدة.
[السبب الاول]: الله عز وجل ليس له شبيه ولا كفء ولا شريك وليس له سمي ولا مثيل، وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه، دل على ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وهذه الآية، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بأنه السميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بأنه سميع بصير فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يماثل الله تعالى في الذاتية، فتضمنت الآية نفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، وأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها فهو منتف عن ذات الله تعالى، وأخص ذلك الجسمية ولوازمها المخلوقة، فذات الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بأي وجه من الوجوه.
[السبب الثاني]: الله عز وجل أحد صمد: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ} له أحدية الذات وصمدية الذات {أحد} تنزه سبحانه عن البعض والجزء والانقسام في ذاته، {صمد} فلا يُمكن أن يكون مركباً أبداً، لان كل مركب بأي نوع من أنواع التركيب فهو محتاج في وجوده إلى أجزائه، وكُلُّ جزء محتاج إلى الجزء الاخر، في حين أنَّ كلَّ جزء علي هذا الأساس لابدّ وأن يكون محدوداً بمقدار، أو شكل، والحاجة والمحدودية نقص وعيب، والنقص والعيب يستحيل أن يتطرق إلى ذات الغنيّ المطلق، فنتج لكل ذي عقل أنَّ الله تعالى منزه عن التركيب والجوارح، والصمدية تعني كمال الغنى تنزه عن الحاجة والنقص والعيب، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، و {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه.
[السبب الثالث]: عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة ومنزه عن الوهم والخيال، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الاستواء على استواء الهيمنة والتصريف والتدبير لقرينة {ثم استوى على العرش يدبر الامر}، وجمعه تعالى بين الاستواء والقرب والإحاطة والمعية يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى (المعية والقرب والاحاطة)، وليست المعية والقرب والاحاطة بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قربٌ ليس كمثله شيء، واستواءٌ ليس كمثله شيء.
والجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت.
[السبب الرابع]: فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلم يقل بأنها جوارح وأجزاء وأعضاء سوى الزائغة قلوبهم، قال تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} [محمد: 38] ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال.
[السبب الخامس]: ذات الله تعالى لا يشبه ذوات المخلوقين ولا يسري عليه تقدس وتعالى أي من قوانين الطاقة والمادة والأجسام، كيف وهو خالق تلك القوانين، لأنّ المادة والجسم والطاقة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وتغير وحدوث وظهور وأفول وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه، وأنّ الذي خلق المادة والجسم والطاقة هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا يحده حد ولا يقهره مكان يحيط به، ولا يقهره زمان يجري عليه، ولا يجوز عليه ظهور وأفول، ولا تغير وحدوث، ولا يخضع لقوانين الحركة والسكون، ولا تسري عليه مفاهيم الألوان والأشكال، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه.
***
المبحث الثامن جهود السادة الأشاعرة والماتريدية في استنباط أدلة التقديس من الكتاب والسنّة
كل أدلة التقديس التي دونها السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية مستمدة تماما من الكتاب والسنّة، مصدقا لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، ولأنهم المتخصصون في هذا العلم أمكنهم تخصصهم ورسوخهم في العلم من استنباط ادلة علم التقديس والتنزيه من الكتاب والسنّة.
(فعلى سبيل المثال): عند قوله تعالى: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الأنعام : 102 ]، وقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ]، استدلوا بانّ كل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور والمكان والزمان، والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى، والله تعالى غني عن خلقه.
و(على سبيل المثال): عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 }، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)) ([130]) . استنبطوا أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمالٌ فوق الوجود الزماني لأنه موجود قبل بدء الزمان (( أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ))، فوجوده سبحانه قبل الزمان، إذ هو خالق الزمان، ولما كان الزمان من مخلوقات الله التي لا تفنى، لخلود أهل الجنة وأهل النار، فليس من مخرج لفهم الآية فهما صحيحا، سوى تقديس الله تعالى عن الزمان، فاجتماع قوله صلى الله عليه وسلم (( أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ))، مع قوله صلى الله عليه وسلم (( وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ))، فالمعنى هو التقديس عن الزمان إذ هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، فلا يجري عليه زمان، وكذلك فإن له كمال الوجود الأعلى من المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، سبحانه واجب الوجود، ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، له تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان.
و(على سبيل المثال): عند تدبر قوله تعالى: { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ]، وقد تكرر ذكر { الواحد القهار } في القرآن الكريم في ستة مواضع، هي قوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ]، وقوله تعالى : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [ إِبراهيم : 48 ]، وقوله تعالى : {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ ص : 65 ]، وقوله تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ]، وقوله تعالى : {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [ غافر : 16 ]، وقوله تعالى : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ يوسف : 39 ]، استنبط السادة الأشاعرة والماتريدية معاني اجتماع الوحدانية مع القهر، وقدسوا الله تعالى عن الحد والنهاية، لأنّ الحدود تقهر أصحابها بالانتهاء، فالله عز وجل هو وحده سبحانه الواحد القهار لأنه قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير، وقهرها جميعها بالحد والمقدار، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار، لأن الخالق سبحانه هو الذي حد له حدوده، وقدّر له مقداره، وقهرها جميعها بالحد والمقدار، فكل مخلوق – مهما كبر حجمه وعظم مقداره – محدود متناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، والدليل على ذلك : قوله تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً }، وقوله تعالى :{ جعل الله لكل شيء قدرا }، ومعنى هذه الآيات أن الله عز وجل خص كل مخلوق ( بحد ومقدار ) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث، وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار، فإنه لما كان قاهراً لجميع مخلوقاته، لم تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه، وهو خالق الحدود والمقادير، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، منزه عن المقدار، لأنه سبحانه الواحد القهار لا يشوبه نقص، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان، وهو القاهر والقهار فوق جميع خلقه، فهو القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً، وعليه حاكما، ولكنه سبحانه القاهر فوق المكان والمحيط بكل شيء ومنه المكان، وهو سبحانه القاهر على الزمان، فلا يجري عليه زمان، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا، وعليه حاكما، ولكنه سبحانه خالق المكان والزمان، وقاهر المكان الزمان، فلا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان، تنزه عن الكون في مكان فلا يحيط به مكان، كيف يحيط به المكان سبحانه وهو القائل : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ]، وهو سبحانه القائل : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ]، كما أنه سبحانه تنزه عن أن يجري عليه زمان، وتحكمه قوانين الزمان، فالماضي عنده حاضر والمستقبل عنده حاضر، والجميع خلقه، والجميع تقديره، لا يغيب عن علمه وسمعه وبصره شيء من ماضٍ أو حاضرٍ او غيبٍ مستقبل، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما وما قدرناه سبحانه حق قدره وهو الواحد القهار، ولو كان الزمان يحكمه سبحانه، لكان مثل مخلوقاته تجري عليهم قوانين الزمان، جل عن ذلك وتعالى علواً كبيرا.
و(على سبيل المثال): عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 }، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)) قالوا: أن الله تعالى منزه عن أن يجري عليه زمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ } دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، وكذلك فإن له كمال الوجود المنزه من المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان.
و(على سبيل المثال): عند تدبر سورة الإخلاص، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص]،
استنبطوا من (الأحد) معاني الاحدية المطلقة، فالله تعالى [ واحد ] لا شريك ولا ند ولا كفء ولا مثيل له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، والله تعالى [ أحد ] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح، والتركيب مستحيل عليه سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، لا يوصف لا بالأحدية ولا بالصمدية، ولا بكمال الغنى والقيومية، والله تعالى هو الأحد الصمد الغني الحي القيوم منزه عن الجوارح والأجزاء، إذ هو واحد لا شريك له، أحد لا مثيل له، لم يُخالف في ذلك من المسلمين من الفرق الثلاث وسبعين فرقة سوى المجسمة، فقالوا بالأجزاء والأبعاض والجوارح، تنزه الله تعالى عن قولهم علوا كبيرا، ( أحدية الذات ) تعني نفي التبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته، وهو توحيد في نفس الذات بعدم تصور الكثرة فيها أبدا، ولا حتى تصورها والفكر فيها : { ليس كمثله شيء }، و{ ولم يكن له كفوا أحد }، أما الوجه في قوله تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } [ البقرة : 115 ] والعين في قوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] واليد في قوله تعالى : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]، فلم يقل أحدٌ من أهل السنة والجماعة أنها جوارح لله – حاش لله تعالى من هذا الظن والوصف سبحانه -، وإنما صفات وليست جوارح، ومن جعلها من باب الأجزاء والجوارح، فهو مجسم خارج عن إطار أهل السنة والجماعة إلى الفرق الضالة التي تستحق الوعيد بالنار، و( واحدية الذات ) تعني نفي الشريك له، فالله تعالى واحد، لا شريك له، ولا نظير، ولا يتصور له شبيه، ولا مثيل، ولا وزير، و(أحدية الذات) تعني نفي التبعيض والتركيب في جناب الذات، ليس كمثله شيء، كل المخلوقات أجسام تقبل التبعيض والتركيب والجارحة والانقسام تقدس الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية من قبول الأجزاء والابعاض والتركيب والتقسيم، سبحانه وتعالى متفرّد ليس له مثل أو نظير، له الأحدية المطلقة فلا يُمكن أن يكون مركباً أبداً، وكل مركب فهو مخلوق حادث فقير لا يوصف بالغنى أبدا، (مخلوق): لأنه محتاج إلى خالق يركبه، (فقير): لأنه محتاج في وجوده إلى أجزائه، وكُلُّ جزء محتاج إلى الجزء الاخر، في حين أنَّ كلَّ جزء علي هذا الأساس لابدّ وأن يكون محدوداً بمقدار، أو شكل، والحاجة والمحدودية نقص وعيب، والنقص والعيب يستحيل أن يتطرق إلى ذات الغنيّ المطلق، وهو الله الغني عن العالمين. فنتج أنَّ الله منزه عن التركيب والجوارح.
{الله الصمد}: الصمدية تعني أنه سبحانه هو السيد الغني الذي له كمال الغنى والمقصود على الدوام تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم لأنّه الغني المتصف بالكمال والمنزه عن الحاجه والنقصان، الله تعالى ( أحد ) له سبحانه أحدية الذات، وهي تعني نفي التبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية وكل ما يفيد الانقسام في ذاته، فإذا أضفنا إليها صفة الصمدية { اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ } ازداد التوحيد وضوحاً في أذهان الموحدين، (الله الصمد) له تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، ومن معاني الصمدية الثبات وعدم قبول التغير والحدوث، والله له القدم الازلي فلا يقبل التغير ولا الحدوث، و (الصمدية المطلقة) علم واسع لا حد له وبحر محيط من التعظيم والتقديس والتنزيه لا ساحل له سيأتي بيان بعضه إن شاء الله.
وأخص معاني الصمدية هي الكمال المطلق من كل جهة، والكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا عن الكمال، والكمال المطلق لا يقبل النقصان، ولو قبل النقص لم يكن إلها له الربوبية الموجبة لاستحقاق العبودية، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو، وعلى ذلك فاسم الله تعالى [ الأحد ] معناه الذي لا نظير له ولا مثيل لأنه أحد في ذاته وصفاته وأفعاله وربوبيته وألوهيته، واسم الله تعالى [ الصمد ] أي السيد الذي اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب، و { اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ } أي الله الذي لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه، له الكمال المنزه عن النقصان والحاجه، وجميع خلقه إليه محتاج.
{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } أنه تعالى خالق كل موجود، أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ }، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ }، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء وسيأتي تفصيل ذلك.
ومن فقه الآية { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد – ومن غيرها من الآيات كما سيأتي – تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ }:، كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى : { وَلَمْ يُولَدْ }، وسياتي تفصيل ذلك عند شرح الأشاعرة والماتريدية لقوله تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ } [ الانعام : 76 ]، أي أن المتغير عن حاله الآفل الذي يقبل الحدوث والتغير من حال إلى حال، لا يصلح أن يكون رباً خالقاً، وإلهاً معبوداً، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، وهذه الآية من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : كقوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء } [ سورة الشورى : 11 ]، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، وكقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ سورة النحل :60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين،، وكقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ سورة النحل : 74 ]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وكقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [ سورة مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وكقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام :100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وكقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه : 110] ولو كان له كفء أو شبيه أو مثيل لأحاطت به علوم البشر، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، والحمد لله أنه لا خلاف بين المسلمين – عدا المشبهة – بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، إذ { ليس كمثله شيء } و { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }.
وخلاصة القول أن سورة الإخلاص { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد }، هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول وصف الله تعالى بالأحدية ( الله أحد ) والصمدية ( الله الصمد ) وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث ( لم يلد ) وعن الحدوث ( ولم يولد ) وعن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد )، فقوله تعالى ( أحد) يدل على الأحدية واستحالة تقدير الانقسام في ذاته تقدس وتنزه، ويدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، وقوله تعالى : { الله الصمد } الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، وسورة الإخلاص التي ورد فيها (الأحد) و(الصمد) تَعْدل ثُلُثَ القرآن، ومما قيل في أَنَّها عَدَلَتْ ثُلُثَ القرآن أنَّه لأجل اسمي ( الأحد والصمد ) اللَّذان لم يوجدا في غيرها من السور، ولما اشتمل عليه اجتماعهما معاً من التوحيد ( توحيد الذات ) والتقديس والتنزيه، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح.
و(على سبيل المثال): عند تدبر قوله سبحانه: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، قالوا: إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2].
فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، وهذه الآية أقوى سوط على ظهور الحشوية، لأنها تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد.
واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، وإلا زعموا اننا نعبد عدما، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم ما هي إلا تتبع للمتشابهات التي يظنون أنها ترسم شكل الذات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب القدم باب الأصابع باب الأنامل باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، الحركة والسكون، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة.
قالوا: قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، إنّ نفي المثليه في قوله تعالى {ليس كمثله شيء} يتعلق بجناب الذات، ولذلك قال العلماء المتخصصون في العقيدة – ولا ينبئك مثل خبير -: أنّ من صفات الكمال الواجبة لله تعالى: (صفة المخالفة للحوادث): فليس جناب ذاته من جنس أي شيء نراه في الكون، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالحدود والمقادير ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، والملاحظ أنّ كل المخلوقات متماثلة في صفة الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
وقالوا: (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، ومن خصائص الأجسام كذلك انها تخضع لجريان الزمان، فيجري عليها الزمان بماضيه وحاضره ومستقبله لا انفكاك لها عن قهر الزمان، ومن خصائص الأجسام كذلك أنّ لها صورا وأشكالا خصها بها خالقها عز وجل، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها تقبل الانقسام، وانها تتكون من الجوارح والأجزاء والأعضاء، وتقبل التحيّز والاختصاص بالجهات، ويقهرها التغير والحدوث.
وقالوا: (الجسمية) تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر في اثبات وجوده، والمحتاج فقير لا يكون إلها البتة، والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، و(الجسم) مادة، والمادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والزمان والمكان والصور والاشكال، والحركة والسكون وذات الله تعالى ليس كمثله شيء، لا تسري عليه قوانين المادة، هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا قوانين المواد، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة قليلة هم أهل التجسيم، الجاهلون بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها، لأنه كما تقدس جناب ذاته عن الحد تقدس عن الكمية وعن الجسمية ولوازمها من الحجم والكتلة والوزن والمقدار والامتداد في الافاق وقبول الجهات الست والصور والأشكال تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والعجز عن الادراك هو مقصود هذا العلم ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد.
وقالوا: (الجسمية): تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] قال المفسرون أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية، وقوله تعالى {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [سورة البقرة: 22]، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل، إنّ الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، تقديس لله عن الجسمية وهي تقديس لله عن لوازم الجسمية كذلك، ولوازم الجسمية ما اكثرها وأبرزها التقيد بالمكان والزمان، والتقيد بالحدود والمقادير والتقيد بالصور والأشكال، والحدود والاركان والاعضاء والادوات ومن ولوازم الجسمية كذلك التجزؤ والانقسام، وقبول الكيفيات من الأطوال والأعراض والأحجام والصور والأشكال، ومن ولوازم الجسمية كذلك الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال، والحد والنهاية والتغير والحوث والله تعالى ليس كمثله شيء مقدس عن الحد والنهاية وعن التغير والحدوث فأني ان يتصل المحدود بالمقدس عن الحدود، وأنى أن يتصل المحدث بالقديم وانى أن يتصل الفاني بالذي له البقاء، وأنى أن يتصل الواجب الوجود الذي له الوجود الذاتي الازلي بممكن الوجود، الذي له العدم والفناء، ومن ولوازم الجسمية كذلك التجاور والتباين والتحيز والاجتماع والافتراق والدخول والخروج، والله تبارك وتعالى منزه عن كل لوازم الجسمية، وعن الحركة والسكون لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، لأن الحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، تقدس عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات الأجسام المخلوقة، الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، ومنها كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والله تعالى منزه عن أي معنى من معاني الجسمية ولوازمها التي لا انفاك لها عنها.
وقالوا: من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: قوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} فقوله تعالى (أحد) يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله {أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله {أحد} منافي للجسمية وقوله تعالى {الله الصمد} فالصمد هو السيد الغني الكامل المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم لأن كل جسم مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها، وأما قوله تعالى {ولم يكن له كفواً أحد} فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة، فلو كان تعالى جسما لكان مثلا لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية.
وقالوا: من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وقوله تعالى {لا إله إلا هو الحى القيوم}، والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه، وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق، وقوله تعالى {القدوس السلام} والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه القدوس سبحانه، وهي (الجسمية) ضد الكمال الذي يتصف به ذات القدوس، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والسلام عز وجل هو الذي سلم من جميع النقائص والعيوب والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه السلام سبحانه، والسلام عز وجل هو الذي سلم ذاته عن المثل والسمي والشبيه، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام، والسلام هو الذي سلم ذاته عن أن يكون له مثيل أو شبيه.
وقالوا: من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مُقدَراً مُتناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور، والبارئ أي المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، فوجود الأجسام المقدرة المخلوقة دليل على خالقها وباريها الذي قدرها وأخرجها من العدم إلى الوجود، وهو المصور الذي ركب الأجسام على الصورة التي شاءها وأرادها، قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تكون إلا للأجسام والصور من خصائص الاجسام، والصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، وجل المصور سبحانه أن يكون مُصَوَرا، وجل الخالق البارئ المصور ان يكون جسما مقدرا مُصَوَرا، وقالوا: من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الأول والأخر والظاهر والباطن}، (هو الأول والأخر) مع شرحه صلى الله عليه وسلم للآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([131]) .
فهذا يقتضى أن يكون جناب الذات الإلهي منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون (الجسم) أولا بلا ابتداء أبدا، إذ لا بدل له من بداية، و (الظاهر والباطن) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال.
وقالوا: من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {ولا يحيطون به علماً} وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان العلم محيطاً به فإن قيل: لماذا لا يجوز أن يقال أنه وإن كان جسماً لكنه جسماً كبيراً فلهذا المعنى لا يحيط به العلم؟ قلنا: لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسموات ولا بالجبال ولا بالبحار فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط بأطرافها والعلو لا تصل الى تمام أجزائها ولو كان الأمر كذلك لما كان في تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة، وقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان الإدراك بالأبصار محيطاً به حتى لو كان جسما كبيرا.
وقالوا: من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق: 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول، وقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب} ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: أنّ الجسم هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق، وعند إضافة البعد الزماني إلى الأبعاد الثلاثة المكانية، يكون الجسم مقهورا بالمكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، وهو ملازم للتركيب لا مفر له عن التركيب، والمركّب محتاج إلى أجزائه، والمحتاج ممكن الوجود لا واجبه، والممكن لا يكون إلها خالقا مدبّرا تنتهي إليه سلسلة الموجودات، وبالتالي يتقدس الله عن الجسمية، ومن أدلة التقديس عن الجسمية كذلك: أنّ كل جسم محتاج إلى الحيّز والمحل، والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب، والممكن لا يكون إلها، لأنّ الإله واجب الوجود لذاته، فوجب تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازمها التي لا انفكاك للجسمية عنها. وقالوا: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية: معناه تنزيه الله عن الصور والاشكال لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: (جناب الذات الإلهي) مقدس عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، و (الصور) لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور {ليس كمثله شيء}، و (الصورة) تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، وسيأتي في المفاتيح: حل الإشكالات المتعلقة بالصورة في (مبحث) تحقيق القول في حديث: (خلق الله آدم على صورته) والرد على شبه المجسمة المتعلقة به، ما يدل على انّ المقصود بالصورة هو الصفة، والعرب تقول ما صورة الامر ويقصدون صفته.
وقالوا: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية معناه تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: فالله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث، فليس بمركب.
ومن الأدلة النقلية المجملة على تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء والأجزاء كثيرة منها: (1) قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، (2) وقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، {ولم يكن له كفوا أحد}: نفي للمثلية ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح.
(3) وقوله تعالى: {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، (4) وقوله تعالى: {لا إله إلا هو الحي القيوم} والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً، (5) وقوله تعالى {ليس كمثله شيء} ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، وأجمع أهل القبلة – عدا المجسمة والمشبهة – على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
و(على سبيل المثال): عند تدبر قول الله تعالى : { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ الحج : 64 ]، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر : 15 ]، قالوا: دلت الآية على كونه تعالى غني حميد، له كمال الغنى، وله كمال الحمد، ولو كان جسماً مركبا من أجزاء وجوارح لما كان له كمال الغنى، ولما كان حميدا، لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وكل محتاج فليس بغني، وكل من كان هذا حاله فليس له كمال الغنى والحمد.
و(على سبيل المثال): عند تدبر قول الله تعالى : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }، قالوا: القيوم مبالغة في كونه تعالى له كمال الغنى عن كل ما سواه، قيوم على شؤون خلقه، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً بحال، فإذا أضفنا قوله تعالى : { ليس كمثله شيء }، نتج تمام التنزيه عن الجسمية ( المادة ) والجارحة والبعض والجزء، لأنّه سبحانه لو كان جسما أو مادة أو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، تعالى الله عمّا يصفون، وليس معنى ذلك أنّ ذات الله تعالى كلٌ لا جزء له، تعالى الله عن الكل والجزء، وعن كل ما تتصف به المواد والاجسام من الكل والجزء، فالله تعالى خالق المواد والاجسام بما تحويه من كل وجزء، وهو منزه عن مماثلتها، { ليس كمثله شيء }، ومن أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود، ولا كمثل ذاته ذات، ولا كمثل صفاته صفات، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
وقد جزم السادة الأشاعرة والماتريدية أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات.
و(على سبيل المثال): عند تدبر قول الله تعالى:{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9]، قالوا: هو الكبير المتعال، أكبر من كل تصور، ومتعال على كل تصور، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} [الانعام: 103]، { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، فالله تعالى هو الكبير المتعال، وهو سبحانه أكبر من كل تصور، ومتعال على كل تصور : ولقد آتى الله تعالى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حجته في حوار المشركين، واوضح لنا درراً من فقه اثبات التوحيد ووحدانية الله تعالى، لقد استدل على اختيار الرب بأنه الاكبر المنزه عن التغير والافول، قال تعالى : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) } [ الانعام : 78 ]، فاستدل أولا على أن الشمس أكبر من القمر والكواكب، فهي أحق بالربوبية، ولكن شرط الإله أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، فلم تكن الشمس تصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، ومنه نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون أكبر من كل شيء، وأكبر من كل تصور، ومنه نستفيد تنزيه الله تعالى عن الحدود والمقادير لأنه أكبر من كل حد وأكبر من كل مقدار، ونعلم أنه سبحانه أكبر من المكان، ومنه نعلم الخطأ الجسيم الذي وقع فيه من ظن أن العرش اكبر من الرحمن، سبحانه وتعالى عما يدور بأوهامهم، فالعرش مهما كان عظيما فهو محدود، والله تعالى هو الذي حد حدود العرش، وحد كافة الحدود فلا تجري عليه الحدود، والعرش مهما كان عظيماً، فإن له مقدار، والله تعالى هو الذي قدره بالمقدار، والله تعالى هو الذي خاطبنا بقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ].
وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ]، فهو المحيط بكل شيء، احاطة منزهة عمّا نتصوره في أذهاننا من احاطة الجسم بالجسم لأنه تعالى المنزه عن الجسمية وكل لوازم الجسمية من الحد والمقدار والكتلة والطول والعرض والعمق، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }، وعقول العباد قاصرة عن تصور مدى التقديس والتنزيه في حق الله تعالى، { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا }، و { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }، تعالى الرب عن الحد والمقدار، وتنزه عن الحد والمقدار، وهو أكبر من كل حد، ومن كل مقدار، ومن كل تصور في الوهم أو الخيال أو العقول والاذهان، ومنه نعلم الفائدة في قول المسلم عند كل صلاة (( الله أكبر )) أي أكبر من كل تصور أو خيال،، لأن الله تعالى له الكمال الذي لا نهاية له، وهو الكبير الذي لا نهاية لعظمته، تعالى عن صفات الاجسام، فليس كبره امتداد في الآفاق، ولا كبره بالحجم والطول والعرض، تعالى عن ذلك علواً كبيرا، بل هو المتعالي على صفات الأجسام، ولهذا قرن القرآن الكبير اسمه تعالى [ الكبير ] باسمه تعالى [ العلي ]، واسمه تعالى [ المتعال ] لأنه في كبره متعالٍ عن صفات الأجسام؟، عالٍ عن كل تصور لا يليق بالكبير المتعال، قال تعالى : { فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } [ غافر : 12 ]، وقال تعالى : { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ } [ الرعد : 9 ]، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ الانبياء : 62 ]، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ لقمان : 30 ]، وقال تعالى : { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ سبأ : 23 ]، تعالى العلي الكبير المتعال عن كل حد ومقدار، وعن أن يقهره زمان أو ان يحيط به مكان، والله أكبر من أن نتصور له حد أو مقدار أو زمان او مكان، تنزه عن كل ما يخطر بالبال، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك.
و(على سبيل المثال): عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة وصل السادة الأشاعرة والماتريدية إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة ومنزه عن الوهم والخيال، وانّ القرب قرب صفاته من السمع والبصر والحفظ وانّ الإحاطة احاطة صفاته من العلم والقدرة، لأنه القائل { لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [الطلاق: 12]، فكان (العلم) بمثابة المفتاح لمعرفة المقصود من الإحاطة، وانّ الاستواء استواء صفاته من الهيمنة والتسخير والتدبير والربوبية، لأنه القائل: { ثم استوى على العرش يدبر الأمر } [ يونس 3 ]، فكان (التدبير) بمثابة المفتاح لمعرفة المقصود من الاستواء، فالقرب قرب صفاته والاحاطة احاطة صفاته والاستواء استواء صفاته اما جناب الذات غيب الغيوب لا يُدرك، وقالوا ما لنا وللذات ونحن مفطومون عن معرفة كنهها، ومن أظهر العجز اننا لا نعرف شيئا عن أرواحنا التي تلازمنا، قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [الاسراء: 85]، فهل نطمع في معرفة جناب الذات ونحن لا نعرف شيئا عن روح مخلوقة تلازمنا ليل نهار.
فعند آيات القرب: قالوا: جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : ]، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) } [ ق : 16 ]، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] وما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير فدنا منا فقال : (( يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته )) ([132]) . وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل السادة الأشاعرة والماتريدية وهم العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
وعند آيات الإحاطة والمعنى المراد منها : قالوا: قال تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [ النساء : 126 ]، وقال تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) } [ فصلت : 54 ]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل السادة الاشاعرة والماتريدية علماء الأمة المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، واستنادا إلى المفتاح القرآني {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [الطلاق: 12]، فالإحاطة احاطة العلم. وعند آيات الاستواء: قالوا: اتفق العامة على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، واتفقوا على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين من المجسمة والحشوية والكرامية على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا : مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }، وقالوا: ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن كما سيتبين:
(الآية الأولى) : قال تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ادعوا ربكم تضرعا وخفية انه لا يحب المعتدين } [ الأعراف 54-55]، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية.
و (الآية الثانية) : قال تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون } [ يونس 3 ]، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى : ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير.
و(الآية الثالثة) : قال تعالى : { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الايات لعلكم بلقاء ربكم توقنون } [ الرعد 2 ]، المفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى يدبر الأمر وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت.
و(الآية الرابعة) : قوله تعالى : { تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } [ طه 4،5، 6]، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الخلق في قوله ممن خلق الأرض والسموات، وقوله تعالى (له ما في السموات وما في الأرض) للدلالة على استواء الملك والتدبير أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، أما ما يزعمونه من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى عما يقولون علوا كبيراً، ومثال ذلك تسمية الكعبة ببيت الله والمساجد بيوت الله والعقلاء فهموا من هذه التسمية أن له بيتاً يجب على عباده حجة وبيوتاً هي المساجد يجب أن يعمروها وفهموا منها أنه سبحانه نصب لهم مواضعاً يقصدونها لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه، وإنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش، أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد، فكان قوله: ( ثم استوى على العرش ) أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال، فإن قيل: فإذا حمل قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً إستواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض. قلنا: إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها. وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل، لأن إحياء زيد، وإماتة عمرو، وإطعام هذا و إرواء ذلك لا يحصل إلا عند هذه الأحوال، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال، صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع، ثم لا ننسى قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [الحاقة: 17 ] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله. والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير.
و(الآية الخامسة) : قال تعالى : { الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا } [ الفرقان 59 ]، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما فهو الخالق بالكون بما فيه وهو ربه ومدبره فسأل بذلك خبيرا، وثم تدل على التراخي والتأخر عن الفعل وتعلق الاستواء هاهنا واضح بالربوبية وما تستحقه من عبودية الخلائق فالله عز وجل خلق الخلق وأوجدهم من العدم ثم استوى استواء الرب لعباده ويدلنا على ذلك قوله تعالى في الآيات التالية وعباد الرحمن الذين يمشون هونا.
و(الآية السادسة) : وقال تعالى : { الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين } [ السجدة 4 إلى 7]، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله ( ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ).
و(الآية السابعة) : قوله تعالى : { له ملك السموات والأرض يحي ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } [الحديد: 2 إلى 5 ]، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون، أولا: فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، ثانيا : قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن الظاهر يدل على العلو والباطن يدل على السفل والله تعالى خالق المكان بعلوه وسفله وهو منزه عن المكان وعن الاتحاد بالمخلوق أو الحلول فيه .
وهذا يدل على بطلان قول الحشوية أنه في العلو على سبيل الحس دون السفل ونحن نقول أنه منزه عن العلو المحسوس والسفل المحسوس الذي يقاس بالمسافة ومع ذلك فهو أقرب إلى أحدنا من حبل وريده سبحانه ليس كوجوده وجود وليس كقربه قرب ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، ثالثا : قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شي ء، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون “، رابعاً : جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية )، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
والحاصل أن القول الفصل في الاستواء أنه على منهاج أهل السنة والجماعة، لا يخرج عن ثلاثة أقوال جميعها عند أهل السنة صحيحة، هي :
أولا : أنه من باب البلاغة والمجاز، فالعرب من عادتهم أنّ الملك إذا كان ذا هيبة ومكانة عظيمة في بلده يعبرون عن علو قدره بأنه استوى على كرسي الملك ولا يقصدون الجلوس ليس فيه أي إشارة إلى الكمال لأن الجلوس يتقنه كل أحد، وعلى ذلك فالمقصود من الاستواء الدلالة على الاستعلاء والقهر وعلو الربوبية والتدبير بقرينة ( يدبر الأمر )، والتي تعقب ذكر الاستواء عادة والله تعالى أعلم.
والثاني : أنه ( استواء ) على مراد الله تعالى ومراد رسوله، ليس كمثل استوائه استواء، كما أنه ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات.
والثالث : معاملة صفات القرب والإحاطة والاستواء معاملة واحدة، فإذا أثبتنا الاستواء أثبتنا القرب، وأثبتنا الإحاطة، وآنذاك، يمتنع التكييف لأنه جمع بين الأضداد.
وأضرب مثالا لتخصصهم من فهمهم لأدلة علم التقديس من سورة الإخلاص كمثال لتبحرهم في هذا العلم،
[المفتاح الأول]: سورة الإخلاص سورة محكمة تعدل ثلث القرآن لذلك يجب التوسع في فهم معانيها: سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ({قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن) ([133]) .، إذن (سورة الإخلاص): يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن، ومعنى ذلك أنها تحمل من علوم الدين لا سيما علم التوحيد، الكثير والكثير، وما دامت مُحكمة فوجب التوسع في فهم معانيها وتدبر ما ترمي إليه من معاني التوحيد، والتقديس لأن النهي القرآني إنما كان قاصرا على تتبع المتشابه، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([134]) .
فسورة الإخلاص من المحكمات لا حرج من التوسع في فهمها وتفسيرها لأنها عند فهم معانيها إنما تتحدث عن تقديس الذات ونفي الادراك ونفي المثلية عن جناب الذات أما المتشابه الذي نُهينا عن تتبعه فإنما هو كل ما يتعلق بتكييف الذات وأهل الزيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، التي ترسم في أذهانهم المريضة شكل الذات والله منزه عن الأشكال كلها لأنها علامات الخلق، تدل على ان لها خالق خصصها بأشكالها وصورها، والله خالق لا مخلوق، مُصَوِرٌ لا مُصَوَر، قاهر لا مقهور، أما أهل التقديس فإنهم يرومون تنزيه الذات وتقديسها وتسبيحها بتتبع المحكمات، وتجنب المتشابهات.
[المفتاح الثاني]: سورة الإخلاص تتحدث عن ذات الله: فقد ورد في سبب نزولها: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذات الله، وصفة الرحمن علمنا انّها تتخصص في فسم توحيد الذات، فقد أخرج البخاري ومسلم: من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه) ([135]) . وسبب نزول السورة كما جاء عند الترمذي ، وأحمد والحاكم ، والبيهقي في “الشعب”، من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: (أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل الله: {قل هو الله أحد * الله الصمد})([136]) . ، وأخرج البيهقي في “الأسماء والصفات” عن ابن عباس، (أن اليهود، جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، فقالوا: يا محمد، صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله عز وجل هذه السورة) ([137]) . ، فقولهم انسب لنا ربك وصف لنا ربك إن كان القصد منه الحديث عن الصفات لكان الجواب بأن الله حي قيوم سميع بصير عليم على كل شيء قدير، ولكن لما كانت الإجابة بقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} علمنا انهم يسألون عن جناب الذات تعالى وتقدس، فجاء التقديس والتنزيه بذكر الاحدية والصمدية ونفي الابوة والبنوة ونفي المثلية، فالأحدية لمن تدبرها -وسيأتي بيان ذلك- تقديس لجناب الذات عن الإدراك، غيب مطلق لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى ونفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها من قبول الأعضاء والاجزاء، فهذا كله منتفٍ عن ذات الله تعالى، والصمدية لمن عرفها -وسيأتي بيان ذلك- تقديس لله عن الحاجة، وقوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: وصف الله تعالى بالقدم الازلي، وسلب أي معنى من معاني الحدوث عن جناب الذات، فلا يكون منه شيء سبحانه ولا يكون هو من شيء، {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}:تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق، ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علما.
[المفتاح الثالث]: سورة الإخلاص تشتمل على أربعة أصول عظيمة تقوم عليها عقيدة أهل الإسلام، (الأصل الأول): (الله أحد) وصف الله تعالى بالأحدية، و(الأحدية) نفي الكثرة في ذات الله، فالله (واحد): لا شريك له، (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، (الأحدية) تعني، أنه أحد في جناب ذاته، فلا ينقسم ولا يتبعض، فلا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، (الاحد) يكون بنفي الكثرة في الذات وينفي تبعض الذات، تقدست ذاته عن التأليف والتركيب، ليس له في ذاته شبيه ولا مثيل، {قل هو الله أحد}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، (الاحدية المطلقة) علم واسع لا حد له وبحر محيط من التعظيم والتقديس والتنزيه لا ساحل له سيأتي بيان بعضه إن شاء الله، و (الأصل الثاني): (الله الصمد) وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة، ومعناها الغنى المطلق والكمال المطلق، له كمال الحياة والقيومية، وله تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، ومن معاني الصمدية الثبات وعدم قبول التغير والحدوث، والله له القدم الازلي فلا يقبل التغير ولا الحدوث، و(الصمدية المطلقة) علم واسع لا حد له وبحر محيط من التعظيم والتقديس والتنزيه لا ساحل له سيأتي بيان بعضه إن شاء الله، و(الأصل الثالث) {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث فلا يكون منه شيء سبحانه ولا يكون هو من شيء، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ولا يصح أن يكون له ابن أو أب لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وصف لله تعالى بالقدم الذاتي الأزلي {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، و(الأصل الرابع): {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}:تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق لأن له الكمال المطلق والغنى المطلق، ولها العجز والحاجة والفقر إليه، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس كمثله شيء، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن،
[المفتاح الرابع]: أخص معاني الاحدية: نفي الكثرة والانقسام في ذات الله، فالله (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، و (الأحدية) تعني انتفاء الكثرة من جناب ذاته، فأحدية الذات معناها نفي الانقسام ونفي التجزؤ ونفي التركيب ونفي التبعيض، وهذا كله حق لا مرية فيه فإن الذي يقبل الانفسام لا تكون له الاحدية المطلقة من كل جهة، والذي يقبل التجزؤ والتبعض في ذاته لا تكون له الاحدية المطلقة ولا يصح ان يكون إلها لأن شرط الإلهية الغنى المطلق ومن كان مركبا من اجزاء وابعاض فإنه يكون محتاجا لها في وجود ذاته والله تعالى له الغنى المطلق مقدس عن الاحتياج وبالتالي مقدس عن التركيب، ومن كان محتاجا فلا يكون إلها أبدا، ومن كانت ذاته تقبل الانقسام او التركيب او التبعيض فلا يكون أحدا أبدا ولا يكون له الغنى الكامل، فوجب صحة هذه المعاني لاسم الله (الاحد)، (فائدة) أجمعت الامة عدا المجسمة الضالة على تقديس الله عن التبعض والتجزؤ، لدلالة اسم الله الاحد على منع قبول الأجزاء والأبعاض والجوارح، وكذلك فإن ذات الإله إذا قبلت الانقسام فهذا يعني تعدد الآلهة لأنّ كل قسم سيكون إلها، وهذا اكبر الشرك بالله، فالله تعالى له الأحدية التي تنفي الكثرة والانقسام على ذات الله.
[المفتاح الخامس]: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة، و(الأحدية المطلقة) توحيد في نفس جناب الذات وهي تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وبالتالي تعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى (أحد) له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها التي لا انفكاك للجسمية عنها من الصور والأشكال والأطوال والاوزان والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى أحد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء و كل ما ورد في الشرع مما يوحي بالصورة أو الجارحة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، {اللَّهُ أَحَدٌ} معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، هذا هو الأصل الأول الأحدية المطلقة لله.
[المفتاح السادس]: معنى اسم الله الصمد: جاء في معاجم اللغة وتفاسير القرآن: (الصمد): اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه: هو السيد الذي قد كَمُلَ في سُؤْدُدِه، وقيل الصمد: هو الدائم بعد فناء الخلق، وقيل هو الباقي الذي لا يزول، وقيل: هو الكامل الأوصاف من كل الوجوه، وقيل أنّ الصمد بمعنى مفعول أي مقصود، أي السيِّدُ المقصودُ، والمصمود في الحوائج، تصمد إليه المخلوقات في حاجاتها، أي تقصده في الحاجات والرغائب، وتستغيث به عند المصائب، فتسأله وترجوه، وقيل هو الكامل في صفاته، وهو العظيم في أفعاله، وهو السيد الذي انتهى سؤدده، المستغني عن كلِ أحد، والمحتاج إليه كلُّ أحد، وقيل انّ الصمد الذي لا جوف له، والذي لا يأكل ولا يشرب، ولا يشبه المخلوقين، فالمخلوق له جوف يأكل ويشرب، أما الله سبحانه فهو الصمد المنزّه عن مشابهة المخلوقين، وقيل (الصمد) الغنى الذي له الغنى المطلق، والكامل الذي له الكمال المطلق، وقيل (الصمد) هو المنزه عن الحاجة، وقيل (الصمد) هو المنزه عن التغير والتأثر كما يُقال جبل صمد أي لا يتغير يصمد أمام عوامل التغيير، وكل تلك المعاني صحيحة والله تعالى هو الصمد الذي له الكمال المطلق والغنى المطلق، وله تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، ويحتاج إليه كل عباده، وهو الذي ليس كمثله شيء، وهو السيد الذي كمل في ذاته وصفاته وأفعاله، وأخص معاني الصمدية هي الكمال المطلق من كل جهة، والكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا عن الكمال، والكمال المطلق لا يقبل النقصان، ولو قبل النقص لم يكن إلها له الربوبية الموجبة لاستحقاق العبودية، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو.
[المفتاح السابع]: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة والكمال المطلق والغنى المطلق وسلب أي معنى من معاني النقص والحاجة والافتقار والتركيب عن جناب الذات: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: من أسماء الله الحسنى الدالة على الكمال المطلق: اسم الله (الصمد) أي السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، والْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، والْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، ووصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، (الصمدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، و (الصمد) اسم من أسماء الله الحسنى، ورد مرة واحدة في القرآن العظيم، في سورة الإخلاص، و (الصمد) هو الغني المطلق والحميد المطلق وهو الذي لا يحتاج أحداً، وبذلك فليس هناك من (صمد) في هذا الوجود سوى الله عز وجل هو (الصمد)، و(الصمد) هو المقصود في الحوائج تقول (صمد للشيء) أي قصده، و(الله الصمد) أي هو المقصود في الحوائج، و(الصمد) هو المخالف للحوادث الذي لا يتغير ولا يقبل التغير، ففي المعاجم: (صمد فلان للضرب) أي ثبت و تحمل فلم يتأثر بالضرب، و (صمد الجيش للعدو) بمعنى ثبت لهجماتهم و لم يتأثر بها، والجبل (الصمد) لان الجبل لا يتأثر بالحوادث، و(الصمد) هو الذي لا تدرك العقول حقائق نعوته وصفاته، كما قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}، تعظيم الحق عن الإحاطة، وإجلاله عن الإدراك، إذ كل ما تصور عند الخلق عن الحق فالحق بخلافه، لأن المخلوق مسبوق، والمسبوق غير محيط بالسابق، (الصمد) هو الإله الرب الذي له الكمال المطلق في كل شيء، هو الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله، (الصمدية المطلقة): معناها كمال الحياة والقيومية، وتمام الغنى والحمد، له الحياة والقيومية على الدوام، وله الغنى التام والحمد على الدوام، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج.
[المفتاح الثامن]: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: وصف الله تعالى بالقدم الأزلي (أول بلا ابتداء) وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، (معاني القدم الأزلي لله): القدم الأزلي هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء) [أخرجه مسلم]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء قبله) [البخاري ومسلم]، ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([138]) . وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته وأسماءه وصفاته، و(القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، [أخص صفات (القديم الذاتي)]: أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، (القدم الذاتي) يمنع من الحد والبداية والنهاية، لان ما له حد فهو محدث لقبوله الحد، وما له بداية فهو محدث لقبوله البداية، وما له نهاية فهو محدث لقبوله النهاية، (القدم الذاتي) يمنع من الصور والأشكال لان ما له صورة فهو محدث لقبوله التركيب لان الصور لا تنشأ إلا من التركيب، قال تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك}، (القدم الذاتي) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}،، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا تصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به، ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.
ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، (جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث.
ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، إنّ من يُجيز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
ومن الأدلة على بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث، أنّ الحوادث هي ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، فلهذا يستحيل علي القديم الأزلي أن يكون محلاًّ للحوادث، إنّ كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين الخالق الأزلي القديم وبين المخلوق الحادث، سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
ومن جهلهم أيضا بما يستحقه جناب الذات من الكمال المطلق: أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء، وهكذا حدوا صفة الكلام التي لا حد لها، ولازم قولهم أن القرآن محدث وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة لا تتعلق بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة قائمة بذات الله، هم جعلوا الكلام مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم محدثا مخلوقا، وعلى مذهبهم الباطل لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ).
و(الخلاصة): أنّ (القديم الذاتي) لا يقبل الحدوث ولا تحل بذاته الحوادث، و (شرط القديم) أن يكون منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، وقد اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وأخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، وقدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه سبحانك هذا بهتان عظيم.
(تنبيه) مقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف أهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث؟، وهل آحاد الشيء تخالف جنسه؟، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم يجهلون، وقد دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام، ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق.
ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
[المفتاح التاسع]: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: أنه تعالى خالق كل موجود، أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، {لَمْ يَلِدْ}: لا يصح أن يكون له ابن، {وَلَمْ يُولَدْ}: ولا يصح أن يكون له أب، لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، والنصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى، فزعموا له الولد سبحانه، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل، لأنه لا يُعرف بالحس، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد – سبحانه – لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى – آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم – بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 81، 82]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 إلى 95].
[المفتاح العاشر]: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال تقدس أن يكون له مثيل او شبيه، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود موجود بلا كيف وبلا مكان ولا يجرى عليه زمان وهو الموجود في الأزل قبل المكان والزمان وهو القاهر للمكان والزمان وهو الخالق لقوانين المكان والزمان والمكان محدود والله منزه عن الحدود فلا يحل المنزه عن الحدود في المحدود تقدس الخالق أن يحل في شيء من خلقه وتقدس القديم الباقي أن يحل في المحدث الفاني سبحانه رب العالمين ومن عداه عبد مربوب سبحانه إله غني قادر قاهر ومن عداه عبد ضعيف فقير مقهور، هو الخالق البارئ المصور ومن عداه مخلوق مصور هو المصور خالق الصور والأشكال تقدس البارئ المصورُ أن يكون مُصَورا والصور لا تنشأ إلا بالتركيب فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ، تقدس المصورُ ان يكون مصورا وتقدس المركبُ أن يكون مركبا وتقدس القاهر لخلقه بالصور والأشكال أن يكون مقهورا بها يستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، أحد صمد يستحيل عليه الجسمية ولوازمها من الحد والمقدار ومن الصور والأشكال والأجزاء والأعضاء، أحد صمد يستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات بل هو القريب من كل خلقه ليس شيء منها عنه ببعيد أحد صمد لم يلد ولم يولد يستحيل عليه التغير والحدوث لأنها صفات المخلوق المحدث، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم عن جناب ذاته فهو باطل ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو.
[المفتاح الحادي عشر]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية: (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره قال تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها والجسم يمينه غير يساره وأعلاه غير أسفله والجسمية تعارض الأحدية المطلقة التي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأن ذلك كله من صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام كما أنّ الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ويستحيل وصف جناب الذات بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص التي تنزه الله عنها.
[المفتاح الثاني عشر]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور والأشكال: لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة والصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى لأنه احد صمد وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص والمخصص هو الله تعالى المصور وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه خالق الصور والصورة تقتضي الكيفية وهي عن جناب الذات منفية لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط التي تدل على الخلق والحدوث.
[المفتاح الثالث عشر]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأعضاء: وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل أن كل جسم فهو مركب وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا.
[المفتاح الرابع عشر]: سورة الإخلاص تتحدث عن توحيد جناب الذات الإلهي تبارك وتعالى، الذات الإلهي له الاحدية المطلقة والاحدية المطلقة تنفي التكثر في الذات وتنفي قبول الانقسام وتنفي قبول الأجزاء والابعاض، لذلك نفت (الاحدية المطلقة) عن جناب الذات الإدراك فيستحيل إدراك الذات التي تتصف بالأحدية، و (الأحدية) لمن يفهمها تؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، ولله در الطحاوي حين قال في عقيدته التي لاقت القبول من كل المسلمين: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام)، فكل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما، قال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء، ولا يحيطون به علما، و (الخلق) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق أجسادهم، إلا بآثار تلك الروح، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، فأنى لهم ان يدركوا شيئا من ذات الحق، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، والحاصل جناب الذات الإلهي له الاحدية المطلقة، موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك هو غاية ما نقدر عليه من الإدراك.
[المفتاح الخامس عشر]: أجهل الناس بمعاني سورة الإخلاص المحكمة بعد النصارى هم المجسمة ومن دار في فلك التجسيم كالمشبهة والحشوية، وكل هؤلاء أهل تمثيل، والله تعالى ليس كمثله شيء،: و(المجسمة) مصطلح إسلامي يُطلَق على كل من يقول بأن الله جسم لا كالأجسام ويثبتون له لوازم الجسم من من الحد والمقدار ومن الصور والأشكال والأجزاء والأعضاء، ومن التقيد بالمكان والزمان، والتغير والحدوث وغير ذلك من لوازم الأجسام، و (المشبهة): مصطلح إسلامي يطلق على كل من يشبه الله بالمخلوقات ويزعم بأنّ الله تعالى في صورة الإنسان، والحشوية مصطلح إسلامي يُطلَق على من ينكر لفظ الحسمية ولكنه يقول بلوازم التجسيم ويقر بها، ومن أبرز المجسمة الضالة على مر عصور الإسلام (الكرامية) الذين قالوا بأن الله تعالى جسمٌ قائمٌ بذاته، مباينٌ للعالم، مستقرٌّ على العرش من جهة الفوق، وأنه محلٌّ للحوادث! وهذه العقيدة الباطلة ليست امتدادًا لأي مذهب إسلامي معتمد ولكنه للأسف تلفيق بين معتقدات الوثنية واليهودية المحرفة والتشبيه النصراني مغلّفة ببعض ظواهر النصوص التي أساؤوا فهمها وأخطأوا في تأويلها، فأخذوا من التوراة المحرفة فكرة التشبيه والتجسيم، حيث امتلأت أسفارهم بنسبة صفات البشر إلى الله تعالى: من الاستراحة، والندم، والمشي في الجنة، والضحك، بل وتجسيده في صورة إنسان، والنصرانية المحرفة: أطلقت لفظ “الجوهر” على الله تعالى، وزعمت أنه تجسّد في صورة عيسى عليه السلام، وتأثر ابن كرام بذلك، فقال إن الله تعالى “أحدي الذات، أحدي الجوهر جسم لا كالأجسام، وأثبتوا له الصورة والشكل والكيف، واثبتوا له المكان والجهة والمماسّة والاستقرار المكاني وزعموا ان له حجما وثقلا يملأ العرش ويثقل عليه، واثبتوا له الحد والتناهي، وبعضهم أثبت له نهاية من ست جهات، وبعضهم من جهة واحدة، وبعضهم أنكر النهاية، على معنى الجسمية وهو الامتداد طولا وعرضا في الجهات، وقالوا بأنّ كل متميّز عن العالم فلابد أن يكون في جهة من جهات العالم، وكل ما كان في جهة فلا يعقل إلا ان يكون جسما فهو جسم لا كالأجسام، وزعموا بأنّ رؤية الله تقتضي الجهة، وقالوا: الرؤية لا تكون إلا في جهة، وكل ما كان في جهة فهو جسم، وشُبَه هذه الفرقة الضالة كلها شُبَه ساقطة، يُبطلها العقل والنقل، وهي مبنية على القياس الفاسد لله تعالى على المخلوق، واستندوا إلى آيات وأحاديث متشابهات لها أكثر من معنى فاتبعوها مصداقا لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، فحملوها على ظاهرها بغير علم، وسيأتي -إن شاء الله- بيان (مفاتيح علم التقديس في حل إشكالات النصوص المتعلقة بعلم التقديس) حل جميع الإشكالات المتعلقة بالمتشابهات حلا حاسما لا يدع مجالا لمتشكك إلا ويظهر الحق المحكم الذي لا اختلاف فيه، وصدق الله حيث يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، والحمد لله الذي هدانا لمذهب التنزيه، مذهب أهل السنّة والجماعة، لا مذهب المجسّمة وأهل الحشو والضلالة، وقد قال البيهقي في كتابه: “الأسماء والصفات”: (من قال إن الله جسم فقد كفر، لمخالفته لقوله تعالى: ليس كمثله شيء) انتهى ([139]) .
[المفتاح السادس عشر]: المجسمة والمشبهة والحشوية أهل جهل بالله تعالى وهم في نهاية المطاف: (ممثلة)، أهل تمثيل لله بخلقه، والله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، وهذه الآية أقوى سوط على ظهور المجسمة والمشبه والحشوية -وكلهم أهل تمثيل لله تعالى بخلقه- لأنها تقضي على كل أوهام التجسيم والتشبيه والحشو والتمثيل، وهؤلاء جميعهم يتمسكون بالمتشابهات التي يوحي في أذهانهم الممثلة المريضة برسم الذات وشكل الذات، وهيئة الذات وصورة الذات، وهيهات هيهات، اذ ليس كمثله شيء حتى نبني عليه أو نفترض عليه، فهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، وإلا زعموا اننا نعبد عدما، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}.
والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع للمتشابهات التي يظنون أنها ترسم شكل الذات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب القدم باب الأصابع باب الأنامل باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة، تقدس الله الأحد الصمد الذي له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة والتي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالحدود والمقادير ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، تعالى سبحانه عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
***
المبحث التاسع جهود السادة الأشاعرة والماتريدية في بيان مفاتيح وقواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة
[المفتاح الأول]: يرى الأشاعرة والماتريدية أنّ معرفة قواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تمنع من التمثيل والتشبيه، هي أهم الطرق إلى معرفة الله تعالى ولم يجيزوا لأحد أن يتكلم في الإلهيات إلا بعد الإلمام بها، ومعرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل اضافته إلى الله لأنّه نقص تنزه القدوس عنه سبحانه، ومن آثار تلك القواعد الربانية التي دل عليها الكتاب والسنة والعقل الصحيح، أنّها تمنع من تشبيه الله تعالى في ذاته أو صفاته أو أفعاله بأحد من خلقه، بل ترسخ التقديس والتنزيه والتسبيح في عقل المسلم ووجدانه، وتمنعه من أي تمثيل لله تعالى بشيء من خلقه لأنّه ليس كمثله شيء، تعالى عن الند والشبيه والمثيل، ومن أهم فوائد تلك القواعد التي تقدس لله وتنزه له، أنها تقطع الطمع تماماً في إدراك ذات الله {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}، {ولا يحيطون به علما}، وأنها تصفي الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى – على لسان الملائكة – {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، أو يتمثل الكائنات من السموات والأرض والجبال وهي تتجاوب مع التقديس وتتألم لدعاوى التشبيه والتمثيل من عالم البشر في حق الله تعالى كما في قوله تعالى: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 89 إلى 93]، وقواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة، والفقه في التوحيد والتقديس، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لمسلم أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به، بل يمكننا القول بأنّ المقصود من دراسة توحيد الذات هو وضع قواعد التقديس التي تمنع من الخوض في ذات الله.
[المفتاح الثاني]: وكذلك فإن الأشاعرة والماتريدية يرون أنّ قواعد التقديس والتنزيه هي عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف، وانها تعمل على وضع الحاجز الذي يمنع من الوقوع في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن علم توحيد الذات يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجودها لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله: (هذا خلق الله، فمن خلق الله)، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها، لأنّهم لم يروا مثل ذلك، فينفونه، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم، ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان، ولأن المكان يحيط بمن فيه، والله تعالى بكل شيء محيط، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان.
ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية، والكمال يضاد التناهي، الذي هو صفة المخلوق المحدود، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات، وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة، ومن ذلك نفي الحلول، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها، ونفي الجوارح والابعاض ونفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية والصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها، كما نص الأشاعرة على أنّ دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى الاعتراف بالعجز عن درك الإدراك، وذلك بتصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله، ولو في دقائق الصفات، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات، أمّا العامي ومن لم يطلب علم التنزيه وتوحيد الذات لأنه بمثابة العامي في علم الإلهيات – مهما بلغ من علوم الدين الأخرى – فقد يكيف المملكة بذهنه وهو يلوك بلسانه دون فهم {ليس كمثله شيء} وذهنه على التكييف بوجود حد ونهاية لذات الله تعالى تتمثل في حجم العرش، وقد يكون العرش المربوب في ذهنه أكبر من ذات الله، وهو يقول بلسانه في كل صلاة (الله أكبر) وفي مخيلته أنّ العرش أكبر، لا يعرف أصلاً علم الإلهيات وعلم التقديس، ولا يفرق بين قديم الذات الذي لا تجوز عليه البداية ولا النهاية، وبين المحدث الذي له بداية ونهاية، وبين الخالق والمخلوق، وبين ذات الله المنزهة عن الحد وبين المحدود، وبين ما يجوز وما يستحيل نسبته إلى ذات الله.
كما نص الأشاعرة على أنّ علم توحيد الذات لابد وأن يشمل معرفة ما يجب لذات الله تعالى وما يستحيل علي ذات الله تعالى، وما يجوز في حق ذات الله سبحانه وتعالى جل شأنه وتعالت صفاته، فالواجـــب في حق الله تعالى هو: ما لا يتصور عدمه مثل وجود الله تعالى وعلمه وقدرته، والمستحيل في حق الله تعالى هو ما لا تتصور ثبوته مثل الفناء في حق الله تعالى أو الشريك أو الصاحبة والولد، والجائز في حق الله تعالى هو كل ما يتصور وجوده أو عدمه كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، والمستحيل في حق الله تعالى: كل صفة وجبت لموصوف استحال ضدها على ذلك الموصوف، فكل ما وجب إجمالا يستحيل ضده إجمالا، وكل ما وجب تفصيلا يستحيل ضده تفصيلا، وقد وجب لله تعالى إجمالا: كل كمال يليق بذاته تعالى فيستحيل علية إجمالا كل نقص، ووجب له تعالى تفصيلا الوجود، والقدم والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس والوحدانية والقدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام النفسي فيستحيل عليه تعالى تفصيلا: أضدادها وهى العدم، والحدوث، والفناء، والمماثلة للحوادث، وعدم القيام بالنفس، والتعدد، والعجز والكراهية بمعنى القهر وعدم الاختيار، والجهل، والموت، والصمم، والعمى، والبكم فيجب على المكلف أن يؤمن باستحالة هذه الأمور عليه تعالى، ويدل على استحالة هذه الأمور على الله تعالى أنها نقائص تنافي كمال صفات الله تعالى، ولأن الله تعالى قد وجب اتصافه بالصفات المضادة لهذه الأمور فتستحيل عليه تعالى تلك النقائص، ويستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو المشابهة للمخلوقات، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، ويستحيل عليه الحد والمقدار، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم، ويستحيل عليه العجز والضعف، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد، ويستحيل عليه السنة والنوم، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان،، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات، ويستحيل عليه التغير والحدوث، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق،، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له ليس كمثله شيء.
[المفتاح الثالث]: من قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى والتي ركز الأشاعرة والماتريدية على تأصيلها:
القاعدة الأولى: تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق، القاعدة الثانية: تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان، القاعدة الثالثة: تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء، القاعدة الرابعة: تنزيه ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، القاعدة الخامسة: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق، القاعدة السادسة: تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق، القاعدة السابعة: تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، القاعدة الثامنة: تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق، القاعدة التاسعة: تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق، القاعدة العاشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق، القاعدة الحادية عشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، القاعدة الثانية عشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة، القاعدة الثالثة عشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل، القاعدة الرابعة عشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره، القاعدة الخامسة عشرة: رؤية الله تعالى في الآخرة، القاعدة السادسة عشرة: لماذا يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه، القاعدة السابعة عشرة: ما يجب وما يجوز وما يستحيل على ذات الله تعالى، القاعدة الثامنة عشرة: رد المتشابهات إلى المحكمات فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات، القاعدة التاسعة عشرة: خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه، القاعدة العشرون: دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه، وكما دون السادة الأشاعرة والماتريدية قواعد علم التقديس، فلم يكتفوا بذلك حتى أضافوا إليها الرد على شبهات المخالفين فكان المذهب محكما أيما احكام.
[المفتاح الرابع]: علم التقديس هو قسم توحيد جناب الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي الذي هو أعلى واجل من مجرد تسبيح اللسان، وقسم توحيد الذات هو أساس التوحيد، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى، والمسمى هو ذات الله، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له. وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات، ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد، كما أنّ توحيد الذات هو أهم قسم من أقسام التوحيد، وهوعلم التقديس والتنزيه، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد.
والمقصود من (توحيد الذات) هو اعتقاد الكمال لله في ذاته، والتنزيه لذاته عن كل نقص، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد ذات المعبود سبحانه، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد ذات الله تعالى، ولابد من الإشارة إلى خطورة الذهول عن توحيد الذات : لأن ذلك سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه، كما سيؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وحتما سيؤول بأصحاب ذلك الخلل إلى الحشو على حساب التقديس، وإلى اعتقاد بدعة التجسيم وإن لم يشعروا بذلك، وقد اخترت عشرة قواعد من أهم قواعد هذا العلم الجليل التي أصلها السادة الأشاعرة والماتريدية أجعلها مثلا يحتذى به لذكر جهودهم في بيان علم التقديس.
[القاعدة الأولى]: تنزيه ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه: الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات، ولا هو يشبه شيئاً منها، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن : 26، 27]، وقوله تعالى : {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص : 88}، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي، ولا المخلوق للخالق الباري، من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : قوله تعالى : {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، وقوله تعالى : {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين،، وقوله تعالى : {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى : {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقوله تعالى : {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وسورة الإخلاص تقديس لله تعالى عن مشابهة خلقه، قال تعالى : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، الله تعالى هو (الأحد) له تعالى : (الأحدية المطلقة)، وهي تعني التنزه عن الانقسام، فهو سبحانه [أحد] لا جزء له منزه عن الأجزاء والأبعاض، وبالتالي منزه عن التركيب والجوارح وبالتالي منزه عن الجسمية، إذ الجسمية أقلها يتركب من جزئين، وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أجسم، وكل الخلائق أجسام وأجزاء وأبعاض، فلا يتصف بالأحدية المطلقة إلا الله، [الله الصمد] أي الغني الذي يحتاج إليه كل خلقه وهو الغني عن كل خلقه، و(الصمدية المطلقة) تمنع من التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، لا يوصف بالصمدية المطلقة، إذن الله تعالى [أحد] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح، [صمد] غني حميد اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}، لا ينفصل منه شيء، ولم ينفصل من شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، ولما كانت جميع المخلوقات تتصف بالحدود والنهايات والمقادير، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، منزه عن الحد والنهاية والمقدار والغاية، ولما كانت جميع المخلوقات تحتاج في وجودها إلى مكان يحويها ويحيط بها، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، فلا يحويه مكان ولا يحيط به مكان كيف وهو بكل شيء محيط، ولما كانت جميع المخلوقات يقهرها زمان يجري عليها زمان يقهرها بقوانينه، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، فلا يجري عليه زمان ولا تقهره قوانين الزمان كيف وهو الواحد القهار، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم، والصور والأشكال، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، منزه عن الأطوال والاحجام والصور والأشكال، ولهذا قال أئمة التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة : يجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فهو ضال مبتدع، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، ومن الأدلة من السنة النبوية على تقديس الله تعالى عن مشابهة خلقه، قوله صلى الله عليه وسلم : (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([140]) .
وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل، وعلى ذلك : فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم، منزه في وجوده عن المكان فلا يحويه مكان، ومنزه في وجوده عن الزمان فلا يجري عليه زمان، ومنزه في جناب ذاته عن الحد والنهاية، فلا حد ولا تناهي، كيف وهو القاهر لمخلوقاته بالحدود والنهايات، ومنزه في جناب ذاته عن الصور والأشكال والألوان، كيف وهو المصور لخلقه والواهب لها الصور والأشكال، جل المصور أن يكون مصورا، وجل الخالق أن يكون مخلوقا، وجل القديم أن يكون محدثا، له كمال الذات والأسماء والصفات، وكل ما خطر ببال المخلوق فهو باطل لأنه مخلوق، والمخلوق لا يحيط علما بالخالق، والمحدث لا يحيط علما بالقديم، فسبحان الله عما يصفون، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.
[القاعدة الثانية]: تنزيه جناب الذات تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق : لا شك في أنّ الحد معناه التناهي، وأي شيء محدود له نهاية تحده، والتناهي نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون لجناب الذات حد ولا نهاية، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأجل من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال، تعالى على الحدود، هو القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، وهو القاهر فوق عباده وهو الواحد القهار، هو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، قال تعالى : {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد : 16].
(أ) القاعدة تقول : كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لجناب ذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق، ثم كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء ((الله أكبر)) ومعناها : الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار.
(ج) كل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص، وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص، لأنه الخالق، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء.
(خ) الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه والقاعدة عند الرياضيين أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان، والله تعالى له الكمال المطلق، ومن معاني الكمال المطلق أن تنزيه جناب الذات عن الحد والنهاية، فلا حد ولا نهاية ولا يقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا يقبل النقصان لأنه ضد الكمال، وإن كان لذاته نهاية (سبحانه وحاشاه) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته.
وهنا يلزم (تنبيه) : ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق، (وبالتالي) ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن جناب الذات منزه عن الحد المحسوس لأنه نقص ولأن كل محدود محدث مخلوق لا يتصف بالقدم ولا بالكمال، وعن المقدار لأن كل مقدر مخلوق، قال تعالى : {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل جناب ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود، فالله تعالى أكبر من كل تصور، وأعظم من أن نحيط به علما، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه : 110]، فالذات لا يُدرك، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح، فالله تعالى {ليس كمثله شيء} وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود.
(ر) الله تعالى منزه عن الحد والمقدار وكل ما يفيد الحصر والنهاية لأن ذلك سمة المخلوق الذي حده خالقه على كمية ومقدار معين، وعلى تنزيه الله تعالى عن الحد والمقدار إجماع أهل التنزيه من هذه الأمة، حتى ما نقل عن البعض بإثبات الحد فإنما يقصد بالحد الحاجز بين الخالق والمخلوق لا أكثر (أي الحد الذي يمنع الاتحاد والحلول) وإلا فلا يصح أبداً إثبات الحد لله بمعنى المقدار الذي تنتهي إليه ذاته سبحانه فإن ذات الله ليس لها نهاية، منزه سبحانه عن الحصر لأن الحصر والنهاية نقص يضاد الكمال الذي اتصف به ذات الله، فإن الحد في اللغة على معنيين : الأول : الحد بمعنى الحاجز بين الشيئين وهذا لو أضيف إلى الله فالمقصود به حد الإلهية الذي يفصل بين المعبود سبحانه والعباد أو المقصود به حد الربوبية الذي يفصل بين الرب والمربوب فلا اتحاد ولا حلول بينهما ولا مماسة ولا اتصال بينهما بحال فالحد بهذا المعنى صحيح، والثاني : الحد بمعنى الحصر والنهاية وحد الشيء منتهاه الذي ينتهي إليه ونهايته وهذا الحد هو صفة المخلوق التي يتنزه ويتقدس الخالق عنها.
قد اتفق المسلمون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى {وهو رب العرش العظيم} كما أنه رب العالمين جميعا، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه : {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر : 41]، هل يحتاج إلى شيء يحمله، أو شيء يحيط به ويحويه، مهما بلغ اتساعه وحجمه، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش، وهو الغني عنها، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها، سبحانك هذا بهتان عظيم.
(ض) تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه.
(ض) تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، (ط) يقول علماء الحساب والرياضيات أنه لا نسبة بين المحدود واللامحدود، ولا تصح المقارنة بين المحدود مهما كان كبيرا أو عظيما وبين اللامحدود، إذ نسبة المحدود مهما كان كبيرا إلى اللامحدود هي نفسها نسبة الصفر الذي لا يساوي شيئا إلى الذي لا يتناهى من الأشياء، ولله المثل الاعلى، إذ كيف تصح المقارنة بين الكون المخلوق المقدر المحدود وبين الخالق الواحد القهار المنزه عن الحد والمقدار، (ظ) من فوائد هذا التنزيه عن الحد والحصر والمقدار على المسلم أن يعظم الله تعالى بقلبه ويفهم العظمة والجلال في جميع الآيات التي تدل على هيمنة الله تعالى على أرجاء الكون كقوله تعالى {الرحمن على العرش استوى}، مع قوله تعالى {فإني قريب}، مع قوله تعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}، مع قوله تعالى {والله بكل شيء محيط}، وقوله تعالى {وكان الله بكل شيء محيطا}، لأننا نعبد المنزه عن الحد والحصر والمقدار، ولا نقول كما قالت الحلولية والجهمية : إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا نقول كما قالت الحشوية الجهوية : إن الله في مكان دون مكان ألا وهو العرش العظيم، بل نقول إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان وأنه هو رب العرش العظيم، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته [هذه المقولة العظيمة نسبها الإمام أبو منصور البغدادي إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قال (كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان) وقال (إن الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانًا لذاته) اهـ ([141]) .
، وأنه لا يُقال إن الله داخل الكون _ لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود _ ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب كما قال تعالى {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} وكما قال تعالى :{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، وكما قال تعالى {واسجد واقترب}، ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأن الاتصال والنفصال صفات الأجسام، بل هو أقرب إلى كل خلقه من حبل الوريد، تحيرت العقول في حقائق وجوده، وجناب ذاته وصفاته، والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر، وهذا هو الغاية من علم التقديس، الإقرار بالعجر عن معرفة الذات، قال تعالى : {ولا يحيطون به علما}، قال بعض أهل الحشو : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير {وكان الله سميعا بصيرا} ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير {فجعلناه سميعا بصيرا}، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو، والجواب عن تلك الشبهة : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه، أكرم الله بعض خلقه بها، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فلا يصح نسبتها إلى الله، وإنما العلم بالتعلم، قال تعالى : {فاسالوا}، فلا مناص لمن تكلم في العقيدة أن يتواضع للعلم ويطلبه من أهله، ولا ينبئك مثل خبير،
[القاعدة الثالثة] : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان :
(أ) عند تدبر قول الله تعالى : {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد : 3}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)) ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمال منزه عن أن تحكمه قوانين المكان ولا الزمان، {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان، {وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} تنزيه عن المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان.
(ب) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث، كان قبل خلقه عدما ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما. (ت) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : {الله خالق كل شيء}، ومن جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان.
(ر) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء.
(ز) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد.
(س) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان.
(ظ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون.
وهنا يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات، ومن ذلك الاستواء وفهمهم السقيم المبتدع أنه استواء الذات على العرش، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على القرب، كقوله تعالى : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، فلم لا تحمل على قرب الذات، قالوا : القرب قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على الاحاطة، كقوله تعالى : {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} فلم لا تحمل على إحاطة الذات، قالوا : الاحاطة : إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، قلنا : فما الاشكال أن نحمل الاستواء على استواء الصفات من صفات التدبير والتسخير والملك والقهر والهيمنة والربوبية للعالم، إذن الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها أهل الحشو التجسيم على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا : مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى : (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير، وقال تعالى : {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 2 إلى 5]، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير لقرينة الخلق في قوله تعالى {خلق السموات والأرض}، ثانيا : جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى (المعية)، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء، لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد.
وقد يتمسك الحشوية بالمتشابهات، في اثبات الفوقية الحسية من فهمهم السقيم لقوله تعالى : {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل : 50]، وفي الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى : {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف : 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر : 10]، وهو مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف : 206] , المراد من العندية هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك : 16]، الآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى المكانة والصفات لا الحيز والمكان، , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول : فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، وقد اجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان، لو أريد معنى على السماء، لكان اللفظ أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله : {من في السماء} لو اريد علو المكان.
ولذا قال القاضي عياض : (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله (ءأمنتم في السماء) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم) أهـ ([142]) .
ولكن ماذا نفعل وقد ابتليت الأمة بأهل الحشو الذين يدعون المحكم ويلهثون خلف المتشابه الذي حذرنا كتاب الله من تتبعه بقوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، وقد علمنا حبر الأمة الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ((اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل))، أن حمل المتشابهات وان نردها إلى أمهاتها من المحكمات، ولذا كان يقول رضي الله عنه أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون المتشابه، ولما سئل عن قوله تعالى : {يوم يكشف عن ساق}، كان من قوله : يكشف عن شدة وكرب، تقول العرب : كشفت الحرب عن ساقها، ولا ساق لها وإنما هو الكرب والشدة، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث ((أين الله)) في صحيح مسلم،([143]) . وحديث الجارية له روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة صحيحة، الأولى بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) والثانية بلفظ (من ربك) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ (أين الله) لإثبات الإيمان، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم : الامام الحافظ البيهقي في كتابه الأسماء والصفات للبيهقي والحافظ ابن حجر العسقلاني : قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه ([144]) . وخلاصة الأمر : أن الحديث جاء صحيحا بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، ([145]) . وجاء بلفظ (من ربك) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان،([146]) . والرواية الثالثة بلفظ (أين الله)، أخرجها الإمام مسلم، ،([147]) .
والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها، إذن قد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنّ لفظ (أين الله) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان، كما أنّ لفظ (أين الله والجواب بأنه في السماء) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره، كما أنّ لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم، (تنبيه) من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم.
[القاعدة الرابعة]: تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء، وتنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق :
(أ) الله تعالى هو الأول الآخر القديم الباقي، لا يقبل الحدوث أو التغير أو الأفول، وكل ذلك نقص يتنزه عنه جناب القديم بذاته وأسمائه وصفاته، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، ولو قبل الحدوث لكان جزء منه حادث، والحادث مخلوق، والخالق منزه عن أن يكون شيء منه مخلوق، والقديم منزه عن أن يكون شيء منه حادث، وهو الأحد الذي لا تتجزأ ذاته، كما أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات والأسماء والصفات، فهو سبحانه الأزلي القديم بجناب ذاته، منزه عن الحدوث إذ ليس لوجوده ابتداء، وهو سبحانه الأبدي الباقي بجناب ذاته إذ ليس لوجوده انتهاء، هو الأول فليس قبله شيء، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث وحلول الحوادث نقص يتنزه عنه كمال الذات، ويوجد في الحديث الصحيح ما يدل على اسمه القديم، ففي سنن أبي داود من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ قَالَ : ((أَعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)) ([148]) .
والسلطان القديم لا يكون إلا لمن كان قديم الذات والأسماء والصفات، هو الحي الذي لا يموت، له سبحانه كمال الحياة، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء ((الاول فليس قبلك شيء))، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء ((الآخر فليس بعدك شيء)).
(ت) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب : {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام : 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر : {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}،، ثم قال في حق الشمس : {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام : {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام : 78، 79].
ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، (د) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث ((النزول)) في صحيح البخاري]، وللرد عليهم نقول : للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها : منها قوله تعالى : {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وقوله تعالى : {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، وللنزول الحقيقي الذي يتبناه أهل الحشو لوازم فاسدة : من تلك اللوازم : (اللازم الأول) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، (اللازم الثاني) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (اللازم الثالث) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، (اللازم الرابع) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند أهل الأصول المتخصصين في العقيدة.
(خ) حل إشكالية حديث النزول : أخرج النسائي حديث النزول بلفظ : ((إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)) ([149]) .، وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر، وقد قال الشافعي حدثت أهل مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت حتى يفهموا كلامي، وليس معنى ذلك أنه نزل من مكان عال إلى مكان أسفل ولكنها البلاغة.
[القاعدة الخامسة]: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق :
[1] (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها.
(ب) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه، والجسمية تعني قابلية الانقسام والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث.
(ث) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة.
(ج) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام.
[2] {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة، و(الأحدية المطلقة) توحيد في نفس جناب الذات وهي تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وبالتالي تعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى (أحد) له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها التي لا انفكاك للجسمية عنها من الصور والأشكال والأطوال والاوزان والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى أحد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء و كل ما ورد في الشرع مما يوحي بالصورة أو الجارحة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، {اللَّهُ أَحَدٌ} معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، هذا هو الأصل الأول الأحدية المطلقة لله، (الأحدية المطلقة) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا أو الفكر فيها لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، والأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والاحجام لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدود.
والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء، وكل ما ورد في الشرع مما يوحي بالصورة أو الجارحة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، ومثال ذلك: الوجه واليد والعين في (اللغة) اجزاء من ذات وليست صفات، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو (الجزئية والبعضية) لان الله تعالى ليس كمثله شيء، له الأحدية المطلقة، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، إذن: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات، وألفاظ (اليد والوجه والعين) متشابهات لأنها في اللغة أجزاء من ذات، والله تعالى له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الاجزاء والابعاض، و {اللَّهُ أَحَدٌ} معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، تقدس الله الأحد الصمد الذي له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة والتي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالحدود والمقادير ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
[3] كل المخلوقات متماثلة في صفة الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، و (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، ومن خصائص الأجسام كذلك انها تخضع لجريان الزمان، فيجري عليها الزمان بماضيه وحاضره ومستقبله لا انفكاك لها عن قهر الزمان، ومن خصائص الأجسام كذلك أنّ لها صورا وأشكالا خصها بها خالقها عز وجل، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها تقبل الانقسام، وانها تتكون من الجوارح والأجزاء والأعضاء، وتقبل التحيّز والاختصاص بالجهات، ويقهرها التغير والحدوث، و(الجسمية) تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر في اثبات وجوده، والمحتاج فقير لا يكون إلها البتة، والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، و(الجسم) مادة، والمادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والزمان والمكان والصور والاشكال، والحركة والسكون وذات الله تعالى ليس كمثله شيء، لا تسري عليه قوانين المادة، هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا قوانين المواد، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها.
ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة قليلة هم أهل التجسيم، الجاهلون بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها، لأنه كما تقدس جناب ذاته عن الحد تقدس عن الكمية وعن الجسمية ولوازمها من الحجم والكتلة والوزن والمقدار والامتداد في الافاق وقبول الجهات الست والصور والأشكال تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والعجز عن الادراك هو مقصود هذا العلم ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد.
[4] الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] قال المفسرون أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية، وقوله تعالى {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [سورة البقرة: 22]، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل.
[5] الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، تقديس لله عن الجسمية وهي تقديس لله عن لوازم الجسمية كذلك، ولوازم الجسمية ما اكثرها وأبرزها التقيد بالمكان والزمان، والتقيد بالحدود والمقادير والتقيد بالصور والأشكال، والحدود والاركان والاعضاء والادوات ومن ولوازم الجسمية كذلك التجزؤ والانقسام، وقبول الكيفيات من الأطوال والأعراض والأحجام والصور والأشكال، ومن ولوازم الجسمية كذلك الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال، والحد والنهاية والتغير والحوث والله تعالى ليس كمثله شيء مقدس عن الحد والنهاية وعن التغير والحدوث فأني ان يتصل المحدود بالمقدس عن الحدود، وأنى أن يتصل المحدث بالقديم وانى أن يتصل الفاني بالذي له البقاء، وأنى أن يتصل الواجب الوجود الذي له الوجود الذاتي الازلي بممكن الوجود، الذي له العدم والفناء.
ومن ولوازم الجسمية كذلك التجاور والتباين والتحيز والاجتماع والافتراق والدخول والخروج، والله تبارك وتعالى منزه عن كل لوازم الجسمية، وعن الحركة والسكون لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، لأن الحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، تقدس عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات الأجسام المخلوقة، الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، ومنها كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته، والندم والتردد على معنى التغير في ذاته، والله تعالى منزه عن أي معنى من معاني الجسمية ولوازمها التي لا انفاك لها عنها.
[6] من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: قوله تعالى: {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وقوله تعالى {لا إله إلا هو الحى القيوم}، والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه، وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق، وقوله تعالى {القدوس السلام} والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه القدوس سبحانه، وهي (الجسمية) ضد الكمال الذي يتصف به ذات القدوس، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والسلام عز وجل هو الذي سلم من جميع النقائص والعيوب والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه السلام سبحانه، والسلام عز وجل هو الذي سلم ذاته عن المثل والسمي والشبيه، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام، والسلام هو الذي سلم ذاته عن أن يكون له مثيل أو شبيه.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مُقدَراً مُتناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور، والبارئ أي المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، فوجود الأجسام المقدرة المخلوقة دليل على خالقها وباريها الذي قدرها وأخرجها من العدم إلى الوجود، وهو المصور الذي ركب الأجسام على الصورة التي شاءها وأرادها، قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تكون إلا للأجسام والصور من خصائص الاجسام، والصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، وجل المصور سبحانه أن يكون مُصَوَرا، وجل الخالق البارئ المصور ان يكون جسما مقدرا مُصَوَرا.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الأول والأخر والظاهر والباطن}، (هو الأول والأخر) مع شرحه صلى الله عليه وسلم للآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) [أخرجه مسلم]، فهذا يقتضى أن يكون جناب الذات الإلهي منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون (الجسم) أولا بلا ابتداء أبدا، إذ لا بدل له من بداية، و (الظاهر والباطن) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {ولا يحيطون به علماً} وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان العلم محيطاً به فإن قيل: لماذا لا يجوز أن يقال أنه وإن كان جسماً لكنه جسماً كبيراً فلهذا المعنى لا يحيط به العلم؟ قلنا: لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسموات ولا بالجبال ولا بالبحار فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط بأطرافها والعلو لا تصل الى تمام أجزائها ولو كان الأمر كذلك لما كان في تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة، وقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان الإدراك بالأبصار محيطاً به حتى لو كان جسما كبيرا.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق: 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول، وقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب} ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: أنّ الجسم هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق، وعند إضافة البعد الزماني إلى الأبعاد الثلاثة المكانية، يكون الجسم مقهورا بالمكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، وهو ملازم للتركيب لا مفر له عن التركيب، والمركّب محتاج إلى أجزائه، والمحتاج ممكن الوجود لا واجبه، والممكن لا يكون إلها خالقا مدبّرا تنتهي إليه سلسلة الموجودات، وبالتالي يتقدس الله عن الجسمية.
ومن أدلة التقديس عن الجسمية كذلك: أنّ كل جسم محتاج إلى الحيّز والمحل، والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب، والممكن لا يكون إلها، لأنّ الإله واجب الوجود لذاته، فوجب تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازمها التي لا انفكاك للجسمية عنها.
[7] تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية: معناه تنزيه الله عن الصور والاشكال لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: (جناب الذات الإلهي) مقدس عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، و(الصور) لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور {ليس كمثله شيء}، و (الصورة) تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، وتنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية معناه تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: فالله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث، فليس بمركب.
[القاعدة السادسة]: تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق: (أ) ذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة.
(ب) الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، (ت) الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث.
وسيأتي ذكر ذلك بالتفصيل في المبحث العاشرفي ص 331.
[القاعدة السابعة]: تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق : (أ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1)، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء، قوله تعالى (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) قوله تعالى (أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، وقوله تعالى (الله الصمد) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا (إليه) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، وقوله تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) نفي للمثلية كقوله تعالى (ليس كمثله شيء) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، وقوله تعالى (والله الغنى وأنتم الفقراء) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه.
وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم]،
وسيأتي ذكر ذلك بالتفصيل في المبحث العاشر في ص 242.
[القاعدة الثامنة]: تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق : (أ) المقصود بالأعراض مثل الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح التي تتصف به ذات المخلوق، والمقصود بالكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة.
(ب) الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية، ومنزه وأي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث.
(ت) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن.
[القاعدة التاسعة]: تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق : وبيان ذلك : (أ) ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر، والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا، (ب) أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين.
[القاعدة العاشرة] : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق:
(أ) الله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث.
وبعد فتلك بعض قواعد التقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس، أخترتها من بين أربعين قاعدة ذكرها السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية في كتبهم تقديسا لجناب ذات الله تعالى عن مشابهة خلقه، {ليس كمثله شيء}، {ولم يكن له كفوا احد}، ولم يفتهم ان ينبهوا على عدة أمور تساعد على فهم التقديس، منها:
(الامر الأول): دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه : لأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى : {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء : 192 إلى 195]، ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها، ومن ذلك : التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى : {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة : 257]، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران : 103]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى : {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى : 52]، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى : {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء : 215]، ومعلوم أنّه ليس للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران : 159]، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67} [التوبة : 67]، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة : 64]، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى : {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور : 48]، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، والتعبير عن الذات بالوجه، كما في قوله تعالى : {إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص : 88]، وقوله تعالى : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن : 26 ‘ 27]، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، سبحان الله وتعالى عما يصفون، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فهذا ما يتعلق بالأمر الأول : ألا وهو : ان دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه.
و(الامر الثاني) : خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه] :
(أ) قال القرطبي رحمه الله – في درة من كلامه – :” اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته ((المجسمة)) الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك ” أهـ([150]) .
(ب) هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، منها قوله تعالى : {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى : {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ} واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ علم الله تعالى قديم، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، قال تعالى، {وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} ”
(ت) وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، منها قوله : {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة : 67] واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى.
(ث) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، منها قوله تعالى : {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن : 31]،واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، والمعنى : {سنفرغ لكم} أي سنحاسبكم ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة.
(ج) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم : 27]، وقوله تعالى : {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم : 9]، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، والمعنى : أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء.
(ح) (خ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، ومن هذه الآيات قوله تعالى : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة :]، واعتقاد هذا الظاهر ضلال، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومنزه عن القرب الحسي الذي تتصف به المخلوقات، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة.
(د) وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى استوى على عرشه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها كما ذكرناها في الحلقة السابقة : بأن الاستواء المقصود هو استواء الصفات، صفات الربوبية والملك والتدبير والقهر والتسخير والهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
(والأمر الثالث): بيان طرق الراسخين في العلم، فيما يتعلق بالصفات الخبرية كالوجه واليد والعين والاستواء ثلاث طرق لا رابع لها، (الطريق الأول) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة، (والطريق الثاني) حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات، (والطريق الثالث) تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها (الذي هو الجزء من الذات) مع تنزيه الله تعالى عن النقص، ووضحوا أنه لا شك في أهمية تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس، وذلك لأن دراسة قواعد التقديس تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه : 110]، وقوله تعالى : {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} [الأنعام : 103]، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم قواعد علم التقديس (علم توحيد الذات) الذي هو أشرف العلوم، وهذا العلم العظيم هو من جملة العلوم التي ادى غيابها عن الطائفة المتمسلفة إلى وقوعهم في بدع الحشو والتجسيم، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
***
المبحث العاشر جهود السادة الأشاعرة والماتريدية في رد الآبات المتشابهات التي استدل بها المجسمة والحشوية والمشبهة على مذهب التجسيم وردها إلى محكماتها دفاعا عن علم التقديس والتنزيه واثباتا لمذهب أهل السنّة والجماعة في باب التقديس
(أولاً)
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية في بيان مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها ذكر الوجه واليد والعين والساق
[المفتاح الاول]: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا: قال تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} [محمد: 38] ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله التي رواها أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي (ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه ..ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع) ([151]) .
وجاء فيه أيضا: ” لا يجوز أن يسمى جسما وأنكر (أي الإمام أحمد) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الأسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل ” أهـ ([152]) .
وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات: ” باب في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات… إلى أن قال: وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية إنه جسم قال: وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم، تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) [النساء: 171] “ ([153]) .
[المفتاح الثاني]: [مجاز الوجه في القرآن] المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها: قوله تعالى {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أهل الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم، ومنه قوله تعالى (وكان عند الله وجيها) أي ذا منزلة عند الله، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين، وكذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}[المائدة: 108]، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه، وكذلك قوله تعالى: {اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} [يوسف: 9]، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام، وكيف يخلو هذا الوجه؟ ومن أي شيءٍ يخلو؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم، وقوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج: 11]، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة)خسر الدنيا والآخرة، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة، وكذلك قوله تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[البقرة: 112].
فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله، (قلت): وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة.
[المفتاح الثالث]: [مجاز اليد في القرآن]: والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}، فهل للقرية يدين؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها، وقوله تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة؟، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، هل للرحمة يدين؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه، وقوله تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، هل للعذاب يدين؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب، وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}، هل للنجوى يدين؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، وقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
(قلت): توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد (بما كسبتم وكسبت أنفسكم)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم، ومثاله (وما ملكت أيمانكم) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين، وقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر، فهذا لا يقوله عاقل، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى، وقوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان}؟ قلت: ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبعض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات.
وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد)، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال {بيدي} قلنا بلي قال العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد} وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة} وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه، فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته، وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها، وهذا الوجه مقبول ضمناً، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، قال تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه {وما يعلم تأويله إلا الله} {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل.
[المفتاح الرابع]: [وأما مجاز العين في القرآن]: فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح الخامس]: وأما [مجاز الساق في القرآن]: ]: (الساق): في مجاز اللغة يحمل على الشدة و الكرب: تقول العرب: قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها، والآية التي ذكرت فيها الساق قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، والحديث الذي ذُكر فيه الساق مضافا إلى الحق تعالى: أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري الحديث نفسه، وفيه: (فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه، فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا) ([154]) .
والملاحظ أنّ الآية: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} بصيغة المبني للمجهول، وحديث البخاري: (فيكشف عن ساقه) بصيغة المعلوم، وقد نص الحافظ ابن حجر في الفتح نقلا عن الحافظ الاسماعيلي وأقره: (وأما لفظة ” ساقه ” بإثبات الهاء فهي لفظة غير محفوظة) ثم قال الحافظ ابن حجر: (وهو من رواية سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم فأخرجها الإسماعيلي كذلك ثم قال في قوله ” عن ساقه ” نكرة . ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: (يكشف عن ساق)، قال الإسماعيلي: هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة، لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك ليس كمثله شيء) أهـ ([155]) .
وقد تأول الصحابة والتابعين لكلمة (الساق): أخرج شيخ المفسرين الطبري في تفسيره بسنده: ” 1) عن ابن عباس: يوم يكشف عن ساق قال هو يوم حرب وشدة، 2) عن ابن عباس يوم يكشف عن ساق قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق، 3) وكان ابن عباس يقول يكشف عن أمر عظيم ألا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق، 4) عن ابن عباس قوله يوم يكشف عن ساق يقول حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه، 5) عن ابن عباس قوله يوم يكشف عن ساق هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة، 6) عن مجاهد قوله يوم يكشف عن ساق قال شدة الأمر وجده، 7) عن مجاهد قوله يوم يكشف عن ساق قال شدة الأمر، 8) عن سعيد بن جبير قال عن شدة الأمر، 9) عن قتادة في قوله يوم يكشف عن ساق قال عن أمر فظيع جليل، 10) عن عكرمة في قوله يوم يكشف عن ساق قال هو يوم كرب وشدة “ ([156]) .
(قلت): وليس الطبري وحسب ولكن كل المفسرين المحسوبين على أهل السنّة والجماعة، عدا أهل الحشو والتجسيم وهم أقل قليل، وانظر – خشية الإطالة – البرهان للزركشي في علوم القرآن والإتقان في علوم القرآن للسيوطي وتفسير الثعالبي وتفسير الواحدي وتفسير أبي السعود وتفسير النسفي وروح المعاني للألوسي وقال فيه: (ذهب بعضهم إلى أن المراد بالساق ساقه سبحانه وتعالى وإن الآية من المتشابه واستدل على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا وأنكر ذلك سعيد بن جبير أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه سئل عن الآية فغضب غضبا شديدا وقال إن أقواما يزعمون أن الله سبحانه يكشف عن ساقه وإنما يكشف عن الأمر الشديد وعليه يحمل ما في الحديث على الأمر الشديد أيضا ” أهـ، ([157]) على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى (وجه وعين ويد وساق) ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا يعلم حقيقتها إلا الله، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، قال تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه {وما يعلم تأويله إلا الله} {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل،
[المفتاح السادس]: أثبت بعض علماء أهل السنة والجماعة بالآيات صفات لله تعالى (وجه وعين ويد وساق)، ولكنها صفات غير معلومة وليست اجزاء من الذات: الوجه واليد والعين في اللغة اجزاء من ذات وليست صفات، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو (الجزئية والبعضية) لان الله تعالى ليس كمثله شيء، له الأحدية المطلقة، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، إذن: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات.
[المفتاح السابع]: [المدرسة السلفية المعاصرة والتجسيم]: للأسف تبنت المدرسة السلفية المعاصرة منهجا مخالفا لمنهج السلف في باب الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين، حيث اوهموا الناس بان الوجه واليد والعين صفات محكمة لله تعالى مثلها مثل صفات العلم والقدرة والسمع والبصر، ثم أوهموا الناس أن من فرق بينهما فهو معطل، وأنه من شر الفرق، ثم كانت الطامة عندما زعموا أنها صفات أعيان، ولا معنى للأعيان في اللغة إلا الأجزاء، فكأنها دعوة إلى التجسيم، نسأل الله تعالى ان يهدينا للحق والصواب، وكل ذلك اتباعا للشيخ ابن تيمية في هذا الباب، وعند التحقيق نجد انّه تورط في مغالطات آلت به إلى ترجيح مذهب التجسيم على مذهب التقديس، حيث كان رحمه الله يلهج لسانه وقلمه دائما بذكر الصفات الخبرية (الوجه واليد والعين)، ولكنه – لكونه غير متخصص في الإلهيات ومعرفة ما يستحيل نسبته إلى الله العظيم – ارتكب في ذلك أربع مغالطات.
(المغالطة الأولى): زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات، لان هناك فرق بين الصفات وبين اجزاء الذات التي ترسم شكل الذات، الصفات كالعلم والقدرة والسمع والبصر، هذه صفات لا خلاف في ذلك، ولكن الوجه واليد والعين (في اللغة) أجزاء من ذات وأبعاض من الذات ترسم شكل الذات، وليست صفات، فكان هذا من التدليس الذي لا يصح، لأن من أظهر صفات الأحدية المطلقة منع الأجزاء والابعاض، ومن أظهر صفات الصمدية المطلقة منع التركيب من الأجزاء والابعاض، مع انّ كل طالب علم في مدارس الأصول يعلم أنّ تسميتها صفات هو من باب المجاز، لأنها في اللغة اجزاء من ذوات، فليس الوجه واليد والعين سوى أجزاء ترسم شكل الذات، والله تعالى له الاحدية المطلقة التي تمنع من الكثرة وقبول الانقسام، فتسميتها (صفات) هو من باب المجاز، وقد سماها بعض السلف صفات، احترازا من الظن بانها أبعاض من الذات، ولكن عاد ابن تيمية فسمها صفات اعيان، فعادت لا معنى لها سوى الأبعاض.
(المغالطة الثانية): أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام، بل هي متشابهة لأسباب عديدة، من تلك الاسباب: (أ) أن معانيها في اللغة هي الأجزاء والابعاض، وليس الصفات (ب) هذه الألفاظ لا تعود إلى أسماء حسنى، فالقدير يعود إلى صفة القدرة، ولكن الوجه والبد والساق لا ترجع إلى اسم من الأسماء الحسنى، (ث) لم يأت نص في القرآن يشير إلى كونها محكمة، فالمحكم نعلمه من مثل قوله تعالى {فاعلموا ان الله سميع عليم}، و من مثل قوله تعالى {إن الله على كل شيء قدير}، بالتأكيد على صفة القدرة، وكل ما جاء في آيات الوجه واليد والعين أخبار لا تحمل معنى التأكيد، كما أن استعمالها له مجاز معلوم في لغة العرب وهي دائما مصحوبة بقرائن تحتم حملها على المعنى المجازي وسيأتي بيان ذلك، (ت) استعمالها في اللغة على أنها أبعاض من ذات، والأحدية المطلقة تمنع من قبولا الأجزاء والابعاض، والاحدية محكمة لانها تعدل ثلث القرآن، فما عارض الاحدية متشابه لا مناص من ذلك،.
وكل طالب علم في مدارس الأصول يعلم أنّ من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الجوارح والاجزاء والابعاض وعن الصور والأشكال، قوله تعالى: {قل هو الله أحد}، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان له صورة أو جارحة، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال،، الأحدية تمنع من تصور الكثرة في جناب الذات أبدا ولا حتى تصورها أو الفكر فيها لأنه سبحانه ليس كمثله شيء هناك فرق في المعني بين اسم الله الأحد واسمه الواحد، الله واحد لا شريك له، والله احد لا جزء له، و(الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، (الأحدية المطلقة): تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى أحد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء.
(المغالطة الثالثة): أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم، قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل صفات عينية،: (كلام الصحابة في إثبات الصفات العينية الخبرية التي تسميها نفاة الصفات تجسيما أكثر من أن يمكن سطره هنا) [درء العقل والنقل]، ومعنى كلامه: أنّ الصفات الخبرية (اليد، العين، الوجه, الأصابع، الساق، الحقو هي عبارة عن صفات عينية أي ليست معنوية وإنما أعيان، ولا معنى للأعيان إلا أن تكون أجزاء من جناب الذات، وليس لها معنى غير ذلك، لأن اليد غير العين والعين غير الساق والساق غير الحقو وكل من هذه أعيان، فوجود أكثر من عين يدل على التركيب لا محالة، والتركيب تجسيم لا محالة، مع انّ كل طالب علم في مدارس الأصول يعلم: أنّ كل ما ورد في الشرع مما يوحي الجارحة أو الصورة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، ومثال ذلك (الوجه) فنحمله على جناب الذات أو رضا الرب، إذ العرب يقولون نريد وجهك ويقصدون ذاتك أو يقصدون رضاك، وقوله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله}، اسلام القلب هو الاهم، وعلى ذلك يحمل (الوجه) في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27]، فلا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، والمعنى كل شيء هالك إلا جناب الحق أو ما أريد به رضا الحق، وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم ضال.
(المغالطة الرابعة): أنه اتهم من تأولها بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم، أربع مغالطات لابد من التفطن إليها وحل مشكلاتها، مع انّ كل طالب علم في مدارس الأصول يعلم: أنّ اتهامه هذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم، إذ لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وهو من الفقه في الدين ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه التأويل.
ومن الأدلة الشرعية على جواز التأويل بضوابطه الصحيحة: هناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل وانه من باب الرسوخ في العلم:
[الدليل الأول]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة فقال (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ([158]) .
و[الدليل الثاني]: والجماعة أما (التأويل الصحيح بضوابطه)، فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([159])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([160])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([161])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([162])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([163]) .
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
و[الدليل الثالث]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل، هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الأزلية الكاملة، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) } [فصلت: 54] .
وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر باطل، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء.
وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال وحشو وتجسيم، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء بل هو تكييف وتجسيم وحشو وضلالة، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للأجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله.
إنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: ولذلك يضطر منكروا التأويل أنفسهم إلى التأويل، يؤولون عند التعارض، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل، ومن ذلك اضطرار ابن تيمية لتأويل المعية في قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} بالعلم، بقوله: (مطلع عليكم، عالم بكم)، وقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار (لا تحزن إن الله معنا) فقد تأوله بالنصر والتأييد، زاعما أن هذا هو التفسير، والنتيجة واحدة وهي التأويل، (تأويل المعية)، فيكون ابن تيمية هنا قد اختار في الحقيقة مسلك التأويل، ومن الأمثلة على تأويل ابن تيمية قوله في الآية الكريمة: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، قال: (هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله) انتهى.، وهذا تأويل لأن ظاهر اللفظ يدل على إسناد القرب إلى الله عز وجل وتفسيره بقرب الملائكة صرف للفظ عن ظاهره، فلماذا يمنعون أهل السنة مما يقومون هم به؟ ولم لا يقال في هذا الصرف إنه تعطيل لم وصف الله تعالى به نفسه كما يتهمون أهل السنة إن أولوا نصا مشابها؟ وما الفرق بين هذا وبين تأويل أهل السنة لقوله تعالى: {جاء ربك} أي جاء أمره؟، ومن تأويل ابن تيمية أيضا ما ذكره عند قول الله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}، قال: واليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل! فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل وأخبر أن يديه مبسوطتان.
و[الدليل الرابع]: يلجأ علماء الأصول إلى التأويل: لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات.
و[الدليل الخامس]: التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في: (أ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية، (ب) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين، (ت) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا، (ث) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر، (ج) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ، (ح) أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم، و الله عز و جل يقول: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]. فتلك ضوابط التأويل عندهم، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء في نفوسهم كمجرى الدم في العروق.
لقد أراد ابن تيمية أن ينصر مذهب السلف ولكنه لم يدرس الإلهيات على متخصص، ووثق بنفسه، وهجم على هذا العلم بغير مدرس فآل به الحال إلى اعتناق مذاهب الحشوية، وهؤلاء (الحشوية) أهل جهل مركب في باب العقيدة ينسبون إلى الله تعالى الحد والمكان والصور والاشكال والتغير والحدوث، ومذهب هؤلاء الحشوية المبتدعة: تحديد الوجود الإلهي المطلق وتكييفه، مع انهم يقولون بلا كيف، ولكنهم يكيفون الوجود، ويحدونه بجهة واحدة من جهات الكون المخلوق، وقالوا بسبب هذا التكييف الذي وقر في قلوبهم: أنّ الله تعالى موجود (بذاته) على عرشه، فكيفوا جناب الذات وحدوه بالمكان وحدوه بالعرش المحدود، وهؤلاء يعتقدون أنه تعالى متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يقابل العرش بظنهم، وأشنع بدعهم قولهم بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث، وذهلوا عن دليل الخليل إبراهيم عليه السلام {لا أحب الآفلين}، أي ان علة عدم الصلاحية للإلهية هي التغير وقبول الحوادث، وديدنهم الحديث حول ما يتوهمون انه شكل للرحمن، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، يكثرون الحديث عن الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ولا يبقى لنا بعد تلك العقائد الزائغة شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتقديس.
و(المصيبة) أنهم يتدثرون بلباس أهل السنة وهم منها عراء، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء، وهم -للأسف- قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم دائما بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه على الحقيقة لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتتبع لهذه للمتشابهات: باب الصورة باب الوجه باب اليد باب اليمين باب الأصابع، باب الأنامل، باب العين، باب الساق، باب الضروس واللهوات، باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، قال العلماء: قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، لقد تسربت إلى (السلفية المعاصرة) مفردات الحشو القديمة، حتى لا تكاد ترى سلفيا معاصرا إلا وهو متأثر ببدعة الحشو والتجسيم، نسأل الله السلامة.
***
(ثانياً)
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية
في بيان مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها السماء والفوقية والعلو والعروج والصعود والتنزيل
[المفتاح الاول]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الأول: التصريح بالفوقية مقروناً بأداة (من) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وفي الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل، قال القرطبي: (ومعنى يخافون ربهم من فوقهم أي من عقاب ربهم وعذابه لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء وقيل المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم ففي الكلام حذف) أه ([164]) .
وقال بن جهبل وهو يرد على مثبت الجهة: (وأردفه بقوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم وتلك أيضا لا دلالة له فيها عن سماء ولا عرش ولا أنه في شيء من ذلك حقيقة، ثم الفوقية ترد لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به من لا يجسم وبتقدير أن يكون هو المراد وأنه تعالى ليس لجسم فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة ل يخافون ويكون تقدير الكلام يخافون من فوقهم ربهم أي أن الخوف من جهة العلو وأن العذاب يأتي من تلك الجهة، وثانيهما: بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير وكما يقال جلس فلان فوق فلان والعلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة وقد وقع ذلك في قوله تعالى {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} ولم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر ومن ذلك قوله تعالى {وإنا فوقهم قاهرون} وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم) أهـ ([165]) .
[المفتاح الثاني]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثاني: ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة، قال تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير، قال القرطبي: (وهو القاهر فوق عباده القهر الغلبة والقاهر الغالب وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل قال الشاعر تمنى حصين أن يسود جذاعه فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب ومعنى {فوق عباده} فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد) أهـ وقال أبو السعود: (وهو القاهر فوق عباده أي هو المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة إلى غير ذلك) أهـ وقال الشوكاني: (قوله وهو القاهر فوق عباده المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية) أهـ وقال الألوسي: (وهو القاهر فوق عباده قيل هو استعارة تمثيلية وتصوير لقهره سبحانه وتعالى وعلوه عز شأنه بالغلبة والقدرة وجوز أن تكون الاستعارة بالظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس وقيل إنه كناية عن القهر والعلو بالغلبة والقدرة إن فوق زائدة وصحح زيادتها وإن كانت اسما كونها بمعنى على وهو كما ترى والداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة والله تعالى منزه عنها لأنها محدثة بإحداث العالم واخرجه من العدم إلى الوجود ويلزم أيضا من كونه سبحانه وتعالى في جهة مفاسد لا تخفي) أهـ ([166]) .
[المفتاح الثالث]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثالث: التصريح بالعروج إلى الله تعالى، كما في قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، قوله تعالى:{مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 3، 4]، فعند حمل متشابه المعاني على محكمها نجد أنّ معنى قوله تعالى: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} أي من الله تعالى ذي الفواضل والنعم والدرجات التي يمنحها للطائعين من عباده، وقد يكون معناه من الله تعالى ذي العظمة والعلاء، قال الطبري: (وقوله {ذي المعارج} يعني ذا العلو والدرجات والفواضل والنعم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله ذي المعارج يقول العلو والفواضل حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة من الله ذي المعارج ذي الفواضل والنعم) أهـ وقال القرطبي: ({من الله ذي المعارج}، أي ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم قاله ابن عباس وقتادة فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق وقيل ذي العظمة والعلاء وقال مجاهد هي معارج السماء وقيل هي معارج الملائكة لأن الملائكة تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك وقيل المعارج الغرف أي إنه ذو الغرف أي جعل لأوليائه في الجنة غرفا) أهـ [أما قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}، فعروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده تعالى أن يحويه مكان، وقد تقدم أنّ وجوده أزلي قبل خلق المكان، وأنّ المكان مخلوق محدود مهما اتسع، وأنّ الله تعالى لا يحويه مكان لأنّه خالقه وخالق العرش فمن دونه، قال الواحدي: (تعرج الملائكة والروح يعني جبريل عليه السلام إليه إلى محل قربته وكرامته وهو السماء) أهـ ([167]) .
[المفتاح الرابع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الرابع: التصريح بالصعود إليه: كما في قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، ]، قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10]، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم، قال الطبري: (قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} قال الحسن وقتادة لا يقبل الله قولا إلا بعمل من قال وأحسن العمل قبل الله منه) أهـ وقال البيضاوي: (وصعودهما إليه مجاز عن قبوله اياهما) أهـ وقال النسفي: (ومعنى قوله إليه إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود أو إلى حيث لا ينفذ فيه الا حكمه) أهـ وقال ابن الجوزي: (فالمعنى والعمل الصالح يرفعه الله إليه أي يقبله) أهـ ، ([168]) .
[المفتاح الخامس]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كما في قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، والمعنى في الآيتين: أي إلى مكان كرامته في السماء، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله، ولأنها منزهة عن معاصي العباد، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء، ليس مكان منها بعيد عن الله، وهو من جميع عباده قريب وفي تفسير الثعالبي: (وقوله تعالى بل رفعه الله إليه يعني إلى سمائه وكرامته وعيسى عليه السلام في السماء على ما تضمنه حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج) ([169]) .وقال ابن جهبل وهو يرد على المستدل بالآية على اثبات المكان لله: (وأتبعها بقوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك إلي}، وما أدري من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام أو هو شيء أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في العلو في الجهة فإن كان كما خطر له فذاك أيضا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية وإن لم يقل بهما فلا حقيقة فيما استدل به وإن قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة ولعله لم يسمع الرفع في المرتبة والتقريب في المكانة من استعمال العرب والعرف ولا فلان رفع الله شأنه) ([170]) .
[المفتاح السادس]: مفتاح حل اشكالية المتشابه السادس: التصريح بالعلو، كما في قوله تعالى:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سـبأ: 23]، وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]، وقوله تعالى: {سَـبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، ونقول المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: {قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى}، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي، وأنّه أعلى مسافة منه، وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع، وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها: (ونادَى أبو سفيان فقال (اعْلُ هُبَل) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم (الله أعلَى وأَجَلُّ)، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة، وهل إذا كان حراس الملك يحرسونه وهم في شرفة عالية، هل هم الأعلون أم أنّ الملك وإن كان في السفل أعلى منهم، لأنّه الملك الآمر الناهي، هذا على سبيل تفهيم الأمر وأنّه لا علاقة لعلو المكان في بيان الربوبية والإلهية، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض، والله تعالى قريب، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته،: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة، والمسلم حين يقول وهو ساجد . {سبحان رَبِّيَ الأعلَى}، معناه: سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً، سبحانه وتعالى، وليس المعنى أن الله تبارك وتعالى عالٍ بالمكان والحَيّز والجهة، وعلى هذا الحمل للمتشابه على المحكم أطبق المتخصصون في العقيدة والعلماء الراسخون في العلم، قال القرطبي في تفسيره: (ووصفه تعالى بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ ([171]) .
[المفتاح السابع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ…} [آل عمران: 7]، وقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2] وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22]، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ} [الدخان: 3]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، وقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، ولما أخرجه النسائي والحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم) ([172]) .
فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا.
[المفتاح الثامن]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]، وقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[الأنبياء: 19]، المراد من العندية في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ}، وقوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ}، هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان، قال القرطبي: (لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده عن الزجاج وقال غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل لأنهم رسل الله كما يقال عند الخليفة جيش كثير وقيل هذا على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة) أهـ وقال أبو السعود: {إن الذين عند ربك} وهم الملائكة عليهم السلام ومعنى كونهم عنده سبحانه وتعالى قربهم من رحمته وفضله لتوفرهم على طاعته تعالى لا يستكبرون عن عبادته بل يؤدونها حسبما أمروا به ويسبحونه أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه وله يسجدون أي يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيئا) أهـ وقال الشوكاني: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته المراد بهم الملائكة قال القرطبي بالإجماع قال الزجاج وقال: {عند ربك}، والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده) ([173]) .
(تنبيه):القصد من قوله: (والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده): أنّه قريب ليس كمثله في قربه شيء، وإلا فاللفظ المناسب هو أنّ الله تعالى منزه عن المكان لأنّ الأماكن كلها محدودة والله تعالى منزه عن الحدود، وقال النسفي: (أن الذين عند ربك مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة لا يستكبرون عن عبادته) ([174]) .
وقال ابن الجوزي، وهو يرد على حشوية الحنابلة في كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب: (الحديث الخامس والأربعون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضي الله الخلق كتب في كتابه – فهو عنده فوق العرش – إن رحمتي غلبت غضبي، وفي لفظ سبقت)، ([175]) . قال القاضي – يقصد به أبو يعلى -: ظاهر قوله عنده القرب من الذات، واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام، وقد قال سبحانه وتعالي ” مسومة عند ربك “) أهـ ([176]) .
وقال القاضي ابن جماعة – وهو يرد على مثبت المكان بالعندية بكلام رصين محكم يكتب بماء الذهب -: (الآية الخامسة قوله تعالى: {إن الذين عند ربك}، {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}.. {ابن لي عندك بيتا في الجنة}،.. {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته}، ورد ذلك في الحديث كثيرا كقوله: (أنا عند ظن عبدي بي)، (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي)، كل ذلك ليس المراد به عندية الجهة بل عندية الشرف والكرامة والإعانة والجبر واللطف، لا عندية الحيز والمكان فإن كون الرب تعالى عند الإنسان باعتبار الجهة والمكان محال بالإجماع) أهـ ([177]) .
[المفتاح التاسع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى علو الذات والصفات، لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء، تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ، ولما تقدم من اجماع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان، وقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم وقد قيل هو جبريل عليه السلام لأنّه الموكل بالخسف، أو يكون المعنى أأمنتم من في السماء: أي من في السماء أمره أو قضاؤه أو من في السماء (أي العلو) مكانته وقدرته وسلطانه، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى، وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها من صفات العجز والنقص، وإليك طائفة من أقوال الراسخين في علم العقيدة والمتخصصين فيها في فهم الآية ورد متشابهها إلى محكمه.
قال القاضي عياض: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}: أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم) ([178]) .
وقال القرطبي – في درة من تنزيهاته -: (تقديره: أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض، وقيل هو إشارة إلى الملائكة وقيل إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب، قلت: ويحتمل أن يكون المعنى أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون فإذا هي تمور) أهـ ([179]) .
وقال العلامة ابن الجوزي – وهو يرد على حشوية الحنابلة: (ومن الآيات قوله تعالي: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} قلت: وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق) أهـ ([180]) .
وجاء في إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: (وكذلك لا يصح أن يقال لمن هو فوق سطح يسع لدار عظيمة في وسطها من أسفل بيت صغير إنه في ذلك البيت مع أن نسبة العرش إلى السماء أضعاف أضعاف ذلك السطح بالنسبة إلى ذلك البيت، وأيضا فإن بعض الخصوم يقول إنه على العرش وقد قام الدليل القاطع عند العقلاء أن نسبة السماء إلى العرش وعظمته قليل جدا فكيف تسع مع لطفها بالنسبة إلى العرش من هو ملء العرش مع عظمته فإنه يلزم إما اتساع السماء أو تضاؤل الذات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، الثالث اعلم أن السموات كرية لقيام الدليل الحسي والنقلي على ذلك فإن كان في وجهها عندكم فقد جعلتموه كفلك منها وإن كان في جهة البعض فترجيح من غير مرجح، فإن قيل المراد بالسماء الجنس لا المسمى الجميع قلنا يلزم التناقض لأن العرش خارج السموات وقلتم إنه على العرش وأيضا يلزم التجزيء أو كونه متحيز داخلا في حيزين كما سيأتي في قوله تعالى: {وهو الله في السموات}، والكل محال تعالى الله عن ذلك، إذا ثبت ذلك تعين أن المراد إما ملائكة في السماء مسلطون على من شاء الله من الكفار لأن اللفظة تحتمله أو أن المخاطبين كانوا يعتقدون اعتقاد المجسمة فقيل لهم بحسب ما كانوا يعتقدونه في زعمهم أو أن المراد التعظيم وعلو الرتبة والقدرة أي من في السماء ملكوته وسلطانه وملائكته فيكون المراد بالسماء العلو والرفعة، فإن قيل في هاهنا بمعنى على كقوله تعالى: {في جذوع النخل}، قلنا هذا مردود لوجهين: أحدهما: أن ذلك خلاف الأصل وموضوع اللغة التي نزل بها القرآن وممنوع عند المحققين من نحاة البصرة بل هو على بابه لتمكنهم على الجذوع تمكن المظروف من ظرفه لآنهم لم يكونوا مستعلين عليها بل كانوا معها، الثاني لو أريد معنى على كان لفظه أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله: {من في السماء}) أهـ ([181]) .وقال العلامة بن جهبل وهو يرد مثبت المكان والجهة: (وأتبع ذلك قوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} وخص هذا المستدل من بالله تعالى ولعله لم يجوز أن المراد به ملائكة الله تعالى ولعله يقول إن الملائكة لا تفعل ذلك ولا أن جبريل عليه السلام خسف بأهل سدوم فلذلك استدل بهذه الآية ولعلها هي النص الذي أشار إليه) أهـ ([182]) .
[المفتاح العاشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، أقول وبالله التوفيق: جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) } [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85] وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء.
وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وجاءت الإحاطة في آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}[فصلت: 54]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}، فكانت هذه الآية بمثابة المفتاح لمعنى الإحاطة.
(الجميع) متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، والقاعدة العامة أن الذات غيب الغيوب لا يُدرك، فالقرب قرب صفات والإحاطة إحاطة صفات، والاستواء استواء صفات، لأن جناب الذات مقدس عن المكان لا يحتاج في وجوده إلى مكان، وكل الأماكن عنده سواء وهو قريب من كل خلقه ولا شيء منها عنه ببعيد، نحن اجسام نحتاج في وجودنا إلى المكان، يميننا يمين المكان وشمالنا شمال المكان، وهكذا تقهرنا الجهات الست، لا مخرج لنا من الكون في المكان، أما خالق المكان فلا يقهره شيء وهو القاهر فوق عباده، ولا يحتاج في وجوده إلى شيء، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء تدبير وملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وقد حاء المفتاح في موضعين من القرآن الكريم: (الأول): قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، و(الثاني): قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش)، الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى {وسخر}، وقوله تعالى {يدبر الأمر}، وقوله تعالى {بلقاء ربكم}، فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير.
(فائدة): جمع الله تعالى في سورة الحديد في آية واحدة بين الاستواء والمعية، فقال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، فجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالتدبير والربوبية والهيمنة والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بحمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
[المفتاح الحادي عشر]: فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان وذلك لأنّ: (أولا) الكون في المكان محال على الله، المكان محدث احدثه الله عندما خلق الكون، والذات الإلهي قديم، والقديم يقوم إلا بنفسه، لأنّه الحي القيوم لا يحتاج في وجوه إلى مكان، والمكان أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء، فلا يصح أن يحويه مكان، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله منزه عن الحد والحيز، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان، المكان محدث مخلوق والله تعالى له القدم الأزلي كان قبل المكان وهو على ما عليه كان، لا يلحقه تغير بمخلوقاته ولا تأثر بها.
(ثانيا): الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و (الاحدية المطلقة): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى في مكان.
(ثالثا): قوله تعالى (قل هو الله أحد) يعدل ثلث القرآن، ومعناه تقديس عن المكان، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا لأنه متبعض بعضه يكون بيمين المكان، وبعضه يكون بيسار المكان، ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، والحشوية لا يستندون لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان إلا بمتشابهات من الكتاب والسنّة، نهانا الله عن تتبعها، وقد اخبرنا الله أن الذين يتتبعون المتشابه في قلوبهم زيغ، أما أهل التخصص فهم الراسخون في العلم يردون تلك المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم القطعي من تقديس الله تعالى عن الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان، ورحم الله الإمام الطحاوي حين قال: (تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات ”
[المفتاح الثاني عشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثاني عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، ، لحديث الترمذي: (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين) ([183]) . وذلك لأن السماء قبلة الدعاء كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة، فترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، قال القرطبي: (الأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان) أهـ ([184]) .
وقال الحافظ الزبيدي: (فإن قيل: إذا كان الحقُّ سبحانه ليس في جهةٍ، فما معنى رفع الأيدي بالدعاء نحو السماء؟. فالجواب: من وجهين ذكرهما الطُّرْطُوشي: أحدهما: أنه محلُّ التعبُّد، كاستقبالِ الكعبةِ في الصلاة، وإلصاق الجبهةِ بالأرضِ في السجود، مع تنـزُّهه سبحانه عن محلِّ البيت ومحلِّ السجود، فكأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاء، وثانيهما: أنها لما كانَتْ مهبِط الرزقِ والوحيِ وموضعَ الرحمةِ والبركةِ، على معنى أن المطرَ يَنـزِلُ منها إلى الأرضِ فيخرج نباتًا، وهي مَسكنُ الملإ الأعلى، فإذا قَضَى اللهُ أمرًا ألقاه إليهم، فيُلقونه إلى أهل الأرض، وكذلك الأعمال تُرفَع، وفيها غيرُ واحد من الأنبياء، وفيها الجنةُ -وهي فوق السماء السابعة – التي هي غايةُ الأماني، فلما كانت مَعْدِنًا لهذه الأمور العِظام ومَعرِفةَ القضاءِ والقَدَر، تَصرَّفَت الهِممُ إليها، وتوفَّرَت الدواعي عليها) أهـ ([185]) .
***
(ثالثاً)
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية
في بيان مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها الاستواء
[المفتاح الأول]: عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة والكون في المكان، (الاستواء): استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن (القرب): في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن (المعية): في قوله تعالى {وهو معكم أيننما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا مكان ولا زمان، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد.
ويجب العلم بانّ الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، ويجب العلم بانّ القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، ويجب العلم بانّ الإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات، ويجب العلم بانّ الله تعالى وتقدس موجود بلا كيف، تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، ولا صورة ولا شكل ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ولا يقال أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون، والدخول والخروج، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك ادراك.
لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في (الإلهيات) المسائل المتعلقة بجناب الذات الإلهي: معرفة الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وتصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد جناب الذات، إنّ (جناب الذات الإلهي) تعالى وتقدس: غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، أما العلم بالله وتقديسه وتنزيه والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله وكماله المطلق، فهذا أشرف العلوم، وأحمد العلوم، وأحسن العلوم، لأنه العلم المتعلق بالله، إذ هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات، وهذه المعرفة من اعظم العلم، أما (المعرفة المستحيلة): هي الإحاطة علما بالحق سبحانه، والإنسان مهما أوتي من علم، علمه محدود لأنه محدود، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود، لقد ذكر الاستواء في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، فعند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل أهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعم به أهل الحشو من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
(فإن قالوا): فأين الله، قلنا إنّ الله لا يغيب، هو على العرش استوى وهو بكل شيء محيط وهو من كل خلقه قريب، كل ذلك بصفاته وافعاله، اما جناب الذات فلا يحق لنا الحديث عنه ولا تكييف وجوده في مكان دون مكان، لأنّه غيب الغيوب لا تدركه الابصار، ولا نحيط به علما، والعجز عن الإدراك مقصود الإدراك، وأما تلاعب أهل الحشو والتجسيم فتأولوا القرب بالعلم وتأولوا المعية بالعلم وتأولوا الإحاطة بالعلم ثم عند الاستواء قالوا بذاته، فمن أين أتوا بلفظ (بذاته) ولم يرد لا في كتاب ولا في سنّة، وإنما بما فهموه بعقولهم السقيمة التي لا تصلح إلا للتجسيم والتكييف ولا تصلح لاستيعاب التقديس ولا علم التقديس ولا قواعد التقديس.
[المفتاح الثاني]: آيات القرب والمعنى المراد منها: جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، وقوله تعالى: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61]،، وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50]،، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85] وما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير فدنا منا فقال: (يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) ([186]) . وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
(3) آيات الإحاطة والمعنى المراد منها: قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}.
[المفتاح الثالث]: آيات الاستواء والمعنى المراد منها: الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، لقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته.
(مفتاح فهم الآية الأولى التي ذكر فيها الاستواء): والمعنى المراد به: قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف 54-55]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية.
(مفتاح فهم الآية الثانية التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والاتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير.
(مفتاح فهم الآية الثالثة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى: {يدبر الأمر}، وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت.
(مفتاح فهم الآية الرابعة التي ذكر فيها الاستواء): قوله تعالى: {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه 4،5، 6]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الخلق في قوله ممن خلق الأرض والسموات، وقوله تعالى (له ما في السموات وما في الأرض) للدلالة على استواء الملك والتدبير أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، أما ما يزعمونه من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى عما يقولون علوا كبيراً، ومثال ذلك تسمية الكعبة ببيت الله والمساجد بيوت الله والعقلاء فهموا من هذه التسمية أن له بيتاً يجب على عباده حجة وبيوتاً هي المساجد يجب أن يعمروها وفهموا منها أنه سبحانه نصب لهم مواضعاً يقصدونها لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه، وإنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش، أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد، فكان قوله: (ثم استوى على العرش) أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال، فإن قيل: فإذا حمل قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً استواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض. قلنا: إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها، وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل، لأن إحياء زيد، وإماتة عمرو، وإطعام هذا و إرواء ذلك لا يحصل إلا عند هذه الأحوال، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال، صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع، ثم لا ننسى قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) [الحاقة: 17] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله. والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير.
(مفتاح فهم الآية الخامسة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان 59]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما فهو الخالق بالكون بما فيه وهو ربه ومدبره فسأل بذلك خبيرا، وثم تدل على التراخي والتأخر عن الفعل وتعلق الاستواء هاهنا واضح بالربوبية وما تستحقه من عبودية الخلائق فالله عز وجل خلق الخلق وأوجدهم من العدم ثم استوى استواء الرب لعباده ويدلنا على ذلك قوله تعالى في الآيات التالية وعباد الرحمن الذين يمشون هونا.
(مفتاح فهم الآية السادسة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة 4 إلى 7]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع).
(مفتاح فهم الآية السابعة التي ذكر فيها الاستواء): قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، والمفتاح: الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون، أولا: فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان ثانيا: قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء، ثالثا: قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شيء. وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء، والحاصل أن القول الفصل في الاستواء أنه على منهاج أهل السنة والجماعة، لا يخرج عن ثلاثة أقوال جميعها عند أهل السنة صحيحة، هي: (أولا): أنه من باب الاستعارة (وهي أعلى مراتب البلاغة عند العرب) كالملك إذا كان ذا هيبة ومكانة عظيمة في بلده يعبرون عن علو قدره بأنه على كرسي الملك استوى وإلا فالاستواء بمعنى الجلوس ليس فيه أي إشارة إلى الكمال لأن الجلوس يتقنه كل أحد، وعلى ذلك فالمقصود من الاستواء الدلالة على الاستعلاء والقهر وعلو الربوبية والتدبير بقرينة (يدبر الأمر)، والتي تعقب ذكر الاستواء عادة والله تعالى أعلم، وفي بيان تلك الاستعارة جاء في فتح الباري: ” قال الحافظ صلاح الدين العلائي: ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية وهي ان يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في اثبات المشترك قال وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسيم ” أ هـ ([187]) .
و(الثاني): أنه (استواء) على مراد الله تعالى ومراد رسوله، ليس كمثل استوائه استواء، كما أنه ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، و(الثالث): معاملة صفات القرب والإحاطة والاستواء معاملة واحدة، فإذا أثبتنا الاستواء أثبتنا القرب، وأثبتنا الإحاطة، وآنذاك، يمتنع التكييف لأنه جمع بين الأضداد.
(فائدة): [رأي المشبهة والجهمية في آية سورة الحديد والرد عليهم]: استدلت المشبهة من الآيات في سورة الحديد: على أنّ الاستواء استواء جلوس على العرش، واختلفوا هل بمماسة أو من غير مماسة، وهل بحد ونهاية أم من غير حد ونهاية، وهل إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أم لا، وكل هذه المصائب العقائدية أتت عليهم من تكييف الاستواء، وأنه يشبه جلوس الملك على كرسيه، وتناسوا أنه ليس كمثله شيء، واستدلت الجهمية من هذه الآيات: على أن الله تعالى موجود بذاته في كل مكان، فأنتصب العلماء أهل الأصول للرد على هذه بدعة وأوضحوا أن كلمة بذاته زيادة شنيعة زادتها زادتها الجهمية في دين الله، وأن الله تعالى قريب لا يغيب عنه مكان ولا يبعد عنه مخلوق ولكنه منزه عن الحلول بذاته في أي مكان، ثم ظهرت الحشوية وقالوا أن الله موجود في مكان دون مكان ومكانه العرش وقال بعضهم أن العرش مكانه وأنه أكبر من ذات الرحمن بمقدار أربعة أصابع استدلوا له بحديث لا يصح ولا يجوز أن نأخذ من مثله حكما في الوضوء والطهارة فضلاً عن حكم يتعلق بذات الرحمن فانتصب الأصوليون من هذه الأمة لهذه البدعة وفندوا أخطاءها وأظهروا عوارها وبينوا أن الأماكن كلها محدودة والله لا حد له وأن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان تنزه عن الحاجة إلى العرش وما دونه من المخلوقات حي قيوم قائم بنفسه قائم على حاجات خلقه ليس كمثله شيء له كمال الغنى سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو سبحانه كما أثنى على نفسه.
و(نحن): نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء كون الذات العلية مستوية مكاناً على العرش قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يماري فيه إلا جاهل مأفون، و(نقول) لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء إلى السماء أنه الانتقال من الأرض إلى السماء وذلك في قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم} [البقرة 29] أن تصورهم الاستواء بهذه الصورة محض باطل وجهل عظيم ووقاحة في الاعتقاد ومشابهة لليهود في التجسيم والنصارى في الإتحاد والحلول لأنه يدل على حدوث العلو بعد السفل تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا والمعنى الصحيح الذي عليه الأئمة المفسرون أنه سبحانه قصد إلى خلق السماء وليس صعد من الأرض إلى السماء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
[المفتاح الرابع]: استواء الله على العرش استواء صفات لا استواء ذات، لأن جناب الذات غيب لا يُدرك: الله تعالى غيب الغيوب لا يدرك، موجود بلا كيف، لا يجوز تكييف الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي، لا يغيب عنه شيء، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه وذاته، مقدس عن الغايات والحدود، وعن الكون في المكان المحدود، استواؤه استواء صفات، وقربه قرب صفات، وإحاطته إحاطة صفات، وأهل التكييف متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى (فإني قريب) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته (سبحانه) إنّ المنهج العلمي في معاملة النصوص يستوجب التساوي في فهم الآيات، فلم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، كما أنّ الإحاطة احاطة صفات العلم والسمع والبصر، وجناب الذات لا يدرك ليس كمثله شيء.
***
(رابعاً)
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية
في بيان مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها التغير والحدوث
[تمهيد]: (الحدوث): هو الوجود بعد ان لم يكن موجودا، وهذا صفة المخلوق لأنّه ممكن الوجود كان عدما فأوجده الله من العدم، والله تعالى هو الأول بلا ابتداء واجب الوجود وذاتي الوجود لا يقبل العدم ولا الفناء، و(الحوادث): هي ما يطرأ على الذات من التغيّرات المختلفة، من قبيل: الحركة والسكون، والقيام والقعود، والنوم واليقظة، واللذّة والألم، والنشاط والضعف، والظهور، والأفول، ونحوها من الأعراض التي تنقل الذّات من حالة إلى أخرى، ودليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث: أنّ الحوادث تستلزم التغيّر والانفعال والتأثّر، لأنّ الذات التي تطرآ عليها الحوادث تتغيّر وتنفعل وتنتقل من حالة إلى أخرى، وهذه من صفات الأشياء المادية والجسمانية، والله تعالى ليس كمثله شيء، منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، فسبحان من لا يقبل الأفول، وسبحان من لا يدخل عليه التغير والزوال، ولا ينتقل من حال إلى حال، ومن هيئة إلى هيئة، له الكمال المطلق فلا يقبل التغير والحدوث ولا يقبل الزيادة ولا النقصان لأنّه الإله الحق الذي له التقديس والكمال، وليست صفة القدم الأزلي إلا لله وحده هو المستحق سبحانه للإلهية فلا معبود بحق سواه، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، والله تعالى قديم الذات وأخص صفات القديم أنه لا يقبل الحادث، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث.
[المفتاح الاول]: الجمع بين الآية والحديث من قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) [أخرجه مسلم]، يجعلنا نعلم يقيناً: أنه لا قديم أزلي إلا الله: والعالم كله مُحدَثٌ مخلوق أحدثه الله تعالى من العدم إلى الوجود، قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء) دليل على أنّه كان الله ولم يكن شيء معه ولا غيره فهو وحده الأول ذي لا بداية لوجوده، لا قديم أزلي سواه، وكل ما سواه من العالم محدث مخلوق، ومن اعتقد أن شيئًا من العالم بنوعه أو بأفراده لا بداية لوجوده فقد خالف الآية والحديث واجماع أهل الأصول، وقال بقول الفلاسفة والدهرية الذين قالوا بقدم العالم، أو بقول الكرامية: انه قديم النوع حادث الآحاد، {هُوَ الْأَوَّلُ} جملة أسمية، المبتدأ (هو)، والخبر (الأول) كلاهما معرفة للدلالة على أنه وحده (الأول) الأزلي الذي لا يشاركه في هذه الصفة غيره، ويؤيد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ) ([188]) .
فلا شيء معه ولا شيء غيره ولا شيء قبله، لا بداية لوجوده، لا يشاركه في القدم الأزلي شيء من خلقه، فلا قديم أزلي إلا الله، وشرط الإلهية القدم وإلا كان الخالق محدثا مخلوقا، وشرط القدم الكمال المطلق، لأنّ الأزلية تنزيه عن النقص كما سيأتي بيانه، فالإله لابد وأن يكون قديما أزليا اول بلا ابتداء، ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([189]) . وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته جل جلاله، و (القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدم الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما وهو قاهر لهما فلا تأثير لهما عليه لأن الإله له القدم الأزلي فلا يتغير، ولا تتغير صفاته.
[المفتاح الثاني]: تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 76 إلى 79]، تماشى الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}، وعلة القمر الافول {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، وعلة الشمس الافول: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إنّ ملة الخليل إبراهيم تقوم على تقديس ذات الله عن الافول، ولا معنى للأفول إلا التغير والحدوث وقبول الحوادث.
وإنّ من جوز على ذات الله تعالى التغير والحدوث وقبول الحوادث فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
[المفتاح الثالث]: سورة الإخلاص تقديس لله عن التغير والحدوث: سورة الإخلاص يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على عدة أصول: وصف الله تعالى بالأحدية (الله أحد)، والصمدية (الله الصمد)، وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث (لم يلد)، وعن الحدوث (ولم يولد)، وعن مماثلة الخلائق (ولم يكن له كفوا أحد)، فقوله تعالى (الله أحد) يدل على الأحدية واستحالة تقدير الانقسام في ذاته تقدس وتنزه، ويدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى، والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، وقوله تعالى: {الله الصمد} الصمدية كذلك تدل نفي الحدوث لأنّ الصمد من الصمود وهو ضد التغير والحدوث، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} أنه تعالى أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، لأنّه القديم الأزلي المنزه عن أن تحل به الحوادث، ومن فقه الآية {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد – ومن غيرها من الآيات كما سيأتي – تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ}:، كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى: {وَلَمْ يُولَدْ}، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ولا مثيل، ولو كان قابلا للتغير والحدوث، أو كان محلاً للحوادث – سبحانه – لكان مثلاً لسائر المخلوقات المحدثة المخلوقة.
[المفتاح الرابع]: كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم، كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيقولون إن صفة الكلام لله صفة فعلية وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء قياسا على البشر، ولازم قولهم أن القرآن ليس قديما وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم، وأنه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة، وهم يقولون بأنه حادث الآحاد، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}.
[المفتاح الخامس]: من جملة أخطاء ابن تيمية: قوله على صفات الله كالعلم والسمع والبصر والكلام أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، وهي بدعة غريبة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات لأنه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل بالأصول، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم أنّ الحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، إنّ هذه المقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف أهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، وقد دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟!
والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما.
بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق، فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
[المفتاح السادس]: كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و كل ما يقوله أهل الجهل والبدعة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، إنّ القول بقبول جناب الذات الإلهي (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول، بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، وقد أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وقد نقل الإجماع في ذلك، الإمام النووي، والغزالي، والرازي، ومن السادة الحنابلة الإمام ابن الجوزي والامام عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر) أهـ ([190]) .
وقال الإمام النووي: (اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون تتأول على ما يليق بها، وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون: لا تتأول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحوادث عنه، فيقال مثلاً: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به، مع أنا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث، وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم) اهـ ([191]) .
وكل متون العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث. وانه لو قبل الحدوث لم يكن قديما، وتذكر أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، وتذكر أن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، لان الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له زيادة أو نقصًا، و الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان،، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات.
[المفتاح السابع]: المدرسة السلفية المعاصرة للأسف تسير على كلام الإمام ابن تيمية وكانه معصوم، ، وهذا أضر بهم ضررا بالغا، وهم يتبعونه في أخطائه كما يتبعونه في صوابه، أخطا عندما قال في المنهاج: ” فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض) أهــ ([192]) .
وقال في المنهاج: (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب، قلنا لكم: نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل) أهــ ([193]) .
ومن العجب أن يقول هذا ذاهلا عن حجة سيدنا إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام من احتجاجه بقيام دلائل الحوادث بالقمر والكوكب والشمس وهو التحول من حال إلى حال، وان ذلك دليل على عدم ألوهيتها، لقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر، و (الكرامية) خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، وأهم أسباب تبني ابن تيمية لهذه البدعة: زعمه أن العلم بالشيء يتجدد عند الله.
فمثلا يزعم ان علم الله بعمل العبد يتجدد عندما يقوم العبد بهذا العمل، وان السمع والبصر يتجددان كذلك وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وكلها شبه زائفة والرد عليها يسير، والرد على تلك الشبة يسير على أهل التخصص، فأما شبهة العلم والسمع والبصر: فإن الله تعالى له سبحانه الكمال المطلق، (الكمال المطلق) لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، وكما أنّ جناب ذات الله تعالى له الكمال المطلق، فكذلك الصفات تابعة للذات، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير، له كمال العلم، بلا غاية ولا نهاية، علم الله تعالى محيط بكل ذلك، ولا يقبل الزيادة او النقصان، إذ لو قبل الزيادة لم يكن قبل الزيادة كاملاً بل كان به بعض الجهل بمقدار تلك الزيادة، ولو قبل النقصان لم يكن لينسب إلى عالم الغيب والشهادة الذي بكل شيء عليم، وله كمال السمع منكشف على سمعه كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد بلا زمان لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل فلا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، الكل منكشف على سمعه له كمال السمع المطلق فلا تزيد له صفة ولا تنقص بتجدد الأزمان لأنه خالق الزمان فمحال أن يكون خلقه فاعلا في ذاته او في صفاته، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان بلا زمان يجري على بصره، وهو بكل شيء شهيد، لا يتجدد له سبحانه لا علم ولا سمع ولا بصر، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وأما شبهة الإرادة، فإن الإرادة عند الإنسان حادثة، لان الإنسان كله حادث مخلوق، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وأما شبهة الكلام، فالمشكلة أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه لم يتكلم به في الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة لا تتعلق بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق بالإرادة، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق، وللخروج من هذا المأزق ابتدعوا بدعة جديدة وهي في حقيقة الامر من المحالات ومن قبيل التلاعب بالألفاظ، فقالوا قديم النوع حادث الآحاد، ولنا ان نتساءل إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل المركب، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون.
[المفتاح الثامن]: الحنابلة الذين ينتسب إليهم الإمام ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، ولهذا لنا أن تعجب من جرأة ابن تيمية وتجاسره القول بأن صفات الله تعالى قديمة النوع حادثة الآحاد، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله في (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها وسائر الصفات الخبرية من الوجه واليدين والقدم والعينين ونحوها وسائر صفات الأفعال من الاستواء والنزول والاتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) انتهى، ([194]) .
وحتى الحشوية القدامى أمثال أبو حامد والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني فلم يرضوا بهذا الهراء، لأنه إما قديم لا يقبل الحدث وإما محدث، أما بدعة قديم النوع حادث الآحاد، فهذه لم يقبلها حتى أهل الحشو القدامى الموغلون في الحشو أصحاب عقيدة الشاب الأمرد، قال أبو الحسن ابن الزاغوني في كتابه (لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه تعالى في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأمة قاطبة على إحالته) انتهى، ([195]) .
ونقل عنهم ابن تيمية في التسعينية (وقد ظن من ذكر من هؤلاء كأبي يعلى وأبي الحسن وابن الزاغوني أن الأمة قاطبة اتفقت على أنه لا تقوم به الحوادث وجعلوا ذلك الأصل الذي اعتمدوه وهذا مبلغهم من العلم) انتهى ([196]) . يقول هذا مبلغهم من العلم وأقول ما ذهبوا إليه أصح مما ذهب إليه ابن تيمية من نسبة المحال إلى الله وجر الامة إلى بدعة ضالة لا تصح عند صغار طلبة العلم في مدارس الأصول والتخصص، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[المفتاح التاسع]: قد يتساءل البعض: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلا من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع أو بصر جديدين، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم االله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق، فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، لا المعلوم والمسموع والمبصَر، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، فلا تجري الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت على الخالق وصفاته كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
(خامساً)
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية
في بيان مفاتيح فهم الآيات المتشابهات الموهمة للحركة والتي ورد فيها الاتيان والمجيئ
[المفتاح الاول]: قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، وقال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]، فظن أهل الحشو والتجسيم أنّ المجيء يكون بالذات وأنّ الإتيان يكون بالذات وهذا تجسيم محض، فإنّ الذي يتحرك ويذهب ويجيء ويتنقل بين الأماكن ليس بإله له الكمال المطلق في جناب ذاته، مقدس عن التغير والحدوث (الأفول)، وتلك حجة الخليل عليه السلام، {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الشمس والقمر والكواكب لتغير حالها لا تصلح للإلهية لأن الله دائم لا يزول، والزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة.
(جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنّه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، إنّ ملة إبراهيم الخليل عليه السلام تقديس الله عن التغير والحدوث وعن قبول الحوادث، فمن جوز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]، ولذلك فإننا نجد المفسرين إذا كان لهم نصيب من العلم فإنهم يحملون المتشابه على المحكم، فقوله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، مفتاحه قوله تعالى: {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 76]، وقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]، مفتاحه قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل:33]، قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى: {وجاء ربك}: أي أمره وقضاؤه قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف، وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة وهو كقوله تعالى: {إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}، أي بظلل، وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئا له، تفخيما لشأن تلك الآيات، ومنه قوله تعالى في الحديث: : (يا بن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني) ([197]) .
وقيل: وجاء ربك أي زالت الشبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه، قال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت، والله – جل ثناؤه – لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان ; لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز) ([198]) .
[المفتاح الثاني]: الله تعالى لا يوصف لا بالحركة ولا بالسكون، وذلك لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، وقد كان دليل الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول والافول هو الحركة من مكان إلى مكان، وهو التغير والزوال، وهو قبول الحركة والسكون، هذه بعض معاني الافول، والله تعالى هو خالق الأجسام في المكان ثم قدر لها الحركة والسكون فكان الزمان، والله تعالى لا تجري عليه صفات خلقه من الحركة والسكون والكون في المكان وجريان الزمان، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه، أو يعود إليه ما هو ابتدأه، إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزّأ كنهه، ولأمتنع من الأزل معناه، وكيف ذلك وهو الاحد المقدس عن البعض والجزء وهو القديم المنزه عن التغير والحدوث، فيمتنع ان يوصف الاحد الصمد القديم الازلي بالزمان ولا المكان، ولا الحركة ولا الزوال ولا الانتقال ولا السكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عمّا يقول الجاهلون علوا كبيرا، كما انّ كلّ متحرّك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنّ بالله قبول الحركة والسكون كما تقبل به الاجسام المحدودة المحدثة المخلوقة كان من الجاهلين، وكان أبعد الناس عن حجة الخليل إبراهيم {لا احب الآفلين}، أي لا تصلح الكواكب المسخرة المتحركة شرقا وغربا أن تكون لها الإلهية فتعالى الله عما يقولون، والحركة تستلزم خلو الذات المتحرّكة من المكان التي كانت فيه واستقرارها في مكان غير المكان السابق، وهذا باطل بالنسبة إلى الله، لأنّه تعالى منزّه عن المكان، والحركة تستلزم جريان الزمان وقت الحركة والانتقال من مكان إلى مكان، والله تعالى أزلي هو الذي خلق الزمان واجراه، فكيف يجري عليه ما اجراه، وكيف يكون مقهورا لما تحت قهره وعبوديته، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
والخلاصة: أنّ الذي يعتقد أنّ الله تعالى يجوز عليه الانتقال والحركة يكون مجسما ضالا والعياذ بالله، فَيَجب عليه اعتقاد أنّ الله لا يُوصَف بالتغيّر والانتقال، وإلا فهو يعبد جرما متحركا كما كان يعبد قوم إبراهيم ونحن نقول له لا يصلح الآفل أن يكون إلها له القدم والبقاء.
(تنبيه): لا يفهم من تقديس الله تعالى عن الحركة إثبات السكون، إذ السكون نقصٌ أيضاً، لأن الحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، والله تعالى مقدس عن الجسمية ولوازمها من الحركة والسكون، ونفي الحركة السكون عن الله تبارك وتعالى، ليس جمعاً بين النقيضين، لأن الحركة والسكون لازمان للأجسام التي يصح في حقها الحركة أو السكون.
[المفتاح الثالث]: من قواعد تنزيه الله تعالى عن النقص ومماثلة الخلائق: قاعدة أنّ الله تعالى منزه عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق، لأنها محدثات لا تكون إلا عند الذي يقبل الحوادث، أما القديم الأزلي الأبدي فلا يقبل جناب ذاته الحوادث ولا يقبل الكيفيات الحسية التي من أمثلتها الجلوس والاستقرار، ولأنها لا تحدث إلا بالجوارح، وتنزيه الله تعالى عن النزول الحسي والصعود الحسي على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، فالله تعالى منزه عن تلك الكيفيات الحسية، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث، لأنّ الكيفيات المحسوسة: من لوازم الأجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية، وأنها حادثة، لكن الباري غير حادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث، وهي تستلزم التغير والانفعال، والله منزّه من التغير في ذاته.
[المفتاح الرابع]: كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة المجيء والاتيان والذهاب والاستواء والنزول والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا ننفي ما جاء عن الله في الكتاب والسنّة ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن، (فائدة): الأساس في هذا التقديس هو حجة إمام المتكلمين إبراهيم عليه السلام على قومه، ومن جوز الحركة والنقلة والحركة والسكون والانتقال ومن جوز التغير والحدوث وغير ذلك من لوازم الجسمية فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
***
(سادساً)
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية
في بيان مفاتيح فهم الآيات والاحاديث المتشابهات
الموهمة لحدوث الكلام وانه بحرف وصوت
[تمهيد]: إنّ أصعب المسائل العقدية وأغمضها هي مسألة صفة الكلام لله تعالى، حتى أنّ البعض زعم أن هذا العلم (علم العقيدة) إنما سمي بعلم الكلام بسبب هذه المعضلة، والفتنة الكبرى التي كانت بين المعتزلة وبين أهل السنّة (فتنة خلق القرآن) في زمان الإمام أحمد رحمه الله، و كانت بسبب الاختلاف في كلام الله وهل هو قديم أم مخلوق، وهل هو صفة معنوية قائمة بالذات أم صفة فعلية يترتب عليها أثر في حق المخلوق، والكلام إذا نسب لله فلابد وأن يكون قديما كقدم الذات، وكيف يكون قديما وهو عبارة عن أصوات وحروف والأصوات محدثة والحروف متعاقبة يجري عليها الزمان، وما جرى عليه الزمان فهو محدث، وكلام الله تعالى صفة من صفاته فلابد وان يكون قديما أزليا منزها عن الحدوث، والآيات القرآنية نصت على صفة الكلام لله، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، وصفات الله تعالى تابعة لجناب ذاته فلابد وان تأخذ حكم الذات، فلها القدم الأزلي والكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا وتقدست صفات الله عن النقصان، ولو قبل النقصان انتفى عنه الكمال المطلق، فتنتفي الإلهية التي من خصائصها الكمال المطلق، هذا حكم كلام الله القائم بذاته، والقرآن الكريم كلام الله، وقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فدل ذلك على أنّ القرآن الكريم كلام الله، يأخذ حكم الصفات الإلهية من حيث القدم والكمال، ولكن القرآن الكريم الذي بين أيدينا محدود يحويه المصحف، مبدوء بسورة الفاتحة مختوم بسورة الناس، وصفات الله أزلية قديمة لا حد ولا عد، والقرآن الكريم حروف متسلسلة متعاقبة يردف بعضها بعضا ويجري عليها الزمان ففي قولنا بسم الله الرحمن الرحيم لابد وان تكون الباء قبل السين والسين قبل الميم، والأصوات أعراض محدثة يطرأ عليها الابتداء والاستمرار والسكوت وهذه صفات المحدث المخلوق، فهناك تعارض بين قدم صفة الكلام لله، وبين القرآن المكتوب في المصاحف نقرأه بألسنتنا ونسمعه من غيرنا، وهذا كله من صفات الحدث وليس القدم الازلي، فكانت الأزمة التي ليس لها -بعد فضل الله تعالى- سوى السادة الأشاعرة والماتريدية المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة فحلوا معضلاتها بأحسن الفهم وأدق تفصيل، وأجمل الجمع بين النصوص المتعارضة واحالة المتشابه منها إلى امهاته من المحكم، فكان قولهم هو القول العدل الوسط الذي يحل كل المشكلات ويحافط على المراتب، فكل ما بتعلق بالله تعالى قديم وكلامه صفة ذاته فهو قديم، وكل ما يتعلق بالعباد محدث، فهداهم الله للصواب، في حين ضل في الباب أهل عدم التخصص من أصحاب الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والجهمية والشيعة الزيدية والشيعة الإمامية والمجسمة والحشوية، والوهابية كل حزب بما لديهم فرحون وكلهم يعارض قول بعضهم بعضا إلا المتخصصون (الأشاعرة والماتريدية)، وصدق الله حيث يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وحيث يقول سبحانه: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14].
[تنبيه]: ما هي المعضلات التي تواجه مسالة الكلام: (أ) الكلام الذاتي صفة لله قديمة فلا يمكن ان يكون بحرف وصوت ولا يمكن ان يكون محدودا له بداية وله نهاية، (ب) الكلام اللفظي حرف وصوت وهو محدث لا محالة، (ت) القرآن الكريم الذي بأيدينا محدود مبدوء بالفاتحة ومختوم بالناس، وقد حواه المصحف، فهو محدود متسلسل الآية بعد الآية والسورة بعد السورة يجري عليه الزمان فلا يكون قديما ابدا، (ث) إذا كان الكلام قديما بلا حرف ولا صوت فكيف سمعه موسى عليه السلام، (ج) وإذا كان موسى عليه السلام سمع الكلام حرفا وصوتا فكيف يكون قديما، فهذه بعض معضلات المسألة ويفهمها ويعرف أبعادها أهل الأصول الدارسون لعلم مقدمات الإلهيات فقط، ولا عبرة ولا وزن لمن يقول بقدم الحرف والصوت ولا عبرة ولا وزن لمن يقول قديم النوع محدث الآحاد لانّ هذه الأقوال مستحيلة في عرف من درس مقدمات الإلهيات ومن درس الأصول واهل الحشو لا يعرفون شيئا عن معاني القديم والمحدث، وهي مصطلحات لم يدرسوها ولا يفهموها وهم همج رعاع فلا علم ولا حلم ولا احترام للتخصص ولا خوف من الله فإنّا لله وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
[المفتاح الاول]: أقوال الفرق في مسألة الكلام: منذ نزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم والمذهب المعروف عند علماء السلف الصالح ان القرآن كلام الله صفة لله وصفات الله قديمة أزلية تابعة لجناب ذاته، لا يشكون في ذلك ولا يخطر ببالهم سوى ذلك.
حتى جاءت المعتزلة ووجدت أن المسموع من القرآن هو الأصوات والحروف، وهذه مخلوقة لا جدال في ذلك، ووجدوا أن صفات الله قديمة أزلية تابعة لذاته ووجدوا أنّ القديم الأزلي لا يصح معه تعاقب الحروف والأصوات، ولا يطرأ عليه سكوت ولا يصح أن يكون مستمرا متواصلا لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمان، فزعموا أنّ كلام الله ليس صفة لذاته وإنما هو مخلوق يخلقه الله في محل كالشجرة أو لا في محل فيُسمع هذا الكلام لمن شاء من خلقه، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، وقوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم، وليس للحدوث عندهم معنى سوى المخلوق، ولم يكونوا على قدر من العلم والتوفيق يسمح لهم بجمع الآيات والأحاديث المتعلقة بصفة الكلام وتنزيل كل دليل منزلته المنوطة به، ولم يكن الله تعالى قد فتح عليهم بمعرفة الكلام النفسي الأزلي القديم.
وسار على قول المعتزلة فيما بعد بعض الشيعة الزيدية والإمامية وبعض الخوارج، والقرآن عندهم مخلوق محدث، وكرد فعل لقول المعتزلة، وقف الإمام أحمد رحمه الله وقفته المعروفة في محنة القرآن ولم يزد على قوله (القرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق) ، أي من حيث المعنى القائم بجناب الذات، سبحانه، ورفض قول المعتزلة وصبر على البلاء والمحنة في زمان المأمون وفي عهد خلفه المعتصم بالله والواثق بالله وكانوا على مذهب المعتزلة، وانتهت بوصول المتوكل على الله إلى الحكم، فرفع المحنة وأزال الفتنة.
ولكن حشوية الحنابلة الذين لا باع لهم في معرفة أصول الدين ولا رسوخ في العلم يمكنهم من التفريق بين المحدث والقديم، وهم لا يعلمون مقصود الإمام احمد بقوله: (القرآن كلام الله غير مخلوق) فهو يقينا يقصد أنّه غير مخلوق من حيث المعنى القائم بالذات، لكن أصواتنا، وحركات ألسنتنا ومداد الأوراق هذه كلها مخلوقة، لا يختلف على ذلك عاقلان، وهم كذلك لا يعلمون مقصود أهل التخصص العقدي بقولهم (قديم أزلي) في حق الله تعالى، لأنهم ما عهدوا القدم إلا قدم الزمان وحسب، هؤلاء الحشوية وكرد فعل لخلل المعتزلة ردوا عليهم بخلل جديد فقالوا الحروف قديمة والأصوات أزلية قديمة وغالى المغالون منهم فقالوا الورق الذي كتب عليه القرآن قديم، وهؤلاء ظهروا في زمان الإمام البخاري فرد عليهم بأن القرآن كلام الله قديم ولكن أصواتنا بالقرآن مخلوقة والمسموع كلام الله القديم وأصواتنا وقراءتنا للقرآن من أعمالنا وهي مخلوقة. وتعرض الإمام البخاري للمحنة كما تعرض لها الإمام أحمد ولكن هذه المرة لم تكن من المعتزلة وإنما من حشوية الحنابلة الذين لا علم لهم بالأصول والفرق بين المحدث المخلوق والقديم الازلي، وفضلاء الحنابلة آنذاك على مذهب الإمام أحمد لا يزيدون على قوله (القرآن كلام الله غير مخلوق) ولم يتعرضوا لمسألة الكلام الأزلي القديم، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة كما سيأتي، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى لتواتر الأدلة عليه وهو الحل لكل معضلات المسألة كما سيأتي.
الحاصل ظل الهرج والمرج بين المعتزلة والحشوية هذا يقول لا يعقل إلا مخلوقا لأنه أصوات وحروف متعاقبة خاضعة للزمان لا يُعقل إلا أن تكون مخلوقة، وهذا يقول الأصوات أزلية والحروف قديمة، إلى أن شاء الله بالفتح على يد الامام المجدد إمام أهل السنّة والجماعة الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، فجمع ادلة الكتاب والسنّة في مسالة الكلام وأنزل كل دليل على مرتبته الخاصة به فكانت النتيجة هي المذهب الأمثل الذي يجعل كلامَ اللهِ يُطلقُ على مرتبتين: (الأولى):الكلامِ النفسيِّ القديمِ القائمِ بذاتهِ تعالى، و (الثانية) الكلامِ اللفظيِّ الذي نقرؤه (القرآن الكريم)، وبهذا صاغ المذهب الأقرب إلى الحق، ووجد الحل الأمثل لإشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم، والمتمثل في بيان أنّ الكلام النفسي هو الكلام القديم القائم بذات الله وأنه يستحيل (القدم) مع الحرف والصوت، ويستحيل مع القدم ابتداء الكلام أو السكوت، وانه يستحيل مع القدم التغير والحدوث، ثم تفصيل الكلام في الكلام اللفظي (القرآن الكريم) بما يناسب كل مرتبة من مراتب الكلام المتعددة، وبهذا تكون الأشاعرة قد جمعوا بين الأدلة وانزلوا كل دليل على مرتبته الخاصة به، وصاغوا المذهب المختار في صفة الكلام وردوا على المخالفين بأدلة القرآن والحديث وجاءوا بدرر من التنزيه والتقديس المتعلقة بكلام الله القديم، وسياتي بيان ذلك بالتفصيل، ولكن لما كانت البدع تجري بأصحابها جري الدماء في العروق فقد ظلت المعتزلة على بدعتها وظلت الحشوية على بدعتها.
وجاء ابن تيمية سامحه الله بمذهب بدعي جديد خليط بين قول الكرامية والسالمية والحشوية وأهل الاعتزل، وهو قوله (قديم النوع حادث الآحاد) وهو من المستحيلات لأنه إذا كان قديما فلن يقبل الحدث وإذا كان حادثا فلن يكون قديما أزليا، ولأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول.
الحاصل: أنّ هذا القول الشاذ المستحيل تصوره، قد أماته في مهده أهل الأصول والتخصص وقضوا عليه لتناقضه، حتى جاءت فتنة أهل نجد متمثلة في ظهور الوهابية فأحيوا ما اماته العلماء من أخطاء ابن تيمية وقالوا كما قال بأنّ القرآن قديم النوع محدث الآحاد، وسيأتي بيان شبهتهم والرد عليها إن شاء الله عز وجل.
[المفتاح الثاني]: الله تعالى من صفاته الأزلية الكلام: الكلام صفة لله تعالى على الحقيقة، وكما أنّ له العلم صفة ذات، فإنّ له الكلام صفة ذات: قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، وصفات الله تعالى تابعة لجناب ذاته فلابد وان تأخذ حكم الذات، فلها القدم الأزلي الذي هو من خصائص جناب الذات، ومما يؤكد صفة الكلام لله، قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}[الأعراف: 143]، وقوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148]، قال القرطبي في تفسير الآية: (ألم يروا أنه لا يكلمهم بين أن المعبود يجب أن يتصف بالكلام) ([199]) .وكلام الله تعالى القديم صفة لجناب ذاته، لها الإطلاق، فلا حد ولا عد ولا بداية ولا نهاية لصفاته: قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، فلو كان كل شجرة في الأرض أقلاما والبحر مدادا لنفد الماء وتكسرت الأقلام قبل أن تنفد كلمات الله، مما يدل على انّ كلام الله لا بداية ولا نهاية، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]، فالآية تفيد أن كلماته غير متناهية، فلو أن البحار التي خلق الله كانت مدادا تكتب به، والشجر الذي خلق الله أقلاما تخط به، لنفد مداد البحار، ونفدت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله.
والكلام هنا على صفة الكلام القائم بذات الله، وليس القرآن الذي بأيدينا لأنه محدود مبدوء بسورة الفاتحة ومختوم بسورة الناس، نحفظه في صدورنا، ولو كان هو ذاته صفة الله لحلت بصدورنا وهذا الحلول تتقدس عنه صفات الله، وكذلك فإنّ المصحف الشريف يحوي القرآن كله، ومحال أن يحوي المصحف صفة الكلام القائمة بالذات لأنها تابعة للذات في القدم والكمال، فلا يقاس كلام الله تعالى الأزلي الذي هو صفة لجناب ذاته بالكلام المحدود المعدود، القرآن كلام الله تعالى على الحقيقة نسمعه مع تلاوة القارئ ونقرأه في المصاحف، ولكنه ليس الصفة القديمة الأزلية القائمة بذات الله حيث لا حد ولا عد ولا ابتداء ولا انتهاء، وكل من خالف ذلك فهو إما جاهل بمصطلحات اهل الأصول اهل التخصص في عقيدة الإسلام وإما مكابر في قلبه زيغ يتبع المتشابه ويترك المحكم.
[المفتاح الثالث]: القرآن هو كلام الله على الحقيقة: قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فالقرآن الكريم كلام الله تعالى على الحقيقة وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك كلام الله، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله، وقد توعد الله تعالى من نسب القرآن الكريم إلى غير الله بسقر، قال تعالى: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}[المدثر: 26 إلى 28]، تحذير عظيم من نسبة القرآن إلى غير الله، ولذلك قال الطحاوي: (من سمعها أي آيات القرآن فزعم أنها كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وأوعده بسقر حيث قال تعالى:{سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} فلما أوعده الله تعالى بسقر على قوله:{إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر}ِ علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر. ([200])
[المفتاح الرابع]: معنى قوله تعالى {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}: نسب الله تعالى قراءة القرآن في موضعين من كتابه الكريم في أحدهما إلى جبريل عليه السلام، فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}[التكوير: 15 إلى 21]، والموضع الثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الحافة: 38، 43]، فدل ذلك على انّ المسموع بالصوت والحرف هو قراءة جبريل عليه السلام، وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي قراءة القراء من أمته صلى الله عليه وسلم، ويدل ذلك على انّ الكلام كلام الله والمسموع هو كلام الله ولكن القراءة قراءة القارئ، والمسموع هو كلام الله.
وهاهنا لفتة مهمة وهي ان اللفظ في الآية {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، فلم يقل إنه لقول ملك كريم ولا قال إنه لقول نبي كريم، بل بلفظ رسول، لأن الرسول لا يأتي بقول من عنده، وإنما القول الذي جاء به هو ما أرسل به من عند الله، إلى الناس كافة، والأمين لا يخون ولا يبدل، فكان القرآن الذي جاء به مصونا من أن يتسلط عليه أحد، وقد بين القرآن مهمة الرسول، فقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور:54، العنكبوت:18]، فكان قوله:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } بمنزلة قوله: تبليغ رسول كريم، وليس معناه: أنه أنشأه، أو أحدثه، وقد توعد الله تبارك وتعالى من قال: إن القرآن كلام البشر بأن يصليه سقر، فقال سبحانه عن الوليد بن المغيرة: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر:٢٢ – ٢٦]، فنسأل الله السلامة والعافية.
[المفتاح الخامس]: معنى قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}: نسب الله تعالى الحدوث إلى كلامه في آيتين من كتاب الله، (الأولى): قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، و(الثانية): قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم، وقد اتفقت كلمة المفسرين والأصوليين على ان المقصود بالمحدث أي إلينا، إذ كل ما تعلق بالقديم قديم وكل ما تعلق بالمحدث محدث، قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ما يحدث الله من تنـزيل شيء من هذا القرآن للناس، ويذكرهم به ويعظهم إلا استمعوه، وهم يلعبون) أهــ، ([201]) . وقال القرطبي: (أي ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث، يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت، لا أن القرآن مخلوق) أهـ ([202]) .
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وقوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث فالمراد أن تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه) أهــ،([203]) وجاء في الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ({مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} يعني: ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يُذكِّرهم ويعظهم به {إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} يستهزئون به) أهــ،([204]) . وجاء في تفسير البغوي معالم التنزيل: ({مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} يعني: ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يُذكِّرهم ويعظهم به) أه ([205]) .
فالحدوث متعلق بما نزل إلينا وليس ما نزل من عند الله، فالمرادُ به مُحْدَثُ الإتيانِ لهم لا الوجودِ، لأنّه قديمٌ في العين أزلي الوجود، حادث في الإتيان، والقاعدة أنّ كل ما تعلق بالله قديم أزلي وكل ما تعلق بالمخلوق حادث مخلوق مثله.
[المفتاح السادس]: الأدلة على صفة الكلام النفسي لله تعالى: أثبت القرآن الكريم (الكلام النفسي) بما لا يدع مجالا للشك، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول النفسي: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد ولم يكن بصوت، ولكن سمعهم الله السميع العليم، وقال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، فالقول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}بصوت يُسمع:، وقال تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، قول النفس: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه {وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ}، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، وقال تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، وقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، والكلام النفسي يقبل معاني القدم فلا يكون بحرف ولا صوت وقد كان فتحا في العلم أن يفرق أهل الأصول ما بين نوعين من الكلام، الكلام النفسي القائم بالنفس، والكلام اللفظي الذي يكون بحرف وصوت.
وقد أثبت الأصوليون من أهل السنّة والجماعة (الأشاعرة والماتريدية) لله تعالى القسم الأول (الكلام النفسي) على وجه الحقيقة، وقالوا: إنه معنى قديم قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت، قال الباقلاني: (ومما يدل على أن حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس من الكتاب والسنة وكلام العرب ما نذكر… وقوله تعالى مخبرا عن الكفار: {ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول}، … وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: (يقول الله تعالى إذا ذكرني عبدي في نفسه…)، ([206]) . ويدل على ذلك أيضا قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (زورت في نفسي كلاما فأتى أبو بكر فزاد عليه) فأثبت الكلام في النفس من غير نطق لسان، وعمر رضي الله عنه كان من أجل أهل اللسان والفصاحة…. والعربي الفصيح يقول: كان في نفسي كلام، وكان في نفسي قول، وكان في نفسي حديث إلى غير ذلك، وأنشد الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما: جعل اللسان على الفؤاد دليلا ([207]) .، وهذا الكلام النفسي -للأسف- نفته المعتزلة وهذا خطؤهم، لأن الآيات تذكره، وأثبتوا لله الكلام اللفظي فقط، ولما كان الكلام اللفظي بحرف وصوت فمحال ان يكون قديما، قالوا أن الله يخلق الكلام في غير ذي محل، وأما الحنابلة فقد أثبتوا الكلام اللفظي وجعلوه قديما يحرفه وصوته وهذا محال، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى.
[المفتاح السابع]: قواعد التقديس المتعلقة بكلام الله تعالى القائم بجناب ذاته: كلام الله صفة لذاته وصفات الذات تابعة للذات وذات الله تعالى أحدية لا تقبل الابعاض والاجزاء وصمدية لا تقبل التركيب ولها القدم الازلي مقدسة عن التغير والحدوث بلا بداية ولا غاية ولا حد ولا نهاية ولها الغنى الكامل والكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان ولا تحتاج في وجودها إلى المكان ولا يجري عليها زمان، وصفات الله تابعة لجناب ذاته أزلية قديمة فلا بداية تبتدئ منها ولا نهاية تنتهي إليها والقديم الأزلي لا يقبل التغير أو الحدوث ولا يقبل التجدد ولا يجري عليه زمان، فإذا كانت صفة الكلام صفة ذاتية لله فلا بد وأن تكون قديمة، فـــ (صفة الكلام): لأنها تابعة للذات قديمة فيستحيل القدم مع الحرف والصوت، ويستحيل القدم مع ابتداء الكلام ومن ثم السكوت، ويستحيل القدم مع التغير والحدوث، ولهذا فمن فهم معاني القدم الأزلي يستحيل أن ينسب إلى كلام الله تعالى هذه الأشياء، وقد وردت آثار تدل على أن كلام الله بحرف وصوت، ولكنّ الحرف محمول على تلاوتنا نحن للقرآن ولم يصح حديث واحد في نسبة الصوت لله، فلا يمكن اثبات المحال إلى كلام الله القديم الازلي، لأنّ الصوت عرض محدث مخلوق، ولما علمت المعتزلة ذلك زعمت أنه مخلوق.
(الشاهد): كلام الله القديم منزه عن الحرف والصوت، لأنّ الحروف يسبق بعضها بعضاً، فمثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: لابد أن تكون السين بعد الباء والميم بعد السين، فالحروف متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، فمحال نسبة القدم إلى الحروف ومن نسبها من الحنابلة فقد دخل عليه ذلك من باب الجهل بمعاني القدم الأزلي الاصطلاحي عند علماء الأصول وقصارى علمهم إنما في (القديم) أنّه بمعنى قدم الزمان أما القدم الازلي فمعناه منع الابتداء والافتتاح (أول بلا ابتداء) ومحال أن نكيف صفة الكلام كما هو محال أن نكيف جناب الذات، والقاعدة العامة (العجز عن الادراك ادراك) ومحاولة بعض اهل الحشو تكييف الكلام الذي هو صفة لله كله من باب الكلام على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وكله استعطاء للغيب، وهذا الغيب ممنوع عن الخلق، فكما أنّ جناب الذات مقدس عن الجسمية ولوازمها فصفة الكلام القائم بالذات مقدس عن مشابهة الخلق، فالخلق يتكلمون باللسان وبالحرف والصوت والله تعالى مقدس عن ذلك ليس كمثله شيء، لا في جناب ذاته ولا في حقائق صفاته، ومحال أن يتكلم الله تعالى بهذه الحروف المعروفة والأصوات المسموعة، ومحال أنّ يتكلم بها دفعة واحدة لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذا التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى، ومحال أن يتكلم الله تعالى بها على التعاقب، لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة، ومحال أن تقوم بذات الله صفة محدثة.
فصفة الكلام لله صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، منزهة عن كل معاني الحدوث، ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن، وكلام الله القديم ليس كمثله كلام فهو قائم بذات الله ليس بحرف ولا صوت ولا يتجدد ولا يطرأ عليه سكوت ولا يتصف بتقديم ولا تأخير ولا ابتداء ولا انتهاء ولا كل ولا بعض ويتعلق بكل ما يتعلق به العلم، فكلاهما عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، ولا تتناهى متعلقات كلامه وهو واحد، لكن تعلق العلم على سبيل الكشف، أما تعلق الكلام فعلى سبيل الدلالة، فالعلم كشف الشيء على حقيقته بغير سبق خفاء، والكلام دلالة على مراد الله بغير سبق سكوت، فصفة الكلام ليست هي صفة العلم، ولا هي صفة الإرادة، بل هي صفة ذاتية تدل على أوامر الله.
(صفة الكلام) قديمة لا يجري عليها زمان، فلا يتجدد له كلام، ولا يكون الزمان فاعلا في كلامه القديم، له الكمال المطلق في كل صفاته، ومنها كلامه فلا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل كلامه قديم ولا عجب من ذلك فالله كلمنا وخاطبنا بالقرآن القديم قبل أن نوجد لأننا كنا في علم الله القديم، و(الكلام الأزلي القديم) لا يقال عنه: أن الله يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء لأنّ هذا يجعل الكلام محدودا مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان، وهذا نقص يتنزه الله تعالى عنه، و(كلام الله) له الكمال المطلق فلا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا وتقدست صفات الله عن النقصان، ولو قبل النقصان انتفت عنه الإلهية والكمال المطلق، وكلام الله القديم ليس من جنس كلام البشر بحرف وصوت، فالحروف يسبق بعضها بعضاً، وهي متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، وكلام الله القائم بذاته لا يكون إلا قديما، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما}، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم، أزال الله المانعَ عن سمع موسى، فسَمعَ كلامَ الله القديم من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود.
قال الغزالي: (ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات، وإن عقل كون السماوات السبع وكون الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب، وأن كل ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة، من غير أن تحل ذات السماوات والأرض والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة، فليعقل كون الكلام مقروءاً بالألسنة محفوظاً في القلوب مكتوباً في المصاحف، من غير حلول ذات الكلام فيها، إذ لو حَلّت بكتاب اللّه ذاتُ الكلام في الورق، لحلت ذات اللّه تعالى بكتابة اسمه في الورق، وحلت ذات النار بكتابة اسمها في الورق ولاحترق) أهـ، ([208]) .
وقال الرازي عند تفسير قوله تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا}: (وكما لا يبعد أن ترى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا في حيز فأي بُعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفا ولا صوتا) أهـ([209]) .وصفة الكلام مطلقة لا حد لها، قـال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 1.9]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27]، لقد أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالجهل والحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، (فقالوا): صفة الكلام من صفات الفعل، وأنه قديم النوع حادث الآحاد، بمعنى أنه ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عن الكلام متى شاء، وجعلوا الزمان فاعلا في الكلام، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالزمان ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عنه متى شاء، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية، بل محدثة، وهي ليست مطلقة بل محدودة، والقرآن الكريم – على لازم قولهم – محدث لأنه كان بعد أن لم يكن، ويحدون الصفة في حال السكوت على ظنهم، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].
يقولون (قديم النوع حادث الآحاد) ولنا ان نتعجب إذ كيف يكون اللفظ الإلهي حادثا شخصًا ويكون في نفس الوقت قديما نوعًا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع، وهذا محال أشد ما يكون بعده عن تدقيق المتخصصين، وهو متناقض، لأنّ الذي يقبل حدوث آحاده لا يكون قديما أبدا وكيف يكون قديما وهو يقبل المحدثات، ولكن إذا لم يكن لديك تخصص فقل ما شئت، و(العجب) من أهل الحشو يغارون على ابن تيمية أن نتكلم في اخطائه ولا يغارون على الله العظيم عندما يُنسب إلى صفاته الحدوث، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
[المفتاح الثامن]: الجمع بين الأدلة وتنزيل كل دليل على مرتبته الخاصة به: لكل كلام مرتبته فكلام القديم قديم وكلام المخلوق مخلوق ولكن كلام الله أنى تصرف فهو كلام الله بلفظه ومعناه غير مخلوق فالقرآن كلام الله على الحقيقة وأصواتنا بالقرآن مخلوقة، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، والذي ينبغي بيانه: أنّ هناك قسمان من الكلام:
(القسم الأول): هو (الكلام النفسي) وهذا اثبته السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية وهما المدرستان المتخصصتان في العقائد الإسلامية بحق، وقد أيدوا قولهم بأدلة القرآن، وهذا الكلام الأزلي القديم القائم بذات الله هو الذي نفته المعتزلة وهذا خطؤهم، لأن الآيات تذكره، وأثبتوا لله الكلام اللفظي فقط، ولما كان الكلام اللفظي بحرف وصوت فمحال ان يكون قديما، قالوا أن الله يخلق الكلام في غير ذي محل، وأما الحنابلة فقد أثبتوا الكلام اللفظي وجعلوه قديما بحرفه وصوته وهذا محال، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى.
و(القسم الثاني) من الكلام وهو (الكلام اللفظي): وهو الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام وسمعه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه التابعون من الصحابة رضي الله عنهم وهو الذي نسمعه بصوت الحصري والمنشاوي وعبد الباسط وغيرهم من مشاهير القراء، فالقائم بذات الله لا خلاف بين الأصوليين أنه كلام الله على الحقيقة لفظا ومعنى، والذي نسمعه من القراء هو أيضا كلام الله على الحقيقة لفظا ومعنى ولكن بصوت المنشاوي وعبد الباسط فالمتلو كلام الله والذي نسمعه كلام الله ولكن صوت المنشاوي محدث وحرف القرآن الذي نسمعه من المنشاوي محدث، وبذلك نحل الإشكال، فالقرآن أنى تصرف فهو كلام الله والقديم منه ما كان صفة لله قائما بالله، وما كان من المخلوق قائما بالمخلوق من الصوت والحرف فهو محدث.
وهذا هو التحقيق وما عداه إذا صدر عن أهل الأصول فهو يتناول أحد الأقسام، فمن تكلم عن الكلام النفسي فإنه يقول أنه كلام الله القائم بذاته بلا حرف ولا صوت ولا ابتداء ولا انتهاء ولا حد ولا غاية، ومن تكلم عن القرآن الذي نسمعه من المنشاوي وعبد الباسط فإنه يقول أنّه كلام الله بحرف المنشاوي وصوته، وهذا لا شك انه محدث مع أن الذي نسمعه هو كلام الله القديم لفظا ومعنى، وهذا القرآن غير قائم بالله تعالى لأنه تعالى لا يكون محلا للحوادث، بل هو قائم بغيره تعالى، وهو لا يتحقق إلا بحروف وكلمات وألفاظ مترتبة متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، أوجده الله تعالى في اللوح المحفوظ، وتلاه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كلام الله حقيقة ومعنى يؤديه الناس بحروفهم وأصواتهم حين تلاوتهم له.
فكلام المعتزلة محمول على اللفظي، ولكنهم ذهلوا عن الأصل وهو الكلام النفسي القائم بالله فنفوه وهذا أكبر أخطائهم في مسألة الكلام، وكلام حشوية الحنابلة الأوائل خليط دون تحقيق فأخذوا القدم من الكلام القائم بالله واخذوا الحرف والصوت من الكلام اللفظي المسموع من الخلق، وذهبوا إلى أن كلام الله تعالى مؤلف من أصوات وحروف مترتبة، وأنها قائمة بذاته تعالى قديمة قدم الذات، ولا يخفى ما في كلامهم من التناقض، فإن قيام الصفة بذات الله تعالى يقتضي قدمها لأن الله تعالى لا يكون محلا للحوادث، وكون الكلام مؤلفا من الأصوات والحروف المترتبة يقتضي حدوثها لبداهة تعاقبها وتجددها المستلزم للحدوث، ومذهبهم حشو يجمع بين المحالات.
وأما ما قاله ابن تيمية بأنه قديم النوع حادث الآحاد، فهذا من أمحل المحال إذ الآحاد في مجموعها هي النوع فكيف يكون النوع قديما والآحاد حادثة لا يستقيم هذا عند من يفهم الفرق بين القديم والحادث وهؤلاء أبعد الناس عن معرفة معنى القديم وأنه لا يقبل الحادث، فجاءوا بالمحال واعتقدوه وسار خلفهم كل جاهل يعتقد انها قاعدة سحرية حلت كل المشكلات (قديم النوع حادث الآحاد)، وهيهات هيهات، ثم لا محال أن يكون الكلام القائم بذات الله تعالى مسموع لمن شاء الله ان يتجلى عليه بكلامه فيسمعه الكلام الأزلي القديم الذي بغير حرف ولا صوت، سمعه جبريل عليه السلام، وسمعه الكليم موسى عليه الصلاة السلام، ويسمعه المؤمنون يوم القيامة، بغير ان يحل في ذواتهم لأنه صفة الله وصفات الله لا تحل بالمخلوق.
ومن أجاز رؤية الله على سبيل خرق العادة مقدسة عن الصورة والشكل واللون والجهة والزمان والمكان يسهل عليه تصور سماع كلام الله تعالى على سبيل خرق العادة بغير صوت ولا حرف، ومعتقد كل مسلم أنّ المسموع والمكتوب والمحفوظ هو القرآن الكريم كلام الله على الحقيقة، وكلام الله تعالى القائم بذاته لا ينفصل عنه، ولا يحل في غيره من المحدثات، وهذه مراتب للوجود، فهناك وجود في الأعيان، وهناك وجود في الأذهان، وهناك وجود في الأسماع، وهناك وجود في الكتابة، فالكتابة تدل على العبارة، والعبارة تدل على ما في الأذهان، وما في الأذهان، صور لما في الأعيان، والأسماع متعلقة بالعبارة، وليس ما في الأعيان بحال في شيء من الأذهان واللسان والقرطاس والآذان، والدليل عليه اننا إذا كتبنا كلمة (النار) على الورقة فإنها لن تحترق لأن كلمة (النار) التي كتبناها على الورقة ليست هي عين النار، وبالتالي فإنّ الأعيان لا تحل فيما سوى الاعيان، واللفظ الدال على تلك الاعيان هو المكتوب والمقروء والمسموع، والكلام كلام الله على الحقيقة.
ويبقى أمر يحتاج إلى إيضاح: وهو أنّ المسموع لسيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ما هو؟ ذهب السادة الأشاعرة إلى انه (الكلام النفسي القديم الذي هو ليس بحرف ولا صوت)، يُسمِعه الله تعالى من يشاء من عباده على سبيل خرق العادة، فإن العادة أن: لا تسمع إلا الأصوات. وذلك على أصلهم: (أن كل موجود يصح أن يسمع كما أن كل موجود يصح أن يرى). وذهب السادة الماتريدية إلى أن المسموع لهؤلاء هو صوت مخلوق لله تعالى دال على المعنى القائم بنفسه، قال أبو المعين النسفي في التبصرة: (وذكر أبو منصور في كتاب التأويلات أن موسى عليه السلام سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى)، وكان اختصاصه أن الله تعالى أفهمه كلامه بإسماعه صوتا تولى تخليقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسباً لأحد من الخلق إكراماً منه إياه) أهـ([210]) . والذي أراه: أنّ كلام السادة الأشاعرة هو التحقيق في المسألة وان كلام السادة الماتريدية قريب محتمل وهما المدرستان المتخصصتان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة وان كلام المعتزلة خطأ وأنّ كلام الحشوية بقدم الحروف والأصوات محال وان كلام التيمية والوهابية بقدم النوع وحدوث الآحاد من أمحل المحال، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، وحتى الحنابلة الذين ينتمي إليهم ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، قال السفاريني الحنبلي في [اللوامع] (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها … ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) انتهى([211]) .
[المفتاح التاسع]: قول المدارس المتخصصة في العقيدة حول صفة الكلام: لا يعد من نافلة القول أن نقول بأنّ السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية وهما المدرستان المتخصصتان في العقائد الإسلامية بحق، وقد أيدوا قولهم بأدلة القرآن، ويتفق الأشاعرة والماتريدية في كون كلام الله صفة أزلية قائمة بذاته تعالى (الكلام النفسي)، لكن يكمن الفرق الجوهري في سماع هذا الكلام وحقيقته؛ فالأشاعرة يجيزون سماع كلامه النفسي لذاته، بينما الماتريدية يرون أن المسموع مخلوق دال على الكلام النفسي ولا يسمع ذاته، فالسادة الأشاعرة: يثبتون كلاماً نفسياً أزلياً، ويعتقدون أن موسى عليه السلام سمع كلام الله النفسي القديم مباشرة، وذلك عبر خلق الله لإدراك جديد له في سماع الكلام، حيث يرى الإمام الأشعري أن موسى عليه السلام سمع كلام الله نفسه، وذلك بأن خلق الله فيه إدراكاً مكنه من سماع الصفة الأزلية، والأصل عنده: أنّ كل موجود يصح رؤيته، يصح سماعه. وبما أن كلام الله موجود وقائم بذاته سبحانه، فمن الممكن عقلاً وشرعاً سماعه، واستدلوا بقوله تعالى لموسى: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}، قال: الاستماع وقع لصفة الكلام الأزلية نفسها، لكن الله أزال الحجاب عن سمع موسى، فسمع كلاماً ليس بصوت ولا حرف، لا يشبه كلام المخلوقين.
والسادة الماتريدية: يثبتون كلاماً نفسياً أزلياً، لكنهم يقولون إن الله لا يُسمع لذاته، وأن ما سمعه موسى هو “أصوات وحروف” مخلوقة دالة على الكلام النفسي، وليست هي عين كلام الله القديم، فكلاهما يثبت الكلام النفسي الأزلي، أما المسموع فالأشاعرة يقولون: (كلام نفسي يُسمع بخلق الإدراك في قلب المستمع، والماتريدية يقولون: (المسموع صوت مخلوق دال على الكلام النفسي)، وهم يرون أن كلام الله الذاتي لا يُسمع؛ فما سمعه موسى عليه السلام هو صوت وحرف خلقهما الله ليدلا على كلامه الأزلي، فالمسموع هو “الدال” وليس “المدلول” (الصفة القائمة بالذات)، فهم يوافقون على أن حقيقة صفة الكلام هي المعنى النفسي، كما قال الأشاعرة ولكنهم يميلون إلى اعتبار الألفاظ المنزلة (القرآن اللفظي) تسمى كلام الله مجازاً لأنها دالة عليه.
[المفتاح العاشر]: المذهب المختار في صفة الكلام: هو مذهب السادة الأشاعرة لأنّي أراه التحقيق الذي يجمع بين كافة النصوص ويضع كل نص في المرتبة التي تخصه، وهم أعرف الناس بمعاني القدم الازلي وأنه لا يصلح معه اثبات الحرف والصوت والابتداء والانتهاء (أي ابتداء الكلام والسكوت) ولا يصلح معه الاستمرار والتواصل لأنه هكذا يجري عليه الزمان، وهم أعرف الناس بأنّ قدم الحروف القدم الازلي محال وكذلك قدم الأصوات محال، وأنّ من أمحل المحال ما يقوله أهل الجهل بالمقدمات والإلهيات بقدم النوع وحدوث الآحاد، وكلامهم رسوخ في العلم، وهم يقولون: إنّ (صفة الكلام): صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، دليلها: قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وأنّ (صفة الكلام) صفة أزلية قديمة منزهة عن كل معاني الحدوث، كلام الله أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن، وأنّ (كلامه تعالى) صفة واحدة، لا تعدد فيها، لكن لها أقسام اعتبارية، فمن حيث تعلقه بطلب فعل الصلاة (أمر)، ومن حيث تعلقه بطلب ترك الزنا (نهى)، ومن حيث تعلقه بأن فرعون فعل كذا (خبر)، ومن حيث تعلقه بأن الطائع له الجنة (وعد)، ومن حيث تعلقه بأن العاصي يدخل النار (وعيد)، إلى غير ذلك من الأقسام، وأنّ (الكلام) يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى: أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وصفاته كلها قديمة، والكلام القديم الأزلي هو معنى وراء الأصوات والحروف، وهو المعنى القائم بذات الله تعالى، وهو غير العبارات واللغات إذ قد تختلف العبارات واللغات مما يدل على حدوثها، وأنّ (صفة الكلام) غير صفة العلم، عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، مثل العلم، ولكن العلم كشف الشيء على حقيقته بغير سبق خفاء، والكلام دلالة على مراد الله بغير سبق سكوت، وأنّه (أزلي) غير تابع للمشيئة مثله مثل العلم لا يتبع المشيئة و(الكلام) صفة قائمة بالنفس قديمة لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى، و(كلامه سبحانه) واحد وانقسامه إلى الأمر والنهي والاستفهام والخبر والنداء بحسب التعلق، وأنّ (كلام الله تعالى القديم) لا يجري عليه زمان فليس هو تعاقب الحروف ولا الكلمات، فإن الله تعالى منزه عن جريان الزمان عن جناب ذاته وصفاته وأفعاله، وإنما يجري الزمان على خلقه ومتعلقات كلامه، وأنّ (كلام الله تعالى) لا حد ولا عد ولا أول ولا آخر لقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]، وأنّ (كلام الله تعالى) مسموع سمعه الكليم موسى عليه السلام من الله تعالى من غير صوت ولا حرف على سبيل خرق العادة، فقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما}، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم، أي أزال الله المانعَ عن سمع موسى عليه السلام، فسَمعَ كلامَ الله القديم من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود.
ومذهبهم في الكلام والقرآن أعدل المذاهب لجمعه بين الأدلة والتوفيق بينها بما لا يخالف قواعد التقديس المستمدة من أدلة الكتاب والسنة كالتقديس عن الحد والبداية والنهاية والغاية والتقديس عن الحدوث وقبول الحوادث والتقديس عن الأعراض المحدثة التي يجري عليها زمان كتعاقب الحروف والاصوات، فلا انتقاص كما قالت المعتزلة أنّ الكلام مخلوق، فحدوه وعدوه، ولا محال كقول الحنابلة بقدم الحروف والأصوات وازليتها ولا تناقض وتعارض ومخالفة لقواعد التقديس كقول التيمية والوهابية بقدم النوع وحدوث الآحاد.
قال الغزالي: (ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات) ([212]) . وأنّ (القرآن الكريم): الموجود بين أيدينا هو كلام الله على الحقيقة، وانه لتعلقه بجناب الذات قديم أزلي، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم على الحقيقة.
[المفتاح الحادي عشر]: الرد على المعتزلة في مسألة خلق القرآن: قالت المعتزلة: القرآن مخلوق يخلقه الله متى شاء ويكلم بهذا الكلام المخلوق من شاء، وقالوا: إذا قلنا: إن القُرْآن كلام الله، فلا يمنع ذلك أن يكون مخلوقاً، لأننا نقول: بيت الله والبيت مخلوق، وناقة الله والناقة مخلوقة، إذاً كلام الله مخلوق، وكلام أهل الاعتزال خطأ، لأننا نقول علم الله وقدرة الله فهل العلم مخلوق وهل القدرة مخلوقة معاذ الله، ولكن بيت الله إضافة تشريف لأن كل البيوت لله، وناقة الله تشريف لناقة صالح لأنها كانت آية وإلا فكل النوق لله، فالأعيان إذا أضيفت لله فهي على سبيل التشريف والمعان إذا أضيفت لله فهي صفات مثل قدرة الله وعلم الله وكلام الله وعزة الله، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54]، فقد فرَّق الله تعالى بين الخلق والأمر، أما الخلق ففعله، وأما الأمر فقوله، والأصل في المتعاطفين التغاير إلا إذا قامت القرينة على عدم إرادة ذلك، وهنا قد قامت القرائن على توكيد الفرق بينهما، ومنها: أن الخلق إنما يكون بالأمر، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[يس: 82]، فقوله تعالى: {كن} هو أمره، فلو كان مخلوقا لاحتاج خلقه إلى أمر، والأمر إلى أمر، إلى ما لا نهاية، وهذا باطل، وقد اكد القرآن الكريم أنّ لله صفة الكلام على الحقيقة وليس فعلا لله كالخلق والرزق، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، والوصفُ بالتكلُّم مِنْ أوصافِ الكمال، وضده من أوصاف النقص، فالكلام صفة كمال لله عز وجل.
[المفتاح الثاني عشر]: الرد على الحنابلة في مسألة قدم الحرف والصوت: القاعدة عند المتخصصين في علم الأصول وقواعد التقديس: أنّ الحروف متعاقبة، يعقب بعضها بعضًا، وكذلك الأصوات، فلو كان كلام الله بحرف وصوت لكان حادثًا، والله منزه عن الحوادث، فلزم أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت، ولكن للحنابلة رأي آخر وهو أنه يمكن أن تكون الحروف والأصوات أزلية، يقول السجزي الحنبلي: (فإن قالوا: دخول التعاقب إنما يتعين فيما يتكلم بأداة، والأداة تعجز عن أداء شيء إلا بعد الفراغ من غيره. وأما المتكلم بلا جارحة فلا يتعين في تكلمه التعاقب) أه ([213]) . وقال الشيخ أبا بطين الحنبلي: (وقلتم: الحروف يلزمها التعاقب، ويتقدم بعضها بعضًا، فيلزم أن تكون مخلوقة. قلنا: إنما يلزم التعاقب في حق من يتكلم من المخارج، والله سبحانه غير موصوف بذلك) أه ([214]) .
وإنما التزموا هذا المحال ظنا منهم أنّ أدلة الكتاب والسنّة قد جاءت بالحرف والصوت، فخالفوا القطعي الذي أجمع عليه أهل التخصص بالظني الذي لا يؤيد ما ذهبوا إليه، فأما (الحرف)، فيكفي أهل السنة دليلا على أن الله تعالى لا يتكلم بالحرف ما أنزله الله في القرءان وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [سورة التكوير: 19]، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل هو كلام الله ولكنه مقروء جبريل ليس مقروء الله، وأما (الصوت) فلم يأت فيه حديث صحيح، وهؤلاء يستدلون على الصوت بأحاديث لا يصح الاحتجاج بها في العقيدة عموما فضلا عن اثبات صفات لله وهي في عرف الأصوليين المتخصصين من المحال، وهم لا يعلمون محاذير هذا القول الباطل من نسبة الحوادث والاعراض إلى الله، الشاهد: أحاديث الصوت لا يصح الاحتجاج بها في العقيدة، قال البيهقي في الأسماء والصفات: ” فليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات ” أهــ، ([215]) . ومثل ذلك قاله أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (وبيان مفاتيح هذه الأحاديث كما يلي: فقد روى البخاري في الأدب المفرد بصيغة التمريض، قال: ويُذكر، وفيه: (فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، أنا الملك أنا الديّان)، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض من أجل راويه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في ضبطه وحفظه، وأخرجه البخاري في صحيحه عند ذكر الصوت معلقا، ولا يكفي في مسائل الاعتقاد المعلق، وذكره البخاري في كتاب العلم بصيغة الجزم من غير ذكر الصوت) أهـ ([216]) . وعليه فقد قد رجح ابن حجر صنيع البخاري لأنه عندما اشتمل على نسبة الحدث والعرض إلى الله تعالى وهو الصوت جعله معلقا لأنه لا تثبت الصفات إلا بأدلة لا اختلاف فيها، قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، وعندما لم يذكر الصوت وصل الحديث، ثم اختلف الرواة (فينادي بصوت بكسر الياء، أم فينادى بصوت بفتح الياء)، وكلاهما يحمل على المَلَك، (فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، أنا الملك أنا الديّان) ([217]) واعتراض البعض ممن أكلت البدعة قلوبهم وعقولهم بأن لفظ (أنا الديان) دليل على انّ الله بذاته هو المتكلم لا دليل فيه لأنّ الحكم في نهاية الامر يرجع إلى الله، والملَكَ إذا كان يقول هذا عن الله تعالى فالحكم يرجع إلى الله رب العالمين، والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى: {إنًّنِي أَنَا الله} [سورة طه: 14]، فليس يرجع إلى القارئ وإنما القارئ ذاكر لكلام الله تعالى ودالُّ عليه بأصواته وهذا بَيّنٌ لمن لم تأكل البدعة قلبه وعقله، وأخرج البخاري في الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيّك وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار)، ([218]) . هذا اللفظ رواه رواة البخاري على وجهين، بعضهم رواه بكسر الدال وبعضهم رواه بفتح الدال، ولا محذور، لإن قرينة قوله: (إن الله يأمرك)، تدل ظاهرًا على أن المنادي الملَكَ يأمره الله بأن ينادي، وأخرج الدارقطني الحديث نفسه بلفظ: (يبعث الله يوم القيامة مناديًا بصوت)، وهذا بمثابة المحكم الذي يجب أن نرد إليه المتشابه، وبالتالي تُحل المشكلة، ونكون من الراسخين في العلم الذين يردون المتشابهات إلى امهاتها من المحكم، في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ] [آل عمرن:7]، وأخرج أبو داود في السنن: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل حتى إذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم قال فيقولون يا جبريل ماذا قال ربك فيقول الحق فيقولون الحق الحق) ([219]) . والحديث واضح بانّ الصوت للسماء: (سمع أهل السماء للسماء) وهو عند البخاري حديثا معلقا وموقوفا على عبد الله ابن مسعود، والحاصل: ليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به، قاله البيهقي في الأسماء والصفات ونقله عنه أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال: (قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي غير حديثه، فإن كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره في حديث ابن مسعود وفي حديث أبي هريرة أن الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتًا، فيحتمل أن يكون الصوت للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة) ([220]) . وقال الكوثري في مقالاته: (ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث) ([221]) . وإني لأتعجب أننسب المحال إلى الله بأسانيد فيها نظر ولها مفاتيح ومخارج، والعجب من استدلالات ابن تيمية حيث يقول: (النداء لا يكون إلا بالصوت، وذلك عند قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وينسج تلميذه ابن القيم على منواله فيقول: (وقد ذكر سبحانه النداء في تسعة مواضع في القرآن أخبر فيها عن ندائه بنفسه، ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت، فإنه بمعناه وحقيقته باتفاق أهل اللغة، فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعا) أهـ([222]) . وعند التحقيق فإنّه ليس شرط النداء ان يكون بصوت، قصاراه أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت، وقد قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا}، نداء خفيا، فيكون تعارض بين زعمه أنه بصوت وبين قوله نداء خفيا أي لا يسمع له صوت، وكثير من أهل اللغة قالوا: النداء طلب الإقبالِ، وله مخرج يحسم مادة المتشابهات، ويرد المتشابه إلى أمهاته من المحكم: ان يُحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره، ومثل ذلك سائغ في الكلام غير مستنكر، كما قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَونُ فِي قَوْمِهِ} [سورة الزخرف: 51]، وإنما المراد نادى المنادي عن أمره، وأصدر نداءه عن إذنه، واللغة العربية تسمح بذلك، فلم التنطع ونسبة المحال إلى الله وعندنا المفتاح للتقديس والتنزيه، وصدق الله تعالى حيث يقول: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}.
[المفتاح الثالث عشر]: الرد على مذهب ابن تيمية في مسألة قديم النوع حادث الآحاد: من جملة أخطاء ابن تيمية في العقيدة: -لأنه غير متخصص فيها-: قياسه كلام الله تعالى على كلام البشر، وجعله من الحوادث التي تحدث في ذات الله تعالى، فذكر من تلك الحوادث تجدد المعلومات والمسموعات والمبصرات وتعاقب الكلمات، قال في منهاج السنّة: ” قولُنا بقيام الحوادث بالرَّبِّ إنما هو قولٌ له دليلُه من الشَّرْعِ والعقل “([223]) .وقال في موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول: (والقولُ الحقُّ الصَّحِيحُ أنَّ الله لم يزلْ مُتَكَلِّمًا بحروفٍ متعاقبةٍ لا مجتمعة) أهــ ([224]) . وقال في مجموع الفتاوى: (الله يتكلَّم إذا شاء ويسكتُ إذا شاء) ([225]) . وهذا كله جهل وضلال منشؤه من قياس كلام الله تعالى الذي ليس كمثله شيء بكلام المخلوق الذي يتكلم ثم يسكت، ونسي أنّ كلام الله تعالى من صفاته القديمة، وأنّ صفات الله تعالى الذاتية لا تعلق للمشيئة والإرادة بها، وما قاله ابن تيمية تكييف لكلام الله على كلام البشر، لأنَّ الذي يَتَكَلَّمُ ثمَّ يسكتُ يستحيلُ في العقلِ أنْ يكونَ إلها، أليسَ السُّكُوتُ بعدَ الكلامِ علامةُ التغيُّر؟ وكَيْفَ يكونُ مَنْ يطرأ عليه تَغَـيُّـرٌ إلها، وقد قال الخليل إبراهيم عليه السلام: {لا احب الآفلين} أي لا يصلح المتغير من حال إلى حال ان يكون إلها، إنّ الله تعالى له الكمال المطلق، وكمال كلام الله تعالى كمال مطلق ككمال جناب ذاته وصفاته، منزه عن أي نقص، كمال يستحيل عليه الزيادة ولا النقصان، لأنه الكمال المطلق، ومن صعب عليه تصور هذا التقديس فليعتزل التخصص في العقيدة ويدعها لأهلها المتخصصين فيها.
لقد أخطأ ابن تيمية واتباعه خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات، لان الإلهيات مبنية على نفي المماثلة، والحس مبني على القياس على المماثلة، لقد أخطأ هؤلاء عندما أهملوا جانب التخصص في الإلهيات وزهدوا في علم التقديس (قسم توحيد جناب الذات) لأنّ من فوائد علم التقديس تصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله وعن ذات الله وعن صفات الله، ولو في دقائق الصفات، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التقديس العقلي والقلبي مع التقديس اللساني، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور جناب الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات، ومحال تصور حقائق الصفات لأنّ ليس كمثل صفاته صفات، ومن فوائد هذا العلم الفهم الصحيح والأمثل للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء لله تعالى، وهو العلم الذي يؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله تعالى، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة.
و كما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن علم التقديس والتنزيه – على صعوبة هضمه وفهمه – يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم، يصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان، و(العامة) لا يتصورون كلاماً إلا يسبقه سكوت ويعقبه سكوت، كما هو حال الإنسان يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء، ولا يتصورون كلاما إلا بحرف وصوت، كما هو جنس كلام البشر بحروف تقبل التقديم والتأخير، وأصوات قد تكون عذبة، وقد تكون مستقبحة، تعالى الله تعالى عن تلك الأضداد والأعراض، وهم لا يتصورون كلاما إلا بصوت قد يكون خافتا أو جهورا، هكذا لأنّهم لم يروا غير ذلك، ولا يتصورون غير ذلك، وعقلهم الباطن يقيس كل ما غاب عنه بما يُشاهده، فيحكم باستحالة أن يكون الكلام بغير صوت.
اتباع الإمام ابن تيمية يتشدقون بانه لا أساس للكلام النفسي الذي قال به أهل التخصص، مع أنه لا مخرج لقدم صفة الكلام إلا بتبني مسألة: (الكلام النفسي) الذي جاء ذكره في القرآن الكريم، إذ لو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، ولكن سمعهم الله السميع العليم، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، لعلموا: أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا، وهذا القرآن ينطق بذلك، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، لعلموا أنّ من القول قول السر: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقط، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، ومثله تماماً قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص؟ حتى قال بعض الحشوية الأجلاف: (نحن نستدل في الحرف والصوت بقوله تعالى {كهيعص} [مريم:1]، وخصومنا يستدلون بقول الأخطل النصراني (إن الكلام لفي الفؤاد) أهــ، وهذا جهل لان الأدلة من القرآن على الكلام النفسي أبين من الشمس في رابعة النهار، هكذا يقولون وهذا مبلغهم من الجهل المركب فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
ومن جملة أخطاء ابن تيمية نسبته إلى أئمة الحديث وإلى أهل السُّنة والجماعة مذهب الكرامية في مسألة الكلام، فهو ينقل عن أهل السنّة أنهم يقولون: أن الله متكلم بصوت يحدث في ذات الله شيئا بعد شيء، وانه يتكلم بمشيئته وقدرته، وان كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد، وانه بحرف وصوت، وفي هذا جملة من الأخطاء الجسيمة:
(أولها): أنّ هذا المذهب ليس مذهب أهل السنّة وليس مذهب أهل الحديث وإنما هو مذهب الكرامية المجسمة، فمذهب الكرامية: (أن الله تعالى تقوم به كلمات تحدث في ذاته وقتا بعد وقت) وابن تيمية ينسب هذا المذهب الرديء الذي أخذه من الكرامية إلى أئمة أهل الحديث، وأئمة أهل الحديث على خلاف ما يدعيه وما يقول، فإن معتقدهم أن ذات الله تعالى لا تحدث فيه صفة تتجدد من وقت إلى وقت، وتتجدد في مرور الأوقات.
و(الثاني): قوله: (قديم النوع حادث الآحاد) وهي بدعة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات وهي من قبيل التلاعب بالألفاظ، ولنا ان نتساءل إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل المركب، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، وحتى الحنابلة الذين يتمسح بهم ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، قال السفاريني الحنبلي: (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها … ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) انتهى([226]) .، وحتى الحشوية القدامى أمثال أبو حامد والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني فلم يرضوا بهذا الهراء، لأنه إما قديم لا يقبل الحدث وإما محدث، أما بدعة قديم النوع حادث الآحاد، فهذه لم يقبلها حتى أهل الحشو القدامى الموغلون في الحشو، قال أبو الحسن ابن الزاغوني الحشوي في كتابه الإيضاح في أصول الدين: (لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه تعالى في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأمة قاطبة على إحالته) انتهى، ([227]) .
فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك بانّ الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد إضافة إلى كونه من المحال، فإنه قد جعل الزمان حاكما على الله لأنه بمرور الزمان تتجدد صفاته من العلم والسمع والبصر والكلام، فيكون حاله قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث وأنّ من قبل الحادث فهو حادث وأنّ من كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن لها الكمال المطلق، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم أنّ الحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، لا المعلوم والمسموع والمبصَر، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، و(الثالث) قوله أنه بحرف وصوت، أما (الحرف)، فيكفي أهل السنة دليلا ما أنزله الله في القرآن، وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [سورة التكوير: 19]، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل كلام الله ولكن مقروء جبريل عليه السلام وليس مقروء الله، وأما (الصوت) فلم يأت فيه حديث صحيح، وقد تقدم، وقال البيهقي في الأسماء والصفات: ” فليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات ” أهــ، ومثل ذلك قاله أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال الكوثري في مقالاته: (ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث) ([228]) .
وإني لأتعجب أننسب المحال إلى الله بأسانيد فيها نظر ولها مفاتيح ومخارج، إنّ عدم تمرس ابن تيمية بعلم أصول الدين، وعدم فهمه للمحالات وعدم دراسته لمقدمات الإلهيات وجهله المطبق بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله، جعله هذا الجهل المركب ينسب إلى الله تعالى المحال: قال في كتابه رسالة في صفة الكلام: (وحينئذٍ فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وإن قيل إنه ينادي ويتكلم بصوت ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين، وإذا كان قد تكلم بالتوراة والقرآن والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين، وإن كان نوع الباء والسين قديمًا لم يستلزم أن يكون الباء المعينة والسين المعينة قديمة لما علم من الفرق بين النوع والعين) انتهى([229]) .
وهذا الكلام به كمية كبيرة من المغالطات ونسبة المحال إلى الله، يقول: (فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته) كيف يكون قديما وهو يتعلق بالمشيئة والقدرة فكل ما تعلق بهما لا محالة حادث مخلوق، وكيف يكون قديما وهو يقول: (لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين) فالباء قبل السين تعاقب، والتعاقب حدوث يخضع للزمان، فكيف يكون قديما وهو متعاقب، ثم أضحك الثكلى بقوله (قديم النوع حادث الآحاد) إذ كيف يكون اللفظ الإلهي حادثا شخصًا ويكون في نفس الوقت قديما نوعًا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع، وكلامه محال أشد ما يكون بعده عن تدقيق المتخصصين، وهو متناقض، لأنّ الذي يقبل حدوث آحاده لا يكون قديما أبدا وكيف يكون قديما وهو يقبل المحدثات، ولكن إذا لم يكن لديك تخصص فقل ما شئت.
و(العجب) من أهل الحشو يغارون على ابن تيمية أن نتكلم في اخطائه ولا يغارون على الله العظيم أن ننسب إليه الحدوث، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، إنّ مشكلة هؤلاء انهم يقيسون كلام الله على كلام البشر فيقولون أنّ صفة الكلام من صفات الفعل، وينسبون إلى الله الكلام والسكوت، وهذا حد لصفة الكلام لو كانوا يعلمون، كلام الله ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي قديم ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى قديم لا يجري عليه زمان، لأنه في النهاية كلام الله صفة الله، وصفة الله تابعة لذاته، غيب الغيوب لا يُدرك، ليس كمثله شيء وليس كمثل كلامه كلام، لقد أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، فكما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث، وأما شبهة أهل الحشو المتعلقة بالكلام، فالمشكلة أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى، على كلام البشر المحدث المحدود الناقص، فيتصورون أن صفة الكلام -كما هي في الإنسان – صفة فعلية تتعلق بالإرادة واستنبطوا وبئس ما استنبطوه: أن الله يتكلم بما شاء متى شاء، ويسكت متى شاء فجعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم محدثا مخلوقا، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}.
لقد أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وقد نقل الإجماع في ذلك، الأئمة: النووي، والغزالي، والرازي، ومن السادة الحنابلة الإمام ابن الجوزي والامام عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر) أهـ [العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 34 – 36]، وكل متون العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وتذكر أن: القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، وأنه لو قبل الحدوث لم يكن قديما، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء.
[المفتاح الرابع عشر]: خلاصة القول في مسألة الكلام: الله تعالى متكلم له صفة الكلام، وصفاته قديمة ازلية تابعة لذاته، ولما كان الكلام على قسمين كلام لفظي بحرف وصوت وكلام نفسي بغير حرف ولا صوت، فالأول لا شك انه محدث لتعاقب الحروف والأصوات، والثاني يصلح ان يكون قديما بغير صوت ولا حرف، ومذاهب الناس في الصفة ثلاثة الأول: المعتزلة اختاروا اللفظي وجعلوه مخلوقا، وان الله تعالى إذا أراد ان يتكلم خلق الكلام في محل أو لا في محل، فالكلام ليس صفة له بل هو من مخلوقاته، واختار المجسمة اللفظي وانه قديم بحرفة وصوته، واختار التيمية والوهابية والحشوية انّه قديم النوع حادث الآحاد، وهذا من أعجب الأقوال لأنه يجمع التناقضات، واختارت الأشعرية والماتريدية الكلام النفسي، واعتمدوه أصلا للمسألة، وجعلوا الكلام اللفظي دالا عليه، وهذا القول هو القول الراجح وهو الأقرب إلى الصواب، وهذا يعني أن المخالف لا يكفر لإنكاره الكلام النفسي، والمنكرون لهذا الكلام النفسي – الذي هو الفتح والمفتاح للمسألة – طوائف المجسمة والمعتزلة، وكلاهما يقول بالحرف والصوت.
فالمجسمة قالوا: إن كلام الله تعالى ما هو إلا حروف وأصوات، وأن هذه الحروف والأصوات قائمة بذات الله تعالى، ومعلوم أن الحرف والصوت كل منهما حادث، فهذا هو القول منهم بقيام الحادث بذات الله تعالى، وقال زعيمهم وشيخهم إن جنس الكلام قديم وأفراده حادثة وهي الحروف والأصوات، وهؤلاء يعتقدون بقيام الحوادث بذات الله تعالى الله عن ذلك، وهم لا يرون بأسا في أن تكون صفات الله تعالى متألفة من عدد لا نهاية له من الحوادث، ويجوزون التسلسل في الأزل، وكلها محالات عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، ويزعمون أنّ كلام الله تعالى تابع لإرادته فهو يتكلم إذا شاء، وبذلك يكون الله تعالى عندهم مريداً لحدوث صفة من صفاته، وهذا لا يقول به إلا أهل الحشو والتجسيم، ورفضوا نظرية الكلام النفسي مع أنّ الأدلة له في القرآن الكريم كثيرة.
واما (المعتزلة) فقد نفوا أن يكون الله تعالى له صفة تسمى صفة الكلام، وأثبتوا الكلام له تعالى فعلاً من أفعاله، وقالوا: إنه يخلق أصواتاً وحروفاً دالة على ما يريد، ورفضوا أيضا نظرية الكلام النفسي مع أنّها المخرج الأمثل لمعضلات قدم صفات الله، ومنها صفة الكلام، وأَعْدَلُ الناسِ مذهبا في الكلام هُمْ أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وهم أكثر المذاهب توفيقا للنصوص، وقولهم هو الراجح في النظر، فلما ثبت عندهم أن الله تعالى متكلم بنص القرآن، لزمهم أن يقولوا بأن الله تعالى موصوف بصفة الكلام، ولما نظروا في معاني الكلام لم يجدوا إلا صنفين:
الأول: الكلام القائم بالنفس المنـزه عن مشابهة الكلام الحادث والثاني هو الكلام الحادث المتألف من الحوادث، وهي الأصوات والحروف، وهو الكلام اللفظي، فأثبتوا (الأول) النفسي صفة قديمة قائمة بذات الله، وجعلوا (الثاني) اللفظي دلالة على الأول، والمسموع كلام الله على الحقيقة، و (الكلام النفسي) حل لكل مشكلات التقديس المتعلقة بكلام الله القديم، فهو مطلق لا أول ولا آخر ولا حد ولا غاية ولا نهاية، يدل على كل ما يدل عليه العلم من مدلولات، أي إنه دال على سائر الواجبات والمستحيلات والممكنات، وهو واحد لا يتعدد وليس من جنس الحروف والأصوات، وهو قديم كسائر الصفات ولا يقاس على صفات البشر فلا يلزم منه التشبيه، والحاصل من كل هذا أن الواجب إنما هو إثبات أن الله تعالى متكلم وأن كلامه ليس ككلام البشر، وانّ القول بقيام الصوت والحرف بالله تعالى خطأ، وأن التحقيق أنه تعالى موصوف بالكلام النفسي الأزلي القديم، وانّ القرآن الكريم أنى تصرف فهو كلام الله على الحقيقة، يبلغه جبريل عن الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويبلغه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله إلى أمته وإلى الناس جميعا، والقرآن الكريم كلام الله تعالى على الحقيقة غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم لا يوصف بالحدوث والخلق، صفة قائمة بذات الله تعالى، ليس كمثل كلامه كلام، والقرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله، وأما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله.
ورحم الله حجة الإسلام الغزالي فما أجمله وما أرسخه في علم التقديس حين قال: (الركن الثاني العلم بصفات اللّه تعالى ومداره على عشرة أصول، … (الأصل السادس): أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام، وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف، بل لا يُشْبِهُ كلامُهُ كلامَ غيرِه، كما لا يُشْبِهُ وجودُهُ وجودَ غيره، والكلام بالحقيقة كلام النفس، وإنما الأصوات قطعت حروفاً للدلالات، كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات، وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء، ولم يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم: (إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا)، ومن لم يعقله عقله ولا نَهاه نُهاه عن أن يقول: لساني حادث، ولكن ما يحدث فيه بقدرتي الحادثة قديم، فاقطع عن عقله طمعك وكف عن خطابه لسانك، ومن لم يفهم أن القديم عبارة عما ليس قبله شيء، وأن الباء قبل السين في قولك بسم اللّه فلا يكون السين المتأخر عن الباء قديماً، فنزه عن الالتفات إليه قلبك فللّه سبحانه سر في إبعاد بعض العباد {ومن يضلل اللّه فما له من هاد}، ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات) أهـ، ([230]) .
[المفتاح الخامس عشر]: حل إشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم: الحاصل أنه ليس في إثبات الصوت لله تعالى حديث يصلح للاستدلال به من جهة السند والمتن، لأن أمر الصفات يُحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره، و الحاصل أنه ليس في إثبات الحرف لكلام الله تعالى دليل، بل قراءة القرآن بالحرف والصوت هي قراءة المخلوقين لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل مقروء جبريل ليس مقروء الله، والحروف مسبوق بعضها ببعض، والمسبوق لا يصلح ان يكون قديما، فإن القديم لا ابتداء لوجوده، ولا انتهاء لوجوده، والحروف والاصوات لها ابتداء ولها انتهاء، وصفات البارئ جلّ جلاله قديمة لا ابتداء لوجودها، ومن تكلم بالحروف يترتب كلامه ومن ترتب كلامه كان حادثا، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل التغير ولا الحدوث وبالتالي لا تقبل الزيادة ولا النقصان، والكمال المطلق يمنع التغير والحدوث.
وأهل الحشو يعتقدون قيام الحوادث بجناب ذات الله، ومن العجب أنهم أعرضوا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام {لا أحب الآفلين} أي لا يصلح المتغير ان يكون إلها، هؤلاء خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، فمن جوز ابتداء الكلام والسكوت ومن جوز قبول الحادثات فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}، وهؤلاء يقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أو خلق مخلوق أوجد في ذاته، كافًا ونونًا (كن) وإرادة حادثة، وعن ذلك تصدر المخلوقات، وهم يقولون: أنّ الحوادث التي تحدث في جناب ذاته هي أقواله وإراداته وتجدد معلوماته وتجدد إدراكه للمسموعات والمبصرات، ويزعمون ان علم الله يتجدد عندما يقوم عباده بما قدر عليهم من أعمال، وان السمع والبصر يتجددان كذلك برؤيته لعباده وسمعه لكلامهم، وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وذهلوا أن شرط الإلهية القدم الأزلي، وأخص صفات القدم الأزلي امتناع قبول الحوادث، لا سبيل للحدوث إليه، فليس في جناب ذاته شيء حادث ولا في صفاته شيء حادث، مشكلة أهل الحشو أنهم لا يفهمون معنى (القـدم الأزلي) الأولية بلا ابتداء، (القديم الذاتي) لا يقبل الحدوث، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، والله تعالى هو الحي الباقي الذي لا يزول، ولا يقبل الفناء، و (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن التغير والحدوث، وقد أجمع العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث.
و(الخلاصة): أنّ الله عز وجل متكلم بكلام قديم أزلي أبدي غير مخلوق ولا محدث ولا مخترع، وصفة الكلام صفة كمال وضدها يستحيل على الله كالخرس والسكوت لأنه حد لصفة الكلام، صفة الكلام لها الكمال المطلق، بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزها عن تغير الحالات، لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، صفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة، ولا مخرج للكلام الأزلي المنزه الحدوث والبدايات والنهايات سوى ما قاله أهل التخصص (الكلام النفسي) القائم بجناب الذات والتابع لقدمه الازلي وكماله المطلق، وقد دل القرآن على وجوده بغير حرف ولا صوت، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، وقد ذكرت فيما سبق آيات عديدة تدل على ان القول النفسي لا يلزم منه الصوت، فلا يبقى شك في (الكلام النفسي)، ولا مخرج للتقديس إلا بالقول (بالكلام النفسي) وقد اثبته القرآن، وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى كما في قوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما}، وقد كان الله تعالى متكلما ولم يكن كلم موسى عليه السلام وقد كان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق، فلما كلم الله موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل، كان هذا ما تيسر في حل إشكالات صفة الكلام وبيان أنّ كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان،
***
(سابعاً)
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية
في بيان مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث (خلق الله آدم على صورته)
[روايات الحديث]: (الرواية الأولى): رواية صحيحة، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) ([231]) .و(الرواية الثانية): رواية صحيحة، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ([232]) و(الرواية الثالثة): رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال: أخرج عبدالله بن أحمد في السنة،(1: 268) ، وابن أبي عاصم في السنة ، من طريق جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر بلفظ: (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) ([233]) . قلت: هذا الحديث لا يصح ولذلك ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ، وأعله بأربعة علل، منها ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة في كتابه التوحيد ([234]) .وهو ممن تأول الحديث – الأولى: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسله الثوري ولم يقل عن ابن عمر، والثانية: أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء، والرابعة ذكرها الألباني، وهي: جرير بن عبدالحميد فإنه وإن كان ثقة، فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أنّه قد نُسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، ومما يؤيد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم (530) – وكذا اللالكائي برقم (716) – بلفظ (على صورته) ولم يذكر (على صورة الرحمن) ولفظ (على صورته) هو الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة([235]) .
قلت: ومنه يتبين أنّ الحديث بلفظ (على صورة الرحمن) لا يصح البتة، وأنّه مما رواه بعض الرواة بالمعنى لا باللفظ الصحيح، ولا يبقى لنا إلا الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه بلفظه الصحيح: (على صورته) ومنه يتبين أنّ ما فعله حمود التويجري من المجازفة والخطأ من تصحيح الحديث في كتابه الذي سماه: (عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن)، وقد حاول أن يجيب عن علل الحديث، وفي جميع أجوبته نظر، ثم ما الطائل وراء ذلك؟، أهو ارغام المسلمين على اعتقاد التجسيم ثم ارداف تلك العقيدة بقول: ليس كمثله شيء، وقد زعم أن الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قد صححا حديث ابن عمر رضي الله عنه الذي جاء فيه: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) قائلاً: فلا ينبغي أن يلتفت إلى تضعيف ابن خزيمة له فصلاً عن تضعيف الألباني له تقليداً لابن خزيمة، وذلك لأن أحمد وإسحاق أعلم بالأسانيد والعلل ممن أقدم على تضعيف الحديث بغير مستند صحيح) ([236]) . فإن تصحيح الإمام أحمد ليس لهذا الحديث، وإنما لحديث (على صورته) الذي أخرجه البخاري ومسلم، ثم هب أنّ اسحاق أو غيره توهم صحته، فماذا نفعل بتلك العلل التي يستحيل معها تصحيح الحديث، وهذا الحديث برواياته الثلاث هو أقوى ما استدل به المجسمة على التجسيم، ولهذا سأتوسع في بيان مخارجه الصحيحة وبيان معانيه، فإن سلم من شبهات المجسمة فما بعده أيسر، ولما كان للحديث روايات ثلاث فلكل رواية مخرج صحيح ومعنى محكم لابد وأن يرد إليه المتشابه.
[المفتاح الاول]: قوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم.
[المفتاح الثاني]: قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول ابن حجر وقول ابن خزيمة.
[المفتاح الثالث]: لفظ (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) مع ضعفه البين، فإن له – إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه – مخرجاً صحيحا يُحمل عليه، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 28، 29]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من الروح المخلوقة، فليست الصورة صورة الرحمن، ولا الروح روح الرب الديان، فآدم على صورة الرحمن، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج هو قول ابن خزيمة.
[المفتاح الرابع]: وهو حمل المتشابه على المحكم، لأنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف والفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنة في ذلك رد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، وتنزه الخالق سبحانه عن مشابهة المخلوق.
***
(ثامناً)
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية
مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث
(فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون)
[روايات الحديث]: (الرواية الأولى): أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أنَّ النَّاسَ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ: هلْ تُمَارُونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ليسَ دُونَهُ سَحَابٌ قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: فَهلْ تُمَارُونَ في الشَّمْسِ ليسَ دُونَهَا سَحَابٌ قالوا: لَا، قالَ: فإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذلكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ، فيَقولُ: مَن كانَ يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، ومِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ القَمَرَ، ومِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وتَبْقَى هذِه الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ فيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فأكُونُ أوَّلَ مَن يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بأُمَّتِهِ، ولَا يَتَكَلَّمُ يَومَئذٍ أحَدٌ إلَّا الرُّسُلُ، وكَلَامُ الرُّسُلِ يَومَئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ)، ([237]) . وهذا حديث البخاري بدون ذكر لفظة الصورة، (الرواية الثانية): أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (قَالَ أُنَاسٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَل نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ فَقَالَ هَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَل تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَليَتَّبِعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هَذِهِ الأمة فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ) ([238]) .
(تنبيه) تلاحظ أن الرواية الأولى بغير ذكر الصورة والثانية فيها ذكر الصورة، ولذلك قال البيهقي في كتابه الأسماء والصفات: (هذا حديث قد رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان دون ذكر الصورة، ثم أخرجه من حديث معمر عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، وفيه ذكر الصورة وأخرجه أيضا من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، ورواه مسلم بن الحجاج عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان نحو حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد وفيه ذكر الصورة) اهـ. ([239]) .
وقال المحدِّث محمد زاهد الكوثري في تعليقه على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي: (اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان كما يظهر من استعراض طرق هذا الحديث ومتونه في الصحيحين وجامع الترمذي…. ابن خزيمة وسنن الدارمي وغيرها ولم يسبق أن عرفوه على صورة فعلم أنه قد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما فعلت، على أن المنافقين محجوبون عن ربهم يوم القيامة، فيكون هذا الحديث مخالفًا لنص القرءان إلا عند من يؤوله تأويلاً بعيدًا، فالقول الفصل هنا هو الإعراض عن ألفاظ انفرد بها هذا الراوي أو ذاك الراوي باختلافهم فيها والأخذ بالقدر المشترك من المعنى الذي اتفقوا عليه فلعلك لا تجد في ذلك ما يوقعك في ريبة أو شبهة…. ويقول ابن العربي في عارضة الأحوذي: «إن الناس في هذه الحال لا يرونه سبحانه في قول العلماء، وإنما محل الرؤية الجنة…. بإجماع العلماء) اهـ. ([240]) . ونقل الذهبي في كتابه “سير أعلام النبلاء” إنكار الإمام مالك للفظ الصورة: ” قال ابن القاسم: سألت مالكًا عمَّن حدَّث بالحديث، الذين قالوا: (إن الله خلق آدم على صورته)، والحديث الذي جاء: (إن الله يكشف عن ساقه)، وأنه (يُدخل يده في جهنم حتى يُخرج من أراد) . فأنكر مالك ذلك إنكارًا شديدًا، ونهى أن يُحدِّثَ بها أحد” اهـ([241]) .
وإليك مفاتيح الفهم الصحيح للحديث
[المفتاح الاول]: الحديث: (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) الحديث إلى قوله: (فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث، فهم لا يعرفون صورة مسبقة، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال: فيكشف عن ساق أي تنجلي الشدة، ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له.
[المفتاح الثاني]: أقوال أهل العلم في فهم الحديث: جاء في مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة): ” وفي رواية أبي هريرة فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه (فإذا جاء ربنا) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها) أهـ ([242]) .
[وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل: (حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث: اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة) أهـ([243]) .وقال الحافظ ابن الجوزي في كتابه كشف المشكل من حديث الصحيحين: (وفي المتفق عليه من حديث أبي هريرة (فيأتيهم في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك، فيأتيهم في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا) وهذا شيء قد تخبط فيه جماعة، فالمتقدمون من السلف قرأوه وعبروا ولم ينطقوا بشيء مع علمهم واعتقادهم أن الصورة التي هي تخاطيط لا تجوز على الله عز وجل ولا التغير، وهذان أصلان لا بد من اعتقادهما، التخاطيط لا تكون إلا في الأجسام، والتغير لا يصلح أن يطرأ على الإله، فإن الخليل عليه السلام عاب النجم بالأفول فقال {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} [سورة الأنعام]، لأنه علم أن ما يطرقه التغير لا يصلح أن يكون معبودًا فإذا وقع اعتقاد هذين الأصلين ثم سكت الساكت عن تفسير هذه الكلمات فقد سلك مذهب القدماء.. إلى أن قال: وأما الصورة فتتأول على وجهين أحدهما أنها بمعنى الصفة كقول القائل صورة هذا الأمر كذا والثاني أن المذكورات من المعبودات في أول الحديث صور فخرج الكلام على نوع المطابقة.. إلى أن قال: وكان ابن عقيل يقول الصورة على الحقيقة تقع على التخاطيط والأشكال وذلك من صفات الأجسام والذي صرفنا عن كونه جسمًا من الأدلة النطقية قوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى]، ومن أدلة العقول أنه لو كان جسمًا لكانت صورته عرضًا ولو كان جسمًا حاملاً للأعراض لجاز عليه ما يجوز على الأجسام واحتاج إلى ما احتاجت إليه من الصانع، ولو جاز قدمه مع كونه جسمًا لما امتنع قدم أحدنا فليس لله سبحانه عندها ولا القوم الذي أنكروا في القيامة صورة من صور الذوات ينكرونها،…، ثم قال: ولو حمل – ونعوذ بالله – على ما قالت المجسمة من صورة ترجع إلى ذاته لكان ذلك تجويزًا لتغيير صفاته وخروجه من صورة فإن كانت حقيقة فهو استحالة، وإن كانت تخيلاً فليس ذاك هو، وإنما يريهم غيره، فما أشنع مقالة من يصدر قوله عن الجهالة ويتعلق بالظواهر كما تعلقت النصارى في المسيح وقالوا هو روحه حقيقة) اهـ ([244]) . وقال الإمام أبو سليمان الخطابيّ: (إن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة لأن الصورة تقتضي الكيفية والكيفية عن الله وعن صفاته منفية) [نقله عنه الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات]، وقال الإمام النووي: (وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (فيأتيهم اللّه في صورته الّتي يعرفون) فالمراد بالصّورة هنا الصّفة، ومعناه: فيتجلّى اللّه سبحانه وتعالى لهم على الصّفة الّتي يعلمونها ويعرفونه بها، وإنّما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدّمت لهم رؤية له سبحانه وتعالى لأنّهم يرونه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، وقد علموا أنّه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته) أهـ ([245]) .
***
(تاسعا)
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية
في بيان مفاتيح حل إشكالية نسبة المكان إلى الله
في حديث: (أين الله)
[تمهيد]: حديث الجارية مشهور وله روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بألفاظ مختلفة، (الأولى) بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) و(الثانية): بلفظ (من ربك)، و(الثالثة): بلفظ (أين الله)، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) بقولها (نعم) و عندما كان الحديث بلفظ (أين الله) بقولها (في السماء) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ (أين الله) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا لعل ذلك بسبب تصرف الرواة في بعض ألفاظه وهم يروونه بالمعني أو بما فهموه من الواقعة، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم: الامام الحافظ البيهقي: قال في كتابه الأسماء والصفات ” وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث ([246]) .
وهذا هو الاضطراب عند علماء الحديث: وهو أن يُروى الحديث بعدّة ألفاظ بِحيث لا يمكن الجمع بينها، وعند علماء مصطلح الحديث يقولون: الاضطراب علةٌ للضَّعف، والعجب ممن ترك الألفاظ المحكمة التي تسأل عن الشهادتين أو عن الله تعالى لإثبات الإيمان ثم ذهب إلى لفظة متشابهة قد تكون رويت بالمعنى ليبتغي بها الفتنة في دين الله من أجل اثبات المكان المخلوق المحدود لله الكبير المتعال المنزه عن الحد والمقدار والمنزه عن المكان والزمان وقد حذرنا الله من أولئك في كتابه الكريم بقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) [آل عمران: 8] وحذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([247]) .
وخلاصة الأمر: أن الحديث جاء صحيحا بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، وجاء بلفظ (من ربك) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، وجاء بلفظ (أين الله) وقد تكفل علماء أهل السنة شرح تلك الرواية أيضا بما يوافق قواعد التنزيه العامة وأصول الشريعة الغراء، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم.
[روايات الحديث]: للحديث عدة روايات اجتهدت في جمعها من كتب الحديث، وجمع أقوال علماء الحديث حولها وفق قواعد علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، ورأيت أنها تؤول إلى روايات متعددة لواقعة واحدة اختلف الرواة في ألفاظها، (الرواية الأولى): بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله)، أخرج الإمام مالك عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت نعم، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها) وقال الذهبي في العلو هذا حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة في التوحيد وقال ابن كثير في تفسيره وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره ” أهــ وصححه أيضاً ابن عبـد الـبر في التمهيد([248]) .
و(الرواية الثانية): بلفظ (من ربك)، أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال: (من ربك؟ قالت الله، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) ([249]) .
و(الرواية الثالثة): بلفظ (أين الله)، وهي رواية صحيحة أيضا أخرجها مالك في موطئه وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وأخرجها الإمام مسلم بسنده في صحيحه عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال ومنا رجال يتطيرون قال ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم قال فلا يصدنكم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك، قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة) ([250]) .
و(روايات أخرى للحديث): منها رواية تدل على أنها كانت خرساء وفيها: (فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً)، وهذه الرواية أوردها الذهبي في كتابه (العلو) وذكر سندها الحافظ المزي في (تحفة الأشراف): 8: 427، من طريق سعيد بن زيد عن توية العنبري عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية نفسه قال كانت لي جارية ترعى .. الحديث، وفيه: (فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء؟ قالت الله. قال فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مسلمة)، ([251]) .وفي هذه الرواية أشار النبي صلى الله عليه وسلم فقط.. وإسناد هذه الرواية يرقى إلى مرتبة الحديث الحسن، لأنّ سعيد بن زيد ثقة من رجال مسلم وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب وقال عنه البخاري والدرامي: صدوق حافظ، وإن كان يحيى بن سعيد وآخرون قد ضعفوه لذا، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الظهار باب إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان، وصلت من طريق عوف بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة: (أن رجلا أتى النبي بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها: أين الله ? فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها: فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء تعنى أنت رسول الله. فقال رسول الله أعتقها فإنها مؤمنة) ([252]) . فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها فمد النبي يده إليها مستفهما فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين والله تعالى أعلم، ورواية أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وفيها: (فأشارت إلى السماء) ([253]) .
[المفتاح الاول]: (مفتاح حل الإشكال في الروايات): الروايات السابقة تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة، ولعل هذا السبب ما حدا بالنحويين – سوى ابن مالك – ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث، ومن الملاحظ على تلك الروايات ما يلي:
(أ) رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) ورواية (من ربك) في بعض الروايات سندهما واحد من حماد بن سلمة إلى الشريد بن سويد رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ب) رواية (من ربك) ورواية (أين الله) في بعض الروايات سندهما واحد من هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ت) رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) ورواية (أين الله) في بعض الروايات سندهما واحد من عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ث) رواية (أين الله؟ قالت في السماء) ورواية (أين الله؟ فأشارت إلى السماء) في بعض الروايات سندهما واحد من رواية يحيى بن كثير القصة واحدة واللفظ مختلف.
(ج) رواية (أين الله) عند مسلم تختلف عن رواية (أين الله) عند مالك، فعند مسلم: (يقول وعلي رقبة أفأعتقها وكان الجواب اعتقها فإنها مؤمنة) وعند مالك: (يقول فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها وكان الجواب أعتقها بدون ذكر فإنها مؤمنة) والرواية الأولى تفيد أن عليه نذرا سابقا والرواية الثانية تفيد أنه إنما أعتقها تبرئة لذمته من ضربها.
(ح) بعض روايات الحديث تنص على أن الجارية كانت متكلمة فصيحة وبعضها تنص على أنها كانت خرساء لا تفصح وفيها أن والجواب كان بالإشارة وهاهنا تكون الألفاظ تصرفا من الرواة ويؤيد ذلك ما ورد في بعض طرق الحديث (فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء).
(خ) على اعتبار أن الجارية خرساء عجماء لا تفصح يستقيم السؤال بالإشارة أو بلفظ (أين الله) لمعرفة معبودها – وهاهنا يحل إشكال ألفاظ الحديث – لأن المشركين كانوا يعبدون آلهة في الأرض ويدل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([254]) .
يقول الإمام الغزالي: (وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء فقد انكشف به أيضاً- يعني السر في رفع الأيدي إلى السماء- إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهيم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو وقد كان يُظن بها أنها من عبدة الأوثان ومَن يعتقد اللهَ في بيت الأصنام، فاستُنطقت عن معتقدها فعرَّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقد هؤلاء) ([255]) .
(د) وقد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل (لأن الخلاف فيه بين خطأ وصواب) دون الاعتقاد لأن الخلاف فيه بين حق وباطل وبين هدى وضلال وبين سنة وبدعة)، ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلاة ومنعِ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الافعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث.
(ذ) لفظ (أين الله) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ومصداق ذلك ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ([256]) .
وما أخرجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) ([257]) .
(ر) لفظ (أين الله والجواب بأنه في السماء) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ويؤيده ويدل عليه حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين: كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([258]) .
(ز) لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين ومصداق ذلك أن النبي صلى الله عليه وأله وسلم بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء وإنما ذكر شهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ويؤيدها كذلك حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) وقد نص غير واحد من العلمـاء على أنه حديـث متـواتر.
(س) لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق لإجماع المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم.
(ش) ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: (أين الله) وأن الرواية الصحيحة التي ينبغي التعويل عليها هي رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها.) ويؤيده الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال (الله في السماء) بالدخول في الإسلام والإجماع المقابل على أن الدخول في الإسلام يكون بالشهادتين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله).
(ص) وأما من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و(الثاني): تأويله بما يليق به وهذا هو ما ذكره الإمام النووي عند شرحه للحديث في صحيح مسلم فقال ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها (مذهبان): (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات. و(الثاني): تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين. أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ ([259]) .
(ض) الحديث بلفظ (أين الله) فيه التشابه من وجهين: (أحدهما): قولـه صلى الله عليه وسلم لها: (أين الله) فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه ب (أين) على سبيل المكان الحسي وجوابه كما تقدم أنها كانت خرساء عجماء لا سبيل إلى معرفة إيمانها إلا بإشارتها أن معبودها ليس من الأوثان الموجودة في الأرض وإنما هو رب السماء والأرض، أو أن السؤال محمول على المكانة العالية لا المكان الحسي الذي لا مدح فيه، والوجه الثاني: قولها في السماء وهذا معناه علو المكانة وعظمة الصفات وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث، ليس كمثله شيء ولله در الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث يقول في الفتح: ” فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر، فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث. ” أهــ، ([260]) .
(ط) تقدم مما سبق أن تمسك البعض برواية (أين الله) لإثبات المكان الحسي وإثبات الجهة الحسية لله هو أوهى من بيوت العنكبوت وأن تمسكهم بهذه الرواية تمسك باطل لا وجه له، لأن الحديث الأولى حمله على رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) الموافقة للأصول وأنه إذا حكم بصحة رواية (أين الله) فالمقصود به السؤال عن المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة الحسيين، والحديث آنذاك ليس على ظاهره المؤدي إلى التمثيل والتحيز والحد والله تعالى منزه عن ذلك كله {ليس كمثله شيء}.
[المفتاح الثاني]: إنّ صح الحديث بهذا اللفظ (أين الله) فلا اشكال أبدا أبدا في معناه، وهو حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك قالت في السماء أي في اعلى المراتب، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم، وبالتالي فإنّ ّ كل من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله)، وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه يحمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و(الثاني): تأويله بما يليق به من المكانة والمنزلة لأن الله تعالى منزه عن المكان.
قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان) اهـ ([261]) .
وعلى ذلك فإنّه إنّ صح الحديث بهذا اللفظ (أين الله) فلا اشكال أبدا أبدا في معناه، وهو حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك قالت في السماء أي في اعلى المراتب، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، هذا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
***
(عاشراً)
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية
في بيان مفاتيح حل إشكالية الحركة والنزول
في حديث: (ينزل ربنا كل ليلة)
[رواية الحديث]: أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ([262]) .
[المفتاح الاول]: [تعدد معاني النزول في اللغة]: للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وإنما المعنى خلق لكم من الانعام ثمانية أزواج، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، والمعنى: وجعلنا الحديد فيه بأس شديد، وفي اللغة تقول العرب نزل البائع في سلعته إذا خفّض سعرها، وقال الشافعي وهو أمام في اللغة يُحتج بلغته، دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت، والمعنى نزل عن بلاغته المعهودة حتى يساعدهم في فهم كلامه.
[المفتاح الثاني]: اللوازم الفاسدة للنزول الحقيقي: ومن تلك اللوازم: (أ) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، (ب) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال.
(ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم، وعلى زعمهم وعقيدتهم فمتى يكون الاستواء على العرش على مفهوم هؤلاء، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك.
(ث) كما يقول الرازي: في تفسيره مفاتيح الغيب: أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل، وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى ([263]) .
(ج) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال، (ح) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند أهل الأصول المتخصصين في العقيدة، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
[المفتاح الثالث]: أقوال شرّاح الحديث والعلماء في بيان معنى حديث النزول:
(1) قال ابن حجر – في درة من كلامه – في شرح الحديث: (قوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) استدل به من أثبت الجهة وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم، ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا، ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف … وقال ابن العربي: حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث، وعن السلف إمرارها، وعن قوم تأويلها وبه أقول … والحاصل أنه تأوله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره، وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه .. وقال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه، فالمراد نور رحمته، أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة) أهـ ([264]) .
(2) وقال النووي – في درة من تنزيهاته – في شرح الحديث: (قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له) هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين: أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق، وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني: مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي: أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما: تأويل مالك بن أنس وغيره معناه: تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال: فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره . والثاني: أنه على الاستعارة، ومعناه: الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف، والله أعلم) أهـ ([265]) .
وقال رحمه الله في المجموع: (وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران: (أحدهما) تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين و (الثاني): الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى {ليس كمثله شيء} وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم) أهـ ([266]) .
(3) وقال الإمام البيهقي في كتابه القيم (الاسماء والصفات): (وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال، فحاد عن هذه الطريقة _ طريقة السلف _ حين روى حديث النزول: أقبل على نفسه فقال: إن قال قائل: كيف نزل ربنا إلى السماء؟ قيل له: ينزل كيف يشاء، فإن قال: هل يتحرك إذا نزل؟ فقال: إن شاء يتحرك، وإن لم يشأ لم يتحرك، وهذا خطأ فاحش عظيم، والله تعالى لا يوصف بالحركة، لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون، وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين، والله تبارك وتعالى متعال عنهما (ليس كمثله شيء)، فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل فيما لا يعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش .قال: وإنما ذكرت هذا لكي يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع فإنه لا يثمر خيرا ولا يفيد رشدا .ونسأل الله العصمة من الضلال، والقول بما لا يجوز من الفاسد والمحال) ([267]) .
(4) وقال الإمام العيني في شرح حديث النزول من صحيح البخاري: (لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منزه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات، فالعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة: يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله، عز وجل، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان. والثاني: المؤولة: يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى: ينزل الله: ينزل أمره أو ملائكته وبأنه استعارة، ومعناه: التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك) أهـ ([268]) .
(5) وقال الإمام بن جهبل وهو يرد على من زعم حقيقة النزول: (وكما تطلق العرب النزول على الانتقال تطلقه على غيره كما جاء في كتابه العزيز: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، وقوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}، ولم ير أحد قط قطعة حديد نازلة من السماء في الهواء ولا جملا يحلق من السماء إلى الأرض فكما جوز هنا أن النزول غير الانتقال من العلو إلى السفل فليجوزه هناك) أهـ ([269]) .
(6) وقال الزرقاني في شرح حديث النزول في الموطأ: (هذا وقد حمل المشبهة الحديث وأحاديث التشبيه كلها على ظاهرها تعالى الله عن قولهم، وأما المعتزلة والخوارج فأنكروا صحتها جملة وهو مكابرة والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا الأحاديث جهلا أو عنادا)([270]) .
(7) وقال العلامة ابن الجوزي، وهو من خير الحنابلة وأعلمهم بعد الإمام أحمد: وهو يرد على حشوية الحنابلة ويصحح عقائدهم وذلك في الباز الأشهب (الحديث التاسع عشر: روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له) ([271]) . (قلت): وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير، فيبقى الناس رجلين (أحدهما): المتأول له بمعنى: أنه يقرب رحمته، وقد ذكر أشياء بالنزول فقال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، وإن كان معدنه بالأرض وقال {وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج}، ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ..؟ و(الثاني): الساكت عن الكلام في ذلك. (روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا: أمروا هذه الأحاديث بلا كيف (قلت) – القائل العلامة ابن الجوزي -: وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يقتقر إلي ثلاثة أجسام: جسم عالي، وهو مكان الساكن، وجسم سافل، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا، فإن قال العامي: فما الذي أراد بالنزول؟ قيل: أراد به معني يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه، فإن قال: كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا: قد علمت أن النازل إليك قريب منك، فاقنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام، قال ابن حامد: هو علي العرش بذاته، مماس له، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل، (قلت): – القائل العلامة ابن الجوزي – وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي، وقال القاضي: النزول صفة ذاتية،ولا نقول نزوله انتقال، (قلت) – القائل العلامة ابن الجوزي – وهذا مغالطة، ومنهم من قال: يتحرك إذا نزل، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق، وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه.ولو كان النزول صفة لذاته، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة)([272]) .
(8) وقال الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن: (قال القاضي عياض: اعلم أن الله ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه لقربه منه إبانة عظيم منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبته وقدرته من الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول في قوله عليه السلام ينزل ربنا إلى السماء الدنيا على أحد الوجوه نزول إجمال وقبول وإحسان) أهـ ([273]) .
(9) وقال القاضي ابن جماعة في كتابه القيم إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل – وهو يرد على اشكالات الحشوية: (الحديث الرابع: عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر الحديث ورواه أبو سعيد إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب يتوب) اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه:
(الأول): النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة أجسام منتقل ومنتقل عنه ومنتقل إليه وذلك على الله تعالى محال، (الثاني): لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله وتنقلات كثيرة لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم إلى قوم وعودة إلى العرش في كل لحظة على قولهم ونزوله فيها إلى سماء الدنيا ولا يقول ذلك ذو لب وتحصيل، (الثالث): أن القائل بأنه فوق العرش وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعة أو تضاؤل الذات المقدسة عن ذلك حتى تسعة ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، (الرابع) إن كان المراد بالنزول استماع الخلق إليه فذلك لم يحصل باتفاق وإن كان المراد به النداء من غير إسماع فلا فائدة فيه ويتعالى الله عن ذلك، إذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النزول مع قطعهم بأن مالا يليق بجلاله تعالى غير مراد و تنزيهه عن الحركة والانتقال، قال الأوزاعي وقد سئل عن ذلك فقال يفعل الله ما يشاء) أهـ ([274]) .
(10) وقال العلامة عبد الباقي بن عبد القادر – في درة من كلامه – في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: (فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء، وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة) أهـ([275]) (11) وقال العلامة الكوثري – وهو يرد علي استدلال البعض على العلو الحسي بحديث النزول -: (قاتل الله الجهل، ما أفتكه، فمن الذي يجهل استمرار الثلث الأخير من الليل في البلاد باختلاف المطالع حتى يحمل النـزول إلى السماء الدنيا على النـزول الحسي، وقد حمل حماد بن زيد النـزول في الحديث على معنى الإقبال ومن أهل العلم من حمل الحديث على أن الإسناد فيه مجازي من قبيل الإسناد إلى السبب الآمر ويؤيده حديث أبي هريرة في سنن النسائي وفيه (ثم يأمر منادياً يقول هل من داع فيستجاب له) وليس في استطاعة من يخاف الله غير أن يفوض معنى النـزول إلى الله مع التنـزيه أو أن يحمل الحديث على المجاز في الطرف أو في الإسناد، بل الأخير هو المتعين لحديث النسائي المذكور فيخرج حديث النـزول من عداد أحاديث الصفات بالمرة عند من فكر وتدبر تعالى الله عن النقلة التي يقول بها المجسمــة) أهـ ([276]) .
[المفتاح الرابع]: [المفتاح الأمثل في حل إشكالية حديث النزول]: أخرج النسائي حديث النزول بلفظ: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى) ([277]) . وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)
قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في كتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية ما نصه: (قال أهل التأويل إن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره، وقال بعضهم إن قوله: (ينـزل) راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته المقدس فإن النـزول كما يكون في الأجساد يكون في المعاني أو راجـع إلى المَلَك الذي ينـزل بأمره ونهيه تعالى، فإن حمل النـزول في الأحاديث على الجسم فتلك صفة المـلَك المبعوث بذلك، وإن حمل على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل سمى ذلـك نـزولا من مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة والحاصل أن تأويله على وجهين إما بأن المراد ينـزل أمره أو المَلَك بأمره وإما أنه استـعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، وقد حكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي يُنـزل ملكا قالوا ويقويه ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يُمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، قال القرطبي: صححه عبد الحق، قالوا: وهذا يرفع الإشكال ويُـزيل كل احتمال والسنة يُفسر بعضها بعضا وكذا الآيات، قالوا: ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدس فإن الـحديـث فيه التصريح بتجدد النـزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب جل شأنه يجب اتصافها بالقدم وتنـزيهها عن التجدد والحدوث، قالوا: وكل ما لم يكن فكان أو لم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفة الأفعال، قالوا: فالنـزول والاستواء من صفات الأفعال ” أهـ([278]) . وهو كلام يكتب بماء الذهب لمن تدبره.
[المفتاح الخامس]: [الخلاصة في حديث النزول]: حديث النزول صحيح لا شك في ذلك، ولكن: مقولة (ينزل ربنا نزولا حقيقيا) مقولة خاطئة لا يقولها إلا جاهل بمعناها أو رجل يعتقد بقلبه التجسيم: وذلك لأنّ النزول في لغة العرب بمعناه الحقيقي يتضمن معنى: الانتقال من علوٍ إلى سفلٍ، فمن انتقل من أسفل إلى أعلى، لا يقال في حقه نزل، بل صعد، ويتضمن فراغ الحيز الأعلى واشتغال الحيز الأسفل، فمن كان باقيا في مكانه لا يقال في حقه نزل، ويتضمن: الحركة من أعلى إلى أسفل، والانتقال من مكان عالٍ إلى مكان سافل، ويتضمن: الحركة من أسفل إلى اعلى للرجوع إلى العرش، هذه معاني النزول الحقيقي، وهذا هو المعروف في لغة العرب، فكل من قال: إنَّ معنى نزول الله إلى السماء الدنيا نزولا حقيقيا، وانّه على الحقيقة وليس المجاز، فقد أثبت المعاني السابقة التي تضمنها لفظ النزول، وقد أجمع علماء الأصول على امتناع الحركة في حق الله لأنها من معاني الافول الذي استدل الخليل إبراهيم عليه السلام بأنّ الآفل المتحرك لا يصح ان يكون إلها يعبد، فالنزول لا محالة له حل من ثلاثة حلول:
(1) إما بالأخذ بحديث النسائي وانّ النازل ملك، كما جاء في الرواية الصحيحة: (حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياً ينادي يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يُعْطى) (2) أو نقول (النزول) على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم
(3) أو نقول انّه (النزول) على سبيل المجاز، وهو تنزل الرحمة والتعطف والتلطف بالداعين في هذا الوقت لفضيلته، فهذه مفاتيح الفهم الصحيح للنزول، وإذا كان النزول، من متشابهات الأخبار، فإنّ الله قد امرنا ان نحمل المتشابه ونرده إلى محكماته، ومعنى النزول اذا حملنا متشابه الحديث على محكمه من حديث النسائي: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله يتحدث بما أمره الله، وإما ان يكون النزول على سبيل مجاز اللغة، وهو تنزل الرحمة والتعطف والتلطف بالداعين في هذا الوقت لفضيلته وكون الناس غافلين عنه بالنوم، فيكون المعنى زيادة الاحسان وأوفق لقبول الإجابة من غيره من الأوقات، لا سيما إذا عرفنا أنّ سياق الحديث لم يكن من اجل اثبات النزول وإنما لبيان فضل الثلث الأخير من الليل في العبادة والطاعة والدعاء، والمعنى المراد:، التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، اما حمل الحديث على معنى النزول الحقيقي من علو إلى سفل فهذا لم يقل به إلا أهل التجسيم أو من دار في فلك التجسيم من أهل الحشو الذين هم من أبعد الناس عن التقديس والتنزيه، نسال الله السلامة، وقد ذكرت في اول المبحث اللوازم الفاسدة من اعتقاد النزول الحقيقي، ومن تلك اللوازم:
(أ) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول. (ب) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، (ث) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه وهذا باطل، (ج) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند أهل الأصول وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله نسأل الله السلامة.
***
(المبحث الحادي عشر) جهود السادة الأشاعرة والماتريدية في بيان عصمة الأنبياء والرد على أهل الحشو في نسبة المعاصي إلى الانبياء
[المفتاح الأول]: أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع كالخوارج لجهلهم بباب النبوات وما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الأنبياء، تكلموا على الأنبياء كما يتكلمون على سائر البشر وانهم تجوز عليهم المعاصي واخذوا بظواهر النصوص المتشابهات في حق انبياء الله، ونسبوا إليهم ما لا يليق بالصالحين فضلا عن الأنبياء والمرسلين، ومن ذلك: استدلالهم من متشابهات القرآن على جواز وقوع المعاصي من الأنبياء:
(أولا): في حق آدم عليه السلام: نسبوا إليه الظلم والمعصية وهونبي مُكلم:
(1) قصة آدم عليه السلام فِي سورة الْبَقَرَة {وَقُلْنَا يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين}، وفي سورة الاعراف {وَيَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة فكلا من حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين}، وفيهَا {قَالَا رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}، قالوا: نهى الله تعالى آدم عليه السلام عن الشجرة فعصى آدم ربه وأكل منها، وصار من الظالمين، وانّ هذا يدل على جواز وقوع المعصية والكبيرة من النبي شرط ان يتوب بعدها، وكلامهم خواء عن الصحة والفهم، ولو كان ذلك من انسان عادي لكان منقص في حقه فكيف بأبي البشر النبي المُكلم الذي اسجد الله تعالى له الملائكة، والقصة كما يلي: آدم عليه السلام نبي مُكلم معصوم والخوارج وأهل البدع لا يعرفون كيف يتعاملون مع النصوص التي تخص الانبياء، والعلماء يفرقون بين درجات النهي، ويقولون بان هناك نهي ارشاد مثله مثل الطبيب الذي ينهى المريض عن طعام معين خوفا على صحته، وهناك نهي تكليف كما نهانا الله تعالى عن الزنا وشرب الخمر، فالأول نهي ارشاد وارفاق وتعليم والثاني نهي تكليف وتحريم، وقد ذهب أهل العلم بأصول الدين، وما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الأنبياء إلى القول بأن نهي آدم عن الأكل من الشجرة كان نهي إرشاد ورفق، وليس نهيا على جهة التكليف والتحريم، ثم أنساه الله تعالى بعد ذلك إرشاده إياه ووصيته له فأكل من الشجرة غافلا عن الوصية فكانت تلك بمثابة المعصية، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]، فلما تاب وهو على قول القائل: (حسنات الأبرار سيئات المقربين) تاب الله عليه واجتباه، إنّ النهي الرباني ينقسم إلى قسمين: نهي إلزام ونهي نصح وإرشاد، نهي الإلزام مخالفته معصية، أما نهي النصح والاِرشاد، فإن مخالفته لا تعد معصية على المعنى الاصطلاحي عند أهل الأصول، وعند النظر إلى القرائن الموجودة في الآيات نجد انها إرشادية تهدف إلى صيانة آدم من آثار الأكل من تلكم الشجرة، مثل الخروج من الجنة، كما في قوله تعالى: {فَقُلْنَا يا آدمُ إنَّ هَذَا عَدُوّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى}، فإنّ قوله سبحانه: {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى} صريح في أنّ أثر امتثال النهى هو البقاء في الجنّة، وهذا يدلّ على أنّه سبحانه كان ينهى آدم بصورة الاِرشاد والنصح، وانّه لو خالف هذا الأمر لترتب عليه الخروج من الجنة والشقاء، وكما في قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوّ مُبِينٌ}، فإن الاسلوب القرآني اسلوب النصح والاشفاق على آدم، وكذلك قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِمَا}، يبين أنّ ما يترتب على الأكل من الشجرة هو ظهور العورة، وبداية رحلة الشقاء والمعاناة، ومن تدبر وسوسة الشيطان رأى انها جاءت على صورة النصح أيضا {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}، ولو كان الامر الإلهي امر إلزام لما صدق آدم عليه السلام قسم الشيطان وهو لا يتصور أن أحدا يقسم بالله كاذبا، إذ كيف ينصح في امر قد نهى الله تعالى عنه نهي إلزام، وإنما يستقيم القسم بالنصح إذا كان الامر الاول أمر هداية وإرشاد، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بأساليب الكلام واختلافها ما بين إلزام وإرشاد.
والحاصل أن نبي الله آدم عليه السلام ترك الاولى والأفضل، ولم يكن العصيان على معناه المراد، الله سبحانه أعزّ آدم بتعليمه الاَسماء، وأسجد له الملائكة، وفي هذه الحالة طلب منه أن يترك الاَكل من الشجرة المعينة، كان المترقب من مثله وهو نبي مكلم أن يتورّع عن أيّة مخالفة مهما صغرت، ومهما كان الاَمر والنهي غير إلزاميين، ولأجل ذلك يعد هذا العمل في حق النبي معصية تحتاج إلى توبة، من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولهذا كان المحكم في ذلك هو قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}، فالأسلوب القرآني لا يلائم المعصية إذا كانت معصية، وإنما المعنى: وصيناه أن لا يأكل من الشجرة وأرشدناه إلى ذلك فنسي امرنا، ولم نجد له حزما، وهذا يدل على أن آدم عليه السلام (النبي المكلم) ظلم من ذريته ظلما كبيرا عندما ظنوا أنه خالف الامر الرباني وأخرجهم من الجنة، بل كان الأمر أمر نصح وإرشاد واجتهد آدم عليه السلام، وكان اجتهاده عائدا على نفسه إذ لم يسمع النصيحة، فعرّض نفسه للشقاء، وقد يتمسك أهل البدعة بظاهر الآية: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}، على أن آدم عصى وغوى ثم تاب فتاب الله عليه، ولو كان الامر على أحد الناس لهان الأمر ولكنه على آدم النبي المعصوم، فلابد من معرفة معنى العصيان ومعنى الغواية في الآية، كلمة (عصى) فهي وإن كانت مستعملة في مصطلح الشرع في الذنب إلا أن المعنى الحقيقي لها: أنّ المعصية هي خلاف الطاعة، فإن كان الاَمر إلزامياً كان العصيان ذنباً، وإذا كان أمراً إرشادياً على سبيل النصيحة وحسب لم تكن المخالفة ذنباً في المصطلح، ولأجل ذلك لا يصلح التمسّك بهذا اللفظ وإثبات الذنب على آدم (عليه السلام )، وأما كلمة (فغوى ): فالغي يستعمل بمعنى الخيبة، والمعنى المراد من (الغي) في الآية هو خيبة آدم بحرمانه من الجنة، أهل الحشو يظنون ان (الغي) هنا في الآية بمعنى الضلال في مقابل الهدى والرشاد، وليس كذلك، لأن الضلال قد يأتي بمعنى عدم معرفة الأصلح والأصوب، ومنه تقول العرب (ضل الطريق) إذا لم يعرف الطريق، ومنه قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى}، أي لا تعرف طريق النبوة فهداك إليه، إذن ليس كل غي ضلال ولا كل ضلال معصية، و (آدم) عليه السلام بعدما أكل من الشجرة بدت له سوأته وخرج من الجنة وهبط إلى دار الفساد، فعندئذ غوى عن مصلحته الذاتية ولم يكن الامر غواية عن طريق الله ولا معصية في حق الله، بل كل ذلك في حق نفسه وحسب، وقد يتمسك (الخوارج) بظاهر الآية: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أن فعل (آدم) عليه السلام كان معصية لأنه قال {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، و معنى (الظلم) وضع الشيء في غير موضعه، ومن أمثال العرب قولهم (من أشبه أباه فما ظلم )، فإذا كان معنى الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، لا يلزم أن يكون كل ظلم ذنباً ومعصية، فمن لم يسمع قول الناصح المشفق وعمل بخلاف قوله فقد ظلم نفسه، وهذا معنى الآية: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أي لم نسمع نصيحتك فكان عاقبة ذلك ان ظلمنا انفسنا، ويؤيده قوله سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} فالمقصود ظلم النفس، بإخراجها من النعيم إلى الشقاء.
وقد يتمسك (أهل الحشو) بظاهر الآية: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، ويقولون انه ما دامت هناك توبة فلابد وان تكون هناك معصية، ونقول: لا تلازم، لان (التوبة) تأتي بمعنى الرجوع لاسيما إن تعدت بحرف الجر (على )، كقوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِىّ}، ولم يكن له ذنب آنذاك، بل المعنى [رجع عليه بالرحمة]، أما إن تعدت بحرف الجر (إلى) فتعني التوبة من الذنب كما قال تعالى: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، إذن الآية {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، كانت التوبة بمعنى الرجوع، أي: انّ الله تعالى رجع عليه بالرحمة، ومثله قوله: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) فالتوبة هنا من الله على (آدم) عليه السلام، بمعنى رجع الله تعالى عليه بالرحمة، وليس دلالة على وقوع الذنب، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّه ليران على قلبي وانى استغفر الله كل يوم سبعين مرّة ) [أخرجه مسلم] وليس هذا الاستغفار دليلاً على صدور الذنب، بل هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فعندما ينظر النبي إلى حق الربوبية والإلهية عليه يشعر بالتقصير ومن ثم الاستغفار من هذا التقصير، ولا ذنب ولا معصية.
وقد يتمسك (أهل الحشو) بظاهر الآية: {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، على أن المغفرة تقابل اقتراف الذنب، ولا دلالة، لان أصل المغفرة هو [التغطية والستر]، فإذا كان الغفران بمعنى الستر فلا ملازمة بين الستر والذنب، فإنّ المستور ربّما يكون ذنباً وربّما يكون من باب مخالفة الاولى، ولأجل ذلك طلب (آدم) عليه السلام من الله سبحانه أن يستر العيب وان يرجع عليه بالرحمة، {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} بسبب عدم قبول النصيحة من رب العالمين، وبه يتبين براءة (آدم) عليه السلام من الذنب والمعصية بالمعنى الاصطلاحي، وانه نبي مكلم معصوم، نبي الله (آدم) عليه السلام كان معصوما، وقد ظلم من ذريته ظلما كبيرا عندما ظنوا أنه خالف الامر الرباني الإلزامي فعصى وغوى وضل، بل كان الأمر أمر نصح وإرشاد وحسب، واجتهد آدم عليه السلام، وكان اجتهاده عائدا على نفسه، وكله كان من باب القضاء والقدر ولذا حج آدم موسى، ولوكان آدم عاصيا على الحقيقة لم استطاع أن يحج موسى، في الحديث: (حاجَّ موسى آدم عليهما السلام فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم، قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحجَّ آدم موسى ) ([279]) .فإن كان آدم عليه السلام عاصيا مذنبا على الحقيقة لكان في قوله احتجاج بالقدر على المعصية وهذه وحدها كبيرة، بل الأمر على غير ذلك، إنه احتجاج على القدر بالمصيبة وليس بالمعصية.
ومثاله، رجل خرج من بيته فزلقت رجله فانكسرت فقال له قائل لو لم تخرج من بيتك لما كسرت رجلك، فيقول له هذا قدر قدره الله تعالى عليّ فيكون كلامه في محله، ويكون احتجاجه على القدر من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب والذنوب والمعاصي، بخلاف آخر شرب الخمر فعاتبه الناس فيقول هذا أمر قدره الله علي، فهذا لا يكون من باب المحاججة بل من باب الاستخفاف بالقضاء والقدر، وقاعدة أهل السنة والجماعة (لا يجوز الاحتجاج على القضاء والقدر بالمعاصي) ولو كان (آدم) عليه السلام عاصيا حقيقة لما استطاع ان يحج موسى عليه السلام، فدل ذلك يقينا على أنّ الامر الرباني بعدم الأكل من الشجرة كان من باب النصح والارشاد وليس من باب الامر والإلزام.
(ثانيا): في جق نبي الله نوح عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك بها أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابه قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 45، 46]، على أن نوحا عليه السلام راجع ربه الذي وعده بنجاة اهله عندما رأى غرق ابنه بقوله: (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي )، وقد فسر العلماء الآية بأن الله تعالى نفى أن يكون ابن نوح من أهله الذين وعد الله بنجاتهم، {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}، أي أنه ليس من أهلك في العقيدة والدين، والحاصل أن نوح عليه السلام لم يطالب بنجاة ابنه الكافر معاذ الله، ولكن غاية الأمر استفسار من نبي الله توح أنك يا ألله وانت اعلم وأحكم وعدني بنجاة أهلي وإن ابني من اهلي ووعدك حق وصدق فماذا حدث، يسأل على سبيل العلم لا على سبيل الاعتراض وحاشاه، وهو القائل في سورة نوح {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}، فكان الجواب: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، فكان الرد: {قَالَ رَبّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الخَاسِرينَ}، فالأمر كله على سبيل الاستعلام لا على سبيل الاعتراض وحاشاه وهو النبي المرسل، ومن أولي العزم من الرسل أن يعترض على حكم الله، قصارى الأمر، وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين: صدور سؤال منه غير لائق بساحة الاَنبياء، ولأجل ذلك خوطب بالعتاب: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، فكان الرد من نبي الله نوح هو التسليم المطلق لحكمة الله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، فكان الرد الإلهي على هذا التسليم: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ}، فأين المعصية في كل هذا، ثم إنّ (الراجح) كما قال الكثير من المفسرين أنّ الابن كان متظاهرا بالإيمان مبطناً للكفر، ويدل على ذلك قول نوح لابنه عندما امتنع أن يواكب أباه في ركوبه السفينة: (يَا بُنَىَّ ارْكَب مَعَنَا وَلاَ تَكُن مَعَ الْكَافِرينَ )، أي لا تكن معهم حتى تشاركهم في البلاء، ولو كان عارفاً بكفره لكان عليه أن يقول: (ولا تكن من الكافرين )، فلما أدركه الغرق أدركته الحيرة في أنّه كيف غرق مع أنّ وعده سبحانه حق لا يشوبه ريب، ولم يكن نوح مطّلعاً على باطن ابنه، بل كان معتقداً بظاهر الحال أنّه موَمن، وعندئذ استفسر بقوله: {انّ ابنى من أهلي وإن وعدك الحق}، وأجابه الله تعالى بأنّه ما أدركه الغرق إلاّ لاَجل كفره، فهو لكفره كان داخلاً في قوله تعالى: {إلاّ من سبق عليه القول} أي بالكفر والعناد،) كان نوح (عليه السلام) يتصور أنّ ولده موَمن فاستفسر من العليم الحكيم، فنبّهه سبحانه على أنّه ليس من أهلك، والمعنى: (انّ ولدك وإن كان من نسلك لكنّه ليس من الاَهل الذين وعدت بنجاتهم وخلاصهم لأنه كافر داخل في المستثنى بقولي: {إلاّ من سبق عليه القول منهم}، وهم الكفار، وقوله عليه السلام: {وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}، ليس معناه وقوعه في الذنب، فطلب المغفرة والرحمة لا تلازم بينه وبين المعصية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول (استغفر الله العظيم من كل ذنب واتوب إليه )، وكان الصحابة رضي الله عنهم يحصون له في المجلس الواحد أكثر من سبعين استغفارا، وليس استغفار من ذنب وإنما من تقصير في حق الإلهية والربوبية بسبب عجز الجنس البشري وإن كان كاملا كما هو حال الانبياء عن استيفاء حقوق الربوبية والعبودية والإلهية لله.
(ثالثا): في جق نبي الله إبراهيم عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك بها أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في انه استدل لمعرفة ربه سبحانه بأفول الكواكب والقمر والشمس، وأنه قبل ذلك لم يجري عليه القلم، وهذا من أجهل الجهل بحال الأنبياء وعصمتهم، والخليل إبراهيم (عليه السلام) هو خير أولي العزم من الرسل بعد النبي صلى الله علسيه وسلم، خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، أي وفى بكل ما امره الله تعالى به، وكان له موقف مع كل أهل الشرك، خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، و خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، وقال سبحانه مخاطبا سيد المرسلين بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّني هَدَاني رَبّي إِلَى صِـرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، ومع كل هذا الثناء على الخليل إبراهيم (عليه السلام) يريد أهل الحشو أن ينسبوا إليه ما لا يليق:
(1) قوله تعالى: {وكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَالا ََرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِين * فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِني رَبّي لا ََكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْركُونَ}، قال أهل الحشو: قوله: (هذا ربي) في المواضع الثلاثة ظاهر في أنّه (عليه السلام) كان في صباه وقبل البلوغ وقبل أن يجري عليه القلم في مقام البحث والتحري عن الإله حتى وصل إلى الرب الحق، وهذا الذي قالوه لا يجوز نسبته إلى أحد من الانبياء فضلا عن الخليل، إذا الانبياء مفطورون على التوحيد مذ ولادتهم وإلى أن يلقوا الله على ذلك التوحيد، بل الحاصل أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان في معرض المحاججة مع قومه، وكان بعضهم يعبد الكواكب والبعض يعبد القمر وابعض يعبد الشمس، فأتى على معبوداتهم يهدم اعتقادهم ويثبت لهم أنهم على الباطل، فكان أوقع في نفوسهم واثبت للحجة ان يتبنى مذهبهم أولا ثم يبطله ثانيا، كما فعل مع الأصنام فإنه بعدما كسرها قال (بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون} فهو يثبت لهم انها لا تصلح للإلهية لأنها خرساء عاجزة عن الدفاع حتى عن انفسها، فكيف تدافع عن عابديها، وكان الحاصل كما ذكر القرآن الكريم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}، فكانت الفرصة التي يريدها الخليل فقال كما ذكر القرآن الكريم: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، عبر لهم عن حقيقة أصنامهم وانها لا تضر ولا تنفع، فأبوا: و {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}، فتدخلت القدرة الإلهية بقوله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}.
هذا هو الحاصل، طريق الخليل هي تبني قول الخصم ثم الاتيان عليه من قواعده فلا يدع مجالا لمجادل، ولذا قال تعالى في خاتمة الآيات: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، ولهذا قال أهل العلم بالأصول أنّ إمام المتكلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو الخليل إبراهيم عليه السلام، ومما يدل على ان ذلك كان منهجه عليه السلام، ما جاء في سورة الصافات: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ}، معنى الآيات أنه حاججهم بقوله {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، فلما آيس منهم احتال عليهم، كانوا ينظرون في النجوم يستطلعون الغيب، فشابههم لكي يعتذر منهم من الخروج إلى عيدهم، وكان بنوي أن يختلي بالأصنام يكسرها {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} احتال عليهم لاجل اظهار الحق، فأوهمهم انه ينظر إلى النجوم مثلما يفعلون حيث كانوا يستكشفون من الاَوضاع الفلكية الاَحداث المستقبلية وتعلل بانه لن يخرج معهم لأنه سقيم، هو أراد أنه سقيم القلب من عبادتهم للأوثان، وهم ظنوا أنه يشتكي المرض، أو ان طالع النجوم أخبره بانه سيمرض، نظر في السماء على عادتهم وأوهمهم أن النجوم تدل علي أنه سيسقم غدا، وكانوا منجمين، فتركوه مقتنعين بحاله، وإلا لما تركوه يختلي بأصنامهم وهو الذي قد توعدها من قبل، فاختلى بالأصنام وكسرها، وصدق فيه قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، أي وفى بكل ما امره الله تعالى به في الدفاع عن عقيدة التوحيد، حنى كان له موقف مع كل أهل الشرك باختلاف أقسامهم.
(2) حديث البخاري: عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَّا ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَوْلُهُ {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]. وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]. وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ ” قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ ) ([280]) .فــ (الكذب) هنا من باب التورية والمعاريض، يقصد شيئا حقا وصدقا ولا يفهمونه، فقوله {إني سقيم} أراد أنه سقيم القلب من عبادتهم للأوثان، وفهموا أنه مريض لا يتمكن من الخروج معهم، وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} له قرائن تدل على أنه لا يقصد سوى إقامة الحجة عليهم بانها أصنام لا تقدر على شيء، والسياق يدل على ذلك {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} فهو يطلب منهم ان يستوثقوا صحة ذلك {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}، فكانت الفرصة التي يريد الخليل أن يصل إليها {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، أما قوله ان سارة أختي، يقصد في الإيمان، إنما المؤمنون إخوة، فالصدق واجب في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في كل أقوالهم وأفعالهم واحوالهم، مع الله ومع الناس، واتصافهم بالكذب محال، ولا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحواله.
(رابعا): في جق نبي الله يوسف عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك به أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في هم يوسف عليه السلام بامرأة العزيز: استدل أهل الحشو بقوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، وزعموا انه قد وقع منه الهم ولكن تداركته رحمة الله فرأى برهان ربه فامتنع من المعصية، وكلامهم باطل لا أساس له من الصحة، ومن فهم اللغة علم ان (لولا) حرف امتناع لوجود، امتناع الهم لوجود العصمة، فلولا انه رأى برهان ربه (النبوة والعصمة) لوقع منه الهم ولكنه لم يقع منه الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، أهل الحشو ذكروا المحال وانه وقع منه (الهم) جزما، واستدلوا لذلك بما ورد في الاسرائيليات وأخبار أهل الكتاب وانه لما جلس منها مجلس الخيانة والخطيئة، أدركه برهان ربّه ونجّاه من الهلكة، ولو كان الامر كذلك فلربما وقف بعض الصالحين موقفا خيرا من موقف العفيف النبي ابن يعقوب النبي ابن اسحق النبي ابن الخليل إبراهيم، كان يهرب من الفتنة بلا هم، فكيف بنبي الله الذي يستحيل عليه التفكير في الإثم، حال الأنبياء ليس كحالنا هم معصومون حتى عن مجرد التفكير في الإثم ومن نظر في رد يوسف عليه السلام علم بداهة انه يستحيل عليه التفكير في الإثم والمعصية، قال تعالى: {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، الرد يستحيل معه تصور الهم السيء، ومن عرف ان (لولا) حرف امتناع لوجود المانع، فلولا انه رأى برهان ربه لوقع منه الهم ولكنه لم يقع من الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، والعصمة هي اليقين المانع من الذنب، فمحال أن يقع في قلب نبي هم بمعصية فكيف بالزنا والعياذ بالله، سبحانك هذا بهتان عظيم، ومن تدبر قوله تعالى لنبيه سيد الانبياء والمرسلين: {وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيءٍ} ومحال أن نظن بحبيب الرحمن وسيد الانام ظاهر المعنى، (لولا) حرف امتناع لامتناع، والمعنى أنه لولا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ بالنبوة والعصمة لكان يسري عليك ما يسري على بني آدم، ولكنه لا يكون لما فضلك الله به من الرسالة والنبوة والعصمة.
(خامسا): في جق نبي الله موسى عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك بها أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، عصمة كليم الله موسى (عليه السلام) من المعصية، وموسى عليه السلام كليم الله، أحد أولي العزم من الرسل، قال تعالى عنه: {وَ اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الاَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}، استدلوا على عدم عصمته بثلاثة أمور: (الأول) قتله القبطي وتوصيفه بأنّه من عمل الشيطان، و(الثاني) أخذه الغضب وألقى الألواح وفيها كلام الله، ثم لما سكت غنه الغضب أخذها، قال تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}، و(الثالث) مشاجرته أخاه هارون النبي مع عدم كونه مقصّـراً.
(الأمر الأول) قتله القبطي وتوصيفه بأنّه من عمل الشيطان: قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أهلها فَوَجَدَ فِيهَا رَجُليْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذا مِنْ عَدُوِّه فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفْسِي فَاغْفِر لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، قالوا: قتل نفسا واقر بانه كان من عمل الشيطان، واقر بالظلم وطلب المغفرة، فغفر الله تعالى له، وكلامهم كله من الجهل المركب، فإنّ نبي الله موسى عليه السلام قال ذلك هضما لنفسه على عادة الأنبياء، لأنه لا دخل له في مقتل هذا الجندي، وإنما هو قدر الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كثيرا بهذا الدعاء ويستغفر الله في كل مجلس ويتوب إليه، واما دعائه لنفسه بالمغفرة {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فليس في طلب المغفرة أي دليل على صدور المعصية، لاَنّ المغفرة تأتي بمعنى الستر، وكان اكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (الاستغفار) ولا يلزم من ذلك المعصية، ولكنه التقصير في حق الإلهية والربوبية وحقهما فوق طافة البشر ولو كانوا انبياء، فلزم الاستغفار من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وحاصل القصة: أنّ موسى عليه السلام لم يكن يقصد قتله وإنما أراد أن يردعه عن ظلم المظلوم فوكزه بغير نية القتل فمات بقدره، لقد كان المقتول من جند فرعون الذين علوا في الأرض ظلما وفسادا، قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَونَ عَلا فِي الا ََرْضِ وَجَعَلَ أهلها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ويَسْتَحْىِ نِساءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدينَ}، ولم يكن فرعون قائماً بهذه الاَعمال إلاّ بجنده الظالمين، ولهذا الظلم كان هذا الرجل من أعداء موسى، لأنه كان كافرا بالله ظالما في معاملة عباد الله من نسل يعقوب وقد كانوا آنذاك هم المؤمنون، وعلى ذلك فقتل مثل هذا الكافر الظالم لا يعد عملاً قبيحاً، وقد كان بصدد قتل المؤمن من شيعة موسى عليه السلام، ولم يقصد موسى قتله، فلا يعد هذا معصية ولا ذنبا، واما قوله عليه السلام: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}، يقصد المشاجرة والاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، ولا حرج في نسبة المعاصي إلى الشيطان، كما قال سبحانه: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الاَنْصابُ وَ الاَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوه ُلَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، أما قوله تعالى حكاية عن الكليم موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فإنه قال ذلك هضما لنفسه على عادة الأنبياء، لأنه لا دخل له في مقتل هذا الجندي وإنما هو قدر الله.
أما (الامر الثاني والثالث) أخذه الغضب وألقى الألواح وفيها كلام الله، وجذب أخاه هارون النبي من لحيته ورأسه مع عدم كونه مقصّـراً، فلها قصة لا يصلح معها إلا ما فعله موسى عليه السلام، واعد الله تعالى موسى ـ بعد أن أغرق فرعون وجنده ـ بأن يأتي جانب الطور الاَيمن فيوفيه التوراة التي فيها بيان الشرائع والاَحكام وما يحتاج إليه، وكانت المواعدة على أن يوافي الميعاد مع جماعة من وجوه قومه، فتعجّل موسى من بينهم شوقاً إلى ربّه وسبقهم على أن يلحقوا به، ولمّا خاطبه سبحانه بقوله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} أجابه كما جاء في القرآن الكريم: {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} (على أثري) وورائي يدركونني عن قريب، وعند ذلك أخبره سبحانه بأنّه امتحن قومه بعد فراقه (وأضلّهم السامري )، فرجع موسى من الميقات إلى بني إسرائيل حزيناً مغضباً، فرأي أنّ السامرى (أخرج لهم عجلاً) جسداً له صوت، وقال: إنّه إله بني إسرائيل عامة، وتبعه السفلة والعوام، واستقبل موسى هارون فألقى الاَلواح وأخذ يعاتب هارون ويناقشه، الموقف لا يحمل أقل من ذلك، لان بني اسرائيل هلكوا وكفروا بعد كل الآيات والمعجزات وعبدوا العجل، قال تعالى – في سورة طه -: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الاَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوْا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِىَ الاَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
فنبي الله موسى عليه السلام أخلف هارون عليه السلام على قومه، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لاَخِيهِ هَارُونَ اخُلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}، وقام هارون بوظيفته في قومه، فعند ما أضلّهم السامري ناظرهم بقوله: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}، فاكتفى بالبيان انتظارا لمقدم موسى عليه السلام، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}، السامري أضل بني إسرائيل، وعبدوا العجل من دون الله، فكان لابد في هذا الموقف العصيب أن يظهر موسى عليه السلام غاية الغضب انتصارا لعقيدة التوحيد، وتنبيها لقومه ان ما فعلوه كفر اكبر اهدر كل ما كانوا عليه من الإيمان، وفي هذا الظرف العصيب أظهر كليم الله غضبه بإلقاء الاَلواح جانباً، ومناقشته أخاه بقوله: (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي )، فلا يحتمل الموقف غير هذا، وإلا لتهاون بني إسرائيل وحسبوا الموقف هينا، وهو عند الله عظيم، أهلك الله عدوهم، فكان المترقب منهم هو الثبات على طريق التوحيد ومكافحة ألوان الشرك ـ ومع الاَسف ـ فإنّهم كفروا بالله وعبوا العجل، بنو إسرائيل كانوا غافلين عن مدى الجرم الذي ارتكبوه فكان لابد أن ينبههم رسولهم على خطورة الامر، وإلا تمادى القوم في غيّهم وضلالهم وحسبوا أنّهم لم يقترفوا ما يستحقون عليه اللوم والعتاب، وهكذا قام الكليم بمعالجة القضية، ولولا ما قام به لهلكت أمته وكانت من اخس الامم كفرا وجهلا حيث عبدوا عجلا بعدما راوا من الايات الباهرات.
(سادسا): في جق نبي الله داود عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك بها أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في عصمة نبي الله داود (عليه السلام)، قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 21 إلى 26]، تمسك الخوارج وأهل الحشو بما جاء في الاسرائيليات أن نبي الله داود عليه السلام كانت له تسع وتسعون امرأة , إذ جاءه الشيطان قد تمثّل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي , فمد يده ليأخذه , فتنحى فتبعه , فتباعد حتى وقع في كوّة, فذهب ليأخذه , فطار من الكوّة, فنظر أين يقع , فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها, فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقا , فحانت منها التفاتة فأبصرته , فألقت شعرها فاستترت به , قال: فزاده ذلك فيها رغبة , فسأل عنها, فأخبر أن لها زوجا , وأن زوجها غائب، في جند داوود، فبعث إلى أمير الجند أن يؤمره ويرسله إلى قتال الاعداء، فبعثه , ففتح له. وكتب إليه بذلك , فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ آخر , أشد منهم بأسا, فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك, فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا, فبعثه فقتل المرة الثالثة , فتزوج امرأته، فلم تلبث عنده إلا يسيرا حتى بعث الله مَلَكين في صور إنسيين , فطلبا أن يدخلا عليه, فوجداه في يوم عبادته, فمنعهما الحرس أن يدخلا فتسوّروا عليه المحراب وكانت القصة.
ونحن نربأ بأنبياء الله تعالى المعصومين أن يصلوا إلى ما في القصة من الظلم واللؤم، يتغمد قتل الجندي حتى يستأثر بزوجته، هذه أكاذيب الإسرائيليات، والقصة على خلاف ذلك تماما، أراد الله تعالى أن يعلم نبيه التأني في القضاء لانه سيجعله خليفة في الارض يقضي بين الناس فلابد من سماع حجج جميع الأطراف حتى لا يقع في ظلم احد، فأرسل له الملكين في صورة رجلين فلما عرض الاول قصته تعجل في الحكم قبل سماع حجة الثاني، فاختفى الملكان وعلم داود انه تعليم من الله تعالى كيف يكون القضاء بين الناس، فلما تاب واناب وعلم احكام القضاء خاطبه الله تعالى بقوله: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}، لقد كان الهدف من طرح تلك الواقعة هو تسديد نبي الله داود في خلافته وحكمه بين الناس حتى يمارس القضاء بالنحو اللائق بساحته ولا يغفل عن التثبت.
(سابعا): في حق سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: قال أهل الحشو: جاء في حقه الكثير من العتاب، ولكن الله تاب عليه وعفى عنه، ففي سورة التَّوْبَة، قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44 , 45]، وفي سورة الْأَنْفَال {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} [الأنفال: 67]، وفي سورة الإسراء، قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}، وفي سورة الأحزاب، {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]، وفي سورة محمد {واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات}، وفي سورة التَّحْرِيم {يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك تبتغي مرضات أَزوَاجك}، وفي سورة عبس: {عبس وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى}، وفي سورة الشرح: {ووضعنا عَنْك وزرك الَّذِي أنقض ظهرك}.
(1) قوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}، {عفا الله عنك لم أذنت لهم}، تلطف تعالى في عتاب الرسول، حيث قدم العفو على العتاب اكراما له عليه السلام، بل من هذه الآية يعرف الانسان مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه، وعلو قدره، وسمو منزلته، والمعنى: سامحك الله يا رسول الله، لم اذنت لهؤلاء المنافقين، في التخلف عن الخروج معك بمجرد الاعتذار، {حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}، أي هلا تركتهم حتى يظهر لك الصادق منهم في عذره، من الكاذب المنافق، {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر}، أي لا يستأذنك عن الجهاد من يؤمن بالله واليوم الاخر {أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم}، لانهم يعلمون ما أعده الله للمجاهدين الابرار من الاجر الجزيل، فكيف يتخلفون عنه؟ {والله عليم بالمتقين}، عليم بحالهم لانهم مخلصون في الايمان متقون للرحمن، {انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر}، أي انما يستأذنك المنافقون، الذين لم يثبت الايمان في قلوبهم، {وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون}، أى شكت قلوبهم في الله وثوابه، فهم يترددون حيارى لا يدرون ما يصنعون، اسلوب الكلام في الآية، اسلوب حب وتحنن وعطف، {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}، وكلنا يعلم من خلق النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يرد سائلا أبدا ولا يعنف معتذرا أبدا بل يكلهم إلى نياتهم والله عالم بحالهم يحاسبهم وفق علمه وحكمته، وكان صلى الله عليه وسلم لا يمسك عن احد حاجة أبدا، حتى هذا الذي طلب عباءته أعطاه إياها ومنعه ذلك من الخروج للناس ونزل فيه قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الاسراء: 29]، وهو الذي قال الله فيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فالقصة كلها اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم ورأى ان الاذن لهم في مصلحة الامة، واخبره القرآن الكريم ان اجتهاده كان خلاف الأولى.
(2) قوله تعالى: {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} [الأنفال: 67]، الملاحظ في قضية أسرى بدر أنه لم يسبق وجود حكم إلهي في الامر، بل كان اجتهادا من الرسول صلى الله عليه وسلم ووافقه في هذا الاجتهاد أبوبكر الصديق رضي الله عنه، ومعروف من عظيم اخلاقه صلى الله عليه وسلم ولينه وحبه للعفو والكرم والسخاء، فقد أسر المسلمون سبعين منهم، فاستشار الصحابة وأخذهم بالرفق واللين وقرر إعفاءهم من القتل، وقبول الفدية ممن يستطيع منهم، ومن لم يكن معه مال، كان فداؤه أن يُعلّم بعض المسلمين القراءة والكتابة، أخرج الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: استشار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم . فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس . فقام عمر فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم . فأعرض عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء . قال: فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء . قال: وأنزل الله – عز وجل -: (لولا كتاب من الله سبق) الآية) ([281]) .
فالقضية كلها كانت اجتهاد فيما لم يرد فيه نص، واخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق واللين، فليس هناك ذنب، وإنما هو من باب لاجتهاد فمن أصاب فله أجران ومن أخطا فله أجر، ولم يكن العتاب لشخص النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو التشريع الرباني الذي لا يُجامل أحدا، وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء: أن الإمام مخير فيهم: إن شاء قتل – كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببني قريظة – وإن شاء فادى بمال – كما فعل صلى الله عليه وسلم بأسرى بدر – أو بمن أسر من المسلمين – كما فعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر . هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة كبيرة من العلماء، وهناك فائدة عجيبة، فإن الآيات لم تنزل إلا بعد إطلاق أسارى بدر وقبول الفداء منهم، وقد بدئت بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمت بإقرارها وتطييب النفوس بها، قال تعالى: (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنفال: 68 -69]. والملاحظ هاهنا انّ العتاب لم يكن موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو عتاب لبعض الصحابة ليس على اختيارهم للفداء، وإنما على نياتهم فيه، {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة}، فنية الرسول صلى الله عليه وسلم جزما كانت مصلحة الإسلام والمسلمين ولعل الله ان يهدي بعض هؤلاء الاسارى إلى الإسلام وهذا قد حدث مع عمه العباس رضي الله عنه، ولكن العتاب منصرف إلى نيات أولئك الذين قدموا عرض الدنيا على الآخرة، حين تخيروا الفداء أنهم ما راعوا فيه إلا محبة المال لنفع أنفسهم فعاتبهم الله على ذلك.
(3) قوله تعالى: [وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك] قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين، في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه، قال المفسرون: حاول المشركون محاولات كثيرة ليثنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المضي في دعوته، منها: مساومتهم له أن يعبدوا إلهه مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم، وما كان عليه آباؤهم، ومنها مساومة بعضهم اْن يجعل أرضهم حراما كالبيت العتيق الذي حرمه الله، ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس الفقراء، فعصمه الله من شرهم، وأخبر أنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره، [وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك] أي وإن كان الحال أن المشركين قاربوا أن يصرفوك عن الذي أوحيناه إليك [لتفتري علينا غيره] أي لتأتي بغير ما أوحاه الله إليك وتخالف تعاليمه، [وإذا لاتخذوك خليلا] أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك صاحبا وصديقاً، [ولولا أن ثبتناك] أي لولا أن ثبتناك على الحق بعصمتنا إياك [لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا] أي كدت تميل إليهم وتسايرهم على ما طلبوا (ولولا حرف امتناع لوجود) فالأمر لم يحدث ولن يحدث ولكن عاقبة الأمر: [إذا لأذقانك ضعف الحياة وضعف الممات] أي لو ركَنتَ إليهم لضاعفنا لك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وهذا لن يحدث، [ثم لا تجد لك علينا نصيرا] أي لا تجد من ينصرك منا، أو يدفع عنك عذابنا، والغرضُ من الآية بيانُ فضل الله على الرسول صلى الله عليه وسلم في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة، [ولولا] حرف امتناع لوجود أي امتنع الركون إليهم، لعصمته تعالى وتثبيته له، فليس في الآية ما يُنقص من قدر الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هي بيان لفضل الله العظيم على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يخاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقضايا شرطية كثيرة قال سبحانه: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً}، وقال تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلـىٍّ وَلا نَصِيرٍ}، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ}، وقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَقَاوِيلِ * لاَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزينَ}، فهذه الآيات التي تحكى عن القضية الشرطية لا تدلّ على النتيجة، بمعنى أنّه لو فعل كذا لقوبل بكذا، ولكنه لا يفعل لوجود العصمة، وهذه الآيات الهدف الأساس منها تعريف الناس بوظائفهم وتكاليفهم أمام الله سبحانه، إذا كانت هذه الأحكام تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم فهي تخاطب الأمة من باب الاولى.
(4) قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37]، فالآيات ليس بها عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم على خطأ ما، ولكنه كان توجيها إلهيا لابطال عادة التبني، حيث أوحى الله للنبي صلى الله عليه وسلم بأن زينب ستكون زوجته بعد أن يطلقها مولاه زيد، وأخفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خوفا من كلام المنافقين، ورحمة بأصحابه، وكان كلما جاء زيد يطلب الطلاق، يأمره بالتمسك بها (“أمسك عليك زوجك”)، بينما كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن الفراق لا بد منه، ولكنه كان صابرا حتى يقضي الله امرا كان مفعولا، ويعلم الناس جميعا أنها إرادة الله وليست رغبة شخصية للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاتبَه الله بقوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ”}، ليس للعتاب ولا للتقصير ولكن ليكون أسوة وقدوة في إزالة جاهلية التبني، وابطال عادة العرب في ذلك، فقد كانت عندهم كبيرة أن يتزوج الرجل بحليلة ابنه ولو كان من التبني، ونزل القرآن أولا بمقدمة للأمر وهيي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}، تمهيدا لما قدره الله تعالى من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب رضي الله عنها ابطالا لعادة التبني عند العرب قبل الإسلام، هذا كل ما في الامر فلم يكن عتابا بقدر ما هو تشريعا وابطالا لعادة جاهلية كان عليها العرب جميعا قبل الإسلام، ثم جاء الوحي القرآني لرفع الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم، {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}، ومن روعة وجمال زيد رضي الله عنه وأخلاقه وولائه للنبي صلى الله عليه وسلم، ذهب سريعا يُبشر زينب بأعظم بشارة الا وهي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها، وانها ستصبح من أمهات المؤمنين، فقد اخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: فاذكرها علي، قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها بغير إذن) ([282]) .
وقوله: (فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها) وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد خطبتها، فأنزلها منزلة أمهات المؤمنين، فأبعد نظره عنها وأعطاها ظهره، ورجع إلى الوراء وبعد عنها مسافة، ثم بشرها بالأمر.
(5) قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19]، وتكرر الامر بالاستغفار في سورة غافر: قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55]، الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يستغفر في كل اوقاته وكان الصحابة رضي الله عنهم يعدون له في الجلسة الواحدة (أستغفر الله واتوب إليه) أكثر من سبعين مرة، فقد أخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم) ([283]) .
واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم ليس من جنس استغفارنا، لأنه يستغفر من مرتبته وهي مرتبة رؤية العجز عن أداء حق العبودية كما ينبغي لله، وعظم حق الإلهية والربوبية، وهذه ليست في مقدور احد من الخلق، فهو يستغفر عن تقصير ليس له فيه ذنب، وليس هو في مقدوره ومع ذلك لابد من الاستغفار بسبب رؤية عظيم الفضل، {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، وقد يكون الامر بالاستغفار ليقتدي به المؤمنون، في طلب المغفرة، بمعنى أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالاستغفار فغيره من باب أولى، وهذا على حد قول الفقهاء: الخطاب له والمراد به الأمة، لأنه معصوم من الذنب أصلا، وقد قال الله تعالى في حقه: {وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْىٌ يُوحى}، فالآية واضحة وصريحة في أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، أي لا يتكلم بداعي الهوى، جميع ما يصدر عنه من القول هو من الوحي الإلهي المحفوظ.
(6) قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 1،2]، والمعنى العام للآية: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك}، يا أيها النبي، لماذا تمنع نفسك من شيء أباحه الله لك؟ تبتغي مرضاة أزواجك، أي كنت تفعل ذلك لتكسب رضا بعض زوجاتك وتتجنب غضبهن بسبب الغيرة، والله غفور لذنبك هذا، ورحيم بك وبالمؤمنين، وقد شرع لك كفارة ليمينك، فأي ذنب هاهنا، للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما موقفه جاء من عظيم أخلاقه وهضم نفسه صلى الله عليه وسلم والله تعالى يُشفق عليه، وإنما كان العتاب لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: 5].
(7) قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الاَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمّا مَنِ اسْتَغْنَى * فأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، روى المفسرون أنّ عبد الله بن أُمّ مكتوم الاَعمى أتى رسول الله وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأُبيّاً وأُمية ابني خلف، يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، فقال عبد الله: اقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله، فعبس (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلّمهم، فنزلت الآيات، وكان رسول الله بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه يقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي ويقول: هل لك من حاجة، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين، وهذه الآيات موعظة وتبصرة للخلق، يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها العقلاء [فمن شآء ذكره] أي فمن شاء من عباد الله اتعظ بالقرآن، واستفاد من إرشاداته وتوجهاته، قال المفسرون: كان صلى الله عليه وسلم بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا وكان الفقراء في مجلسه أمراء، وكان إذا دخل عليه ” ابن أم مكتوم ” يبسط له رداءه ويقول: مرحبا بما عاتبني فيه ربي.
والخلاصة: النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع أئمة الكفر قي مكة يدعوهم إلى الإسلام، وكان يرجو اسلامهم لأنه إن اسلموا أسلمت مكة كلها، فاجتهد هل يترك مجلسه الدعوي هذا ويقبل على عبد الله بن أم مكتوم يعلمه أحكام الدين، أم يؤجل عبد الله بن أم مكتوم إلى حين الفراغ من دعوة رؤساء مكة إلى الإسلام، اجتهد صلى الله عليه وسلم وقد كان أشد الحرص على إسلامهم، ولكن الله عز وجل بين له انه ليس عليه اسلامهم ولكن عليه أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم، اجتهد لمصلحة الدعوة، فاين التقصير الذي يقوله الخوارج والحوية هنا، والعبوس لم يكن مرادا به عبد الله، وإنما هو كرد فعل لدخول عبد الله عليهم في ناديهم ولم يصبر حتى يتم النبي صلى الله عليه وسلم نقاشه مع المشركين، اجتهد للإسلام، وكانت حياته كلها له، حتى خاطبه الله تعالى بقوله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، اجتهد وبين القرآن أنه خلاف الأولى، فنحن بين الصواب والأصوب، وبين الكمال والاكمل، وهو يبين مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الناس أجمعين، حتى خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]
(8) قوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 1 إلى 3]، يقولون أوزار الجاهلية وما قبل البعثة المحمدية، وهذا ناشئ من عدم معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [المؤمنون: 68]، فهم لم يعرفوا نبيهم صاحب الخلق العظيم، فإنّ الوزر الذي أنقض ظهر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) هو الهموم التي كان يتحملها من قومه، من كفرهم وجحودهم وتكذيبهم، كما جاء في قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]ن وقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3، 4]، وباخع نفسك أي قاتل نفسك كمدا وحزنا، فهذا هو الحمل الثقيل والوزر الذي أنقض ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، والوزر في اللغة يأتي بمعنى الذنب، ويأتي بمعنى الحمل الثقيل الذي ينقض الظهر، فالله تعالى رفع عنه هذا الثقل الشديد، وبشره بالفتح حتى لا يكون مكان في الأرض إلا ويصله الإسلام، وبشره باليسر بعد العسر، فقال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}، فإنّ العسر لن يغلب يسرين، فإذا إذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء، وإذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل وإذا فرغت من العبادة فانصب إلى الطاعة، وإلى ربك فارغب وتقرب إليه بالدعاء والتضرع والإخلاص، تطلب منه ما عنده من الخير والمغفرة والرضا.
[المفتاح الثاني]: استدلالهم من متشابهات القرآن على جواز نسبة الشك على الانبياء
(1) فِي سورة يُونُس {فَإِن كنت فِي شكّ مِمَّا أنزلنَا إِلَيْك فاسأل الَّذين يقرؤون الْكتاب من قبلك}، جوزوا وقوع الشك على الأنبياء، والشك محال على الأنبياء، إذ لو تتطرق الشك إلى قلوبهم فليس على ظهر الأرض مؤمن، والخطاب في الآية للنبي في الظاهر، ولكن المقصود الحقيقي هو إزالة الشبهات عن المشركين الذين استغربوا بشرية النبي، فيكون المعنى حينئذ قل يا رسول الله لهؤلاء المشركين إذا كنتم في شك من هذا القرآن فاسألوا الراسخين في العلم من أهل الكتاب أمثال عبد الله بن سلام فسيخبرونكم بصدقه لأن عبدة الأوثان كانوا يقرون لأهل الكتاب بأنهم أعلم منهم لوجود الكتب السماوية عندهم.
(2) وفي سورة الشورى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان}، و(المفتاح): أي ما كنت على علم تفصيلي بحقائق القرآن وشرائعه، ولا حقيقة الإيمان وأصوله وأركانه قبل الوحي، والغاية من الآية تذكير بنعمة الله على الرسول، والرد على المعاندين ليدركوا أن ما جاء به الرسول ليس من عنده، بل هو من عند الله، وإثبات صدق الرسالة وأن هذا القرآن هو نور يهديهم إلى الحق، كما في قوله تعالى: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}،
(3) وفي سورة الضُّحَى {ووجدك ضَالًّا فهدى} والمعني أن الله وجدك غافلا عن طريق النبوة والشريعة الكاملة فهدَاك إليها، ويُفسّر أيضًا بأنه وجدك بين قوم ضالين فهداك أنت، وجعل هدايتك لهم، مع التأكيد أن النبي معصوم ولم يكن ضالاً بالمعنى الكفري بل كان حنيفاً موحداً لكنه لم يكن مُكلفاً بعد، والآية إشارة إلى عناية الله بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها، وتوجيهه له من حال إلى حال أفضل، فهو لم يكن ضالاً بالمعنى الكفري، بل كان على الفطرة، لكنه كان ضالاً عن تفاصيل الدين الذي سيُوحى إليه لاحقاً،
(4) وفي سورة يُوسُف {إِنِّي تركت مِلَّة قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون} يقصدون أنه كان على الكفر وهيهات فالانبياء معصومون من الكفر، والمعنى العام أنّ يوسف عليه السلام يقول لصاحبي السجن، إنه بريء من دين قومه الذين يعبدون غير الله ويكفرون باليوم الآخر والحساب، وأنه لم يكن من أهل تلك الملة قط، وإنما يبرأ منها ويتبنى عقيدة التوحيد والآخرة،
(5) وفي سورة ابراهيم {وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا}، يقصدون المعنى الحرفي وهو العودة إلى الكفر الذي كانوا عليه، وهذا محال، لعصمة الأنبياء، والمعنى: لنخرجنكم من قريتنا، أو لترجعن عن دينكم إلى ديننا، والمعنى: أو لتصيرن إلى ديننا،
(6) وفي سورة الاعراف {قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه لنخرجنك يَا شُعَيْب وَالَّذين آمنُوا مَعَك من قريتنا أَو لتعودن فِي ملتنا قَالَ أولو كُنَّا كارهين قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا}، والمعنى كما الآية السابقة، يعني أن العودة إلى الكفر أو إلى ملتهم الضالة أمر مستحيل وغير ممكن لهم إلا بمشيئة الله وقضائه، والمعنى الإجمالي: “لا يمكن لنا أن نعود إلى ملتكم الضالة أبداً، إلا إذا شاء ربنا ذلك وقضى به، وهذا يظهر إيماننا الكامل بأن كل شيء بيده، وليس لنا من الأمر شيء،
(7) وفي سورة الْأَنْعَام {فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين فَلَمَّا رأى الْقَمَر بازغا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي}، قالوا: قوله عليه السلام: (هذا ربي) في المواضع الثلاثة ظاهر في أنّه (عليه السلام) كان في صباه وقبل البلوغ وقبل أن يجري عليه القلم في مقام البحث والتحري عن الإله حتى وصل إلى الرب الحق، وهذا الذي قالوه لا يجوز نسبته إلى أحد من الانبياء فضلا عن الخليل، إذا الانبياء مفطورون على التوحيد مذ ولادتهم وإلى أن يلقوا الله على ذلك التوحيد، بل الحاصل أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان في معرض المحاججة مع قومه، وكان بعضهم يعبد الكواكب والبعض يعبد القمر والبعض يعبد الشمس، فأتى على معبوداتهم يهدم اعتقادهم ويثبت لهم أنهم على الباطل، فكان أوقع في نفوسهم واثبت للحجة ان يتبنى مذهبهم أولا ثم يبطله ثانيا، كما فعل مع الأصنام فإنه بعدما كسرها قال (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} فهو يثبت لهم انها لا تصلح للإلهية لأنها خرساء عاجزة عن الدفاع حتى عن انفسها، فكيف تدافع عن عابديها، فهذا هو طريق الخليل عليه السلام في تبني قول الخصم ثم الاتيان عليه من قواعده فلا يدع مجالا لمجادل، ولذا قال تعالى في خاتمة الآيات: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، ولهذا قال أهل العلم بالأصول أنّ إمام المتكلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو الخليل إبراهيم عليه السلام
(8) وفي سورة الْبَقَرَة {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259]، قالوا: أن عزيرا شك في البعث، وأنه لما اماته الله مائة عام ثم بعثه أيقن بان الله على كل شيء قدير، وهذا خطأ، فالآية تحكي قصة النبي عزير عليه السلام الذي مر على قرية مدمرة، فتساءل كيف يحيي الله هذه القرية بعد خرابها، فأماته الله مئة عام ثم بعثه، ورأى بأم عينيه إحياء الله لعظام حماره والقرية، فعلم علم اليقين قدرة الله على الإحياء بعد الموت، بعد أن كان يعلم ذلك ويؤمن به علمًا نظريًا أصبح علمًا حسيًا يقينيا،
(9) وفي سورة يُوسُف {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110]، استدلوا بالىية على ان الأنبياء قد يصيبهم اليأس والظن السيء، وهذا من اعظم الجهل، فإنّ الضمائر في قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} لا ترجع إلى الرسل، ولكنها تعود إلى الامم، وليس إلى الرسل، ومفاد الآية انّ الرسل عليهم السلام كانوا ينذرون قومهم، وكانوا يعدون المؤمنين بالنصر والغلبة ويوعدون الكفّار بالهلاك والاِبادة، لكن إذا تأخر النصر الموعود ظنت الاَمم أنّ الرسل كذبوا في ما أخبروا به من نصر الله إيّاهم وأهل اك أعدائهم، فأخذوا يستهزئون بالمؤمنين، آنذاك: جاءهم نصرنا، فنجّي من نشاء وهم المؤمنون، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين
(10) وفي سورة الأنبياء: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، زعموا أنّ يونس عليه السلام خالف أمر ربه، والحاصل انّ يونس عيه السلام نبي معصوم دعا قومه فلم يوَمنوا فأخبرهم بوقوع العذاب، وفارقهم قبل نزول العذاب، ظنا منه أن العذاب واقع عليهم لا محالة، وظنا منه انّ الله تعالى لن يؤاخذه، فلمّا أشرف عليهم العذاب تابوا وآمنوا، فكشفه الله عنهم، وعاتبه لأجل مفارقته قومه مع إمكان رجوعهم إلى الله سبحانه وإيمانهم به، وأُمّة يونس عليه السلام هي الاَمّة الوحيدة التي نفعها إيمانها قبل نزول العذاب، قال تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين}، يونس عليه السلام ذهب مغاضباً لقومه لعدم استجابتهم له، عندما ظهرت أمارات العذاب، وظن أن لن يضيق الله عليه بسبب تركه لقومه، ثم ندم على عمله (فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أي لنفسه، فاستجاب الله تعالى له ونجاه من الغم،
[المفتاح الثالث]: أهل الحشو نسبوا إلى آدم وحواء عليهما السلام الوقوع في الشرك، واستدلوا لذلك بروايات باطلة تنسب إليهما أنهما المقصودان بقوله تعالى: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيَما آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْـرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُون * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} قالوا بان بأنّ ضمير التثنية في قوله تعالى {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيَما آتَاهُمَا}، يرجع إلى آدم وحواء، والعجيب من هؤلاء الخوارج أنّ الآيات لم تنص على آدم وحواء، ومحال أن يقع نبي مكلم في الشرك، وإلا فما فائدة النبوة وأين تكون العصمة، ولماذا لا يكون المراد من الآيات بيان طبيعة الإنسان الجاحد لنعمة الله، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الاِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}، والآية جارية مجرى المثل المضروب لبني آدم في نقضهم ميثاقهم الذي واثقوا الله تعالى به، والدليل على ذلك أن الآيات السابقة لهذه الآية تتحدث عن الميثاق الذي أعطاه الاِنسان لربّه ولكنّه نقضه، {وَإِذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاوَنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرّيّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَافَعَلَ المُبْطِلُونَ}، وهذا دليل على أنّ المراد هو تعريف طبيعة الاِنسان الناقض للعهود والمواثيق مع الله، ثم إنّ خاتمة الآية تؤكد ذلك، لأنه سبحانه ختم الآية بقوله: {فَتَعَالى الله عَمَّا يُشْرِكُون}، فلو كان المراد من النفس وزوجها في الآية شخصين معيّنين كآدم وحواء، كان من حق الكلام أن يقول: (فتعالى الله عمّا يشركان )، والآية التالية تؤكد ذلك لقوله تعالى – على سبيل الانكار على المشركين: {أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون}، وحاشا أنْ يكون آدم عليه السلام النبي المكلم مشركاً في عبادة الله،
و(الخوارج): استدلوا لكلامهم بحديث رواه الإمام احمد في مسنده والترمذي في سننه: عن الحسن البصري، عن سمرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما ولدت حواء طاف بها إبليس – وكان لا يعيش لها ولد – فقال: سميه عبد الحارث ; فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث، فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره ) ([284]) . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: الحديث معلول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر بن إبراهيم راوي الحديث، قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، والثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعا، والثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا، لما عدل عنه، قال ابن جرير: بسنده عن الحسن: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم، وعن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا، فهودوا ونصروا، قال ابن كثير: هذه أسانيد صحيحة عن الحسن، أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب، ثم ذكر ابن كثير آثارا في ذلك ثم قال: هذه الآثار يظهر عليها – والله أعلم – أنها من آثار أهل الكتاب، ونحن فعلى مذهب الحسن البصري، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ; ولهذا قال الله {فتعالى الله عما يشركون} هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، من الأنداد والأصنام والأوثان) انتهى([285]) . وقال القرطبي: (وهو الذي يعول عليه، فقوله: جعلا له يعني الذكر والأنثى الكافرين، ويعني به الجنسين . ودل على هذا فتعالى الله عما يشركون ولم يقل يشركان) انتهى([286]) . فالحديث ضعيف لا يثبت، والأولى: ان نقول: أنّه ليس المقصود به آدم وحواء عليهما السلام بذاتيهما، وأنّ الآية جارية مجرى المثل المضروب لبني آدم في نقضهم ميثاقهم الذي واثقوا الله تعالى به، وانه لو المراد من النفس وزوجها في الآية آدم وحواء، كان من حق الكلام أن يقول: (فتعالى الله عمّا يشركان) فحاشا أنْ يكون نبي الله آدم عليه السلام وهو النبي المكلم الذي رأى سجود الملائكة له تكريما، مشركاً في عبادة الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(تنبيه مهم): العصمة للرسل الكرام: الرسل الكرام رجال اصطفاهم الله تعالى من البشر ليكونوا وسطاء بينه وبين عباده في تبليغ ما شاء الله تعالى من الدين، قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75]، وقال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، وأهم صفات الرسل الكرام (الصدق) و (الامانة) و (التبليغ) و (الفطانة) , [الصدق] في كل شيء ولا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحواله وأقواله وأفعاله، و الصفة الثانية الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (الأمانة )، و (الأمانة ): معناها حفظ ظواهر الأنبياء وبواطنهم من المعاصي والمكروهات، و (الامانة ): هي العصمة ظاهراً وباطناً من الحرام والمكروه، و (العصمة )، هي ملكة راسخة في النفس تمنع صاحبها من مخالفة شرع الله، ظاهرا وباطنا، و (العِصْمَةُ) صفة واجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام، وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المعصية، لان الله تعالى أمر الناس باتباعهم والاقتداء بهم، فلا يصح في حقهم مخالفة أمر الله، والصفة الثالثة الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (التبليغ ): وهو إيصال كل ما أمروا بإيصاله إلى الخلق، وتبليغه غلى الناس، وضده كتمان ما امرهم الله تعالى بتبليغه، فلا يكتمون شيئا من شرع الله، و الصفة الرابعة الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (الفطانة) ومعناها: الذكاء الحاد، وسرعة الفهم، والبديهة العظيمة ودقة التصرف، والتيقظ التام لإلزام الخصوم ودحض حججهم، وإبطال دعاويهم، والرسل هم أهل الاصطفاء الرباني، هم أتقى الناس لله وهم أعبد الناس لله، وهم أصدق الناس مع الله، منزهون عن الكبائر والصغائر ورذائل الأخلاق، معصومون عن الخطأ في تبليغ الرسالات، هم أهل الاصطفاء الرباني: قال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ) [القصص: 68]، وقال تعالى: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124]، فالذي يجب في حق الرسل عليهم الصلاة و السلام أربع صفات و هي: الصدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة، ويستحيل في حقهم أضدادها وهي: الكذب، والخيانة، والكتمان، والبلادة، ويجوز في حقهم جميع الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقصان، مثل: الأكل، والشرب، النكاح، والنوم، والمرض، ما عدا الامراض التي ينفر الناس من أصحابها كالجزام والبرص والجنون.
ولا يجوز الكذب على الأنبياء والرسل، قال تعالى في حق سيد المرسلين: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 44 إلى 47]، وقال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15]، {إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ}، فـــ (الصدق) هو أول وأبرز صفات الرسل، الصدق في كل الامور والاحوال والأقوال والافعال.
و(العِصْمَةُ) صفة واجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام، وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المعصية، لان الله تعالى أمر الناس باتباعهم والاقتداء بهم، فلا يصح في حقهم مخالفة أمر الله، وقد ذهب الخوارج ومن تأثر بهم: إلى عدم امتناع صدور الكبائر والصغائر من النبي قبل نبوته، والصحيح أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الصغائر والكبائر قبل البعثة وبعدها، وهو من باب تعظيم قدر الانبياء الذين عظم الله تعالى قدرهم ورفع منازلهم، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، وهو الأولى من باب سد الذرائع، ومن باب الاحتياط للشرع، وهو ما عليه مذاهب علماء أهل السنة والجماعة المعتمدة في العقيدة، وذلك لأسباب:
(1) الرسول (أي رسول) هو المثل الأعلى لأمته , والذي يجب الاقتداء به في كل اعتقاداته وأقواله وأفعاله وأخلاقه , وهو الأسوة الحسنة بشهادة الله له , لذلك وجب أن تكون كل اعتقاداته وكل أفعاله وكل أقواله وجميع أخلاقه موافقة لطاعة الله عزّ وجل، ووجب ألا يدخل في شيء من اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه معصية لله تعالى.
(2) إذا أمكن أن يفعل الرسل المعاصي , كان معنى الأمر أن يتخذوهم أسوة في المعاصي , وهذا مستحيل، لأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا انبياءه يأمرون بالفحشاء، وقد جعل الله تعالى طاعة الرسل من طاعة الله، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء:80]، وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آلِ عمران:32]، وقال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، وجعل في طاعتهم الهداية، قال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}، وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}، فلابد وأن يكونوا على العصمة التامة.
(3) من لوازم العصمة: العصمة عن الكتمان والتحريف: فكتمان الحق معصيةٌ في الدعوة إلى الله عزّ وجل، والتحريف أيضاً معصيةٌ في الدعوة إلى الله عزّ وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام معصوم عن الكتمان وعن التحريف وعن الخطأ والغلط والنسيان فيما أمره الله بتبليغه للناس، لأنه لو لم يكن معصوماً عن ذلك لانعدمت الثقة بما يبلغه عن الله من شرائع وأحكام وأخبار.
(4) من لوازم العصمة: العصمة من الذنوب والخطايا صغيرها وكبيرها، وكل ما ورد في الشرع مما يوحي بوقوع المعصية فهو محمول على أحسن المحامل وأصحها مما يحفظ جناب الأنبياء والمرسلين.
(5) القرآن الكريم لم ينص صراحة على معصية نبي إلا معصية آدم عليه السلام، وقد ذهب الحذاق من أهل العلم إلى القول بأن نهي آدم عن الأكل من الشجرة كان نهي إرشاد ونصح وإعلام، وليس نهيا على جهة التكليف يترتب عليه عضب من الله، وانه لما أكثر الشيطان الوسوسة عليه، نسي نصح الله تعالى له فأكل منها غير عامد لمخالفة أمر الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}، فـ (آدم) عليه السلام خالف الأمر الإرشادي فسمّي ذلك عصياناً، لأنّ الله تعالى أوحى لآدم عليه السلام: أنّك يا آدم اذا اردت البقاء في الجنّة فلا تأكل من هذه الشجرة، فإن أكلت منها فسوف تخرج من الجنة، ومثل هذا النهي لا يكون مخالفته قادحاً في العصمة، بل غاية ما هنالك انّه يترتّب عليه الأثر، وهو الخروج من الجنّة والابتلاء بالاستقرار في الأرض.
(6) ويوسف (عليه السلام) كان معصوما من الهم بامرأة العزيز: قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، ومن فهم اللغة العربية فهما صحيحا علم ان (لولا) حرف امتناع لوجود مانع، امتناع الهم لوجود مانع العصمة، فلولا انه رأى برهان ربه (النبوة والعصمة) لوقع منه الهم ولكنه لم يقع منه الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، وكذلك كل ما يتعلق بجناب الانبياء والرسل عليهم صلوات ربي وسلامه، وخلاصة القول فإن عصمة الأنبياء ثابتة لهم من الكبائر ومن الصغائر وسيء الاخلاق ومن كل مخالفة لأمر الله، مهما كانت صغيرة،
***
المبحث الثاني عشر جهود السادة الأشاعرة والماتريدية في بناء صرح العقيدة الإسلامية الصحيحة المتكاملة
[المفتاح الأول]: الأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة في باب العقيدة، وهما مدرستان متخصصتان في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة: في الإلهيات وفي النبوات وفي السمعيات، إنّ من أهم أسباب ظهور الفرق الضالة هو تتبع المتشابهات وعدم ردها إلى أمهاتها من المحكمات، وكانت أصول تلك الفرق الضالة تتمثل في (الخوارج) و(الشيعة) و(المعتزلة) و(الحشوية)، و(المجسمة) و(المرجئة) و(الجهمية) وعندما ظهرت آراء تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة، لبيان عقائد الفرقة الناجية، والرد على هذه الفرق الضالة، فظهرت مدرستان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة هما (الأشاعرة والماتريدية)، وبهما اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، والمذهبان يقدمان طريقة أهل الأثر من تفويض علم المتشابهات إلى الله عند سلامة العقيدة وعدم وجود الآراء الضالة ولكن عند ظهور الضلالات العقدية ووجوب الرد عليها فإنهم يحملون المتشابهات على محكماتها ويردون الفروع إلى أمهاتها فتستقيم العقيدة.
[المفتاح الثاني]: لقد اكرم الله تعالى الامة بالإمامين (أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي) تخصصا في علوم العقيدة وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة، وصار المذهبان هما جناحا أهل السنة والجماعة في العقيدة، وعلماء المذهبين هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، هذه المدارس هي: (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، وهذه المدرسة لا تخوض في المتشابهات وإنما تكل العلم بمعانيها إلى الله. ولكن ابتليت هذه المدرسة بالأدعياء من أهل الحشو والتجسيم والزيغ فنازعوا منبرها وشغبوا على صفاء منهاجها فينبغي الحذر من مناهج هؤلاء ومنهم ابن تيمية وأتباعه، ومذهب هؤلاء هو الحشو والتجسيم، مهما أنكروا ذلك، ومذهبهم (تكييف وجود الله) وهذا التكييف مفاده: هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وأن العالم المخلوق تحته، وانه موجود بذاته في مكان وفي جهة من جهات الكون، وأنه بذاته على عرشه حقيقة، وانه ينزل إلى السماء على الحقيقة، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يحده العرش من تحته، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن هؤلاء واكثروا حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، مع انها متشابهات تعارض الأحدية المطلقة التي تعدل ثلث القرآن، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة التي تمنع من الأبعاض والأجزاء والجوارح، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، فالله تعالى ليس كمثله شيء، ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال تقدس أن يكون له مثيل او شبيه هو سبحانه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، إن آفة هؤلاء الحشوية أنهم لم يدرسوا قواعد التقديس ولم يطلبوا علم العقيدة على يد المتخصصين، فالحذر الحذر أن يسير أحد من المسلمين خلف هؤلاء لانهم ليسوا من ذوي التخصص في العقيدة.
[المفتاح الثالث]: لقد اكرم الله تعالى الامة الإسلامية بالتخصص العقدي، متنثلا في المذهبين الأشعري والماتريدي، وصار (المذهبان) المذهب الأشعري والمذهب الماتريدي هما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج أهل الحق، وصارا جناحا أهل السنة والجماعة في علوم العقيدة، هم الذين ضبطوا مسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وردوا على جميع المخالفين من أهل البدع الضالة المضلة، إنّ الأشاعرة والماتريدية هم علماء الأمة المتخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة) وهم الذين يمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء لولاهم لمال البعض إلى الحشو والتجسيم ولمال الآخرون إلى الاعتزال والتعطيل ولولاهم لما استطاع المسلمون إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع، ولولاهم لما عرف المسلمون الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المتخصصة، وبيان نظرتها إلى الطوائف المخالفة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء، هم أهل الذكر في العقيدة، والله تعالى يقول: {فأسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}
[المفتاح الرابع]: الأشاعرة والماتريدية هم من قرروا عقيدة أهل السنة، وهم الذين وقفوا في وجه الفرق الضالة، وزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم، والإمامان أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي لم يؤسس أي منهما في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة، وإنما هداهم الله تعالى لالتزام مذهب أهل السنة وتقرير أدلته، هما في العقيدة كالشافعي واحمد ومالك وأبي حنيفة في الفقه، وجد فيهما أهل السنة ضالتهم فاتبعوهما وساروا على نهجهما، إنّ من فضل الله تعالى على أمة الإسلام، أن سخّر للأمة أعلام الأشاعرة والماتريدية علماء العقيدة الذين أنقذ الله تعالى بهم الأمة من التجسيم والحشو والاعتزال، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، بما يمثل منهج الإسلام الصافي النقي في علم العقيدة بعيداً عن بدع الخروج والتشيع، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً.
[المفتاح الخامس]: مناهج الأشاعرة والماتريدية في تقرير أصول الدين: كانوا يجمعون كل أدلة الباب العقلية والنقلية، ثم التفريق بين المحكم والمتشابه ورد المتشابه إلى امهاته من المحكم، وكان منهاجهم يقوم على محاور: أهمها: دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة، والمحور الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة، الثالث: قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم، من انتقص هؤلاء الاكابر فليراجع نفسه وإلا فهو متهم في عقله او دينه او جهله، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء لولاهم لمال البعض إلى الحشو والتجسيم ولمال الآخرون إلى الاعتزال والتعطيل ولولاهم لما استطاع المسلمون إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع، ولولاهم لما عرف المسلمون الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المتخصصة، وبيان نظرتها إلى الطوائف المخالفة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء.
[المفتاح السادس]: أهم مباحث تجديد العقيدة التي قام بها السادة الأشاعرة والماتريدية: هناك سبعة مباحث تدل على أنهم أهل التخصص في العقيدة على منهاج الحق: (1) مبحث التقديس (الإيمان بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله): وهم فيه عدل وسط بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، (2) مبحث التوفيق بين المعقول والمنقول: وهم فيه عدل وسط بين بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، (3) مبحث الرؤية وهم فيه عدل وسط بين نفي المعتزلة والشيعة والإباضية، وبين تشبيه المشبهة والمجسمة والحشوية، (4) مبحث الإيمان والكفر وهم فيه عدل وسط بين بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو والجهمية والمرجئة من جهة التفريط، (5) مبحث توحيد الأفعال والتوفيق بينه وبين الكسب وهم فيه عدل وسط بين بين القدرية والجبرية، (6) مبحث الصحابة والآل والتوسط بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب.
(المبحث الأول): مبحث الإيمان بذات الله تعالى وصفاته: وسط بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه: الأشاعرة وسط في هذا الباب بين المعتزلة والمجسمة، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، وأكرم الله تعالى الأمة بالأشاعرة والماتريدية استنبطوا قواعد التقديس والتنزيه من الكتاب والسنّة، وحددوا دائرة المتشابه الصحيحة في الباب، ووضحوا ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله، إن مذهب الأشاعرة والماتريدية في المتشابه: يقوم على ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة، وبين الجهمية والمعتزلة، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والتجسيم ولوازمها، وعن النقص والعجز والعيب ولوازمها، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه وعدم الخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة.
وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، ثم لما كان الوقف – في الآية – محتملاً على لفظ الجلالة (الله) أو على قوله تعالى (والراسخون في العلم)، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد، اتسع إطار أهل السنة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله.
(المبحث الثاني) مبحث التوفيق بين المعقول والمنقول: والتوسط في باب التوفيق بين المعقول والمنقول بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، وسطية الأشاعرة في باب التوفيق بين المعقول والمنقول: بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، أو حتى في تدبر وفهم النصوص المتعارضات، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة، ويتجنبون تفريط المجسمة المشبهة، فمذهبهم في ذلك أوسط المذاهب، يعرفون ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى في اطار صريح المعقول، وليس المقصود به عقل الجاهل ولا عقل القاصر، وإنما عقل العالم المتخصص الفاهم الفقيه، ثم يوفقون بينه وبين صحيح الشرع، في توسط حبى الله تعالى به أهل السنّة والجماعة دوناً عن أهل البدع والأهواء من أهل الإفراط والتفريط.
(المبحث الثالث) مبحث الرؤية بين نفي المعتزلة والشيعة والإباضية، وبين تشبيه المشبهة والمجسمة والحشوية: اتفق أهل السنّة والجماعة على رؤية ذات الله تعالى في الآخرة، وأنها رؤية بغير احاطة، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة، وقولهم هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح، وقد سبقت الأدلة عليه، ومنها قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة:22، 23]، قال ابن عباس في تفسير الآية: (تنظر إلى وجه ربها)، (ب) وقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15]، قال الإمام الشافعي: (وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ)، بدليل لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين) أهـ، (ت) وقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية، كما جاء في صحيح مسلم: قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}، أما تنزيهات أهل السنّة المتعلقة بالرؤية: (أ) رؤيه الله لا تحيط بذات الله، وكيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود، وكيف يحيط المخلوق المحدث برؤية الخالق القديم، لا تدركه الأبصار لأنّه منزه عن الحد والمقدار، واسع لا حد ولا نهاية لذاته، أكبر من كل تصور، وأعظم من أن تحيط به رؤية المحدود المخلوق،، كما في قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، (ب) ورؤية الله تعالى ليست في جهة ولا في مكان لأنّ ذات القدوس تنزه عن المكان، لا تحيط به الجهات والأركان، فهي رؤية منزهة عن الجهة والمكان والحد والمقدار، منزهة عن الوصف، (ت) ورؤية الله ناشئة عن تجلى الرحمن الذي ليس كمثله شيء، وناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار، لأنّ الحجب تحجب رؤيتنا للعلي الجبار، وهي تحجب المخلوق عن رؤية خالقه، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم، كما تجلى للجبل في الدنيا فجعله دكا، نسأل الله الكريم بوجهه الكريم أن يتفضل علينا برؤية وجهه الكريم في دار النعيم، فإنها أعلى نعيم أهل الجنّة، قال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]، والزيادة هي النظر إلى وجه الكريم.
(المبحث الرابع) مبحث الإيمان والكفر والتوسط بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو والجهمية والمرجئة من جهة التفريط:
(أ) تأصيل الأشاعرة لمسائل الإيمان والكفر هو تأصيل العلماء المحققين، وهو التأصيل اللازم المصير إليه لمن تدبر الكتاب والسنّة وفقه مسائل الإيمان من خلالهما، ومن قواعدهم التي تدل على الفقه في مسائل الإيمان، معرفة أنّ الإيمان قول وعمل، وأنّ الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل، وأنّ أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان وهو مطلق الإيمان، وهو إيمان أصحاب قبضة الرحمن وأصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلاّ للرحمن وهي لمن جاء بالتوحيد خاليا عن أعمال الجوارح بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيخرجهم الله تعالى بعد شفاعة الشافعين، وأنّ أصل الإيمان هو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان وحكمه، وليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام، وأنّه ليس بعد أصل الإيمان سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وأنّ أصل الإيمان لا يمنع من دخول النار ولكنه يمنع من الخلود الأبدي فيها خلود الجاحدين المكذبين، وأنّ أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب وعمله وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار، وأنّ عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها: الأول: قول اللسان (الإقرار)، والثاني: قول القلب (المعرفة والعلم والتصديق)، والثالث: عمل القلب (الانقياد والإذعان)، وأنّ أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب، وأنّ ضد أصل الإيمان أو أحد عناصره الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وكل كفر كان ضداً للإيمان الفرع فهو كفر في إطار الملة وليس خارجها، وأنّ فرع الإيمان هو ما يسميه العلماء (الإيمان المطلق) أو(الإيمان الكامل)، قسمان: الأول: الكامل الكمال المأمور به وهو الإيمان الواجب، والثاني: الكامل الكمال المندوب إليه وهو الإيمان الكامل المستحب، وأنّ الإيمان الواجب يكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات إضافة إلى وجود الأصل، وأنّ الإيمان المنفي في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان، وأنّ الإيمان الكامل المستحب يكون إضافة إلى وجود أصل الإيمان وواجبه التحلي بالمندوبات والقربات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات.
(ب) وعلماء الأشاعرة رحمهم الله تعالى هم من قام بتأصيل تلك القواعد، فكانوا دليلاً على وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، فالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة جميعهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، فأما الخوارج والمعتزلة فأدخلوا فيه عمل الجوارح، ولهذا فالخوارج يعتبرون مرتكب الكبيرة كافراً، والمعتزلة يسلبون منه مسمى الإيمان، فيجعلونه لا مؤمناً ولا كافراً، والجهمية والمرجئة يعتبرونه مؤمناً كامل الإيمان، أما أهل السنّة والجماعة فهم يجعلون الإيمان منه ما نهو أصل ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومنه ما هو واجب، وضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان، ومرتكب الكبيرة عندهم مسلم لا يزال في مرتبة الإسلام، وهو عندهم مؤمن فاسق عاص، مؤمن بأصل إيمانه فاسق بكبيرته، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان الناقل من الكفر الأكبر إلى الإسلام كما تفعل الخوارج والمعتزلة، ولا يصفونه بالإيمان الكامل كما تفعل الجهمية والمرجئة، والأشاعرة يقولون ويصرحون في كتبهم أنّ أصل الإيمان (حدّه الأدنى) يتناول قول القلب وعمله، وإقرار اللسان شرط في صحة الإيمان أو ركن من أركان الإيمان والخلاف في هذه المسالة صوري فيما يتعلق بأحكام الدُنيا إذ لا يصح الإيمان في الدُنيا إلاّ بالإقرار والآخرة مآلها إلى الحكيم الخبير الذي يعلم السر وأخفي، ثم إنهم يقولون بأنّ أعمال الجوارح داخله في فرع الإيمان ويعتبرونها منه ثم هم يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه وبهذا نجد أنّ الأشاعرة في الباب على الصراط السوي لا يخالفهم فيه إلاّ الخوارج أو المعتزلة أو الجهمية أو المرجئة أو حشوية المحدثين الذين لم يبلغوا الفقه المطلوب للحديث عن علوم الدين عامة ومسائل الإيمان والكفر خاصة، فصاروا لا يفرقون بين مراتب الإيمان ولا الحدّ الأدنى منه والحد الكامل منه، ولا يفرقون بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق بل الأمر عندهم دون التفصيل الذي بلغه فقهاء الملة ورب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من أفقه منه كما جاء في الحديث.
(المبحث الخامس) مبحث الكسب والتوسط بين القدرية والجبرية:
(أ) ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية، جميعها يشير إلى كسب الإنسان، وأنّه مسؤول عن كسبه، منها قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفي كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقوله تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [إبراهيم: 51].
(ب) توحيد الأفعال قسم من أقسام التوحيد المقصود: منه الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، ليس في الوجود خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء وعمدة هذا التوحيد: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، وأهل السنة والجماعة في توحيد الأفعال متفقون على أنّ كل ما يكون في الكون، وكل ما يقع في الكون، إنما هو من خلق الله تعالى.
(ت) مدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله: الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، وهذا الاختيار هو ما عبروا عنه بالكسب.
(ث) الكسب هو الاختيار والقصد والميل نحو الفعل: وهذه هي حدود قدرة الإنسان، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى، وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع أفعال الإنسان التي سيحاسب عليها إنما هي مخلوقة من الله مكسوبة من العبد، للعبد فيها الاختيار فإن شاء الله كانت لأنها خلقه، وإن لم يشأ لم تكن، لأنّ للإنسان أن يختار، ولكنّه لا يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، و (القدر) سر الله تبارك وتعالى، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
(ج) هذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه، وحاصل مذهب أهل السنة، هو أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجَبرية، وليس خالق لها كما تقول المعتزلة، وإذا علمت هذا فلا تلتفت إلى قول ابن تيمية وهو ينقل كلام أحد أهل الحشو: وفيه: وأنشدوا في ذلك: ممـا يقـال ولا حقـيقة تحـته،، معـقولة تدنـو إلى الأفـهام، الكسب عند الأشعري والحال عنـ،، ـد البهشـمي وطـفرة النظام) كرره في أكثر مؤلفاته وانظر منهاج السنة له ([287]) .، فساوى بين امام الهدى الأشعري وبين البهشمي والنظام من أئمة الضلال والاعتزال، ولم يدر أن الكسب هو التوسط العدل الوسط الملائم لعقيدة التوحيد ونصوص القرآن التي تؤكد انفراده سبحانه بالخلق لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، فلو قلنا بمشاركة الإنسان لله تعالى في خلق الفعل لانتهى بنا الأمر إلى إثبات خالق مع الله تعالى ضدا على أصل التوحيد، وهو قول القدرية المعتزلة، ولو قلنا بانتفاء الاختيار والكسب لانتهى بنا الأمر إلى الجبر وهو قول الجهمية الجبرية، وما زاد على ذلك فهو تكلف، ومن أجمل ما يحضرني في هذا المقام، قول الطحاوي لمن أرد المزيد: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}) أهـ ([288]) .
(المبحث السادس) الموقف من الصحابة والآل، وأقول وبالله التوفيق: أهل السنّة والجماعة بمدارسهم الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) عدل وسط في هذا المبحث بين كافة فرق الضلال المنتسبة إلى الإسلام كالخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب: توسطوا في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه: بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب، فالنواصب قالوا: بفسق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والخوارج قالوا: بكفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والشيعة قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما الأشاعرة: قالوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة راشد وإمام عادل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء، وقالوا أنّه يهلك فيه فريقان أحدهما يقصر عن فضله حتى يكفره، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته حتى يكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم، وتوسطوا في باب الصحابة رضي الله تعالى عنهم: بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب، (الشيعة) الذين يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفر يسير معدودين، ويقولون انهم علي رضي الله عنه وأصحابه الذين والوه، و(الخوارج) يكفرون علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه، أما الأشاعرة أهل السنة والجماعة، فهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا ولا يكفرون أحد منهم، وإنما يؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم، ويقولون كما جاء في القرآن الكريم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، وتوسطوا في باب آل البيت رضي الله تعالى عنهم: بين طوائف الشيعة والنواصب، فالشيعة يصلون ببعض آل البيت إلى درجه العصمة، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور كأمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات المطهرات، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم، أما الأشاعرة أهل السنّة والجماعة فهم يحبون آل البيت جميعا، ويوالونهم جميعا، ولا يرضون لما نالهم من الأذى، ولا يؤذونهم، بل يحبونهم المحبة الشرعية التي جعلها الله تبارك وتعالى لسائر المؤمنين وزيادة لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
(فائدة): أهم ما يختلف فيه الماتريدية عن الأشاعرة في العقيدة: الطائفتان كلتاهما على التقديس والتنزيه، وكلتاهما واقف على ثغور عقيدة أهل السنّة والجماعة، يدافعان عن عقيدة الفرقة الناجية تجاه الخوارج والروافض، وتجاه المعتزلة والمجسمة والحشوية وكافة الفرق الضالة، قال الإمام السبكي – في بيان توافق العقيدتين: (أنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة، لا أستثني أحدا، والشافعية غالبهم أشاعرة، لا أستثنى إلا من لحق منهم بتجسيم أو اعتزال ممن لا يعبأ الله به والحنفية أكثرهم أشاعرة أعنى يعتقدون عقد الأشعري لا يخرج منهم إلا من لحق منهم بالمعتزلة، والحنابلة أكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة لم يخرج منهم عن عقيدة الأشعري إلا من لحق بأهل التجسيم وهم في هذه الفرقة من الحنابلة أكثر من غيرهم، وقد تأملت عقيدة أبى جعفر الطحاوي فوجدت الأمر على ما قال الشيخ الإمام وعقيدة الطحاوي زعم أنها الذى عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ولقد جود فيها ثم تفحصت كتب الحنفية فوجدت جميع المسائل التى بيننا وبين الحنفية خلاف فيها ثلاث عشرة مسألة منها معنوي ست مسائل والباقي لفظى وتلك الست المعنوية لا تقتضى مخالفتهم لنا ولا مخالفتنا لهم فيها تكفيرا ولا تبديعا صرح بذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي وغيره من أئمتنا وأئمتهم وهو غنى عن التصريح لظهوره ومن كلام الحافظ الأصحاب مع اختلافهم في بعض المسائل كلهم أجمعون على ترك تكفير بعضهم بعضا مجمعون بخلاف من عداهم من سائر الطوائف وجميع الفرق فإنهم حين اختلفت بهم مستشنعات الأهواء والطرق كفر بعضهم بعضا ورأى تبريه ممن خالفه فرضا، وهذا حق وما مثل هذه المسائل إلا مثل مسائل كثيرة اختلفت الأشاعرة فيها وكلهم عن حمى أبى الحسن يناضلون وبسيفه يقاتلون أفتراهم يبدع بعضهم بعضا ثم هذه المسائل لم يثبت جميعها عن الشيخ ولا عن أبى حنيفة رضى الله عنهما كما سأحكى لك ولكن الكلام بتقدير الصحة ن ولى قصيدة نونية جمعت فيها هذه المسائل وضممت إليها مسائل اختلفت الأشاعرة فيها مع تصويب بعضهم بعضا في أصل العقيدة ودعواهم أنهم أجمعين على السنة) أهـ ([289]) .
(قلت) ولابن كمال باشا رسالة في الاختلاف بين الأشاعرة والماتريدية، قال فيها: (اعلم أن الشيخ أبا الحسن الأشعري إمام أهل السنة ومقدمهم، ثم الشيخ أبو منصور الماتريدي، وإن أصحاب الشافعيّ وأتباعه تابعون له، أي لأبي الحسن الأشعري في الأصول وللشافعيّ في الفروع، وإن أصحاب أبي حنيفة تابعون للشيخ أبو منصور الماتريدي في الأصول، ولأبي حنيفة في الفروع، كما أفادنا بعض مشايخنا رحمه الله تعالى، ولا نزاع بين الشيخين وأتباعه إلا في اثني عشر مسألة:
(المسألة الأولى): قال الماتريدي: التكوين صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى كجميع صفاته، وهو غير المكوّن، ويتعلق بالمكوّن من العالم، وكل جزء منه بوقت وجوده كما أن إرادة الله تعالى أزلية يتعلق بالمرادات بوقت وجودها، وكذا قدرته تعالى الأزلية مع مقدوراتها، وقال الأشعريّ: إنها صفة حادثة غير قائمة بذات الله تعالى، وهي من الصفات الفعلية عنده لا من الصفات الأزلية، والصفات الفعلية كلها حادثة كالتكوين والإيجاد، ويتعلق وجود العالم بخطاب كن.
و(المسألة الثانية): قال الماتريدي: كلام الله تعالى ليس بمسموع، وإنما المسموع الدال عليه، وقال الأشعريّ: مسموع كما هو المشهور من حكاية موسى عليه السلام، قال ابن فورك: المسموع عند قراءة القارئ شيئين: صوت القارئ وكلام الله تعالى، وقال القاضي الباقلاني: كلام الله تعالى غير مسموع على العادة الجارية، ولكن يجوز أن يسمع الله تعالى من شاء من خلقه على خلاف قياس العادة من غير واسطة الحروف والصوت، قال أبو إسحاق الإسفرايني ومن تبعه: أن كلام الله تعالى غير مسموع أصلا، وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي كذا في البداية.
و(المسألة الثالثة): قال الماتريدي: صانع العالم موصوف بالحكمة سواء كانت بمعنى العلم أو بمعنى الإحكام، وقال الأشعري: إن كانت بمعنى العلم فهي صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى، وإن كانت بمعنى الإحكام فهي صفة حادثة من قبيل التكوين، لا يوصف ذات الباري بها.
و(المسألة الرابعة): قال الماتريدي: إن الله يريد بجميع الكائنات جوهرا أو عرضا طاعة أو معصية، إلا أن الطاعة تقع بمشيئة الله وإرادته وقضائه وقدرته ورضائه ومحبته وأمره، وإن المعصية تقع بمشيئة الله تعالى وإرادته وقضائه لا برضائه ومحبته وأمره، وقال الأشعريّ: إن رضاء الله تعالى ومحبته شامل بجميع الكائنات كإرادته.
و(المسألة الخامسة): تكليف ما لا يطاق ليس بجائز عند الماتريدي، وتحميل مالا يطاق عنده جائز، وكلاهما جائزان عند الأشعريّ.
و(المسألة السادسة): قال الماتريدي: بعض الأحكام المتعلقة بالتكليف معلوم بالعقل، لأن العقل آلة يدرك بها حسن بعض الأشياء وقبحها، وبها يدرك وجوب الإيمان وشكر المنعم، وإن المعرف والموجب هو الله تعالى، لكن بواسطة العقل كما أن الرسول معروف الوجوب والموجب الحقيقي هو الله تعالى لكن بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قال: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه، ألا يرى خلق السموات والأرض؟! ولو لم يبعث رسولا، لوجب على الخلق معرفته بعقولهم، وقال الأشعري: لا يجب شيء ولا يحرم إلا بالشرع لا بالعقل، وإن كان للعقل أن يدرك حس بعض الأشياء، وعند الأشعريّ جميع الأحكام المتعلقة بالتكليف تلقاه بالسمع.
و(المسألة السابعة): قال الماتريدي: قد يسعد الشقيّ وقد يشقى السعيد، وقال الأشعريّ: لا اعتبار بالسعادة والشقاوة إلا عند الخاتمة والعاقبة.
و(المسألة الثامنة) العفو عن الكفر ليس بجائز، وقال الأشعريّ: يجوز عقلا لا سمعا.
و(المسألة التاسعة): قال الماتريدي: تخليد المؤمنين في النار، وتخليد الكافر في الجنة لا يجوز عقلا، ولا سمعا، وعند الأشعري: يجوز.
و(المسألة العاشرة): قال بعض الماتريدية: الاسم والمسمى واحد، وقال الأشعريّ: بالتغاير بينهما وبين التسمية، ومنهم من قسم الاسم إلى ثلاثة أقسام: قسم عينه، وقسم غيره، وقسم ليس بعينه ولا بغيره، والاتفاق على أن التسمية وغيرها وهي ما قامت بالمسمى، كذا بداية الكلام.
و(المسألة الحادية عشر): قال الماتريدي: الذكورة شرط في النبوة، حتى لا يجوز أن يكون الأنثى نبيا، وقال الأشعريّ: ليست الذكورة شرطا فيها، والأنوثة لا تنافيها، كذا في بداية الكلام.
و(المسألة الثانية عشر): قال الماتريدي: فعل العبد يسمى كسباً لا خلقاً، وفعل الحق يسمى خلقاً لا كسباً، والفعل يتناولهما، وقال الأشعري: الفعل عبارة عن الإيجاد حقيقة، وكسب العبد يسمى فعلاً بالمجاز، وقد تفرد القادر خلقاً وما لا يجوز تفرد القادر به كسباً) أهـ [تمت الرسالة لابن كمال باشا رحمه الله تعالى]، ومنه نعلم أنّ خلافهم في أدق الفروع وأما أصول التقديس والتنزيه فهما على الجادة والصواب متفقون.
و(الخلاصة): جناحا أهل السنّة والجماعة في كل أبواب العقائد هما المذهبان الأشعري والماتريدي، وكم جعل الله على أيديهما حلاً لمشكلات عويصة ضل فيها الآخرون كمشكلة الرؤية والكسب والقضاء والقدر والكفر والإيمان والصحابة والآل، فجمعا ادلة الكتاب والسنّة في مسالة الكلام ونزلا كل دليل على مرتبته الخاصة به، حلا شيفرة الإيمان والكفر، وحلا شيفرة القضاء والقدر، وحلا شيفرة الآل والصحب، وحلا شيفرة السنّة والبدعة، (الأشاعرة والماتريدية) هم من حل شيفرة الإيمان والكفر، بأدق تفصيل، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها الخوارج والمعتزلة والوهابية والجهمية والجبرية، وهم أيضا من حل شيفرة القضاء والقدر بأحسن العلاج، واجلى بيان، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها المعتزلة والجهمية الجبرية واكثر الفرق إلا هم بحمد الله، وهم بفضل الله تعالى من حل شيفرة الآل والصحب بحب الجميع، محبة نحفظ لهم المراتب التي اكرمهم الله بها ولا يدعون لاحد منهم العصمة، يحبون الجميع ويقفون مع المحق يؤازرون حقه كما يزعم أهل الجهل والضلال، وهم من حل شيفرة السنّة والبدعة بوضع ضوابط التبديع، بمقياس دقيق وفهم عميق، وفقه راسخ في العلم والدين.
[المفتاح السابع]: الأشاعرة والماتريدية هم العلماء المتخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة)، وهم يمثلون مع الأثرية الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة، إن مذهب الأشاعرة والماتريدية في المتشابه: يقوم على ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة، وبين الجهمية والمعتزلة، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والتجسيم ولوازمها، وعن النقص والعجز والعيب ولوازمها، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه وعدم الخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، ثم لما كان الوقف – في الآية – محتملاً على لفظ الجلالة (الله) أوعلى قوله تعالى (والراسخون في العلم)، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد، اتسع إطار أهل السنة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله.
[المفتاح الثامن]: الأشاعرة والماتريدية علماء متخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء لولاهم لمال البعض إلى الحشو والتجسيم ولمال الآخرون إلى الاعتزال والتعطيل ولولاهم لما استطاع المسلمون إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع، ولولاهم لما عرف المسلمون الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المتخصصة، وبيان نظرتها إلى الطوائف المخالفة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء.
([1]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([2]) صحيح البخاري 5/2 ح 3650.
([3]) صحيح مسلم 4/1965 ح 2536.
([4]) صحيح البخاري 6/33 ح 4547، صحيح مسلم 4/2053 ح 2665.
([6]) التفكير الفلسفي في الاسلام صـ 134 الى 144.
([7]) سنن الترمذي – كتاب الزكاة 3/41.
([10]) اعتقاد أهل السنة 3/480.
([13]) طبقات الشافعية الكبرى9/40.
([14]) عقيدة الامام أحمد 3/334.
([22]) تفسير الطبري 2/449: 450.
([24]) تفسير البغوي1/25و 5/252.
([25]) روح المعاني (تفسير الألوسي) 12/272.
([27]) التمهيد5/155، سير أعلام النبلاء 9/333، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82.
([28]) البداية والنهاية لابن كثير 14/386.
([33]) المقاصد الحسنة ص 717 ح 1289.
([34]) المقاصد الحسنة ص 717 ح 1289.
([35]) لوامع الأنوار البهية 1: 73.
([36]) إتحاف السادة المتقين 2: 6،
([37]) التمهيد5/155، سير أعلام النبلاء 9/333، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82.
([38]) البداية والنهاية لابن كثير 14/386.
([43]) لوامع الأنوار البهية 1: 73.
([44]) لوامع الأنوار البهية 1: 73.
([45]) ابطال التاويلات لأبويعلي 1/73و 1/187.
([46]) المرجع السابق1/188و 1/90.
([47]) المرجع السابق 1/133و 1/144.
([49]) المرجع السابق 1/178 و 2/328.
([66]) دفع شبه التشبيه لابن الجوزي 30-33.
([67]) تبديد الظلام المخيم للكوثري 206
([72]) “مجموع الفتاوي”17: 363.
([73]) ذم التأويل لابن قدامة ص 22.
([74]) رَوْضَةِ النَّاظِر 1/ 215.
([75]) أصول الفقه لابن مفلح 1/316.
([76]) شرح مختصر الروضة” 2/43.
([77]) التحْبيْر شَرْح التحْريْر” 3/1395
([81]) نهاية المبتدئين” لابن حمدان (ص: 30).
([82]) فضل علم السلف على الخلف لابن رجب “(ص: 4).
([87]) شرح الكوكب المنير” 2/ 144.
([90]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/480.
([93]) أخرجه الحاكم في “المستدرك” (2: 589) وقال: “حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”.
([99]) تبيين كذب المفتري، ص 397.
([100]) تبيين كذب المفتري ص 103، الطبقات الكبرى للتاج السبكي 3: 397.
([101]) الخطيب البغدادي، تاريخ مدينة السلام، 13: 261.
([102]) تبيين كذب المفتري، ص 359.
([104]) [إتحاف السادة المتقين 2: 7.
([105]) تبيين كذب المفتري، ص 397.
([106]) إتحاف السادة المتقين 2: 7.
([107]) تبيين كذب المفتري ص/ 410.
([109]) تفسير البغوي 1/18، 24،43.
([110]) مسند أحمد 5/65 ح 2879.المستدرك للحاكم 3/615 ح 6280. [الحديث أصله في الصحيحين، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد وصححه العراقي]،
([111]) تفسير الطبري 5/208، تفسير القرطبي 4/15، تفسير ابن كثير 2/6 وما بعدها.
([119]) تفسير الطبري 2/449: 450.
([120]) دفع شبه التشبيه ص: 113
([121]) تفسير البغوي1/25و 5/252.
([122]) روح المعاني (تفسير الألوسي) 12/272.
([124]) التمهيد5/155، سير أعلام النبلاء 9/333، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82.
([125]) البداية والنهاية لابن كثير 14/386.
([126]) دفع شبه التشبيه ص:141.
([130]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([132]) صحيح البخاري 8/125 ح 6610، صحيح مسلم 4/2076 ح 2704.
([133]) صحيح مسلم 1/556 ح 811.
([135]) صحيح البخاري 9/115 ح 7375، صحيح مسلم 1/557 ح 813.
([136]) مسند أحمد 35 /144 ح 21220، سنن الترمذي 5/451 ح 3364، المستدرك للحاكم 2/589 ح 3987، شعب الإيمان للبيهقي 1/114 ح 102. حسنه الحافظ السيوطي في “الدر المنثور” (8/669).
([137]) الأسماء والصفات للبيهقي 2/38 ح 602، [حسنه الحافظ في “الفتح (13/ 356).
([138]) سنن أبي داوود 1/349 ح 466.[ صححه الالباني وقال : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات].
([139]) الأسماء والصفات 1/608.
([141]) الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي ص 321.
([143]) صحيح مسلم 2/70 ح537، سنن ابي داود5/176 ح3282.
([144]) الأسماء والصفات للبيهقي 2/325 و انظر السنن الكبرى للبيهقي 7: 388) والامام الحافظ البزار: قال ” وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة ” أهــ [كشف الاستار 1: 14] والحافظ ابن حجر العسقلاني: قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه [التلخيص الحبير 3: 223479 ط دار الكتب العلمية.
([145]) أخرجه الإمام مالك في الموطأ 2: 777 ح 9، مسند أحمد25/19، مصنف عبدالرازق 9/174:175، والمنتقى لابن الجارود ص 344.،العلو للعلي الغفار للذهبي ص 15 ، تفسير ابن كثير2/374.، التمهيد لابن عبدالبر6/223.
([146]) صحيح ابن حبان 3/353، مسند أحمد 13/287، سنن ابي داوود5/176 ح3282،التوحيد لابن خزيمة 1/283، المعجم الكبير للطبراني 12/26 ح ١٢٣٦٩.
([147]) صحيح مسلم 2/70 ح537، سنن ابي داود5/176 ح3282.
([148]) سنن أبي داوود 1/349 ح 466.[ صححه الالباني وقال : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات].
([149]) السنن الكبرى للنسائي 9/180 ح 10243.
([151]) العقيدة للإمام أحمد ج 1: ص 101.
([153]) أقاويل الثقات ص: 134\135.
([154]) صحيح البخاري 9/129 ح 7439.
([157]) تفسير الألوسي 15/39، تفسير ابي السعود 9/18، التفسير البسيط للواحدي 22/111، الاتقان في علوم القران للسيوطي 2/49، البرهان في علوم القران للزركشي 2/84. تفسير النسفي 3/524.
([158]) مسند أحمد 5/65 ح 2879.المستدرك للحاكم 3/615 ح 6280. [الحديث أصله في الصحيحين، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد وصححه العراقي].
([164]) تفسير القرطبي 10 / 113.
([165]) طبقات الشافعية الكبرى: 9 / 45.
([166]) تفسير القرطبي 6 / 399، تفسير أبي السعود 2/127،فتح القدير 2 / 124، روح المعاني 4/108.
([167]) تفسير الطبري 32/250، تفسير القرطبي: 18 / 281. تفسير الواحدي 22/207.
([168]) تفسير الطبري 19/340، تفسير البيضاوي 4/255، تفسير النسفي 3/79، زاد المسير 3/508.
([170]) طبقات الشافعية الكبرى 9/ 46.
([172]) سنن النسائي 7/247ح 7937، المستدرك للحاكم 2/242 ح 2881.
([173]) تفسير القرطبي: 7 / 356، تفسير أبي السعود 3 / 310، فتح القدير ج: 2/320.
([175]) صحيح البخاري 4/106 ح 3194.
([176]) الباز الأشهب ص130-131.
([177]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ص 112.
([179]) تفسير القرطبي ج: 18 ص: 215.
([180]) الباز الأشهب المنتفض على ص59.
([181]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: 1 / 115، 116.
([182]) طبقات الشافعية الكبرى 9 / 46.
([183]) سنن الترمذي 5/556 ح 3556.
([184]) تفسير القرطبي 18 / 216.
([185]) إتحاف السادة المتقين5/ 34 – 35
([186]) صحيح البخاري 8/125 ح 6610، صحيح مسلم 4/2076 ح 2704.
([187]) فتح الباري ج: 13 ص: 431.
([188]) صحيح البخاري 4/105 ح 3191.
([189]) سنن أبي داوود 1/349 ح 466.[ صححه الالباني وقال : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات].
([190]) العين والأثر في عقائد أهل الأثرص 34.
([192]) منهاج السنة لابن تيمية 2/263.
([194]) اللوامع للاسفراييني 1/258.
([195]) الإيضاح في أصول الدين: أبو الحسن الزغواني ص 377.
([196]) التسعينية لابن تيمية 2/492.
([197]) صحيح مسلم 4/1990ح 2569.
([200]) العقيدة الطحاوية ص 168.
([204]) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ص 710.
([206]) صحيح البخاري 9/121 ح 7405.
([213]) رسالة السجزي إلى أهل زبيد: ص: 256.
([214]) رسائل وفتاوى أبا بطين ص 101
([218]) صحيح البخاري 4/138 ح 3348.
([219]) سنن ابي داود 7/117 ح 4738.
([222]) مختصر الصواعق لابن القيم 487
([223]) منهاج السُّـنَّةِ النبويَّة: 2/380.
([224]) موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول: 2: /151.
([227]) ، الإيضاح في أصول الدين ص377
([228]) الأسماء والصفات 2/29. فتح الباري: 13\458]، [المقالات: 33].
([229]) رسالة في صفة الكلام ص 519
([230]) قواعد العقائد ص: 182_186.
([231]) صحيح البخاري 8/50 ح 6227، صحيح مسلم 4/2183 ح 2841.
([232]) صحيح مسلم 4/2017 ح 2612.
([233]) السنة لعبدالله بن الامام أحمد1/ 268ح 498. السنة لابن أبي عاصم 1/228 ح 517.
([234]) التوحيد لابن خزيمة 1/85.
([235]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (اللالكائي) 3/470، أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 3/316.
([236]) عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن صـ 37.
([237]) صحيح البخاري 1/160 ح 806.
([238]) صحيح البخاري 8/117 ح 6573.
([241]) سير أعلام النبلاء 8/104.
([242]) مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة)8/3550.
([243]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 159.
([244]) كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/132.
([246]) ” الأسماء والصفات للبيهقي 2/325 و انظر السنن الكبرى للبيهقي 7: 388) والامام الحافظ البزار: قال ” وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة ” أهــ [كشف الاستار 1: 14] والحافظ ابن حجر العسقلاني: قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه [التلخيص الحبير 3: 223479 ط دار الكتب العلمية.
([247]) صحيح البخاري 6/33 ح 4547، صحيح مسلم 4/2053 ح 2665.
([248]) أخرجه الإمام مالك في الموطأ 2: 777 ح 9، مسند أحمد25/19، مصنف عبدالرازق 9/174:175، والمنتقى لابن الجارود ص 344.،العلو للعلي الغفار للذهبي ص 15 ، تفسير ابن كثير2/374.، التمهيد لابن عبدالبر6/223.
([249]) صحيح ابن حبان 3/353، مسند أحمد 13/287، سنن ابي داوود5/176 ح3282،التوحيد لابن خزيمة 1/283، المعجم الكبير للطبراني 12/26 ح ١٢٣٦٩.
([250]) صحيح مسلم 2/70 ح537، سنن ابي داود5/176 ح3282.
([251]) العلو للعلي الغفار ص 120،تحفة الأشراف 8/426 ح11378.
([252]) مسند أحمد 13/285 ح 7906.
([253]) مصنف عبد الرزاق 9/176 ح 16816.
([254]) سنن الترمذي5: 519ح 3483.
([255]) الاقتصاد في الاعتقاد صـ 36.
([256]) صحيح البخاري 1/14 ح 25.
([257]) صحيح البخاري 2/104 ح 1395.
([258]) سنن الترمذي5: 519(3483)
([259]) النووي في شرحه على صحيح مسلم 5/22.
([265]) شرح النووي على صحيح مسلم6/37.
([267]) الأسماء والصفات: 2/378.
([269]) طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 51.
([270]) شرح الزرقاني ج: 2 / 49، 50.
([271]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145، صحيح مسلم 1/521. الباز الأشهب ص95-96.
([273]) تفسير القرطبي ج: 17 ص: 90.
([274]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل 1 / 163.
([275]) العين والأثرفي عقائد أهل الأثر ص: 34، 36.
([277]) السنن الكبرى للنسائي 9/180 ح 10243.
([278]) لوامع الأنوار البهية 1/249.
([279]) صحيح البخاري 6/96 ح 4738. واللفظ له ، صحيح مسلم 4/2043 ح 2652.
([280]) صحيح البخاري 3/80 ح 2217.
([281]) مسند أحمد 21/181 ح 13556.
([282]) صحيح مسلم 2/1048 ح 1428.
([283]) سنن ابي داود 2/627 ح 1516 واللفظ له ،سنن الترمذي 5/494 ح 3434.
([284]) مسند أحمد 33/305 ح 20117، سنن الترمذي 5/267 ح 3077.