الفصل الثاني أهم مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في علم الفقة
ويشتمل هذا الفصل على تلك المباحث:
(المبحث الأول): مدخل لتطور علوم الفقه وظهور التخصص الفقهي.
(المبحث الثاني): شروط الاجتهاد في الفقه الإسلامي وصعوبة بلوغ مرتبة الاجتهاد المطلق. (المبحث الثالث): أسباب اختلاف الفقهاء وخصائص الخلاف في الفقه الإسلامي.
(المبحث الرابع): أهمية وضرورة احترام التخصص في الفقهن.
(المبحث الخامس): مدخل مختصر إلى الفقه الحنفي.
(المبحث السادس): مدخل مختصر إلى الفقه المالكي.
(المبحث السابع): مدخل مختصر إلى الفقه الشافعي.
(المبحث الثامن): مدخل مختصر إلى الفقه الحنبلي.
(المبحث التاسع): مناهج أخرى لدراسة الفقه وتقييمها.
(المبحث العاشر) الجامعة الفقهية لأهل السنّة والجماعة.
***
(المبحث الأول) مدخل لتطور علوم الفقه وظهور التخصص الفقهي
[المفتاح الاول]: تعريف علم الفقه : المعنى اللغوي لكلمة (الفقه) هو الإدراك والفهم الدقيق العميق، ذلك الفهم الذي يتطلب بذلاً لقدر من الجهد العقلي في إدراك معانيه وكشف مراميه، ومنه قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) ([1]) . والمقصود به هو الإدراك والفهم الدقيق العميق لأحكام الدين، وهذا هو المعنى العام للفقه وهو يشمل كافة جوانب الدين، ولكن مع تمايز العلوم الإسلامية واستقرارها، أطلق علماء أهل السنّة والجماعة: على أحكام العقائد: علم العقيدة أو علم الكلام أو علم التوحيد، وعلى أحكام الأخلاق علم التصوف، وعلى أحكام العبادات والمعاملات (علم الفقه)، وبهذا المعنى الاصطلاحي عرَّف علماء الأصول: علم الفقه بأنه: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية)، وذلك بهدف قصر علم الفقه على العبادات والمعاملات دون علم العقيدة وعلم التزكية والاخلاق، وقيدوا الفقه في التعريف ب (الأحكام الشرعية العملية) ليخرج من التعريف الأحكام الشرعية التي تتعلق بالعقائد فهي من علم التوحيد، والأخلاق لأنها من علم التصوف، و (المكتسبة) للدلالة على أنّ علم الفقه يتم تحصيله عن طريق النظر والاجتهاد، (من أدلتها التفصيلية)، وذلك للتفريق بين علم الفقه وعلم أصول الفقه، حيث أنّ علم أصول الفقه يبحث في الأدلة الإجمالية وتشمل الكتاب والسنّة والإجماع وفتاوى الصحابة والقياس والاستصحاب والمصالح المرسلة والعرف وشرع من قبلنا على خلاف في حجية بعض تلك الأدلة، أمّا الفقه فهو يتناول الأدلة التفصيلية الخاصة بكل مسألة على حدة.
[المفتاح الثاني]: أدوار تطور الفقه الإسلامي: ويمكن تقسيمها إلى سبعة مراحل:
المرحلة الأولى: الفقه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم (عصر التشريع).
والمرحلة الثانية: الفقه في عصر الصحابة رضي الله عنهم (عصر جمع القرآن).
والمرحلة الثالثة: الفقه في عصر التابعين (عصر تدوين السنة وبداية استقلال علم الفقه)، والمرحلة المرحلة الرابعة: الفقه في عصر الأئمة المجتهدين (عصر تمام الفقه وتكامله).
والمرحلة الخامسة: القيام على المذاهب وتأييدها واستقلال المذاهب الأربعة واكتمال بنيانها.
والمرحلة السادسة: الفقه في عصر التقليد والتعصب المذهبي للمذاهب.
والمرحلة السابعة: الفقه في العصر الحديث بعد إقصاء الشريعة عن الحكم والتشريع.
[المرحلة الأولى]: الفقه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم (عصر التشريع) : بدأت هذه المرحلة من بعثة الرسول (صلي الله عليه وسلم) واستمرت إلى انتقاله (صلي الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى، وهي ما يقرب من ثلاث وعشرين سنة، وفي تلك الفترة: كانت آيات القرآن الكريم تتنزل بأصول التشريع والأوامر والنواهي، وبيان الحلال والحرام، وبيان أحكام العبادات والمعاملات، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة الكرام الأحكام الشرعية بما آتاه الله تعالى من القرآن والسنة، عملا بقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقد كان صلي الله عليه وسلم يصلي، ويقول: “صلوا كما رأيتموني أصلي ” ([2]) .
وكان يفعل المناسك، ويقول: ((لتأخذوا مناسككم)) ([3]) .
وكان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في معرفة حكم الشرع في أي مسألة أو عمل أو قول، وقد كان يعرض لبعضهم قضايا وهم بعيدون عنه عليه الصلاة والسلام، فيجتهدون فإذا عادوا إليه سألوه عما فعلوا، فإما أن يقرهم على اجتهادهم أو يصحح خطئهم، وكان التشريع في تلك المرحلة منحصراً في الوحي ((الكتاب والسنة))، أو مؤيدا من الوحي ؛ وكانت هناك اجتهادات تصدر من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الوحي يتنزل على الرسول (صلي الله عليه وسلم) بإقرار اجتهاده أو عدم إقراره ومعاتبته، كما حدث في أخذ الفداء من أسرى بدر عندما خاطبه المولى بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الْأَنْفال: 67-69]، وكما حدث في إذنه للمنافقين في غزوة تبوك، فخاطبه المولى بقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43]، لكن إذا لم ينزل الوحي بخلاف اجتهاده صلى الله عليه وسلم عُلم أنه هو الصواب؛ كما في استثنائه (الإذخر) من التحريم بمكة؛ والترخيص بغسل الأواني من لحوم الحمر الإنسية بدلاً من كسرها.
[إذن الرسول (صلي الله عليه وسلم) لعلماء الصحابة في الاجتهاد]: وفي هذه المرحلة المباركة إذن الرسول (صلي الله عليه وسلم) لعلماء الصحابة في الاجتهاد، فقد أخرج الإمام أحمد ابن حنبل في مسنده و أبو داود في سننه و الترمذي في سننه و البيهقي في سننه الكبرى ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله قال أجتهد رأيي ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله} ([4]) .
وفي هذا الحديث رسم الرسول صلى الله عليه وسلم المنهاج في الاجتهاد لمن ملك أدواته، وذلك بالبحث أولا في كتاب الله تعالي، إذا وجد النص فيه، وإذا لم يجد النص فيه اتجه إلى السنة، وإذا لم يجد النص في كتاب ولا في سنة اجتهد قدر طاقته، ويفهم من هذا الحديث العظيم أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر معاذا على الاجتهاد إذا لم يجد نصا فى الكتاب أو السنة، وهذا يتضمَّن الإذن للمؤهَّلين من علماء المسلمين بفَهم الأحكام من القرآن واستنباطها، والإذن لهم باستنباط الأحكام، قياسًا على الأشباه والنظائر، أو استبصارًا بمقاصد الشريعة وأحكامها كلما اضطرهم الأمر إلى الاجتهاد؛، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوِّب من أصاب باجتهاده من أصحابه، ويردُّ مَن أخطأ إلى وجه الصواب، إذ كانوا يعرضون عليه فتاواهم أو تصرفاتهم التي اعتمدوا فيها على اجتهاداتهم الخاصَّة بعد مرور الحوادث التي اجتهدوا فيها.
[اجتهاد الصحابة في زمان النبي (صلي الله عليه وسلم)]: اجتهد سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه في الحكم على بني قريظة بعد غزوة الخندق، وأقرّ النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاده، وقال: ((قضيت بحكم الله عز وجل)) ([5]) .وكذلك أقرّ من رقى بالفاتحة على اجتهاده وقال له: ((وما يدريك أنها رقية)) ([6]) .
كما أنه صلي الله عليه وسلم لم يقرّ عماراً رضي الله تعالى عنه حين اجتهد فتمرّغ في التراب إذ لم يجد الماء ليتطهر؛ وإنما أخبره بصفة التيمم، وكذلك فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم في فهم قوله (صلي الله عليه وسلم): ((لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)) ([7]) . ففهم بعضهم تأخير العصر حتى يصل بني قريظة؛ وفهم آخرون أن القصد هو الحض على سرعة السير إلى بني قريظة، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم الطائفتين، و وأقر النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاد الصحابيين اللذين صليتا بالتيمم؛ فلما وجدا ماء أعاد أحدهما ولم يُعد الآخر؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي أعاد: (لك الأجر مرتين) ؛ وقال للذي لم يُعد: (أصبت السنة)، وأهم ما تميز به التشريع في هذه المرحلة (مرحلة النبوة): العصمة إذ أن الفقه كان يعتمد اعتماداً فعلياً على مصدرين فقط هما القرآن والسنة، وهما الوحي النازل من عند الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4]
[المرحلة الثانية]: الفقه في عصر الصحابة رضي الله عنهم: بدأت الفتوحات، واتسعت حاجة الصحابة للاجتهاد بسبب دخول كثير من الناس في دين الله أفواجا وانفتاح الإسلام على شعوب وأمم أخرى، فتعرضوا لقضايا جديدة لم تقع أيام رسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل فيها وحي، ولابد من معرفة الحكم الشرعي فيها، وكذلك فإن الصحابة كانوا قد تفرقوا في البلاد، ولم يعرف كل واحد منهم كل السنة، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كلاما، أو يقوم بأفعال في حضرة بعض الصحابة وغياب البعض الأخر،، فكان ذلك يدفع بعضهم للاجتهاد في مسائل لم يبلغهم فيها شيء، وإن كان البعض الآخر يروي فيها شيئا عن رسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان الفقهاء في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرين؛ حيث عد العلماء الذين حُفظت عنهم الفتوى من الصحابة رضي الله عنهم أكثر من مئة وثلاثين نفساً منهم ومن هؤلاء كان منهم المكثرون في الفتوى، والمتوسِّطون فيها، والمقلِّون؛ فالمكثرون سبعة هم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ومن المتوسطين في الفتاوى: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقَّاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، أمَّا المقلُّون من الصحابة في الفتاوى فمنهم: أبو الدرداء وأبو عبيدة والنعمان بن بشير وأبي بن كعب وأبو طلحة وأبو ذر وصفية وحفصة وأم حبيبة.
وقد اتسمت كثير من اجتهادات هذه المرحلة بالجماعية، فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى؛ فإن لم يجد فيه ما يقضي به؛ نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد فيها ما يقضي به؛ سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيها بقضاء؟ فإن قام إليه أحد فقال: نعم؛ قضى فيها بكذا، قضى بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم جمع رؤساء الناس واستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر رضي الله عنه يفعل مثل ذلك، وكان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم يتشددون في قبول الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لا يقبلان الحديث من أحد إلا إذا أتى بمن يشهد له ويصدّقه، حرصا على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أصحاب السنن الخمسة إلا النسائي عن قبيصة بن ذؤيب قال: ((جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر)) ([8]) .
وأخرج الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كنت جالساً مع الأنصار؛ فجاء أبو موسى الأشعري فزعاً؛ فقالوا: ما أفزعك؟ قال: أمرني عمر أن آتيه؛ فأتيته فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، فأرسل إليّ عمر يقول: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فسلّمت على بابك ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت؛ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع”، فقال: والله لتقيمن عليه بينة، فهل منكم من سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبي بن كعب رضي الله عنه: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم؛ فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك)) ([9]) .
وأهم ما تميزت به هذه المرحلة المباركة: جمع القرآن ورواية جميع السنة.
[أولاً: جمع القرآن الكريم]: وقد تم جمعه على مرحلتين: (الأولى): في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وكان سببه كثرة الشهداء من القراء أيام المرتدين، فقد أخرج البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إليّ أبو بكر الصديق فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستمر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، ثم قال أبو بكر لزيد: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتَتَبّعِ القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال… فكانت الصحف عند أبي بكر رضي الله عنه حتى توفاه الله؛ ثم عند عمر رضي الله عنه حياته حتى توفاه الله؛ ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم.
و(الثانية): في عهد عثمان رضي الله عنه، وكان سببه ما أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه:((أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قد على عثمان رضي الله عنه وكان يغازي أهل الشام في فتح (أرمينية وأذربيجان) مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كاختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيدَ بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم؛ ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق)) ([10]) .
[ثانياً: رواية السنّة النبوية المشرفة]: استجاب الصحابة رضوان الله عليهم للرسول صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى نقل كلامه حين قال: ((نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ)) ([11]) .
[عشرون صحابيًّا يَرْوون هذا الحديث بألفاظ عِدَّة، وهذا الحديث قد صحَّ من رواية ابن مسعود، أخرجَها أحمد والترمذي وابن ماجه وصحَّ من حديث زيد بن ثابت، أخرجها أحمد وابن ماجه، والدارمي] وعليه فلم ينتهِ عهد الصحابة حتى نقلوا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم كاملاً غير منقوص، وإذا كان قد غاب عن بعضهم أحاديث فإنه لا يغيب عن جميعهم، قال الإمام الشافعي رحمه الله: ((إن كل الصحابة قد رَوَوْا أخبار الرسول، وأحاديثه، وفتاويه، فإذا كان عصر النبي -عليه الصلاة والسلام- هو عصر تبليغ الشريعة فعصر الصحابة هو عصر حفظها، ونقلها للأخلاف غضَّة خصبة كما بيَّنها النبي الأمين)) ([12]) .وقد كان فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم هم أئمة الفقه حقا لأنهم تتلمذوا في مدرسة النبوة، وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات الفقهاء والمفتين والعلماء فيها، فما فقه التابعين ولا من جاء بعدهم من الفقهاء إلا حسنة من حسناتهم لأنهم على الصحابة تتلمذوا ومن فقهم للدين تعلموا وغرفوا، ولقد ألحق كثير من الفقهاء آراء الصحابة وفتاواهم من السنة ؛ لأن أقوالهم إما سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإما مستلهمة من وحيها، أو نابعة من نبعها، فهم رضي الله عنهم أفقه الناس لرُّوح الإسلام وأعلمهم بمقاصده؛ لأنهم تخرَّجوا في مدرسة النبوة، وشاهدوا أسباب نزول الآيات، وورود الأحاديث، مع سلامة فطرة، ونور بصيرة، وتوجَّه للحقِّ، وجودة في الفَهم، وتمكُّن من اللغة، ولهذا إن اجتمعوا على رأي فهو الحق، أو نقل عن عدد منهم، ولم يُعْرَف لهم مخالف، فكان أقرب ما يكون من دين الله تعالى.
[مدارس الصحابة الفقهية]: قد تميّز في هذا العصر أربعة من كبار فقهاء الصحابة – على وجه الخصوص- كانوا مكثرين في الفقه والفتوى ؛ وقد أسس كل واحد منهم مدرسة فقهية خاصة تكفّل تلاميذها من التابعين بنشر علمها وفقهها، وهؤلاء الأربعة الكبار هم: (عبد الله بن مسعود) و (زيد بن ثابت) و (عبد الله بن عمر) و (عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهم، وعلوم الدين والفقه والعلم انتشرت في هذه الأمة من طريق أصحاب هؤلاء الأربعة: فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت و عبد الله بن عمر، وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس، وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود، ومن أشهر تلاميذ (زيد بن ثابت) و(ابن عمر) في المدينة المنورة: فقهاء المدينة السبعة من كبار التابعين الذين انتهى لهم العلم والفتيا في المدينة المنورة بعد وفاة الصحابة، وهم عروة بن الزبير و سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة و سليمان بن يسار مولى أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، ومن أشهر تلاميذ (عبد الله بن عباس) في مكة المكرمة: مجاهد بن جبر؛ وعطاء بن أبي رباح؛ وطاووس بن كيسان، ومن أشهر تلاميذ (عبد الله بن مسعود) في مدرسة العراق وفي الكوفة خاصة: علقمة النخعي، والأسود بن يزيد، وإبراهيم الشعبي، ومسروق بن الأجدع، ومع ذلك لم تخل سائر الأقطار الإسلامية من علماء تخرجوا من مدارس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صاروا مرجع الفتيا في بلادهم ؛ فمثلاً: تخرّج في البصرة من مدرسة (أنس بن مالك) و (أبو موسى الأشعري) رضي الله عنهما: الحسن البصري و محمد بن سيرين، وفي الشام من مدرسة (معاذ بن جبل) و (عبادة بن الصامت) و (أبي الدرداء) رضي الله عنهم: أبو إدريس الخولاني ومكحول الدمشقي ثم الأوزاعي، وفي مصر من مدرسة (عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله عنه: تخرج يزيد بن حبيب ثم الليث بن سعد.
[المرحلة الثالثة]: الفقه في عصر التابعين: الفقه في هذا المرحلة امتداد للمرحلة السابقة لأن زمام الفقه كان بيد فقهاء كبار التابعين الذين ساروا على نهج الصحابة ؛ إذ جمعوا فتاوى الصحابة رضي الله عنهم واقتفوا أثرهم في طريقة الاجتهاد واستنباط الأحكام؛ ولا غرو؛ فهم من القرون التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية حين قال: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) ([13]) .
لقد ترك الصحابة رضوان الله عليهم ثروة من الفقه النبوي بالنصِّ عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو بالتخريج عليه، أو بالتطبيق على ما عرفوا من مقاصد الإسلام، وحمل ذلك من بعدهم تلاميذُهم من التابعين، فقد كان لكل صحابي تابعون يلازمونه، وكان هؤلاء التابعون ينقلون أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام والآثار المرويَّة عنه من أعمال وتقريرات، وينقلون علم الصحابة الذين تخرجوا عليه، ويَعتبرون ما أجمع عليه الصحابة حُجَّة قَطْعِيَّة لا مناصَ من اتِّباعها، وإن اختلفوا كان لهم أن يختاروا من بينها، ولا يَخْرُجُوا عن كُلِّها، وفي الغالب كان كل تلميذ يَتْبَع شيخه من الصحابة، على أن التابعين كان لهم مع ذلك اجتهادٌ فيما لا يُعْرَف فيه رأي من قبلهم في أمر من الأمور؛ فإنهم حينئذ يجتهدون آراءهم كما سلك شيوخهم من الصحابة، وقد أَخَذت مناهج الاجتهاد تتميَّز في عهد التابعين من غير انحراف ولا خروج عن المبادئ العامَّة للإسلام، بل الجميع متعلِّقون بالكتاب والسنة وعلم الصحابة، يَعْتبرونها المنجاة من هاوية الباطل؛ فكان لفقهاء العراق نهجٌ في الاجتهاد بعد النصوص وأقوال الصحابة، وغلب عليهم الاجتهاد بالقياس، وكان لفقهاء الحجاز نهجٌ، ويغلب فيه الأخذ بالمصلحة، وكان لكلِّ منهاج مدرسة قائمة بذاتها، ابتدأت تتكوَّن في عهد التابعين، ثم نَمَتْ من بعدهم حتى تكاملت، لقد كانت المدارس التي أسسها فقهاء الصحابة: (عبد الله بن مسعود) في العراق و (زيد بن ثابت) و (عبد الله بن عمر) و (عبد الله بن عباس) في الحجاز (المدينة المنورة و مكة المكرمة) هي أكبر المدارس وأبرزها ؛ وإذ كان إتباع النقل سمة أهل الحجاز مع اهتمامهم بالرأي، وإذا كان إتباع الرأي سمة أهل العراق مع اهتمامهم بالحديث ؛ لذا اصطُلح على تسمية المدارس الحجازية بأهل الحديث ؛ ومدرسة العراق بأهل الرأي.
[أولاً: مدرسة أهل الحديث في الحجاز]: تميزت مدارس الحجاز كلها: مدرسة زيد بن ثابت ومدرسة عبد الله بن عمر في المدينة، ومدرسة عبد الله بن عباس في مكة بالحرص الشديد على تتبع السنة النبوية واقتفاء آثار النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مردّ هذا التميز إلى أمور أهمها: توافر عدد كبير من حملة السنة النبوية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتهم المكثرون في الحديث: كأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم، إضافة إلى يُسر الحياة الحجازية وقلة المشاكل فيها لبعدهم عن مواطن الفتنة وبواعثها.
[ثانياً: مدرسة أهل الرأي في العراق]: كان شيخ هذه المدرسة هو: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقد تأثر كثيراً بفقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وآرائه وطريقته في القياس والاستنباط؛ وكان لا يكاد يخالف عمر في شيء من مذهبه، وقد تميزت مدرسة العراق بالرأي والقياس وكان مردّ هذا التميز إلى أمور أهمها: تأثر أتباعها بشيخها عبد الله بن مسعود؛ الذي كان ينحى في كثير من مسائله منحى الرأي والقياس، إضافة إلى تثبت أهل العراق في قبول الحديث بسبب كثرة الوضع في الأحاديث بسبب البدع والفتن السياسية، علاوة على متاخمة المجتمع الإسلامي هناك للحضارات الأخرى واتصالها بها اتصالاً وثيقاً؛ ومن شأن ذلك: أن تجدّ مسائل فقهية جديدة ونوازل متجددة هي بحاجة إلى رأي شرعي يقضي فيها، والحقيقة أن الرأي كان بالعراق، والحديث أيضا كان بجواره، كما كان بالمدينة الحديث وبجواره الرأي، فلا غنى للفقه عن كليهما، بيد أن مقدار الرأي عند أهل العراق أكثر منه عند أهل الحجاز، كما أن فقهاء مدرسة الرأي كانوا يسيرون فيه علي منهاج القياس، وقد تبع ذلك أن كثرت التفريعات الفقهية في العراق، والإفتاء فيما لم يقع لاختبار الأقيسة، وذلك يسمي بالفقه التقديري، ولم يوجد ذلك النوع من الفقه بالمدينة، لأنهم كانوا يسيرون فيه على منهاج المصلحة، وهي لا تتحقق إلا في الوقائع، فلا يجيء فيها الفرض والتقدير، [تنبيه] ليس معنى ذلك: قلة بضاعة أهل العراق من الحديث، فهذا خطأ محض، فإنّ كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم نزلوا بالكوفة وأقاموا بها، وفي مقدمتهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، كما كان فيها الكثير ممن اشتهر برواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كابن عباس، وأنس بن مالك، رضي الله عنهم جميعاً، حتى بلغت عدة القراء والفقهاء والمحدثين في زمانهم أكثر من أربعة آلاف طالب علم من خيرة التابعين، ثم سكنها الإمام علي رضي الله عنه، فأصبحت الكوفة لا نظير لها في كثرة الفقهاء والمحدثين، يقول أنس بن سيرين: (أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربع مئة قد فقهوا)، كما أنّ فعلماء العراق لم يكونوا بمعزل عن غيرهم من المحدثين والفقهاء من سائر الأمصار، ومما يدلنا على مبلغ العلم بالحديث عند أهل العراق: الإمام أبو حنيفة الذي يعد إمام أهل الرأي بالعراق ينتقي كتابه الآثار من أربعين ألف حديث.
[بداية تدوين السنة النبوية وجهود علماء هذه المرحلة في تدوينها]: في هذه المرحلة المباركة من مراحل تطور علم الفقه: كتب الخليفة المجدد لأمر الدين عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالمدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: (انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء)، ولم يكتف بذلك؛ بل كتب إلى جميع عماله بالأمصار أن يجمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ علماء الحديث في جمع دواوين السنة، ويرجع الجهد الأكبر في التدوين للإمام محمد بن شهاب الزهري؛ فقد ذكر مسلم أن له تسعين حديثاً لا يرويها غيره ؛ وقال بعض معاصريه: لولا الزهري لضاع الكثير من السنة، إلا أن التدوين في هذه الفترة كان من غير تبويب ولا تقسيم؛ وإنما هو جمعٌ مجردٌ للأحاديث، ثم انتشر التدوين بعد الزهري وحصل التفنن في طريقة التأليف؛ فظهرت الموطآت والمسانيد والمعاجم والجوامع والسنن ثم فتحت المجال بعد ذلك لجمع الصحاح وانتقاء السنن في المرحلة التالية.
[فضل تدوين السنة على تقارب مدارس الفقه]: كان لتدوين السنة أثر كبير في ازدهار الفقه ونموّه وتدوينه فيما بعد؛ لأن السنة جاءت بالتشريع ابتداء وبالتبيين لكتاب الله عز وجل، كما أن ارتحال المحدثين لطلب الحديث أسهم في تبادل الآراء العلمية والاجتهادات الفقهية، كما أن تدوين السنة كان له أكبر الأثر في تقارب مدرسة الحديث بالحجاز مع مدرسة الرأي بالعراق وتضييق مساحة الاختلاف بين المدرستين، وأدى هذا التقارب إلى النضج الكبير للأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل) في مجال الفقه بعد انقضاء تلك المرحلة بقليل، وساهم مساهمة فعالة في بناء صرح المذاهب الفقهية الأربعة بعد ذلك والتي تمثل كمال الفقه وتمامه ونضجه الكامل.
[المرحلة الرابعة]: الفقه في عصر الأئمة المجتهدين عصر تمام الفقه وتكامله واستقلاله كعلم للشريعة): في هذا العصر الذهبي لعلم الفقه ؛ نضج الفقه وازدهر وبلغ الذروة والقمة؛ حيث دوّن مع علوم الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة والتابعين؛ وظهر الأئمة المجتهدون وكبار فقهاء الأمة؛ أمثال: أبي حنيفة النعمان (ت150هـ) بالكوفة، والأوزاعي (ت157هـ) بالشام ؛ وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق ؛ والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر، ومالك بن أنس (ت179هـ) بالمدينة ؛ سفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة ؛ والشافعي (ت204هـ) بمصر؛ وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور؛ وأحمد بن حنبل (ت241هـ) ببغداد، إلا أن بعض هؤلاء الأئمة اندثر مذهبه ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم، وفي تلك المرحلة أكرم الله تعالى الأمة الإسلامية بالأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل) هؤلاء الرواد العظام الذين تطوَّر الفقه على أيديهم، وبلغ غاية في النضج والإحكام، واعترف لهم الجمهور بالإمامة والاجتهاد المطلق وساهم كل واحد منهم في تتويج علم الفقه وجني ثماره، وأكرم الله تعالى كل واحد منهم بالتلاميذ النجباء والأئمة العلماء الذين حولوا آراء الأئمة الأربعة الفقهاء إلى مدارس ومؤسسات وجامعات علمية فقهية يضن التاريخ على البشرية بمثلها.
[الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان]: الإمام الأعظم أبو حنيفة يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه حتى قال عنه الإمام الشافعي:(الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه).
[إمام أهل المدينة وعالم المدينة مالك ابن أنس]: هو إمام أهل الحديث وإمام أهل الفقه، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي، فكان آية في الفقه والعلم، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة)) ([14]) .
وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يضرب الرجل أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجد عالماً أعلم من عالم المدينة)) ([15]) .
قال إسحاق بن موسى: “فبلغني عن ابن جريج أنه كان يقول: نرى أنه مالك بن أنس”، وقال يحيى بن معين: ” سمعت سفيان بن عيينة يقول: نظن أنه مالك بن أنس” ([16]) .
[الإمام المطلبي الذي ملأ الأرض علما محمد ابن إدريس الشافعي]: الإمام محمد بن إدريس الشافعي هو ثالث الأئمة والإمام المجدد الذي ملأ طباق الأرض علما، إليه ينسب علم أصول الفقه، جمع علم مدرسة الفقه بمكة المكرمة، ثم رحل إلى المدينة فجمع علم مدرسة الفقه بالمدينة المنورة، وقرأ الموطأ على الإمام مالك رحمه الله، ثم رحل إلى العراق، ولقي أصحاب أبي حنيفة، وأخذ عنهم، ودارس الإمام محمد ابن الحسن تلميذ الإمام أبي حنيفة، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، ووضع للفقه أصولاً تضمنتها (الرسالة)، ثم اختص بمذهبه المعروف، واستقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها، وكتاب الرسالة هذا هو أوَّل كتاب منظَّم في أصول الفقه وفي أصول الحديث أيضًا؛ وذلك لأن الناس قبله كانوا يتكلَّمون في المسائل الأصولية حسبما اتُّفِقَ، ولم يكن لهم نظام جامع ولا قواعد كلية، إلى أن ألَّف الشافعي رسالته هذه، فوضع فيها القواعد الكلية والقانون الجامع في أصول الفقه، وكان العلماء قبل الشافعي يتكلَّمون في مسائل أصول الفقه ويستدلُّون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي يرجعون إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط لهم الشافعي -رحمه الله تعالى- علم أصول الفقه، ووضع للفقه قانونًا كليًّا يُرجَع إليه في معرفة مراتب أدلَّة الشرع، واعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز على سائر المجتهدين بسبب هذه الدرجة الشريفة، والفقهاء بعده عيال عليه في الفقه وأصول الفقه لأنه هو الذي فتح هذا الباب، وصدق فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً،))([17]) ..
وقال البيهقي وابن حجر: طرق هذا الحديث إذا ضمت بعضها إلى أفادت قوة وعلم أن للحديث أصلا، وقال أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعي رضيَ الله عنه، لأنه إمامٌ عالمٌ من قريش، وقد رُوي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: ((عالم قريش يملأ الأرض علماً) ([18]) .
[إمام أهل السنة أحمد ابن حنبل]: أما رابع هؤلاء الأئمة فهو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، طلب الحديث في فجر شبابه، وأخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها، وإن مسنده لشاهد على ذلك، فقد انتقاه من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وجمع فقه أهل العراق ثم لازم الشافعي وتتلمذ على يديه في الفقه، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه، ونظرا لسعة علمه بالآثار لذا يُعَدُّ الأَثَرُ أساس اجتهاد الإمام أحمد رحمه الله، ولا يَعْدِل عنه إلى القياس حتى يستنفد النصوص، ثم اجتهاد الصحابة، وإذا كان للصحابة رأيانِ رجَّح بينهما أو أقرَّ الرأيين معًا، ولهذا يُروى عنه في المسألة روايتان، وحينًا ثلاث روايات، أثنى عليه العلماء ثناء كبيرا، وابتلي بمحنة خلق القرآن وصبر، ورفع الله تعالى له علما عظيما يشمل الحديث والفقه، ولمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم، جاء في تذكرة الحافظ في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ” أحمد بن حنبل شيخ الإسلام وسيد المسلمين في عصره الحافظ الحجة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل،، ولد سنة أربع وستين ومائة سمع هشيما وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة وعباد بن عباد ويحيى بن أبي زائدة وطبقتهم وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة ومطين وعبد الله بن أحمد وأبو القاسم البغوي وخلق عظيم، قال عبد الله بن أحمد سمعت أبا زرعة يقول كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث ذاكرته الأبواب وقال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول حفظت كل شيء سمعته من هشيم في حياته وقال إبراهيم الحربي رأيت أحمد كان الله قد جمع له علم الأولين والآخرين، قال حرملة سمعت الشافعي يقول خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا اعلم ولا افقه من أحمد بن حنبل.
[علوم الفقه كلها اجتمعت في مذاهب الأئمة الأربعة]: الأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة يجمعون علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة، على أنّ هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة: وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي (ت157هـ) بالشام ؛ وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق ؛ والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر، وسفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة ؛ وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور ؛ إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، وعلى ذلك: فإنّه يمكن القول بأنّ علوم الفقه كلها اجتمعت في مذاهب الأئمة الأربعة، وهم أولى المجتهدين بالإتباع لأنّ الأمة قد اتفقت على إمامتهم وأهليتهم للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصارت لهم مذاهب معروفة، أقوال منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلال مدارسهم آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة.
[المرحلة الخامسة]: القيام على المذاهب وتأييدها واستقلال المذاهب الأربعة: في هذه المرحلة استقرت المذاهب الفقهية الأربعة ببركة صدق وعلم ونبوغ مؤسسيها، ثم بسبب جهود تلامذة الأئمة الأربعة، وهم علماء فحول استطاعوا بجهودهم استكمال بناء المذاهب الفقهية حتى صارت جامعات علمية عميقة تضم كل مسائل وأحكام الفقه وأصول الفقه والقواعد الفقهية المتعلقة بالمذهب، وفي هذه المرحلة تلقى المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها المذاهب الأربعة بالقبول، وراجت بينهم، وأصبحت العمود الفقري للفقه الإسلامي، ولم يعد الفقهاء بحاجة إلى مذاهب جديدة مُحدَثة ؛ بل انصرفوا إلى الاجتهاد داخل المذاهب المستقرة، وفق أصولها الصحيحة التي استنبطها الأئمة الأربعة المجتهدين، وانصرفوا كذلك إلى خدمة المذاهب، وذلك بجمع أقوال الأئمة وترتيبها ووضع أصولها وقواعدها، كما قاموا بتعليل الأحكام وحشد الأدلة النقلية والعقلية لها؛ ومناظرة أقوال المذاهب الأخرى من خلال مناقشة أدلتهم والجواب عنها والرد على اعتراضاتهم، كما قاموا بتحقيق المذاهب من خلال الترجيح بين الروايات والأقوال فيها، وفق أصول المذهب وقواعده ومآخذه وطريقته في الاستنباط ووفق القواعد الشرعية الكلية ومقاصدها العامة، وهكذا ارتفع بناء الفقه عاليا متمثلا في بناء المذاهب الفقهية الرصينة، التي تمثل في مجموعها وجهات النظر المتعددة للشريعة والفقه الإسلامي الشامل المتكامل الصالح لكل زمان ومكان.
[أسباب ميل فقهاء هذه المرحلة إلى الاكتفاء بالمذاهب الأربعة]: أسباب عديدة منها: (السبب الأول): بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه.
(السبب الثاني): صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد، حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق، (السبب الثالث): وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق (وما أعسرها) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة، ويمكنه الاجتهاد في إطارها.
(السبب الرابع): تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله.
(السبب الخامس): الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية الجامعة، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة – بفضل الجهود الجماعية لعلمائها – بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة ((أحد المتون العلمية)) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح، هذا في نفس الوقت الذي يتم فيه تدريس أصول الفقه والقواعد الفقهية المتعلقة بالمذهب، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة صحيحة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها.
[الآراء الفقهية المؤصلة المعبرة عن رأي أهل السنّة والجماعة استقرت على المذاهب الأربعة]: أصبح لكل من الأئمة الأربعة تلاميذ وأتباع يتبنون طريقتـه، وقد عرفت هذه الطرق بالمذاهب، والمذاهب الفقهية الباقية إلى اليوم والمعبرة عن رأي أهل السنّة والجماعة أربعة هي: مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، ومن ينظر اليوم في المذاهب الفقهية الأربعة الباقية فإنه يجد أن لكل مذهب بناءً فقهياً هائلاً له مؤلفاته وقواعده وأصوله وعلماؤه، وجذور كل مذهب تمتد إلى صاحب المذهب ومؤسِّسه، وهؤلاء الأئمة قد بنوا مذاهبهم بناءً مُحكماً، وذلك أنهم كان اعتمادهم على كتاب الله وسنة رسوله، والنظر الصحيح من الاجتهاد الراجح إلى الكتاب والسنة، وترجيح أشبه المذاهب بالكتاب والسنَّة، وقد تمثلت مذاهبهم في أقوالهم التي دونوها في كتبهم، أو أملوها على تلامذتهم، أو أجابوا بها من سألهم واستفتـاهم، وقد حملها عنهم أصحابهم وتلامذتهم، وجاء أصحاب الأئمة من بعدهم، فكان لهم دور كبير في استيعاب علوم أئمتهم، وحفظها ونقلها، ولولاهم لضاعت مذاهبهم وتلاشت، واعتبر بهذا بعالم مصر المحدث الفقيه الليث بن سعد رحمه الله، فإن جمعـاً من أهل العلم يقدمونه على الإمام مالك، ولكن أصحابه لم يحفظوا فقهه، يقول الإمـام الشافعي رحمه الله تعالى: (الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به) ([19]) .
كما لم يقتصر دور أصحاب الأئمة وتلامذتهم على نقل أقوال أئمتهم واستيعاب ما سمعوه منهم، فقد كان الرعيل الأول من أهل كل مذهب أصحاب عقول راجحة، قادرة على النظر والاستنباط، ولذلك فإن كثيراً منهم كانوا يزاحمون أئمتهم في الاجتهاد، ولم يكونوا يتحرجون من مخالفة أئمتهم إذا تبين لهم أن الحق في خلاف قولهم، واعْتُبِرَ في هذا بالمذهب الحنفي، فإن أصحاب الإمام أبي حنيفة وتلامذته شاركوا الإمام في تأصيل المذهب وإنضاجه، فمدونات الحنفية تذكر أن أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا معه الكتب كانوا أربعين رجلاً، كانـوا يختلفون عنده في جواب المسألة، فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي بالجواب عن كثب، وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام، ثمَّ يكتبونها في الديوان ([20]) .
وهذه الأقوال منقولة عن أسد بن الفرات، وإسحاق بن إبراهيم، والموفق المكي وغيرهم]، ويبدو أن هذا الديوان الذي كتبت فيه مسائل الفقه التي تمخض عنها اجتهاد أبي حنيفة وأصحابه تمثل أصول المدونات الفقهية التي دونها أصحاب أبي حنيفة من بعده، والكتب المعتمدة عند الحنفية لا تقصر المذهب على أقوال أبي حنيفة، فقد يكون المذهب قول أبي حنيفة، وقد يكون قول أبي يوسف، أو محمد بن الحسن أو قول زفر، أو الحسن بن زياد،
[تقارب المذاهب الفقهية حتى كأنّها اجتهادات في إطار مذهب واحد يمثل المذهب الفقهي الواسع لأهل السنّة والجماعة]: المذاهب الفقهية متقاربة فيما بينها تقارباً كبيراً، حتى أن الذي يطالع اجتهادات الفقهاء في مختلف مذاهبهم، يجد كأنها مذهب واحد، وأسباب ذلك تتمثل في: (أ) أنّ كل الأئمة والفقهاء أبناء مدرسة واحدة هي مدرسة أهل السنة والجماعة، عقيدتهم واحدة، ومنطلقاتهم الكبرى وأصولهم الفقهية تكاد تكون واحدة تتمثل في: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، فكلهم يأخذ بها، ويقيم بناءه الفقهي على أساسها، وبالتالي فإن أكثر اختلافهم هو في اطار فهم محتملات النصوص التي تقبل الوجوه المتعددة وبالتالي صارت أقوالهم تمثل المرجعية الواسعة في الفقه في إطار الجامعة الكلية (أهل السنّة والجماعة الناجية).
(ب) الأئمة الكبار مؤسسي المذاهب أخذ بعضهم من بعض، وتتلمذ بعضهم على بعض، فأبو حنيفة ومالك كانا يلتقيان في مواسم الحج، ويتناقشان في أصعب مسائل الفقه، وتلامذة أبي حنيفة رحلوا إلى الإمام مالك وأخذوا عنه، فأبو يوسف رحل إلى الإمام مالك، واستفتاه وأخذ عنه، والإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة روى عن الإمام مالك موطأه، والشافعي تتلمذ على مالك ومحمد بن الحسن، وأحمد تتلمذ على يد الشافعي سنوات عديدة، وأخذ علم مالك من أهل المدينة وعلم أبي حنيفة من أهل العراق، وكان يأخذ من كل تلك الروافد الفقهية، حتى أنّه لا يكاد ينفرد عن الثلاثة إلا في أقل المسائل.
(ت) المتدبر لمسيرة تطور علوم الفقه وبناء المذاهب الفقهية ذلك البناء الشامخ، يجد أنّ أقوال وآراء أكثر الأئمة المجتهدين على مر عصور الإسلام السابقة لعصر بناء المذاهب الفقهية الكبرى يجد أنّها جميعا قد دخلت في إطار أقوال المذاهب الأربعة، فقد جمع مالك في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كالصديق والفاروق وفقه زيد بن ثابت، وتلامذتهم من الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، وجمع أبو حنيفة في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة ممن عاشوا بالعراق كعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وتلامذتهما، وجمع الشافعي في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كعبد الله بن عباس ومدرسته الفقهية في مكة المكرمة، وجمع أحمد في مذهبه الأقوال الفقهية والمسوعة الحديثية لأكابر الصحابة ممن رووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشروا العلم في سائر الأمصار، كما دخل في أقوالهم الفقهية علوم الليث بن سعد عالم مصر وعلوم الأوزاعي عالم الشام وعلوم الثوري عالم العراق، فلا تكاد ترى قولاً لعلماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة إلا وهو مدون في المذاهب الأربعة.
(ث) بسبب اكتمال الأئمة الأربعة في مجال الفقه والاجتهاد، فإن أكثر اختلافهم اختلاف تعدد واختلاف توافق لا اختلاف تضاد، وأكثره تابع لكون ألفاظ الكتاب والسنّة قد تحمل معاني عدة في اللغة العربية وبالتالي فإن الفتوى ستتعدد بسبب تعدد المعاني التي ترمي إليها الألفاظ والتراكيب اللغوية التابعة لاتساع اللغة العربية واتساع معانيها وبلاغتها، وهكذا شاء الله تعالى أن يجمع موسوعة الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية في أقوال المذاهب الأربعة، ولهذه الأسباب فقد حظيت المذاهب الأربعة بقبول واسع لدى المسلمين وجاء فترات للأمة وتتابعت القرون قرنا وراء قرن لا تكاد تجد فقيها في الأمة الإسلامية إلا وهو ينتسب لمذهب منها.
[ضوابط الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة]: المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم، ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب:
(1) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى.
(2) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهله المتخصصين فيه.
(3) المذاهب الأربعة متكافئة، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة فكلهم على خير. (4) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال – وفق الهوى – من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة، أو وجود الدليل الراجح، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه، وليس كل الناس علماء، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء.
(5) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله، ويصعب، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم، وقد حبى الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي.
(6) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب، ولا يجوز له التعصب من أجله، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع.
(7) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله، والأدلة محتملة، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد، وملكة الفقه والترجيح، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم، ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة.
(8) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ بل يخطئون ويصيبون، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة، وكان اختلافهم رحمة.
(9) دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة، بعدد كل ناعق مذهب، وينفرط عقد الفقه، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب، ولا حسيب عليه، لقد كان وراء الأئمة الأربعة ألف حسيب وحسيب، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها، ولقد كان في مجلس الإمام أبي حنيفة أربعين فقيها يراجعون الإمام في مسائله، أقلهم في العلم قد يكون أعلم من علماء العصر مجتمعين، فهيهات من دعاوى الحمقى والسفهاء التي ما جرت على الأمة سوى التنازع والتفرق، وللأسف فهناك موتورون كلما اتفقت الأمة على قضية نخروا في أساسها يبغون الخلاف، وكلما بني الفقهاء صرحا علميا شامخاً أرادوا تشويه صورته ولا أدري لمصلحة مَن مِن أمة الإسلام ينعق هؤلاء، فإن زعموا أنّه الانتصار للكتاب والسنّة فهل كان الفقهاء على خلاف مع الكتاب والسنّة ام كانوا على جهل بهما وحاشاهم من ذلك، أم أنّه حب الظهور وداء الكبر وبطر الحق وغمط الناس، وغالب هؤلاء يذب الذباب عن وجه الآخرين وفي قلوبهم الحنوش الموتورة والسم الناقع الدفين، تتحكم فيهم أمراض نفسية قاتلة تتمثل في عدم احترام التخصص الفقهي، ومحاولة لفت الانظار يلعب بهم ابليس لعب الصبيان بالكرة وتتجارى الأهواء في دمائهم نسأل الله تعالى السلامة.
(10) يفهم البعض من قول الأئمة الفقهاء (إذا صح الحديث فهو مذهبي) الفهم الخاطئ، فهم بهذا القول يظنون أنّه لا حرج من تخطئة الأئمة الفقهاء المجتهدين، بكل حديث ظنوا أنّه يُخالف ما ذهبوا إليه، ومن ثم يريدون الزام الناس بما فهموه، ويؤثمون أتباع الفقهاء في ترك الحديث من أجل قول فلان وفلان، وقد يبلغ بهم الحال إلى اتهام الناس في دينهم واخلاصهم لأنّهم ردوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل قول فلان وفلان، وهم لضيق أفقهم ومحدودية علمهم لا يعلمون أنّ الحديث قد يُعارضه حديث آخر أًصح منه، وقد صحت أحاديث عديدة عند الإمام مالك رحمه الله ورواها في الموطأ ولم يعمل بها لأنه عارضها حسب وجهة نظره ما هو أقوى منها، كما أنّ للفقهاء شروطا معينة للعمل بالحديث قد لا يستوعبها المحدث غير الفقيه، كما أنّ كل حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه فلا يلزم العمل به إلا عند من يعتقد صحته فقط، وكم رأينا محدثين يصححون اليوم حديثا ثم يتراجعون عن تصحيحه لعلة علموها من الحديث، فهل ننتظر في ديننا حتى يستقر رأى هؤلاء على التصحيح والتضعيف، وحتى لا يُفهم الكلام على غير مقصده، فإنّه إذا ثبت أن إماما من أئمة الفقه الأربعة قد أخطأ في حكم مسألة ما فلا يجوز تقليده فيها، وهذا في حكم الفرضية النظرية، لأنّه انتسب إلى تلك المذاهب آلاف الفقهاء فكيف سهى الجميع عن هذا الخطأ، وإن كان عمداً فهل نتهم فقهاء الأمة على التمالؤ على كتم الحق، والخلاصة أنّ الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم وجعل فقهاءها خير الفقهاء، وقد كفانا الأئمة المجتهدون مؤونة أكثر الفقه، على أمل أن تتفرغ الأمة لغايتها من نشر الدين ونصرته وتحقيق أهدافه على أرض الله تعالى وبين عباده، لقد استوفت مسائل العبادات في باب الفقه بحثاً بما لا مزيد عليه، ومع تكرار البحث فيها والتقعر في مباحثها تضخمت وتورمت، وفي المقابل ضمرت مباحث المعاملات وتقلصت، مع أنّ مجال المعاملات واسع وكل يوم تأتي معاملة جديدة تبحث عن حكم شرعي، ناهيك عن احتاج الدول الإسلامية إلى مباحث علوم الاقتصاد الإسلامي والسياسة الشرعية الإسلامية، والعلاقات الدولية، والمعاهدات الجائزة في السلم والحرب والأمن والخوف، فالفحولة ها هنا تكون في الاجتهاد في تلك الأبواب لا أن نجتر كل يوم مسائل الخلاف في العبادات مع اتفاقنا أن الفقهاء الأربعة مجتهدون مأجورون في كل حال، من أصاب منهم له أجران ومن أخطأ منهم فله أجر، وأن أتباعهم على الجادة علموا أنّهم أهل الذكر، وأطاعوا الله تعالى في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وليس معنى ذلك الزام المحدثين بقول الفقهاء، فليس لنا الزامهم، ولكننا نطلب منهم عدم تصدير الخلاف إلى أمة الإسلام وعدم استعمال معاول الهدم لشرخ جدران الصرح الفقهي الذي بناه الفقهاء، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
[المرحلة السادسة]: الفقه في عصر التقليد والتعصب المذهبي للمذاهب: بعد الكمال لا يكون إلا النقص، ولذلك بعد بناء صروح الفقه الشامخة بدأ ظهور التعصب المذهبي، الذي جعل أصحاب المذاهب يصلون في المساجد الجامعة أربعة جماعات، كل أهل مذهب في جماعة، وهكذا جمد الفقه عن معالجة الواقع وازداد التعصب، وتنافس الفقهاء على المناصب الدنيوية، وظهرت دعاوى مغالية تزعم تحرم الانتقال من مذهب إلى آخر، ومثل عدم جواز المرأة من رجل من المذهب المخالف، ولاشك أن هذا الوضع المؤسف الذي وصلت إليه الأمة، هو الذي أدى إلى تشرذمها، وتفرقها، مما أدى إلى ضعفها وهزالها، وقد طالت تلك المرحلة حتى شملت الأمة منذ غزو التتار وإلى سقوط الخلافة العثمانية، ولكن والحق يُقال كانت الشريعة مطبقة والفقه – رغم ما شابه من بعض التعصب المذهبي – زاهر بالعلماء والفقهاء من كل مذهب، وانتشرت في تلك المرحلة المتون الفقهية وشروحها والحواشي عليها، في طريقة أصيلة للإحاطة الصحيحة بعلوم الفقه وأصوله وقواعده.
[المرحلة السابعة]: الفقه في العصر الحاضر بعد إقصاء الفقه عن الحكم والتشريع: ومن ضعف إلى ضعف، ومن وهن إلى وهن غدت أمة الإسلام لقمة سائغة لأعدائها فتناهبوها وقسموها، وتكالبت علينا الأعداء وأحاطت بنا من كل جانب، وإلى أن وصل الحال إلى الاحتلال الانجليزي والفرنسي والايطالي لكل بلاد المسلمين، ثم هزيمة الدولة العثمانية دولة الخلافة، وسقوط بلاد المسلمين غنائم لهم، وإلغاء الخلافة الإسلامية، وتقسيم بلاد المسلمين ومقدراتهم في أيدي هؤلاء، ثم بدأ الغزو الفكري والثقافي الأوربي لبلاد المسلمين، وأتاح هذا الوضع الشاذ ظهور الكليات والمعاهد الحقوقية التي يُتعلّم فيها القانون الوضعي بدلاً من شريعة القرآن، وإلى ظهور طائفة من أبناء المسلمين تدرس القانون الفرنسي بدلاً من الشريعة، وتعلق هؤلاء به، وصاروا لا يعرفون سواه، وأخذ هؤلاء مناصب القضاء والفتوى والتشريع، وتصدروا في الحكم والإدارة والإعلام، وانزوى الفقهاء الحقيقيون في الطرف لا يحكمون إلا في الزواج والطلاق والميراث، وتشدق الدعاة على أبواب جهنم بدعاوى العلمانية وإقصاء الفقه (فقه المعاملات) عن دُنيا المسلمين، وحل القانون الفرنسي – بحكم القانون – محل شريعة الله تعالى في المعاملات بين المسلمين، وتعطلت حدود الإسلام إلا فيما رحم الله، وأصبحت المحاكم الشرعية لا تحكم إلا في الأحوال الشخصية فقط، ودخل الربا كل مكان حتى لا تكاد تخلو معاملة من الربا ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتقلص فقه المعاملات والسياسة الشرعية والعلاقات الدولية القائم على الكتاب والسنّة، ومع هذا لم تخلو الأمة من العلماء والفقهاء والمصلحين والمجددين، ولكن كثر الفساد وقل الخير، نسأل الله السلامة، والحمد لله أن كتب لدينه الحفظ والظهور ولو كره المشركون والكافرون، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32، 33]، وأمة الإسلام باقية كالمطر لا يدرى الخير في أوله أو آخره، كما في الحديث: ((مثل أمتي مثل المطر لا يدرى الخير في أوله أو آخره)) ([21]) .
ومعنى الحديث بقاء الخير في أمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة ولو تكالب عليها من بأقطار الأرض من الأعداء والموتورين.
(المبحث الثاني) شروط الاجتهاد في الفقه الإسلامي وصعوبة بلوغ رتبة الاجتهاد المطلق
[المفتاح الاول]: الاجتهاد والمجتهد: (الاجتهاد): لغة: هو بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة وجهد ([22]) .
والاجتهاد اصطلاحا: عرّفه المناوي بقوله: (هو: استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي) ([23]) . وعرّفه الزحيلي بقوله: (هو عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة) ([24]) .
ويُستفاد من التعريفين السابقين: أنّ الاجتهاد معناه أن يقوم المجتهد (وهو من كان مستوفيا لشروط الاجتهاد) أقصى جهده لغرض التعرف على الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة، فإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا عبرة باجتهاده، وإنّما يكون الاجتهاد مقبولا إذا صدر من أهله، وإن لم يكن التعرف عليها بطريق الاستنباط فلا تكون اجتهادا، كحال من تعلمها على يد غيره، او نالها عن طريق حفظ مسائلها من كتب الفقه، و(المجتهد): هو الفقيه المستوفي لشروط الاجتهاد و المستفرغ لوسعه لتحصيل الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة، ولابد أن يكون له ملكة يقتدر بها على تحصيل الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة، قال الدكتور عبد الكريم زيدان: (المجتهد هو من قامت فيه ملكة الاجتهاد، أي القدرة على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وهو الفقيه عند الأصوليين، فلا يعتبر الشخص مجتهدا ولا فقيها إذا عرف الأحكام الشرعية بطريق الحفظ والتلقين، أو بتلقيها من الكتب أو من أفواه العلماء بلا بحث ولا نظر ولا استنباط، والقدرة على الاجتهاد إنما تكون بتوافر شروط الاجتهاد التي بها يكون الشخص مجتهدا ” أهـ ([25]) .
[المفتاح الثاني]: شروط الاجتهاد: شروط الاجتهاد عشرة هي معرفة آيات الأحكام من القرآن الكريم ومعرفة تفسيرها والناسخ والمنسوخ منها وأقوال الفقهاء حولها و معرفة أحاديث الأحكام من السنة، ومعرفة تفسيرها والناسخ والمنسوخ منها وأقوال الفقهاء حولها، و معرفة مسائل الإجماع، و معرفة وجوه القياس، و معرفة اللغة العربية، و معرفة أصول الفقه، ومعرفة مقاصد الشريعة العامة، وأن يكون لديه ملكة الاجتهاد:
(أ) معرفة آيات الأحكام من القرآن الكريم: وقد حدد الغزالي والرازي وابن عربي عدد هذه الآيات بمقدار خمسمائة آية ([26]) . قال الشوكاني: ” ودعوى الانحصار في هذا المقدار إنما هي باعتبار الظاهر، للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية أضعاف أضعاف ذلك، بل من له فهم صحيح وتدبر كامل يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال، قيل: ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات لا بطريق التضمن والالتزام ” أهـ ([27]) .
(ب) معرفة أحاديث الأحكام من السنة: أن يعرف أحاديث الأحكام، وحدد ابن العربي مقدارها بثلاثة آلاف ونقل عن أحمد بن حنبل: أن الأصول التي يدور عليها العلم عن البنى صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون ألفا ومائتين، قال الشوكاني: ” والحق الذى لاشك فيه ولا شبهة: أن المجتهد لابد أن يكون عالما بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن كالأمهات الست (وهى صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبى داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وما يلحق بها (كسنن البيهقي والدارقطنى والدارمي)، مشرفا على ما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات والكتب التي التزم مؤلفوها الصحة (مثل صحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، وصحيح الحاكم النيسابوري) حتى لا يلجأ المجتهد إلى القول بالرأي أو القياس مع وجود النص، وهذا ما يتعلق بمتن الحديث ” أهـ ([28]) .
كذلك يشترط معرفة سند الحديث، وهو طريق وصوله إلينا: من تواتر أو شهرة أو آحاد، وأن يعرف حال الرواة من جرح وتعديل ليعرف صحيح السنة من ضعيفها، ولا يشترط حفظ حال الرجال عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل، ونظرا لأن البحث عن أحوال الرواة في عصرنا هذا أمر متعذر لطول المدة بيننا وبينهم، فإنه يكتفي بتعديل الأئمة الموثوق بهم في علم الحديث، كالبخاري ومسلم والبغوي وغيرهم من أئمة الحديث “ ([29]) .
وقد اعتنى العلماء بجمع أحاديث الأحكام وصنفوا فيها المصنفات، ورتبوها حسب أبواب الفقه، وشرحوها الشروح المختصرة والمطولة، وبينوا ما فيها من أحكام ومقارنتها بمذاهب فقهاء الأمصار، وتكلموا عن أسانيدها، مما سهل على المجتهد الوصول إلى أحاديث الأحكام، والتعرف على معانيها وأحكامها، ومن هذه الكتب: ” نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ” للإمام الشوكانى، وكتاب ” سبل السلام ” للصنعانى، فضلا عن كتب السنة الصحيحة وشروحها التي لم تقتصر على أحاديث الأحكام ” ([30]) .
(ت) معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة: حتى لا يعتمد على المنسوخ المتروك مع وجود الناسخ، فيؤديه اجتهاده إلى ما هو باطل، (ث) معرفة مسائل الإجماع: أن يعرف مسائل الإجماع ومواقعه، حتى لا يفتى بخلافه، (ج) معرفة وجوه القياس: يقول الشافعي: أن الاجتهاد هو العلم بأوجه القياس وطرائقه، ويقول: الاجتهاد هو القياس ” [الرسالة للشافعي: 477] فلابد للمجتهد أن يعرف منهاج القياس السليم، ويكون عنده من العلم بالأصول المستنبطة من النصوص التي وردت بالأحكام ما يمكنه من أن يختار من أقربها للموضوع الذى يجتهد الفقيه في معرفته، فإن العلم بالقياس يقتضى العلم بثلاثة أمور: (أولها): العلم بالأصول من النصوص التي يبنى عليها والعلل التي قامت عليها أحكام هذه النصوص، والتي بها يمكن إلحاق حكم الفرع إليها، (ثانيها): العلم بقوانين القياس وضوابطه كألا يقاس على ما يثبت أنه لا يتعدى حكمه، ومعرفة أوصاف العلة التي يبنى عليها القياس ويلتحق بها الفرع بالأصل، (ثالثا): أن يعرف المناهج التي سلكها السلف الصالح في تعرف علل الأحكام، والأوصاف التي اعتبروها أسسا لبناء الأحكام عليها، واستخرجوا طائفة من الأحكام الفقهية ” ([31]) .
ولابد للمجتهد أن يعرف وجوه القياس وشرائطه المعتبرة، وعلل الأحكام وطرق استنباطها من النصوص ومصالح الناس وأصول الشرع الكلية، لأن القياس قاعدة الاجتهاد، والذى تبنى عليه أحكام كثيرة تفصيلية ” ([32]) .
(ح) معرفة اللغة العربية: لأن القرآن الكريم الذي نزل بهذه الشريعة عربي، ولأن السنة التي هي بيانه جاءت بلسان عربي، وإنه على قدر فهم الفقيه المجتهد في الشريعة لأسرار البيان العربي ودقائقه تكون قدرته على استنباط الأحكام من النصوص الفقهية،.
(ح) معرفة علم أصول الفقه: على المجتهد أن يكون عالما بعلم أصول الفقه، لأنه عماد الاجتهاد وأساسه الذى تقوم عليه أركان بنائه إذ أن الدليل التفصيلي يدل على الحكم بواسطة كيفية معينة، ككونه أمرا أو نهيا أو عاما أو خاصا ونحوها، وعند الاستنباط لابد من معرفة تلك الكيفيات وحكم كل منها، ويعرف هذا في علم أصول الفقه، قال الفخر الرازي في المحصول: ” إن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه” أهـ ([33]) . وقال الغزالي: ” إن أعظم علوم الاجتهاد يشتمل على ثلاثة فنون: الحديث واللغة وأصول الفقه” أهـ ([34]) .
إن علم أصول الفقه ضروري لكل مجتهد وفقيه، إذ بهذا العلم يعرف المجتهد أدلة الشرع وترتبها في الرجوع إليها وطرق استنباط الأحكام منها، وأوجه دلالات الألفاظ على معانيها وقوة هذه الدلالات، وما يقدم منها وما يؤخر، وقواعد الترجيح بين الأدلة إلى غير ذلك مما يبحثه علم أصول الفقه ” ([35]) .
(د) معرفة مقاصد الشريعة العامة: على المجتهد أن يدرك مقاصد الشريعة العامة في استنباط الأحكام، لأن فهم النصوص وتطبيقاتها على الوقائع متوقف على معرفة هذه المقاصد، فمن يريد استنباط الحكم الشرعي من دليله يجب عليه أن يعرف أسرار الشريعة ومقاصدها العامة في تشريع الأحكام، يقول الشاطبي في الموافقات: (والمراد من هذه المقاصد: حفظ مصالح الناس بجلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم، لأنه ثبت بالاستقراء أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في الدنيا والآخرة معا، قال الله تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقال سبحانه: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}) ([36]) .
(ذ) الاستعداد الفطري للاجتهاد: وهو شرط ضروري للمجتهد، قال الدكتور عبد الكريم زيدان: ” بدون هذا الاستعداد الفطري لا يستطيع الشخص أن يكون مجتهدا وإن تعلم آلة الاجتهاد التي ذكرناها في شروطه، لأنها إذا لم تصادف استعدادا فطريا للاجتهاد لا تجعل الشخص مجتهدا، وليس في قولنا هذا غرابة، فإن تعلم الإنسان اللغة العربية وعلومها وأوزان الشعر لا تجعله شاعرا إذا لم يكن عنده استعداد فطرى للشعر، فكذلك الحال في الاجتهاد، ونوابغ المجتهدين ما كانوا أكثر من غيرهم معرفة بعلوم الاجتهاد ووسائله وآلاته، وإنما كانوا أكثر من غيرهم في القابلية على الاجتهاد وفي الاستعداد الفطري له “ ([37]) .
(قلت) ومن تلك الشروط السابقة يتبين جسامة الخطر في الافتاء في الشرع والقول في الفقه بغير تأهل لمرتبة الاجتهاد، والبديل لمن لم يبلغ تلك المرتبة العظيمة هو اتباع أحد المذاهب الفقهية المعتمدة والتتلمذ عليها حتى يتعلم شرع الله تعالى على بصيرة، ويجتهد في معرفة الأدلة لعله – مع الجد في طلب العلم وطول العمر – أنّ يبلغ في علم الفقه ما يؤهله للاجتهاد، لاسيما في الوقائع المستحدثة التي تحتاج إلى اجتهاد،
***
(المبحث الثالث) أسباب اختلاف الفقهاء وخصائص الخلاف الفقهي
[المفتاح الاول]: (تنبيهات): (أ) الاختلاف في الفروع الفقهية العملية رحمة ومنفعة وسعة، وهو كذلك عامل من عوامل خلود هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، كما أنّه لا خطر منه ولا ضرر، وهو أمر فطري طبيعي حيث تختلف العقول في فهم النص الواحد وتفسيره، فكيف بمئات بل آلاف النصوص من الكتاب والسنّة، والتي تجتهد عقول المجتهدين في شرحها وتفسيرها واستنباط الاحكام منها، وعلى ذلك، فإنّ الاختلاف في الأمور الفرعية والتفصيلية أمر طبيعي تقتضيه طبيعة الإنسان، كما أنّ الاختلاف بين المذاهب الفقهية كان السبب الأول في نماء الثروة الفقهية ومرونة التشريع، وجعله تشريعاً مرناً متجدداً ومستمراً وصالحاً لكل زمن ومكان، ملبياً لجميع حاجات الإنسان مهما اختلفت الظروف والأزمان، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (ما سرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة)
(ب) اختلاف الأئمة الفقهاء لم يكن سببه الهوى أو أي غرض من أعراض الدنيا الزائلة، بل كان هدفه الوصول إلى الحق، ابتغاء مرضاة الله.
(ت) أكثر الخلاف هو من قبيل خلاف التعدد والتنوع، وهذا لا خلاف على الحقيقة فيه إذ الكل جائز وصحيح، وأقله خلاف تضاد وهذا يكاد ينحصر في النصوص الظنية، وفي الدلالات الظنية، التي لا سبيل إلى جمع الناس جميعاً فيها على رأي واحد، والكل فيها مجتهد،
وقد أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((نَادَىَ فِينَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الأَحْزَابِ “لاَ يُصَلّيَنّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إلاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ” فَتَخَوّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لاَ نُصَلّي إلاّ حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَإنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ، قَالَ: فَمَا عَنّفَ وَاحِداً مِنَ الْفَرِيقَيْنِ)) ([38]) .وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((خَرَجَ رَجُلاَنِ في سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمّمَا صَعِيداً طِيّباً فَصَلّيَا ثُمّ وَجَدَا الْمَاءَ في الْوَقْتِ فأعَادَ أحَدُهُمَا الصّلاَةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الاَخَرُ، ثُمّ أتَيَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فقال لِلّذِي لَمْ يَعُدْ: أصَبْتَ السّنّةَ وَأجْزَأتْكَ صَلاَتُكَ، وقال لِلّذِي تَوَضّأَ وَأعَادَ: لَكَ الأجْرُ مَرّتَيْنِ)) ([39]) .
فإننا نلحظ إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لاختلاف الصحابة في مسألة واحدة، وهذا يدل على سعة هذه الشريعة ومرونتها، والتيسير فيها، ورفع الحرج عن المكلفين في تطبيقها،
[المفتاح الثاني]: أنواع الخلاف الفقهي: قسم العلماء أنواع الخلاف إلى قسمين رئيسيين: خلاف التنوع، وخلاف التضاد، و (خلاف التنوع): هو ما كانت جميع الأقوال أو الأفعال الواردة فيه صحيحة جائزة، مثل الاختلاف في صيغ الآذان والإقامة، وتكبيرات العيد وتكبيرات الجنازة والاستفتاح وصيغ التشهد وصلاة الخوف، أو في مكان وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة على الصدر أو فوق السرة او تحت السرة، أو في صلاة الوتر أول الليل أو آخره والكل مشروع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثاله ما ورد عن النبي أخرجه الترمذي عن عبد الله بن أبي قيس قال: ((سألتُ عائشةَ رضي الله عنها عن وِترِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كيفَ كانَ يوترُ من أوَّلِ اللَّيلِ أو مِن آخرِه؟ فقالَت: كلُّ ذلِك قد كانَ يصنَعُ ربَّما أوترَ من أوَّلِ اللَّيلِ وربَّما أوترَ مِن آخرِه قُلتُ الحمدُ للَّهِ الَّذي جعلَ في الأمرِ سَعةً فقُلتُ كيفَ كانت قراءتُهُ أكانَ يُسِرُّ بالقراءةِ أم يَجهَرُ قالَت كلُّ ذلِك كانَ يفعَلُ قد كانَ ربَّما أسرَّ وربَّما جَهَرَ قالَ فقُلتُ الحمدُ للَّهِ الَّذي جعَلَ في الأمرِ سَعةً قالَ قُلتُ فَكيفَ كانَ يصنَعُ في الجنابةِ أكانَ يغتسِلُ قبلَ أن يَنامَ أم يَنامُ قبلَ أن يغتسِلَ قالَت كلُّ ذلِك قَد كانَ يفعَلُ ربَّما اغتسلَ فنامَ وربَّما تَوضَّأ فنامَ، قلتُ: الحمدُ للَّهِ الَّذي جعلَ في الأمرِ سَعةً)) ([40]) .
والشاهد من هذا ظاهر، وهو جواز الأمرين في الوتر، والقراءة، والاغتسال من الجنابة، فهناك أمور في الشرع ظاهرها الاختلاف، ولكنه اختلاف تنوع وتعدد وكله جائز لا حرج فيه، وأكثر ما في المذاهب الفقهية هو من قبيل هذا النوع، و(خلاف التضاد) وهو نوعان: النوع الأول: مذموم غير سائغ، وهو ما كان في العقائد وأصول الدين مما يُخالف الكتاب والسنّة وما كان عليه هدي الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة الناجية) من عقائد تُفارق الفرق الضالة الهالكة من خوارج وروافض ومعتزلة ومجسمة ومرجئة وغيرها من الفرق الضالة وهذا ليس موضوعنا في تلك الرسالة، والنوع الثاني: سائغ غير مذموم، وهو ما كان متعلقاً بالفقه والأحكام العملية الخاضعة للاجتهاد، وهو أن يختلف المجتهدون في حكم المسألة على أقوال متنافية، ومثاله اختلاف الفقهاء في أحكام الوضوء كوجوب المضمضة والاستنشاق أو استحبابهما، ووجوب الترتيب أو استحبابه، وأركان الصلاة وواجباتها وسننها، وعدد ركعات صلاة التراويح، والقنوت في صلاة الفجر، فهذه جميعها اختلافات فقهية سائغة لأنّها خاضعة لأسباب طبيعية وشرعية لا يمكن بحال جمع الفقهاء فيها على رأي واحد، يرجع فيها الاختلاف إلى تفاوت أفهام المجتهدين في الاستنباط من نصوص محتملات تتعدد وجوه الفهم فيها، وهو اختلاف رحمة ومرونة يعطي الفقه والشريعة قدراً عظيما من المرونة والصلاحية لكل الناس في كل الأزمان والأمكنة، ومحاولة جمع الناس في هذا الاختلاف على قول واحد تقعر وغلو، كما أنّه أمر مستحيل لتفاوت العقول ووجود النصوص حمالة الوجوه.
وهذه الاختلافات هي التي اتفق الفقهاء في أنّه لا انكار فيها بين المذاهب الفقهية، وجميع الأئمة الفقهاء الأربعة اتفقت الأمة على استحالة تعمد أحدهم مخالفة الكتاب والسنّة والاجماع والقياس الجلي، ولذلك كانت المذاهب الفقهية الأربعة في مأمن من الاجتهاد المذموم الذي يُخالف نصوص الكتاب والسنّة وروح الشريعة ومقاصدها العامة، ومحاولة جمع المسلمين في تلك الاختلافات على قول واحد أمر غير ممكن، أضف إلى ذلك أنّه يزيد الفرقة فرقة، ويُفسد ولا يُصلح، مع أنّها اجتهادات سائغة والكل فيها مأجور، إن صواباً أجرين، وإن خطأ أجر واحد ولا يُحرم من الأجر إلا الشقي المتقعر، وهذان نبيان معصومان اختلفا في حكم، ولم يخطئ القرآن أحدهما بل أثنى على كليهما وإن كان أحدهما أصاب الحكم في القضية، قال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78، 79].
[المفتاح الثالث]: أهم أسباب اختلاف الفقهاء:
(أولاً): العامل الطبيعي: ويعود إلى التفاوت والتباين في إما في طبيعة التفكير، وإما في البيئة المحيطة، والأول: وهو التباين والتفاوت الذي فطر الله تعالى عليه البشر من حيث تفاوتهم في القدرة على الإدراك والاستيعاب، بما فضل الله به بعضهم على بعض من الفهم والعلم والحفظ وسَعة الاطلاع، والثاني وهو التفاوت في البيئة والمعيشة لما لهما من دورٌ في التأثير على اجتهاد المجتهد، وما يترتب عليه من الحكم الشرعي الصادر عن المجتهد والفقيه.
و(ثانياً): العامل الشرعي: ويتناول أربعة أمور، يقول عنها الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني في كتابه: دراسات في الاختلافات العلمية: الفصل الرابع: أسباب الاختلافات العلمية: ” لقد تبين لنا مما سبق، أن اختلاف العلماء في استنباط المسائل العلمية وتعدد آرائهم في المسألة الواحدة أمر طبعي، تبعاً للأسباب المقتضية لذلك الاختلاف، إلا أننا نجد بعض قاصري النظر، يقفون من هذه الاختلافات العلمية موقف المستغرب المستنكر، أو المتشكك المرتاب، ولعل السبب في هذا الموقف المتطرف، اعتقاد هؤلاء أنه لا مجال لاختلاف العلماء إذا توفرت لديهم النصوص، وكأن سبب الاختلاف محصور عندهم في ثبوت النص وعدم ثبوته، فإذا توفرت النصوص لدى الجميع بسبب من الأسباب، كتدوين السنة في الصحاح مثلاً، وتميز صحيحها عن ضعيفها، كان لازماً أن يذهب هذا الاختلاف، وتزول آثاره بين العلماء، وتعود الآراء المتعددة رأياً واحداً لا خلاف فيه وكثيراً ما أدت هذه النظرة السطحية الخاطئة لمسألة اختلاف العلماء في الأحكام إلى موافق مختلفة، جعلت بعض الناس ينوء بها فيعرض عنها، وجعلت صنفاً آخر منهم يتهجم عليها ويحاربها، كما جعلت أناساً آخرين يقتنعون بدعوة التوحيد بين المذاهب والآراء ظانين أن الوقت قد حان –وقد دونت السنة وانتشرت كتبها في الأقطار- ليجمعوا الناس على قول واحد ومذهب واحد يدعى بمذهب الكتاب والسنة، ويؤكدون صلاحية ذلك بأنه: لا داعي لهذه الاختلافات والمذاهب ما دام الدين واحداً والقرآن واحداً، والسنة واحدة، ولو رجع هؤلاء إلى ما بينه الأئمة والعلماء من أسباب الاختلاف، لعلموا أن ما ظنوه السبب الأصلي الوحيد في الاختلاف –وهو عدم وصول النص إلى المختلفين –ما هو إلا سبب واحد يسير من الأسباب العديدة التي أدت إلى تنوع هذه الآراء، واختلافها واختلاف الاستنباط بسببها، وتبعاً لتعدد الأسباب وتداخلها، اختلف العلماء في بيان أسباب الاختلاف إلى مجمل فيها، ومفصل لها، لكني أرى أن هذه الأسباب جميعها تعود في حقيقة الأمر إلى أربعة أسباب إجمالية، تتفرع عنها الأسباب التفصيلية الأخرى، وهذه الأربعة هي:
[الأول]: الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته: فهناك وصول النص إلى هذا الإمام وعدم وصوله إلى غيره، وهناك ثبوته عند هذا وعدم ثبوته غيره، وذلك تبعاً للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم، أو تبعاً إلى شذوذٍ في المتن أو في السند بالنسبة إلى متن آخر أو سندٍ آخر، إلى غير ذلك مما يتصل بهذا السبب.
وَهَذَا السَّبَبُ: هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُوجَدُ مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ مُخَالِفًا لِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ.
فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ تَكُنْ لِأَحَدِ مِنْ الْأُمَّةِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ؛ أَوْ يُفْتِي؛ أَوْ يَقْضِي؛ أَوْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ فَيَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ مَنْ يَكُونُ حَاضِرًا، وَيُبَلِّغُهُ أُولَئِكَ -أَوْ بَعْضُهُمْ- لِمَنْ يُبَلِّغُونَهُ، فَيَنْتَهِي عِلْمُ ذَلِكَ إلَى مَنْ شَاءُ اللَّهُ تعالى مِنْ الْعُلَمَاءِ، مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ: قَدْ يُحَدِّثُ، أَوْ يُفْتِي، أَوْ يَقْضِي، أَوْ يَفْعَلُ شَيْئًا، وَيَشْهَدُهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَيُبَلِّغُونَهُ لِمَنْ أَمْكَنَهُمْ. فَيَكُونُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ مَا لَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ. وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ أَوْ جَوْدَتِهِ. وَأَمَّا إحَاطَةُ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ ادِّعَاؤُهُ قَطُّ. ([41]) .
[والثاني]: الاختلاف في فهم النص: وهناك بعد ذلك كله- على فرض الاتفاق على ما سبق، واستواء الحكم على النص عند الجميع- الاختلاف في فهم النص الثابت، سواءً في ذلك، الاختلاف الذي يعود إلى نوعية النص، ككونه مشتركاً لفظه بين معانٍ كثيرة، أو مجملاً لم يبين معناه، ولم يتضح المراد منه للمجتهد، أو جاء على سبيل الحقيقة، أو المجاز إلى غير ذلك مما يعرفه أهل اللغة والبيان، وسواء في ذلك الاختلاف الذي يعود إلى اختلاف القدرات والإمكانات في الفهم عند المجتهدين.
[والثالث]: الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة: وعلى فرض الاتفاق بين العلماء على ثبوت النص وفهمه، يعترض أمر آخر وهو: سلامة هذا النص من معارض راجح في الظاهر من النصوص الأخرى، وهنا يحصل الاختلاف في طرق الجمع بين النصوص، أو ترجيح بعضها على بعض، ولا ننسى هنا ما للفهم من أثر كبير في هذه المرحلة، وهناك من ينظر إليها نظرة عدم التعارض فيعمد إلى الترجيح، وليس فهم أحدهم بحجة على فهم الآخر، ولا بملزم له أن يقول بقول غيره.
[والرابع]: الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط: وهو الاختلاف في حجية المصدر الذي تستنبط منه الأحكام، فلكل إمام قواعد وشروط في قبول الحديث ورده، ولكل وجهته ومنهجه في الاستنباط، وهناك من ينظر إلى فعل الصحابي مثلاً أو فتواه، نظرته إلى النصوص الشرعية، فيعتبرها حجة قوية، وهناك من يخالفه في ذلك، هناك من يعتبر عمل أهل المدينة حجة شرعية، يقدمها على غيرها من النصوص، وهناك من ينظر إلى عمل الراوي بخلاف ما رواه، نظرة يخالفه فيه الآخرون، وهناك من يرى أن مقتضى النهي الفساد، ويخالفه في ذلك غيره، إلى غير ذلك مما هو مبسوط في محله من كتب الأصول، وسنتناول هذه الأسباب الأربعة سبباً سبباً، موضحين لها بالأمثلة العملية للاختلافات الناشئة عنها إن شاء الله، ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن كثيراً ما نجد هذه الأسباب الأربعة للاختلاف متداخلة في بعض المسائل، لا ينفك سبب منها أحياناً عن الأسباب الأخرى، لأن مما يؤثر في فهم المجتهد واستنباطه منهجه وطريقته فيه، كما يؤثر فيه أيضاً ذلك المصدر الذي يعتمد عليه، ويستنبط منه، ولهذا ضاقت دائرة الاختلاف بين العلماء الذين تقاربت أصولهم ومناهجهم، واتسعت دائرته بين المجتهدين الآخرين، كما هو واضح في اجتهاد المجتهدين المطلقين، والمجتهدين المتقيدين بمذهب من المذاهب، وعلى هذا، فدعوى بعض الناس إلى توحيد المذاهب والآراء في مذهب واحد، دعوى لا يلتفت إليها لمخالفتها الواقع المفروض الذي أشرت إليه، كما أن تهجم الآخرين على اختلاف العلماء في المسائل العلمية ناشئ عن ضيق النظر، وسوء الفهم، نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ” أهـ ([42]) .
[المفتاح الرابع]: خصائص الخلاف في الفقه الإسلامي
(1) الخلاف في الفروع يختلف عن الخلاف في الأصول: فأمّا الخلاف الذي يتعلق بأصول الدين وأصول العقيدة فهو خلاف خطير لأنّه خلاف بين حق وباطل وبين هدى وضلال، وهو الخلاف الذي ينشأ عنه فرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار، وفي هذا الخلاف أشارت روايات حديث تفرق الامة، والتي منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)) ([43]) .
وأما الخلاف في الفروق فإنّه خلاف بين صواب وخطأ، والمجتهد فيه له أجر سواء أصاب أم أخطأ، ولهذا تواترت أقوال الفقهاء بأنّه خلاف رحمة وسعة، فشتان بين خلاف الأصول الذي ينشأ عن الخطأ فيه الضلال واستحقاق النار، وبين خلاف الفروع الذي للمصيب وللمخطئ فيه اجر ما كان خالص النية مستوف لشروط الاجتهاد.
(2) الاختلاف الفقهي نوعان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد، واختلاف التنوع: (لا يمثل في حقيقته أي اختلاف) لأن منه ما يكون كل واحد من القولين صحيح شرعا، كما هو الحال في اختلاف القراءات، واختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، ومن الاختلاف ما يكون كل من القولين هو في معنى قول الآخر ؛ لكن العبارتان مختلفتان، ومنه ما يكون المعنيان متغايرين، لكن لا يتنافيان؛ فهذا قول صحيح، وهذا قول صحيح وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، فيجوز سلوك أحدهما أو الآخر كما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة، وأما اختلاف التضاد: فيكون فيه القولان متنافيين، وهذا الاختلاف هو اختلاف الرحمة والسعة، وللمجتهد المصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد، وهو خلاف بين راجح ومرجوح، وإن كان المصيب واحد، فلا بأس بتمحيص الصواب وينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) ([44]) .
وعلى هذا الأمر اتفقت كلمة الفقهاء المقتدى بهم من كافة المذاهب الفقهية الإسلامية التي تنتمي إلى الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة، وابرزها مذاهب الأئمة الأربعة: (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، فهذه الاختلافات الفقهية، قد مثلت سعةً ورحمةً وإنى وثراءً في الاجتهاد، مجسدة بذلك التنوّعَ الطبيعيَّ في مناهج النظر الفقهي، والاستجابة المناسبة لتنوّع واقع الأمة ومصالحها عبر الزمان والمكان، وعلى ذلك فإن اختلاف هؤلاء في الفروع لا يعد بحال اختلافا مذموما.
(3) إذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية، فلا يوجد أي داع للتعصب الفقهي المذهبي، ولا ينبغي ضياع الأعمار والجهود في المفاضلة بين المذاهب القائم على التعصب لأحدها على أنه قد جمع الحق في الفقه كله، بل الحق متوزع بينها وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المرحومة، وإنّ من أهم مميزات الاختلافات الفقهية أنّها لا تضعف أبداً الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لأن ميدانها هو الفروع، الذي لا يزال الناس فيه مختلفين، فاختلافاتها سنة وقانون إلهيّ لا تبديل له ولا تحويل، وهي اختلافات تعدد وتنوع في إطار الشريعة الواحدة، أي تنوع في الاجتهاد الفقهي في إطار الشريعة الواحدة، التي هي وضع إلهي ثابت،
(4) تجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ، لأنه يضر بالميزة التي حبى الله تعالى بها الفقه ألا وهي (السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان)، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا، بل إنّ الذي نحتاجه في ميدان الفقه، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان
***
(المبحث الرابع) أهمية وضرورة احترام التخصص في الفقه
[المفتاح الاول]: كل علم يحترم أهله مجال التخصص فيه يثمر المعرفة والصواب، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وإنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في: الفوضى العلمية، والخطأ في اصدار الأحكام، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم، ومن المسلمات في دين الله تعالى أنه لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 12].
وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
لقد كان من ثمرة التخصص في الفقه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين ((مذاهب)) ولم تسمى ((فرق))، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين ؛ وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا، والاختلاف فيها اختلاف تنوع وليس تضاد، ولا يدخل في الاختلاف المذموم، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة، لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي أو العالم لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهة على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام.
لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة، مع العلم بأنّها (المذاهب الفقهية) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة.
إنّ احترام التخصص الفقهي والرد في علم الفقه إلى تلك المدارس، ضرورة علمية، وذلك لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وواجب تحتمه تقوى الله تعالى لأنّ الذي يخاف الله تعالى لا يسأل إلا أهل العلم المتخصصين فيه خوف الخطأ، وواجب يحتمه العقل السديد، لأنّه قد جرت العادة أنّ الناس لا يسألون إلا أهل الخبرة والتخصص، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه، ومظانه عند أهل التخصص فيه، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها، وهكذا، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص.
[المفتاح الثاني]: أصالة المذاهب الفقهية الاربعة وضرورة طلب الفقه من خلالها: ذكرنا أنّ لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ولا يجوز التهجم على علومهم دون الرجوع إليهم قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83].
مذاهب الفقهاء الأربعة هي المتخصصة في علم الفقه الإسلامي: الأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة يجمعون علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة.
هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة: وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي (ت157هـ) بالشام ؛ وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق ؛ والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر، وسفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة ؛ وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور ؛ إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، وعلى ذلك: فأولى المجتهدين بالإتباع: من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصار له مذهب معروف، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة.
أولى المجتهدين في الفقه بالاتباع هم الفقهاء الأربعة: إن أصل العلوم جميعا كتاب الله تعالى ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد تعبد الله تبارك وتعالى كل مسلم بإتباع الكتاب والسنة، والناس تجاه الكتاب والسنة صنفان: مجتهد وعامي، و(المجتهد) فقط له الحقّ في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ؛ و(العامّي) _ وهو كلّ من لم يبلغ رتبة الاجتهاد _ يأخذ الأحكام من المجتهد، ولا يجوز له استنباط الأحكام ؛ فإن فعل ذلك فقد عصى الله ورسوله ولو أصاب في اجتهاده فضلاً عن خطئه، لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أي: إن كنتم لا تعلمون الحكم، أو الوسائل الواجبة لاستنباط الأحكام والتي يتوقف فهم الأحكام على مراد الله عليها.
وأولى المجتهدين بالإتباع: من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصار له مذهب معروف، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة.
إنّ من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة ((أحد المتون العلمية)) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة صحيحة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها.
لقد كان لكثير من علماء المسلمين الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي أو العالم لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام، لقد حظيت المذاهب الأربعة بقبول واسع لدى المسلمين وجاء فترات للأمة لا تكاد تجد فيها أحدا إلا وهو ينتسب لمذهب منها، بل استحوذ كل مذهب في غالب الأحيان على مناطق شاسعة، فيقال مثلا بلاد كذا جميعها حنفية، أو مالكية، أو شافعية، أو حنبلية، وذلك له عدة عوامل أهمها نبوغ جماعات من العلماء الذين تبنوا نشر هذه المذاهب والتأصيل لها والإفتاء بموجبها، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه.
فمن أراد من المسلمين أن يسلك الطريق الصواب في الفقه، فعليه أن يلتزم مذهباً من هذه المذاهب الأربعة، وأن يحرص على استفتاء أئمتها وعلماءها، ومن أراد طلب علم الفقه – من طلاب العلم الشرعي – من بابه الصحيح فعليه أن يطلبه من خلال الوسائل التعليمية التي قررتها إحدى تلك المدارس الفقهية الأربعة ثم يتوسع بعد ذلك كيفما شاء طلبا للاجتهاد، والحذر الحذر من الدعوة إلى الخروج على فقه المذاهب الأربعة، فإن الدعوة للخروج عن المذاهب الأربعة يلزم منها: إما أن يرجع كلّ فرد من الأمة إلى الأدلة الشرعية ويستنبط منها الأحكام، وهذا بدوره يزيد المذاهب، ويفرق الأمة، ويحرِّف الدِّين، وإما أن يرجع الناس إلى مجتهد ما، فنقول: وهل هؤلاء أولى بالاتباع ممن عُرِف اكتمال علمه وفقهه وتقواه، وذهب مذهبه الآلاف من المجتهدين المهتدين، إنّ الأمر بالرد إلى الكتاب والسنّة هو عمل المجتهدين، أمّا عامة المسلمين، فالأمر هو الرد إلى أهل العلم والذكر الحكيم، والله تعالى يقول – في موضعين من القرآن الكريم -:{فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، [الأنبياء: 7]، إن واجب المجتهد: أن يبحث عن الدليل الصحيح وصفات النصوص لاستنباط الحكم منها ؛ وواجب عامة المسلمين أن يبحثوا عن العالم الصحيح، وهل هناك أعلم في الفقه من مدارس الفقه المتخصصة فيه، والتي تضم خيرة فقهاء وعلماء أهل السنّة والجماعة الأئمة المهديين المُتبعين.
[المفتاح الثالث]: (قلت): وقد ألف الحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (ت 795) رسالة سماها (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة) – وهي رسالة نافعة جليلة القدر في بابها – جاء فيها: ” فقد بلغني إنكار بعض الناس على بعض من ينتسب الى المذهب الإمام احمد وغيره من مذاهب الأئمة المشهورين في هذا الزمان الخروج عن مذاهبهم في مسائل وزعم أن ذلك لا ينكر على من فعله، وأن من فعله قد يكون مجتهداً متبعاً للحق الذي ظهر له أو مقلداً لمجتهد آخر، فلا ينكر ذلك عليه، فأقول وبالله التوفيق، وهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله: لا ريب أن الله تعالى حفظ لهذه الأمة دينها حفظاً لم بحفظ مثله ديناً غير دين هذه الأمة ؛ وذلك أن هذه الأمة ليس بعدها نبي يجدد ما دثر من دينها كما كان دين من قبلنا من الأنبياء، كلما دثر دين نبي جدده نبي آخر يأتي بعده، فتكفل الله سبحانه بحفظ هذا الدين، وأقام له في كل عصر حملة ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]، فتكفل الله سبحانه بحفظ كتابه، فلم يتمكن أحد من الزيادة في ألفاظه ولا من النقص منها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ أمته القرآن في زمانه على أحرفٍ متعددة ؛ تيسراً على الأمة لحفظه وتعليمه حيث كان فيهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط، فطلب لهم الرخصة في حفظهم له أن يقرئهم سبعة أحرف ؛ كما ورد ذلك في حديث أبي بن كعب وغيره، ثم لما انتشرت كلمة الإسلام في الأقطار، وتفرق المسلمون في البلدان المتباعدة صار كل فريق منهم يقرأ القرآن على الحرف الذي وصل إليه، فاختلفوا حينئذ في حروف القرآن اختلافاً كثيراً، فأجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عثمان علي جمع الأمة على حرفٍ واحد، خشية أن تختلف هذه الأمة في كتابها كما اختلفت الأمم قبلهم في كتبهم، ورأوا أن المصلحة تقضي ذلك، وحرقوا ما عدا هذا الحرف الواحد من المصاحف، وكان هذا من محاسن أمير المؤمنين عثمان- رضي الله عنه- التي حمده عليها علي وحذيفة وأعيان الصحابة، وإذا كان عمر قد أنكر على هشام بن حكيم بن حزام على عهد النبي صلى الله عليه وصلى في آيه أشد الإنكار، وأبي ابن كعب حصل له بسبب اختلاف القرآن ما أخبر به عن نفسه من الشك، وبعض من كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم ممن لم يرسخ الأيمان في قلبه ارتد بسبب ذلك حتى مات مرتداً، هذا كله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف الظن بالأمة بعده أن لو بقي الاختلاف في ألفاظ القرآن بينهم فلهذا ترك جمهور علماء الأمة بما عدا هذا الرف الذي جمع عثمان عليه المسلمين، ونهوا عن ذلك، ورخص فيه نفر منهم، وحكي رواية عن أحمد ومالك مع اختلاف عنهما على ذلك به في الصلاة وغيرها أم خارج الصلاة فقط، وبكل حال: فلا تختلف الأمة أنه لو قرأ أحد بقراءة ابن مسعود ونحوها مما يخالف هذا المصحف المجتمع عليه، وادعى أن ذلك الحرف الذي قرأ به هو حرف زيد بن ثابت الذي جمع عليه عثمان الأمة، أو أنه أولى بالقراءة من حرف زيد: لكان ظالماً متعدياً مستحقاً للعقوبة، وهذا لا يختلف فيه اثنان من المسلمين، إنما محل الخلاف: إذا قرأ بحرف ابن مسعود ونحوه مع اعترافه أنه حرف ابن مسعود المخالف لمصحف عثمان- رضي الله عنه، وأما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنها كانت في الأمة تحفظ في الصدور كما يحفظ القرآن، وكان من العلماء من يكتبها كالمصحف ومنهم من ينهي عن كتابتها، ولا ريب أن الناس يتفاوتون في الحفظ والضبط تفاوتاً كثيراً، ثم حدث بعد عصر الصحابة قوم من أهل البدع والضلال، أدخلوا في الدين ما ليس منه وتعمدوا الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام الله تعالى لحفظ السنة أقواماً ميزوا ما دخل فيها من الكذب والوهم والغلط، وضبطوا ذلك غاية الضبط وحفظوه أشد الحفظ، ثم صنف العلماء التصانيف في ذلك، وانتشرت الكتب المؤلفة في الحديث وعلموه، وصار اعتماد الناس في الحديث الصحيح على كتابي الإمامين أبي عبد الله البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري- رضي الله عنها، واعتمادهم بعد كتابيها بعد بقية الكتب الستة خصوصاً سنن أبي داود وجامع أبي عيسى وكتاب النسائي ثم كتاب ابن ماجه، وقد صنف في الصحيح مصنفات اخر بعد صحيحي الشيخين، لكن لا تبلغ كتابي الشيخين، ولهذا أنكر العلماء على من استدرك عليهما الكتاب الذي سماه المستدرك، وبلغ بعض الحفاظ فزعم أنه ليس فيه حديث واحد على شرطهما، وخالفه غيره، وقال: يصفو منه حديث كثير صحيح، والتحقيق: أنه يصفو منه صحيح كثير على غير شرطهما، بل على شرط أبي عيسى ونحوه، وأما على شرطهما فلا، فقل حديث تركاه إلا وله علة خفية ؛ لكن لعزة من يعرف العلل كمعرفتها وينقده، وكونه لا يتهيأ الواحد منهم إلا في الإعصار المتباعدة: صار الأمر في ذلك إلى الاعتماد على كتابيها والوثوق بهما والرجوع إليهما، ثم بعدهما إلى بقية الكتب المشار إليها، ولم يقبل من أحد بعد ذلك الصحيح والضعيف إلا عمن اشتهر حذقه ومعرفته بهذا الفن واطلاعه عليه، وهم قليل جداً، وأما سائر الناس: فإنهم يعملون على هذه الكتب المشار إليها، ويكتفون بالعزو إليها، وأما الأحكام ومسائل الحلال والحرام: فلا ريب أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اختلفوا في كثير من هذه المسائل اختلافاً كثيراً، وكان في الأعصار المتقدمة كل من اشتهر بالعلم والدين يفتي بما ظهر له أنه الحق في هذه المسائل، مع أنه لم يخل من كان يشذ منهم عن الجمهور عن إنكار العلماء عليه، كما كان ينكر على ابن عباس- رضي الله عنه- مسائل متعددة بها، وأنكر ذلك على أتباعه أشد من الإنكار عليه، حتى كان ابن جريح لما قدم البصرة إذا رآه الناس دخل المسجد الجامع رفعوا أيديهم ودعوا الله عليه لشذوذه بتلك المسائل التي تلقى عن أصحاب ابن عباس، حتى أنه رجع عن بعضها قبل أن يخرج من عندهم، وهذا مع أن الناس حينئذ كان الغالب عليهم الدين والورع، فكان ذلك يريحهم عن أن يتكلم أحدهم بغير علم، أو ينصب نفسه للكلام وليس هو لذلك بأهل، ثم قل الدين والورع، وكثر من يتكلم في الدين بغير علم ومن ينصب نفسه لذلك وليس هو له بأهل، فلو استمر الحال في هذه الأزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أن كل أحدٍ يفتي بما يدعي أنه يظهر له أنه الحق ؛ لاختل به نظام الدين لا محالة، ولصار الحلال حراماً والحرام حلالاً، ولقال كل من شاء ما يشاء، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا، فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه: بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى، من أهل الرأي والحديث، فصار الناس كلهم يعولون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم، وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام، وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين، ولولا ذلك: لرأى الناس العجاب، من كل أحمق متكلف معجبٍ برأيه جريء على الناس وثاب، فيدعي هذا أنه الأمام الأئمة، ويدعي هذا أنه هادي الأمة وأنه هو الذي ينبغي الرجوع دون الناس إليه والتعويل دون الخلق عليه، ولكن بحمد الله ومنته انسد هذا الباب الذي خطره عظيم وأمره جسيم، وانحسرت هذه المفاسد العظيمة وكان ذلك من لطف الله تعالى لعبادة وجميل عوائده وعواطفه الحميمة، ومع هذا فلم يزل يظهر من يدعي بلوغ درجة الاجتهاد، ويتكلم في العلم من غير تقليدٍ لأحد من هؤلاء الأئمة ولا انقياد، فمنهم من يسوغ له ذلك لظهور صدقة فيما ادعاه، ومنهم من رد عليه قوله وكذب في دعواه، وأما سائر الناس ممن لم يصل إلى هذه الدرجة فلا يسعه إلا تقليد أولئك الأئمة، والدخول فيما دخل فيه سائر الأمة.
[فإن قال] أحمق متكلف: كيف يحصر الناس [الفقه] في أقوال علماء متعينين ويمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين، (قيل له): كما جمع الصحابة- رضي الله عنهم – الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان ؛ لما رأوا أن المصلحة لا تتم إلا بذلك، وأن الناس إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك، فكذلك مسائل الأحكام وفتاوى الحلال والحرام، لو لم تضبط الناس فيها بأقوال أئمة معدودين: لأدى ذلك إلى فساد الدين، وأن يعد كل أحمق متكلف طلبت الرياسة نفسه من زمرة المجتهدين وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض من سلف من المتقدمين ؛ فربما كان بتحريف يحرفه عليهم كما وقع ذلك كثيراً من بعض الظاهريين، وربما كانت تلك المقالة زلة من بعض من سلف قد اجتمع على تركها جماعة من المسلمين، فلا تقضي المصلحة غير ما قدره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين رضي الله عنهم أجمعين.
[فإن قيل]: الفرق بين جمع الناس على حرفٍ واحد من الحروف السبعة من أحرف القرآن وبين جمعهم على أقوال فقهاء أربعة، أن تلك الحروف السبعة كانت يقال: معناها واحد أو متقارب والمعنى حاصل بهذا الحرف وهذا بخلاف قول الفقهاء الأربعة ؛ فإنه يجوز أن يتفقوا على شيء ويكون الحق خارجاً عنهم، (قيل): هذا قد منعه طائفة من العلماء، وقالوا إن الله لم يكن ليجمع هذه الأمة على ضلالة، وفي ذلك أحاديث تعضد ذلك، وعلى تقدير تسليمه: فهذا إنما يقع نادراً ولا يطلع عليه إلا مجتهد وصل إلى أكثر مما وصلوا إليه، وهذا أيضاً مفقود أو نادر، وذلك المجتهد على تقدير وجوده: فرضه اتباع ما ظهر له من الحق، وأما غيره: ففرضه التقليد، وتقليد هؤلاء الأئمة سائغ بلا ريب، إثم عليهم ولا من قلدهم ولا بعضهم.
[فإن قيل]: فهذا يقضي إلى اتباع لأئمة على الخطأ (قيل): لا يقول القول الحق [جميع الخلق]: لابد أن يكون مذموماً به أحد من [المخالفين]، فلم يتفق للأمة الخطأ، وأكثر ما يقع هذا إن كان واقعاً فيما قل وقوعه، فأما المسائل التي يحتاج المسلمون إليها عموماً فلا يجوز أن يعتقد أن الأئمة المقتدى بهم في الإسلام في هذه الإعصار المستطالة اجتمعوا فيها على الخطأ ؛ فإن هذا قدح في هذه الأمة قد أعاذها الله منه، [فإن قيل]: نحن نسلم منع عموم الناس من سلوك طريق الاجتهاد ؛ لما يفضي ذلك أعظم الفساد، لكن لا نسلم منع تقليد إمام متبع من أئمة المجتهدين غير هؤلاء الأئمة المشهورين، (قيل): قد نبهنا على علة المنع من ذلك وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة، [فإن قيل]: فما تقولون في مذهب إمام غيرهم قد دون مذهبه وضبط وحفظ كما حفظ مذاهب هؤلاء، (قيل): أولا: هذا لا يعلم وجوده الآن، وإن فرض وقوعه الآن وسلم جواز إتباعه والانتساب إليه، فإنه لا يجوز ذلك إلا لمن أظهر الانتساب إليه والفتيا بقوله والذب عن مذهبه، فأما من أظهر الانتساب إلى بعض الأئمة المشهورين وهو في الباطن منتسب إلى غيرهم معتقد لمذهب سواه: فهذا لا يسوغ له ذلك البتة، وهو من نوع النفاق والتقية، ولاسيما من أخذ الأموال المختصة بأصحاب ذلك الإمام المشهور من الأوقاف أو غيرها، أو لبس على الناس، فأوهمهم أن ما يفتي به من مذهب من ينتسب إليه في الباطن هو مذهب ذلك الإمام المشهور، فهذا غير سائغ قطعياً، وهو تلبيس على الأمة وكذب على علماء الأمة، ومن نسب إلى أئمة الإسلام ما لم يقولوه، أو ما علم أنهم يقلون خلافه / فإنه كاذب يستحق العقوبة على ذلك، وكذلك إن صنف كتاباً على مذهب إمام معين، وذكر فيه ما يعتقده من قول من ينتسب إليه في الباطن من غير نسبته إلى قائله، وكذلك لو كان الكتاب المصنف لا يختص بمذهب معين، إلا أن مصنف في الظاهر ينتسب إلى مذهب إمام معين وفي الباطن إلى غيره، فيذكر فيه أقوال من ينتسب إليه باطناً من غير فيذكر فيه أقوال من ينتسب إليه باطناً من غير بيان لمخالفتها لمذهب من ينتسب إليه ظاهراً، فكل هذا إيهام وتدليس غير جائز، وهو يقتضي خلط مذاهب العلماء واضطرابها، فإن ادعى مع ذلك الاجتهاد كان أدهى وأمر، وأعظم فساداً وأكثر عناداً ؛ فعنه لا يسوغ ذلك مطلقاً إلا لمن كملت فيه أدوات الاجتهاد: من معرفة الإجماع والاختلاف، وبقية شرائط الاجتهاد المعروفة، وهذا يدعي اطلاعاً كثيراً على السنة، ومعرفة صحيحها من سقيمها، ومعرفة مذاهب الصحبة والتابعين والآثار المنقولة عنهم في ذلك، ولهذا كان الإمام أحمد يشدد أمر الفتيات، ويمنع منها من يحفظ مائة ألف حديث ومائتي ألف حديث وأكثر من ذلك، وعلامة صحة دعواه: أن يستقل بالكلام في المسائل كما استقل غيره من الأئمة، ولا يكون كلامه مأخوذاً من كلام غيره، فأما من اعتمد على مجرد نقل كلام غيره، إما حكماً أو حكماً ودليلاً: كان غاية جهده أن يفهمه، وربما لم يفهمه جيداً أو حرفه وغيره، فما أبعد هذا عن درجة الاجتهاد كما قيل: (فدع عنك الكتابة لست منها * ولو سودت وجهك بالمداد)،
[فإن قيل]: فما تقولون في نهي الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن تقليدهم وكتابة كلامهم، وقول الإمام أحمد: لا تكتب كلامي ولا كلام فلان وفلان، وتعلم كما تعلم كما تعلمنا، وهذا كثير موجود في كلامهم، (قيل): لا ريب أن الإمام أحمد- رضي الله عنه- كان ينهى عن آراء الفقهاء والاشتغال بها حفظاً وفهماً وكتابة ودراسة، وبكتاب آثار الصحابة والتابعين دون كلام من بعدهم ومعرفة صحة ذلك من سقمه والمأخوذ منه والقول الشاذ المطرح منه، ولا ريب أن هذا مما يتعين الاهتمام به والاشتغال بتعلمه أولاً قبل غيره، فمن عرف ذلك وبلغ النهاية من معرفته كما أشار إليه الإمام أحمد، فقد صار علمه قريباً من علم أحمد، فهذا لا حجر عليه ولا يتوجه الكلام فيه، إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية ولا ارتقى إلى هذه النهاية ولا فهم من هذا إلا النزر اليسير، كما هو حال أهل هذا الزمان، بل هو حال أكثر الناس منذ أزمان، مع دعوى كثير منهم الوصول إلى الغايات والانتهاء إلى النهايات وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات، وإذا أردت معرفة ذلك وتحقيقه، فانظر إلى النهايات وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات، وإذا أردت معرفة ذلك وتحقيقه، فانظر إلى علم الإمام أحمد – رضي الله عنه – بالكتاب والسنة، أما علمه بالكتاب: فإنه – رضي الله عنه – كان شديد العناية بالقرآن وفهمه وعلومه، وكان يقول لأصحابه: قد ترك الناس فهم القرآن، على وجه الذم لهم وقد جمع في القرآن من الكتب، من ذلك كتاب الناسخ والمنسوخ، والمقدم والمؤخر، وجمع التفسير الكبير، وهو محتوٍ على كلام الصحابة والتابعين واختص عن أقرانه من ذلك بأمور متعددة، ومنها سعة الحفظ وكثرته، وقد قيل: إنه كان يحفظ ثلاث مائه ألف حديث، ومنها: معرفة صحيحه من سقيمه: وذلك تارة بمعرفة الثقات من المجروحين، وإليه كانت نهاية في ذلك، وهذا وإن شاركه كثير من الحفاظ في معرفة علل الحديث المرفوعة، فلم يصل أحد منهم إلى معرفته بعلل الآثار الموقوفة، ومن تأمل كلامه في ذلك: رأي العجب، وجزم بأنه قل من وصل إلى فهمه في هذا العلم رضي الله عنه، ومنها: معرفة فقه الحديث وفهمه وحلاله وحرامه ومعانيه، وكان أعلم أقرانه بذلك كما شهد به الأئمة من أقرانه: كإسحاق، وأبي عبيد، وغيرهما، ومن تأمل كلامه في الفقه وفهم مأخذه ومداركه فيه، علم قوة فهمه واستنباطه، ولدقة كلامه في ذلك ن وربما صعب فهمه على كثير من أئمة أهل التصانيف ممن هو على مذهبه، فيعدلون عن مآخذه الدقيقة إلى مآخذ أخر ضعيفة يتلقونها عن غير أهل مذهبه، ويقع بسبب ذلك خلل كثير في فهم كلامه وحمله على غير محامله، ولا يحتاج الطالب لمذهبه إلا إلى إمعان وفهم كلامه، وقد رؤى من فهمه وعلمه ما يقضي منه العجب، وكيف لا ولم يكن مسألة سبق للصحابة والتابعين ومن بعدهم فيها كلام إلا وقد علمه وأحاط علمه به وفهم مأخذ تلك المسألة وفقهها، وكذلك كلام عامة فقهاء الأمصار وأئمة البلدان – كما يحيط به معرفته-كمالك، والأوازاعي، والثوري، وغيرهم، وقد عرض عليه عامة علم هؤلاء الأئمة وفتاويهم، فأجاب عنها وجماعة عرضوا عليه مسائل مالك وفتاويه من الموطأ وغيره، فأجاب عنها، وقد نقل ذلك عنه حنبل وغيره، وإسحاق بن منصور عرض عليه عامة مسائل الثوري، فأجاب عنها، وكان أولاً قد كتب كتب أصحاب أبي حنيفة وفهمها وفهم مآخذهم في الفقه ومداركهم، وكان قد ناظر الشافعي وجالسه مدة وأخذ عنه، وشهد له الشافعي – رضي الله عنه – تلك الشهادات العظيمة في الفقه والعلم، وأحمد مع هذا شاب لم يتكهل، ومعلوم أن من فهم علم هذه العلوم كلها برع فيها، فأسهل شيء عنده معرفة الحوادث والجواب عنها، على قياس تلك الأصول المضبوطة والمآخذ المعروفة، ومن هنا قال عنه أبو ثور: كان أحمد إذا سئل عن مسألة كأن علم الدنيا لوح بين عينيه، أو كما قال ولا نعلم سنة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد أحاط بها علماً، وكان أشد الناس اتباعاً للسنة إذا صحت ولم يعارضها معارض قوي، وإما ترك الأخذ بما لم يصح، وبما عارضه معارض قوي جداً، وكان السلف – رضي الله عنهم – لقرب عهدهم بزمن النبوة وكثرة ممارستهم كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم يعرفون الأحاديث الشاذة التي لم يعمل بها، ويطرحونها ويكتفون بالعمل بما مضى عليه السلف، ويعرفون من ذلك ما لم يعرفه من بعدهم، ممن لم تبلغه السنن إلا من كتب الحديث لطول العهد وبعده.
إذا فهمت هذا وعلمته: فهذه نصيحة لك أيها الطالب لمذهب هذا الإمام أؤديها إليك خالصة لوجه الله تعالى ؛ فإنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، إياك ثم إياك أن تحدث نفسك أنك قد اطلعت على ما لم يطلع عليه الإمام، ووصلت من الفهم إلى ما لم يصل إليه هذا الذي ظهر فضل فهمه على من بعده من أولي الإفهام، ولتكن همتك كلها مجموعة على فهم ما أشار إليه من الكتاب والسنة على الوجه الذي سبق شرحه، ثم بعد ذلك: ليكن همك في فهم كلام هذا الإمام في جميع مسائل العلم، لا مسائل الإسلام، أعني: مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والآخر، وهو العلم المسمى في اصطلاح كثير من العلماء بعلم السنة، فإن هذا الإمام كان غاية في هذا العلم، وقد امتحن بسبب مسائل منه وصبر لله على تلك المحنة، ورضي المسلمون كلهم بقوله الذي قاله ومقامه الذي قامة وشهدوا أنه إمام السنة وأنه لولاه لكفر الناس، فمن كانت هذه منزلته في علم السنة، كيف يحتاج إلى تلقي هذا العلم من الكلم أد من العلماء غيره، لاسيما لمن ينتسب إلى مذهبه، فليتمسك بكلامه في عامة هذا الباب، ويعرض عما أحدث من فضول المسائل التي أحدثت، وليس للمسلمين فيما أحدث حاجة ؛ بل تشغل عن العلم النافع، وتوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وتوجب كثرة الجدل والخصومات في الدنيا مما هو منهي عنه عند هذا الإمام وغيره من السلف الماضين، وكذلك علم الإحسان: وهو علم المراقبة والخشية، كان هذا الإمام فيه غاية كما كان في علم الإسلام والأيمان آية، لكن كان الغالب عليه في هذا العلم تحقيق الأعمال دون تزويق الأحوال ؛ فلذلك كان لا يطلق إلا المأثور عن السلف دون ما أخذته المتأخرون عن الخلف، ولقد كان – رضي الله عنه- في جميع علومه مستنداً بالسنة، لا يرى إطلاق مالم يطلقه السلف الصالح من الأقوال ولا سيما في علم الإيمان والإحسان،وأما علم الإسلام: فكان يجيب فيه عن الحوادث الواقعية مما لم يسبق فيها كلام ؛ للحاجة إلى ذلك، مع نهيه لأصحابه أن يتكلموا في مسائل ليس لهم فيها إمام، وإنما كان يجيب غالباً عما سبق الكلام فيه، وفيما يحتاج ولا بد لوقوع ومعرفة حكمه، فأما ما يولده الفقهاء من المسائل التي لا تقع أو لا تكاد تقع إلا نادراً، فكان ينتهي كثير عن الكلام فيها ؛ لأنه قليل الفائدة ويشتغل عما هو أهم منه مما يحتاج إلى معرفته، وكان- رضي الله عنه -: لا يرى كثرة الخصام والجدال، ولا توسعة لقيل أو لقال في شئٍ من العلوم والمعارف والأحوال، إنما يرى الاكتفاء في ذلك بالنسبة والآثار، ويحث على فهم معاني ذلك من غير إطالةٍ للقول والإكثار، ولم يترك توسعة الكلام بحمد الله عجزاً ولا جهلاً، ولكن ورعاً وفضلاً واكتفاء بالسنة فإن فيها كفاية، واقتداءً بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين فبالاقتداء بهم تحصل الهداية.
فإن أنت قبلت هذه النصيحة وسلكت الطريقة الصحيحة، فلتكن همتك: حفظ ألفاظ الكتاب والسنة، ثم الوقوف على معانيها بما قال سلف الأمة وأئمتها ن ثم حفظ ألفاظ الكتاب والسنة، ثم حفظ كلام الصحابة والتابعين وفتاويهم وكلامهم أئمة الأمصار، وعرفت كلام الإمام أحمد وضبطه بحروفه ومعانيه والاجتهاد على فهمه ومعرفته، وأنت إذا بلغت من هذه الغاية فلا تظن في نفسك أنك بلغت النهاية، وإنما أنت طالب متعلم من جملة الطلبة المتعلمين، ولو كنت بعد معرفتك ما عرفت موجودا في زمن الإمام أحمد، ما كنت حينئذ معدوداً من جملة الطالبين فإن حدثت نفسك بعد ذلك أنك قد انتهيت أو وصلت إلى ما وصل إليه السلف فبئس ما رأيت، وإياك ثم إياك: أن تترك حفظ هذه العلوم المشار إليها وضبط النصوص والآثار المعول عليها، تم تشغيل بكثير الخصام والجدال وكثرة القيل والقال وترجيح بعض الأقوال على بعض الأقوال مما استحسنه عقلك… ومن هاهنا يعلم: أن علم الإمام أحمد ومن سلك سلبيه من الأئمة أعلم علوم الأمة وأجلها وأعلاها، وأن فيه كفاية لمن هداه الله إلى الحق، ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور ” أهـ [رسالة الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة للحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي]
***
(المبحث الخامس) مدخل مختصر إلى الفقه الحنفي
[المفتاح الاول]: إمام المذهب: هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ؛ (ولد في الكوفة سنة 80هـ)، وأدرك زمن أربعة من الصحابة رضي الله عنهم لكنه لم يرهم على الصحيح ؛ وهم: أنس بن مالك بالبصرة، وعبدالله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولذا فهو معدود في طبقة أتباع التابعين، من أبرز شيوخه: حماد بن أبي سليمان ؛ انتهت إليه رياسة الفقه في العراق بعد إبراهيم النخعي ؛ وهو شيخه الأول لزمه نحو ثماني عشرة سنة ؛ وعطاء بن أبي رباح؛ وعكرمة مولى ابن عباس؛ ونافع مولى ابن عمر؛ وجعفر الصادق، ولما مات شيخه حماد سنة 119هـ، حل محله في التدريس والافتاء.
لقد برع أبو حنيفة في الفقه حتى غدا إماما فيه؛ وصار من بعده عيالاً عليه –كما قال الشافعي-وكان يتميز بدقة النظر وحسن الاعتبار والقياس،، قال ابن المبارك: أفقه الناس أبو حنيفة، كما كان كثير العبادة صوّاماً قوّاماً ورعاً زاهداً؛ وكان فطناً ذكياً قوي الحجة، أريد على قضاء الكوفة زمن الأمويين فأبى وامتُحن في ذلك حتى جُلد أكثر من مئة سوطه؛ فلما رأى الوالي إصراره خلّى سبيله، وأراده المنصور فأبى فحبسه ثم أطلقه،، أخذ الإمام أبو حنيفة الفقه عن شيخه حماد بن أبي سليمان الذي لازمه نحواً من ثماني عشرة سنة، وقد أخذ حماد العلم عن إبراهيم النخعي والشعبي اللذين نقلا فقه شريح القاضي، وعلقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع الذين تلقوا العلم عن عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وقد أخذ العلم عن أبي حنيفة خلق كثيرون، ربما بلغ عددهم أربعة آلاف شخص، (توفى سنة 150هـ) رحمه الله رحمة واسعة.
ثناء العلماء عليه: سئل يزيد بن هارون: أيهما أفقه الثوري أو أبو حنيفة؟ قال: أبو حنيفة أفقه، وسفيان أحفظ للحديث، وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وقال يحيى بن معين: هو ثقة ما سمعت أحداً ضعفه، وقال علي بن المديني: أبو حنيفة ثقة لا بأس به، جاء في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله: ” أبو حنيفة الإمام الأعظم فقيه العراق النعمان بن ثابت… كان إماما ورعا عالما عاملا متعبدا كبير الشأن لا يقبل جوائز السلطان بل يتجر ويتكسب قال ضرار بن صرد سئل يزيد بن هارون أيما أفقه الثوري أو أبو حنيفة فقال أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث وقال بن المبارك أبو حنيفة أفقه الناس وقال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة وقال يزيد ما رأيت أحد أورع ولا أعقل من أبي حنيفة ” أهـ، ([45]) .
وجاء في طبقات الحفاظ في ترجمته رحمه الله: ” وقال ابن معين كان ثقة لا يحدث من الحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظه، وقال ابن المبارك ما رأيت في الفقه مثله، وقال مكي بن إبراهيم كان أعلم أهل زمانه وما رأيت في الكوفيين أورع منه،وقال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة ” أهـ ([46]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: ” وقال يحيى بن معين: كان ثقة، وكان من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضياً، وقد كان يحيى بن سعيد يختار قوله في الفتوى، وكان يحيى يقول: لا نكذب الله ! ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله، وقال عبد الله بن المبارك: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس، وقال الشافعي: من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، وقال عبد الله بن داود الحريبي: ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة، لحفظه الفقه والسنن عليهم، وقال سفيان الثوري وابن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه، وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل، وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض، وروى الخطيب بسنده، عن أسد بن عمرو: أن أبا حنيفة كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه، ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة – أعني: سنة خمسين ومائة -، وعن ابن معين: سنة إحدى وخمسين، وقال غيره: سنة ثلاث وخمسين، والصحيح الأول، وكان مولده في سنة ثمانين فتم له من العمر سبعون سنة، وصلي عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك رحمه الله ” أهـ ([47]) .
[المفتاح الثاني]: الإمام الأعظم أبو حنيفة: يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه حتى قال عنه الإمام الشافعي:(الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه)، وأبو حنيفة -رحمه الله- ضرب مثلا عظيما في العلم بكتاب الله تعالى وسعة الاطلاع على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تتلمذ على كبار أئمة التابعين، فهضم علمهم، واستوعب فقههم، ووضع أصولا لمنهجه، وقد حدَّد رحمه الله تعالى بنفسه مصادر فقهه ومنهجه في الإفتاء بقوله: (آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول مَن شئتُ منهم، وأَدَعُ مَن شئتُ منهم، ولا أَخْرُج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا ما انتهى الأمر، أو جاء إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب،، فقومٌ اجتهدوا، فأَجْتَهِدُ كما اجتهدوا) ([48]) .
وقد تميَّز رحمه الله بطريقة خاصة في استنباط الأحكام التي لا تقف عند ظاهر النصوص، بل تغوص إلى المعاني التي تُشير إليها، وتتعمَّق في مقاصدها وغاياتها، كما أنه لا يعني اشتهار الإمام أبي حنيفة بالقول بالرأي والإكثار من القياس أنه يُهْمِل الأخذ بالأحاديث والآثار، أو أنه قليل البضاعة فيها، بل كان يشترط في قَبُول الحديث شروطًا متشدِّدة، مُبَالَغَة في التحرِّي والضبط، والتأكُّد من صحَّة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التشدُّد في قَبول الحديث هو ما حمله على التوسُّع في تفسير ما صحَّ عنده منها، والإكثار من القياس عليها، حتى يُوَاجه النوازل والمشكلات المتجدِّدة.
[المفتاح الثالث]: أبرز تلامذته: القاضي أبو يوسف (ت183هـ)؛ ومحمد بن الحسن الشيباني (ت198هـ)؛ وزفر بن الهذيل، أما أبو يوسف فهو الصاحب الأول؛ وهو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي ولد عام 113هـ، وتوفي عام 182هـ،، كان إماما مجتهداً، حفظ أقوال أبي حنيفة من خلال كتبه التي بث فيها أقوال شيخه؛ ككتاب: الآثار؛ والخراج، كما كان لتولّيه رياسة القضاء أثر كبير في انتشار مذهب أبي حنيفة، وأما محمد بن الحسن، فهو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني ولد بواسط ونشأ بالكوفة وكان مولده عام 132هـ وتوفي عام 187هـ، انتقل إلى بغداد وحضر مجلس أبي حنيفة، وتتلمذ على أبي يوسف، ورحل إلى المدينة، ودرس على مالك ثلاث سنين، وروى عنه الموطأ، وأخذ عن الثوري والأوزاعي، ولقي الشافعي –رحمه الله- محمد بن الحسن ببغداد، وقرأ كتبه، وناظره في كثير من المسائل وقال عنه الشافعي: (أنه كان يملأ العين والقلب) وقال: (ما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله من محمد كأنه عليه نزل)، وكتب الإمام محمد بن الحسن هي المراجع الأصيلة لمذهب الحنفية؛ ولذا اعتنى بها الأتباع شرحاً وتعليقاً؛ ومن أبرزها كتب ظاهر الرواية الستة: الأصل والجامع الكبير والجامع الصغير والزيادات والسير الكبير والسير الصغير، وأما زفر بن الهذيل فهو زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي ولد سنة 110هـ- وتوفي سنة 158هـ، كان من أهل الحديث، ثم غلب عليه الرأي لصلته بإمامه أبي حنيفة، وكان أقيس أصحابه، ولذلك قالوا: إن أبا يوسف أتبع أصحاب أبي حنيفة للحديث ومحمد أكثرهم تفريعاً، وزفر أقيسهم، توفي بالبصرة، ولم يكن في بيته يوم وفاته ما يقدر بثلاثة دراهم، وذلك لزهده رحمه الله.
[المفتاح الرابع]: أهم أصول المذهب الحنفي: (1) القرآن الكريم، (2) السنة النبوية، وكان يتشدد في قبولها لقلة الحديث في بلده وكثرة الوضع، وليس صحيحاً ما نُسب إليه من ردّه للسنة؛ كيف وهو القائل: إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أخذنا به ولم نحل إلى غيره، (3) إجماع الصحابة رضي الله عنهم ؛ (4) فإن اختلفوا تخيّر بين أقوالهم ولم يخرج عنها، ومن أصوله: (5) القياس، وقد توسع فيه بما آتاه الله تعالى من ملكة عجيبة في القياس، حتى قال الناس أبو حنيفة أفقه الناس، والناس عيال على أبي حنيفة في الفقه، (6) الاستحسان: وهو عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي لدليل خاص يراه الأحناف أحسن في حق أحكام الشريعة، وهذا هو الاستحسان الذي قال به الأحناف، وأما معارضة الشافعي للاستحسان، فهو محمول على الاستحسان بمجرد التشهي والعقل المجرد دون استناد إلى شيء من أدلة الشريعة المعتبرة، وهذا لا يقول به عامة الأحناف، وبالتالي فإن الخلاف في الاستحسان بين الحنفية والشافعية لفظي فقط، وذلك أن الاستحسان إن كان معناه ترك القواعد العامة في الشريعة للهوى فهو مردود عند كليهما من غير خلاف، وإن كان معناه ترك القواعد العامة لنصوص القرآن الكريم و السنة الشريفة والإجماع فذلك محط اتفاق بينهما، وأمّا المالكية والحنابلة فلم يقولوا بالاستحسان تحت هذا الاسم الخاص به، وإن كانوا يعملون به في تفريعاتهم للأحكام تحت أسماء أخرى، (7) العرف.
[المفتاح الخامس]: يقسم الحنفية مسائل الفقه إلى ثلاثة أقسام:
(1) الأصول، وهي المسائل التي تسمى: ظاهر الرواية، وهي ما روي عن أبي حنيفة أو أحد أصحابه في كتب ظاهر الرواية التي صنفها محمد بن الحسن.
(2) النوادر، وهي المسائل التي رويت عن الإمام وأصحابه في غير كتب ظاهر الرواية.
(3) الفتاوى، وهي المسائل التي لم يرد فيها رواية عن الإمام أو أصحابه؛ وقد أفتى فيها مجتهدو الحنفية تخريجاً على مذهبهم، ويصطلح الحنفية في ترتيب كتبهم على البدء بالعبادات ثم المناكحات ثم المعاملات ثم الدعاوى والبينات والقضاء ثم العقوبات ثم الفرائض.
[المفتاح السادس]: أبرز التسميات والألقاب: الإمام الأعظم: أبو حنيفة، الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، الشيخان: أبو حنيفة وأبو يوسف، الطرفان: أبو حنيفة ومحمد، الصاحبان: أبو يوسف ومحمد، شمس الأئمة: السرخسي صاحب المبسوط،وهذا عند الإطلاق، وقد يقيّد فيراد به: الحلواني (ت456هـ) والكردري (ت642هـ)، الصدر الكبير؛ أو برهان الدين الكبير؛ أو برهان الأئمة: عبدالعزيز بن عمر بن مازه (تلميذ السرخسي)، الحاكم الشهيد: محمد بن محمد المروزي البلخي (ت630هـ)، الحسام الشهيد؛ أو الصدر الشهيد: عمر بن الصدر الكبير عبدالعزيز بن مازه (ت536هـ)، صدر الشريعة الأكبر أو الأول: أحمد بن جمال الدين المحبوبي؛ والد تاج الشريعة، صدر الشريعة الأصغر أو الثاني: عبيدالله بن مسعود بن تاج الشريعة محمود (ت747هـ) وإذا أُطلق اللقب فهو المراد، تاج الشريعة: محمود بن أحمد المحبوبي (ت673هـ).
[المفتاح السابع]: أبرز كتب الحنفية: المبسوط، للسرخسي (ت483هـ)، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ؛ للكاساني (ت587هـ)؛ وهو أجودها ترتيباً، والهداية، للمرغيناني (593هـ)، وفتح القدير شرح الهداية، للكمال ابن الهمام (ت861هـ)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم الحنفي (ت970هـ)، ورد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)،لمحمد أمين ابن عابدين(ت1252هـ)، ومن كتبهم في غريب الاصطلاحات: طِلْبة الطَّلَبة، للنسفي (ت537هـ)، والمغرب في ترتيب المعرب، للمُطَرِّزي (ت610هـ)، وأنيس الفقهاء، للقونوي (ت978هـ)، ومن كتب تراجمهم: الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لابن أبي الوفاء (ت775هـ)، والطبقات السنية في تراجم الحنفية، لتقي الدين الغزي (ت1005هـ)، وهو أوسعها، والفوائد البهية في تراجم الحنفية، لأبي الحسنات اللكنوي الهندي (ت1304هـ).
انتشاره: انتشر المذهب الحنفي في تركيا ومصر وبعض بلاد الشام وشبه القارة الهندية (الهند والباكستان وبنغلادش)، وبلاد ما وراء النهر (الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى).
[المفتاح الثامن]: [منهجية مقترحة لدراسة الفقه على المذهب الحنفي]
(أولاً): أهم مؤلفات الفقه على المذهب الحنفي:
(1) (الهداية): لبرهان الدين علي بن أبي بكر الميرغيناني، وهو شرح لبداية المبتدئ له أيضا، جمع فيه بين كلام محمد بن الحسن في (الجامع الصغير) وبين مختصر القدوري، ويعتبر كتاب (الهداية) من أهم كتب الفقه الحنفي، وله شروح عديدة، ولأهميته خرّج جمال الدين الزيلعي أحاديثه في (نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)، ومن أهم شروح الهداية: (أ) فتح القدير لكمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام، ولم يكمله رحمه الله حيث وصل إلى باب الوكالة، فأكمله شمس الدين أحمد بن قودر المعروف بقاضي زاده في كتاب نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار، (ب) شرح العناية على الهداية لمحمد بن محمود البابرتي، (ت) حاشية سعد الله بن عيسى الشهير بسعدي جلبي وبسعدي أفندي، (ث) البناية في شرح الهداية لبدر الدين العيني.
(2) (مختصر القدوري): لأبي الحسين أحمد بن محمد بن أحمد القدوري، وإذا اطلق الكتاب في المذهب الحنفي فالمقصود به مختصر القدوري، ومن أهم شروحه: (أ) الجوهرة النيرة لأبي بكر بن علي المعروف بالحدادي العبادي، (ب) اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني بن طالب بن حمادة الغنيمي.
(3) (كنز الدقائق): لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، ومن أهم شروحه: (أ) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لفخر الدين عثمان بن علي الزيلعي، (ب) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لزين الدين بن إبراهيم بن محمد الشهير بابن نجيم، وصل إلى باب الإجارة، وأكمله محمد بن حسين بن علي الطوري القادري، (ت) رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق لأبي محمد محمود بن أحمد العيني.
(4) (المختار للفتوى): لأبي الفضل عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي 0 شرحه المؤلف في كتاب (الاختيار لتعليل المختار).
(5) (الكافي) للحاكم الشهيد جمع فيه كتب ظاهر الرواية لمحمد بن الحسن وهي: المبسوط – الزيادات – الجامع الصغير – الجامع الكبير – السير الصغير – السير الكبير، وشرح أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي كتاب الكافي في كتاب: المبسوط.
(6) (تحفة الفقهاء): لعلاء الدين السمرقندي، بناه على مختصر القدوري، وشرحه أبو بكر بن مسعود الكاساني في كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ويلاحظ أنه لم يشرح متنه لفظا، بل رتب الكتاب على مسائله.
(7) (مختصر الطحاوي): لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، وشرحه أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي في كتاب: شرح مختصر الطحاوي.
(8) (تنوير الأبصار) للتمرتاشي، شرحه الحصكفي في كتاب: الدر المختار، ثم شرح الدر المختار محمد أمين بن عمر بن عابدين في كتاب: رد المحتار على الدر المختار المشهور بحاشية ابن عابدين، ويعتبر كتاب (رد المحتار) من أهم كتب متأخري الأحناف.
(9) (مجمع البحرين وملتقى النيرين): لأحمد بن علي بن تغلب بن أبي الضياء الساعاتي البعلبكي، جمع فيه بين مختصر القدوري ومنظومة النسفي في الخلاف مع زوائد، وقد شرحه المؤلف نفسه.
(10) كتاب (المبسـوط): للسَّرَخْسِي (شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل) 483 هـ، وهو شــرح لكتـاب (الكافــي) للحاكــم الشهــيد أبي الفضـل المـروزي الحنفي 334 هـ، ويعتبر كتاب (الكافي) هذا ملخصاً لكتب ظاهر الرواية الستة لمحمد بن الحسن الشيباني 189هـ، والتي هي أساس المذهب الحنفي.
(11) (الفتاوى الهندية العالمكيرية): لجماعة من علماء الهند الأحناف.
(ثانياً): اقتراحات لدراسة المذهب الحنفي: المرحلة الابتدائية
(مرحلة حفظ المتون): اعتمد فقهاء المذهب الحنفي على أربعة متون تعتبر أفضل مختصر للمبتدئين يمكنهم أن يحفظوه و يتخذوه أصلا يبنون عليه تفريعهم الفقهي في هذه المدرسة الفقهية، (المتن الأول): (الكتاب) وهو (مختصر القدوري) (ت 428 هـ)، وهو متن سهل العبارة جدا، ويعد أكثر متون المذهب الحنفي تداولا واشتهارا، ويعد كذلك أحسنها وأكملها، ويعرف هذا المتن بـ (الكتاب) فإذا أطلق (الكتاب) لدى الأحناف، فينصرف إلى هذا المختصر، (المتن الثاني): (المختار للفتوى للموصلي ـ 683 هـ)، وهو متن يتميز باختصاره وسهولته، (المتن الثالث): (كنز الدقائق للنسفي ـ 710 هـ)، وهو يلي مختصر القدوري في الشهرة و التداول، وهو متن مختصر جدا للنسفي، قصره على ذكر ما عمّ وقوعه وكثر وجوده وتتوفر عائدته كما ذكر ذلك النسفي في مقدمته، المتن الرابع: (الوقاية لمحمود المحبوبي ـ 673 ه) وهو مختصر من (الهداية) الذي هو شرح البداية، كلاهما للمرغيناني، وكتاب الهداية يعد من أكثر الكتب الحنفية اعتمادا لدى متأخري الحنفية.
المرحلة المتوسطة: (مرحلة استيعاب شروح المتون): من حفظ متن اللباب فعليه بأفضل شرح له وهو (اللباب شرح الكتاب) لعبد الغني الميداني، ومن حفظ متن المختار فعليه بشرحه لنفس مؤلفه الفتوى للموصلي ـ 683 هـ: (الاختيار لتعليل المختار)، وهو شرح في غاية من الروعة و الدقة .
المرحلة المتقدمة: (مرحلة استيعاب المذهب): عندما يتقن طالب الفقه الحنفي متنا من هذه المتون الأربعة بشرح وافي كاف لها، فهو على قدر من فقه الأحناف عظيم، وعليه دراسة كتاب (الهداية شرح البداية) للمرغيناني، ثم شرحها (فتح القدير) لابن الهمام الحنفي، فمن حفظ المتن وفهم شرحه ثم استوعب الهداية والفتح يكون بذلك مستوعبا لفروع المذهب الحنفي إجمالا، ثم لا يمكن لطالب الفقه الحنفي بحال أن يكون في غنى عن حاشية: (رد المحتار على الدر المختار) و المشتهرة بـ (حاشية ابن عابدين) للإمام المحقق محمد أمين بن عمر عابدين، إذ هي المعتمد الأول لدى الحنفية في الفتوى، و عليه فتاوى كافة المتأخرين، فلا يمكن نسب فتوى حنفية واعتمادها دون مراجعة هذه الحاشية، وتوثيق الاعتماد منها.
(ثالثاً) يتحتم على طالب الفقه بعد ذلك، أن يدرس مدخلاً إلى الفقه الحنفي، مثل مدخل إلى فقه الحنفية للدكتور عبد الحسيب عبد السلام رضوان، وأن يدرس في علم أصول الفقه على مذهب الأحناف ككتاب (الفصول في الأصول) للإمام أبي بكر الجصاص، 370هـ أو كتاب (منار الأنوار في أصول الفقه) للإمام النسفي، ت 701هـ، أو كتاب (كشف الأسرار في شرح المنار) للإمام النسفي نفسه، أو كتاب: (أصول الفقه) لمحمود بن زيد أبو الثناء اللاماشي الحنفي.
(رابعاً) وأن يدرس كذلك كتابا في القواعد الفقهية على المذهب الحنفي مثل كتاب: تأسيس النظر، للدبوسي الحنفي، أو كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم، شرحه الحموي في كتاب: غمز عيون البصائر، ومجلة الأحكام العدلية، وبها قواعد فقهية على المذهب الحنفي، وكتاب (شرح القواعد الفقهية) للشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا، فهو شرح قوي متين مظهر لمناطات الفروع بالأصول الكلية و الضوابط المرعية في شرع الإسلام).
(خامسا) أن يدرس كتابا في تراجم السادة الأحناف مثل: كتاب الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لابن أبي الوفاء الحنفي، وكتاب الفوائد البهية في تراجم الحنفية، لأبي الحسنات اللكنوي، وكتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية، لتقي الدين الغزي.
***
(المبحث السادس) مدخل مختصر إلى الفقه المالكي
[المفتاح الاول]: إمام المذهب: هو إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي الحميري، ولد بالمدينة سنة 93هـ، وكان جده أبو عامر صحابياً قدم من اليمن إلى المدينة بعد غزوة بدر؛ وشهد المغازي كلها، وأما جده القريب مالك فمعدود في كبار التابعين ؛ هو إمام أهل الحديث وإمام أهل الفقه، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي، فكان آية في الفقه والعلم، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة)) ([49]) . وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يضرب الرجل أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجد عالماً أعلم من عالم المدينة)) ([50]) .
قال إسحاق بن موسى: “فبلغني عن ابن جريج أنه كان يقول: نرى أنه مالك بن أنس”، وقال يحيى بن معين: ” سمعت سفيان بن عيينة يقول: نظن أنه مالك بن أنس” ([51]) .
[المفتاح الثاني]: نشأ الإمام مالك بالمدينة في بيت علم وصلاح؛ فحفظ القرآن صغيراً ثم اتحه إلى الحديث ومجالس العلماء حيث كان يغتنم وفرة العلم وأهله في المدينة؛ وكان لذلك أثر كبير في عنايته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وفتاوى الصحابة وكبار التابعين؛ وقد أخذ العلم عن جمٍّ غفير من علماء المدينة؛ أبرزهم: ربيعة بن أبي عبدالرحمن (ربيعة الرأي) وهو شيخه في الفقه؛ ومحمد بن شهاب الزهري؛ وجعفر الصادق؛ ونافع مولى ابن عمر؛ وأبو الزناد الأموي عبدالله بن ذكوان، وقد تصدى للتدريس ولم يجاوز السابعة عشرة؛ رغم أنه قال: ما جلست للفتيا والحديث حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني مرضاة لذلك،، وهذا يعني أنه تأهل للعلم والفتوى في سن مبكرة، وقد ذاع صيته وطبّقت شهرته الآفاق حتى ضُربت له أكباد الإبل؛ وبقي يعلّم الناس نحواً من سبعين عاماً؛ حتى قال بعضهم: إنه يصدق عليه الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم؛ لا يجدون عالماً أعلم من عالم أهل المدينة))، واتفقوا على إمامته وجلالته ودينه وورعه وشدة تمسكه بالسنة، قال الشافعي: مالك حجة الله على خلقه، وقال حماد بن سلمة: لو قيل لي اختر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إماماً يأخذون عنه العلم لرأيت مالكاً لذلك موضعاً وأهلاً، وقد أجمع أشياخه وأقرانه وتلاميذه ومن بعدهم على أنه إمام في الحديث؛ قال البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، ثم مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه، ثم مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ألف (الموطأ) الشهير بناء على رأي أبي جعفر المنصور؛ وقد أقام في تأليفه وتهذيبه أكثر من أربعين عاماً؛ وكان أكبر مما هو عليه الآن؛ لكنه كان يختصره ويهذبه في كل مرة حتى وصل إلى ما وصل إليه، وقد امتُحن سنة 147هـ وضُرب بالسياط وانفكت ذراعه وحُبس؛ وبقي مريضاً بسلس البول حتى وفاته، روى عنه من أشياخه: ابن شهاب الزهري ؛ وربيعة الرأي؛ وموسى بن عقبة إمام المغازي، ومن أقرانه: سفيان الثوري؛ والأوزاعي؛ والليث بن سعد، ومن تلاميذه: الشافعي؛ وابن المبارك؛ ومحمد بن الحسن، ومن خواص تلاميذه في الفقه: عبدالرحمن بن القاسم الذي صحبه عشرين عاماً وهو صاحب المدونة التي انتفع بها المالكية وأخذوا عنها مذهبهم رواها عنه سحنون؛ وعبدالله بن وهب؛ وأشهب بن عبدالعزيز، وقد أقام مالك بالمدينة ولم يرحل عنها إلى بلد آخر؛ ولذا كان معظم حديثه من رواية أئمة الحجاز ومحدثيه، وكانت وفاته بها سنة 179هـ، رحمه الله رحمة واسعة.
[المفتاح الثالث]: ثناء العلماء عليه: أثنى عليه كثيرٌ من العلماء منهم الإمام الشافعي بقوله: ” إذا ذُكر العلماء فمالك النجم، ومالك حجة الله على خلقه بعد التابعين”، ويُعدُّ كتابه “الموطأ” من أوائل كتب الحديث النبوي وأشهرها وأصحِّها، حتى قال فيه الإمام الشافعي: ” ما بعد كتاب الله تعالى كتابٌ أكثرُ صواباً من موطأ مالك”، وكان هذا قبل أن يكتب البخاري ومسلم صحيحيهما، ولمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم، جاء في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإمام مالك بن أنس رحمه الله: ” مالك بن أنس الإمام الحافظ فقيه الأمة شيخ الإسلام أبو عبد الله الأصبحي المدني الفقيه إمام دار الهجرة،، قال عبد الله بن أحمد قلت لأبي من أثبت أصحاب الزهري قال مالك أثبت في كل شيء وقال عبد الرزاق في حديث ((يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة)) فكنا نرى أنه مالك وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدم على مالك أحدا وقال الشافعي إذا ذكر العلماء فمالك النجم قال بن مهدي مالك أفقه من الحكم وحماد وقال الشافعي لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز وقال بن وهب لولا مالك والليث لضللنا وقال شعبة قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة فإذا لمالك حلقة قال أبو مصعب سمعت مالكا يقول ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك،، وقال الشافعي ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من موطأ مالك ” أهـ ([52]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: والإمام مالك هو أشهرهم وهو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة… إمام دار الهجرة في زمانه، روى مالك عن: غير واحد من التابعين، وحدث عنه خلق من الأئمة، منهم: السفيانان، وشعبة، وابن المبارك، والأوزاعي، وابن مهدي، وابن جريج، والليث، والشافعي، والزهري شيخه، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو شيخه، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وقال سفيان بن عيينة: ما كان أشد انتقاده للرجال،وقال يحيى بن معين: كل من روى عن مالك فهو ثقة، إلا أبا أمية، وقال غير واحد: هو أثبت أصحاب نافع والزهري، وقال الشافعي: إذا جاء الحديث فمالك النجم وقال: من أراد الحديث فهو عيال على مالك، ومناقبه كثيرة جداً، وثناء الأئمة عليه أكثر من أن يحصر في هذا المكان، قال أبو مصعب: سمعت مالكاً، يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك،، وقد روى الترمذي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ((يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة))،ثم قال: هذا حديث حسن،وقد روي عن ابن عيينة، أنه قال: هو مالك بن أنس، وكذا قال عبد الرزاق ” أهـ ([53]) .
[المفتاح الرابع]: أهم أصول المذهب المالكي: (1) القرآن الكريم، (2) السنة، وكان يقبل المرسل إذا كان رجاله ثقات، ولذا كثرت المراسيل والبلاغات عنده، (3) الإجماع، (4) القياس؛ (5) عمل أهل المدينة؛ (6) المصالح المرسلة ؛ (7) سد الذرائع، ويصطلح المالكية في ترتيب أبواب الفقه على الطريقة الآتية: العبادات؛ ثم النكاح؛ ثم البيوع؛ ثم القضاء والدعواى؛ ثم الجنايات؛ ثم الفرائض؛ ثم جامع الأخلاق والآداب.
[المفتاح الخامس]: أبرز كتب المالكية:
(1) الموطأ، للإمام مالك، وله روايات؛ أشهرها ثلاث: رواية محمد بن الحسن الشيباني، ورواية يحيى بن يحيى الليثي (ت234هـ)؛ وهي أكثرها انتشاراً، ورواية أبي مصعب الزبيري (ت184هـ)، ومن أبرز شروح الموطأ: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد؛ لأبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي (ت463هـ)؛ وقد غلبت عليه الدراسة الحديثية؛ ولذا اقتصر فيه على دراسة الأحاديث والآثار واتصالها وانقطاعها؛ ورتبه على ترتيب المسانيد، والاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار؛ لابن عبدالبر (ت463هـ)؛ وقد غلبت عليه الدراسة الفقهية والمقارنة بالمذاهب الأخرى؛ واعتنى فيه بدراسة أقوال مالك وآثاره؛ ورتّبه على ترتيب الموطأ نفسه، والمنتقى؛ لأبي الوليد الباجي (ت474هـ)؛ والقبس في شرح موطأ مالك بن أنس؛ لابن العربي (ت543هـ)
(2) المدونة الكبرى؛ لسحنون (ت240هـ)
(3) رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ) وعليها شروح كثيرة؛ منها: كفاية الطالب الرباني للمنوفي (ت739هـ) وعليه حاشية للعدوي (ت1119هـ)، والفواكه الدواني؛ للنفراوي (ت1120هـ)
(4) بداية المجتهد ونهاية المقتصد؛ لابن رشد الحفيد (ت595هـ).
(5) الذخيرة؛ للقرافي (ت684هـ).
(6) مختصر خليل؛ لخليل بن إسحاق (ت 767هـ) وعليه شروح كثيرة جداً؛ أهمها: التاج والإكليل؛ للمواق (ت897هـ)، ومواهب الجليل، للحطاب الرعيني (ت954هـ)، وشرح الزرقاني؛ لعبدالباقي الزرقاني (ت1099هـ)، وشرح الخرشي؛ للخرشي (ت1101هـ)؛ وعليه حاشية للعدوي (ت1119هـ)، والشرح الكبير للدردير (ت1201هـ)؛ وعليه حاشية للدسوقي (ت1230هـ)، ومن كتبهم في الغريب: مشارق الأنوار؛ للقاضي عياض (ت544هـ)، وغريب ألفاظ المدونة؛ للجبّي،، ومن كتبهم في تراجمهم: الديباج المُذهب في معرفة أعيان علماء المذهب؛ لابن فرحون (ت799هـ)، وترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك؛ للقاضي عياض، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية؛ لمحمد محمد مخلوف (ت1360هـ).
[المفتاح السادس]: أبرز التسميات والألقاب: (المدنيون): ابن الماجشون؛ وابن نافع؛ وابن مسلم؛ ونظراؤهم من أهل المدينة، (المصريون): ابن القاسم؛ وأشهب؛ وأصبغ؛ وابن وهب؛ وابن عبد الحكم، (العراقيون): ابن القصار؛ وابن الجلاب؛ والقاضي عبدالوهاب، (المغاربة): ابن أبي زيد القيرواني؛ والباجي؛ وابن العربي؛ وابن عبد البر، (الأخَوَان): ابن الماجشون ومطرف، (القرينان): أشهب وابن نافع، (القاضيان): عبدالوهاب وابن القصار، (المحمدان): ابن المواز وابن سحنون، واهم مواطن انتشار المذهب المالكي: مصر والحجاز وشمال أفريقياً والمغرب الأقصى.
[المفتاح السابع]: [منهجية مقترحة لدراسة الفقه على المذهب المذهب المالكي]:
(أولاً) أهم مؤلفات الفقه على المذهب المالكي:
(1) (الرسالة): لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن القيرواني، ومن شروحها: (أ) كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، لأبي الحسن علي بن محمد المنوفي المصري، وعليه حاشية علي الصعيدي العدوي، (ب) تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة، لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي، (ت) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، لأحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النفرواي، (ث) الثمر الداني في تقريب المعاني لرسالة ابن زيد القيرواني، لصالح بن عبد السميع الأبي الأزهري.
(2) (مختصر خليل) وهو العلامة ضياء الدين خليل بن إسحاق بن موسى المالكي 776هـ، وهو أهم مـتـون متأخــري المالكيــة، وهو اختصار (لمختصــر أبي عمرو ابن الحاجـب 646 هـ) الــذي هو اختصـار (لمختصر أبي سعيد البراذعي 430 هـ) الذي هو مختصر (رسالة ابن أبي زيد القيرواني 386 هـ) التي هى مختصر (مدونة مالك)، وتعتبر شروح (مختصر خليل) أهم مراجع الفقه المالكي الآن، ومن شروحه: (أ) مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المعروف بالحطاب، (ب) التاج والإكليل لمختصر خليل، لأبي عبد الله محمد بن يوسف الشهير بالمواق، (ت) شرح الخرشي، لأبي عبد الله محمد بن عبد اله بن علي الخرشي، ومطبوع معه (حاشية العدوي) وهو علي بن أحمد الصعيدي 1189هـ، (ث) الشرح الكبير، لأبي البركات أحمد بن محمد الدردير، وعليه حاشية الدسوقي لشمس الدين محمد بن عرفة الدسوقي، (ج) منح الجليل على مختصر سيدي خليل، لمحمد بن أحمد بن محمد الملقب بعليش، (ح) جواهر الإكليل على مختصر الإمام خليل، لصالح بن عبد السميع الأبي الأزهري، (خ) شــرح الزرقــاني على مختصـر خليـل) لعبـدالبــاقي بن يوسـف الزرقاني 1099 ه ومطبوع معه (حاشية البناني) وهو عبدالرحمن بن جاد الله البناني المغربي المالكي 1198هـ.
ومن أهم كتب المذهب المالكي أيضاً: (أ) كتاب (المــدونة الكـبرى) للإمام مالك بن أنس 179هـ، برواية عبدالسلام بن سعيد التنوخي المعروف بسحنون 240هـ، عن عبدالرحمن بن القاسم 191هـ، عن الإمام مالك، (ت) كتب أبي عمر ابن عبد البر 463هـ، وهى ثلاثة: الأول: (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي)، والثاني: كتاب (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)، والثالث: كتاب (الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار)، (ث) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لمحمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي (ابن رشد الحفيد)، (ج) الذخيرة لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، جمع فيه بين كتب: المدونة والتلقين والتفريع لابن جلاب والرسالة والجواهر الثمينة لابن شاش، (ح) المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد سليمان بن خلف بن سعد الباجي، (خ) بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، لأحمد بن محمد الصاوي، وهو على الشرح الصغير للدردير.
(ثانياً): مراحل تحصيل المذهب المالكي:
المرحلة الابتدائية: (مرحلة حفظ المتون):
اعتمد فقهاء المذهب المالكي على متون تعتبر أفضل المختصرات للمبتدئين يمكنهم أن يحفظوها و يتخذوها أصلا يبنون عليها تفريعهم الفقهي في هذه المدرسة الفقهية العريقة، ومن هذه المتون، (متن الأخضري) ويشمل فقه الطهارة والصلاة، و(متن العشماوية) ويشمل فقه الطهارة والصلاة والصيام، و(متن ابن عاشر) المسمى بالمرشد المعين على الضروري من الدين ويشمل فقه العبادات (الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج)، ومختصر (إرْشَادُ السَّالِك إلىَ أَشرَفِ المَسَالِكِ) ويشمل جميع أبواب الفقه، و (مختصر خليل)، ويشمل جميع أبواب الفقه، وفي هذه المرحلة: يبدأ الطالب (متن الأخضري) ومعه شرحه المسمى (هداية المتعبد السالك) للعلامة صالح عبد السميع الآبي، وعليه شرح آخر بالدليل يسمى: (حل المسائل في شرح مختصر الأخضري بالدلائل) لسعد بن عمر بن سعيد، وبعد ضبط المتن جيدا و فهمه مع الشرح، ينتقل إلى: (متن العشماوية) لعبد الرحمن العشماوي المصري، و عليه بشرح العلامة الآبي المسمى (الدرر السنية في شرح العشماوية)، فإن ضبط المتن مع الشرح جيدا، انتقل لشرح العلامة المحقق عبد العزيز بن الصديق الغماري المسمى (إتحاف ذوي الهمم العالية بشرح العشماوية) وهو شرح بالدليل، فإن ضبطه و ضبط أدلته جيدا، انتقل إلى: (متن ابن عاشر) المسمى ب (المرشد المعين على الضروري من الدين) ويشمل فقه العبادات (الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج)، ثم مختصر (إرْشَادُ السَّالِك إلىَ أَشرَفِ المَسَالِكِ) ويشمل جميع أبواب الفقه على المذهب المالكي.
المرحلة الثانية: (مرحلة استيعاب شروح المتون):
وفي هذه المرحلة: يدرس (المرشد المعين) للعلامة ابن عاشر الأندلسي-رحمه الله-بشرح العلامة محمد ميارة -تلميذه-، و إن أراد تثبيت المسائل فعليه بـــــــ (شرح المرشد المعين) للأستاذ أحمد الطهطاوي، وهو لا يذكر إلا مشهور المذهب، ثم (بمختصر عمدة السالك على مذهب مالك) بشرح العلامة الآبي الأزهري، وهذا المتن فيه جميع أبواب الفقه وذلك ليتأهب الدارس للدخول في (الرسالة) لابن أبي زيد القيرواني، وفي (أصول الفقه) في هذه المرحلة: يبدأ بقراءة شرح أبيات مقدمة في الأصول من (المرشد المعين)، ثم يثني بشرح(منظومة ابن أبي كف الموريتاني) للعلامة محمد يحيى الولاتي الشنقيطي الحوضي، وهي منظومة في ذكر أصول مذهب الإمام مالك بطريقة سهلة و ميسرة، فيضبطهما جيدا.
المرحلة الثالثة: المرحلة المتقدمة: (مرحلة استيعاب المذهب):
وفيها يدرس شرح (الرسالة للقيرواني) بشرح العلامة الآبي، المسمى(الثمر الداني بشرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني) بتحقيق الطهطاوي، وشرح الحافظ أحمد بن الصديق الغماري عليها المسمى(مسالك الدلالة) و هو بالدليل، مع مراجعة:(الفواكه الدواني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني) للعلامة أحمد بن غنيم النفراوي إذا استشكل عليه شيء في(الثمر الداني)، كما يمكن دراسة (متن الإرشاد) لعبد الرحمن بن عسكر البغدادي من مالكية العراق.
ثم المرحلة الرابعة:
وفيها يدرس (مختصر الدردير)، مع الشرح المعروف بـ”الشرح الصغير” مع حاشية الصاوي عليه، ومتن مختصر خليل” مع الشرح الكبير للدردير، ثم شرح خليل” للعلامة أحمد الشنقيطي بالدليل، وأن يلم بدراسة أصول الفقه والقواعد الفقهية، على مذهب السادة المالكة، ومثال ذلك: في أصول الفقه: كتاب (التقــريب والإرشــاد) للقاضي أبي بكر الباقلاني (محمد بن الطيب) المالكي: (ت 403 هـ) وكتاب (مختصــر الأصـول) لأبي عمرو بن الحاجب: (ت 646هـ)، وكتــاب (شــرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول) لشهاب الدين القرافي: (ت 684 ه)، وأن يدرس كذلك كتابا في القواعد الفقهية على مذهب المالكية مثل كتاب الفروق، للقرافي المالكي، وكتاب القواعد، للمقري المالكي، وكتاب إيضاح المسالك إلى قواعد مالك، للونشريسي المالكي، وأن يطلع على تراجم السادة المالكية في كتب تراجمهم مثل كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض، وكتاب شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد مخلوف، وكتاب الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، لابن فرحون المالكي، وكتاب توشيح الديباج وحلية الابتهاج، للقرافي، وكتاب جمهرة تراجم الفقهاء المالكية، د قاسم علي سعد.
***
(المبحث السابع) مدخل مختصر إلى الفقه الشافعي
[المفتاح الاول]: إمام المذهب: هو أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، ونُسب إلى جدّه (شافع) دون غيره ؛ لأنه أول صحابي في أجداده ؛ وذلك لأن (شافعاً) والثلاثة فوقه كلهم صحابة، ويتميز من بينهم (السائب بن عبيد) بكونه شبيهاً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولد الإمام بغزة سنة 150هـ؛ ولم تكن موطناً له؛ لكن أباه خرج إليها من مكة لحاجة فمات بها بعد أن وُلد ابنه محمد بقليل؛ ثم عادت به أمه إلى مكة سنة 152هـ، ونشأ بها يتيماً فقيراً، حفظ القرآن في صباه ؛ ثم خرج إلى بادية هذيل فبقي فيهم عشر سنين أفاد فيها فصاحة اللسان ومعرفة الأدب العربي وحفظ الشعر والفروسية والرماية، وقد تلقى العلم بادئ الأمر في مكة على يد مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة (ت179هـ) ؛ ثم رحل إلى مالك في المدينة، وقرأ عليه الموطأ وأخذ عنه الحديث والعلم، ولزمه حتى مات ؛ ثم خرج إلى العراق فلقي محمد بن الحسن وأخذ منه فقه العراق ؛ فاجتمع له فقه الحجاز (مكة والمدينة) والعراق، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، ووضع للفقه أصولاً تضمنتها (الرسالة)، وإليه ينسب علم أصول الفقه، ثم اختص بمذهبه المعروف، واستقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها.
والإمام محمد بن إدريس الشافعي هو الإمام المجدد الذي ملأ طباق الأرض علما، له كتاب الرسالة، هو أوَّل كتاب منظَّم في أصول الفقه وفي أصول الحديث أيضًا؛ وذلك لأن الناس قبله كانوا يتكلَّمون في المسائل الأصولية حسبما اتُّفِقَ، ولم يكن لهم نظام جامع ولا قواعد كلية، إلى أن ألَّف الشافعي رسالته هذه، فوضع فيها القواعد الكلية والقانون الجامع في أصول الفقه، وكان العلماء قبل الشافعي يتكلَّمون في مسائل أصول الفقه ويستدلُّون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي يرجعون إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط لهم الشافعي -رحمه الله تعالى- علم أصول الفقه، ووضع للفقه قانونًا كليًّا يُرجَع إليه في معرفة مراتب أدلَّة الشرع، واعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز على سائر المجتهدين بسبب هذه الدرجة الشريفة، والفقهاء بعده عيال عليه في الفقه وأصول الفقه لأنه هو الذي فتح هذا الباب، وصدق فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً،)) ([54]) . وقال البيهقي وابن حجر: طرق هذا الحديث إذا ضمت بعضها إلى أفادت قوة وعلم أن للحديث أصلا، وقال أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعي، لأنه إمامٌ عالمٌ من قريش، وقد رُوي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: ((عالم قريش يملأ الأرض علماً))، أخذ العلم والحديث على كثيرين من أهل الحجاز والعراق؛ مثل: سفيان بن عيينة (ت198هـ)؛ والفضيل بن عياض (ت187هـ)؛ ووكيع بن الجراح (ت197هـ، وتصدى للتدريس وهو ابن عشرين سنة، أثنى عليه الإمام مالك في حفظه وفهمه؛ وكان شيخه ابن عيينة يقول: أفضل فتيان زمانه.
وقال عنه الإمام أحمد: كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولقي الإمام أحمد إسحاق بن راهويه فقال: تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله ؛ فأراه الشافعي، وقد تعرض الشافعي مرات عديدة للابتلاء؛ كان من أشدها: أن والي اليمن قدم الحجاز فأشار عليه بعض القرشيين أن يصحب معه الشافعي إلى اليمن ليلحقه بعمل يناسب مقامه نظراً لقلة ذات يده؛ فذهب معه وجعله قاضياً على نجران؛ فأقام فيها العدل والقسط وتصدى لمظالم والي نجران فاغتاظ الوالي منه ووشى به عند هارون الرشيد واتهمه بأنه متشيّع علويّ يهمّ بالخروج على الدولة؛ فأمر هارون بإحضاره إلى بغداد سنة 184هـ وكاد يفتك به لولا أن الله برأه إذ قيّض له الفضل بن الربيع (ت208هـ) ومحمد بن الحسن فدافعا عنه فعفا عنه الرشيد، ثم عاد الشافعي إلى مكة بعد وفاة محمد بن الحسن وهجر المناصب والوظائف وتفرّغ للعلم والحديث والفقه داخل المسجد الحرام؛ ومكث على هذا ست سنين، ثم عاد إلى بغداد سنة 195هـ وبدأ ببث مذهبه القديم حيث ألّف (الرسالة) في الأصول؛ و(الحجة) في الفروع، وبدأ التلاميذ يفدون عليه ويتلقون العلم على يديه؛ كالإمام أحمد بن حنبل وأبي ثور الكلبي (ت240هـ)، وصار الشافعي يتردد بين مكة وبغداد حتى عام 199هـ إذ رحل إلى مصر واستقر فيها حتى توفي، وفي مصر بدأ ببث مذهبه الجديد حيث ألّف كتابه (الأم)؛ وكان من أبرز تلاميذه: يوسف بن يحيى البويطي (ت230هـ)؛ وإسماعيل المزني (ت264هـ)؛ والربيع بن سليمان (ت270هـ)،، وهو من أخص تلاميذه وروايته مقدّمة على رواية المزني؛ وهو راوي كتاب (الأم)، وقد أصيب الإمام الشافعي بمرض الباسور في آخر حياته؛ وطال عليه المرض واشتد حتى توفي نتيجة للنزف الشديد المتواصل؛ وكانت وفاته بمصر سنة 204هـ.
[المفتاح الثاني]: ثناء العلماء عليه: لمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم، جاء في تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي في ترجمته رحمه الله: ” الشافعي الإمام العلم حبر الأمة أبو عبد الله محمد بن إدريس،، القرشى المطلبى الشافعي المكى نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وناصر سنته،، قال إسحاق بن راهويه قال لي أحمد بن حنبل بمكة تعال حتى اريك رجلا لم تر عيناك مثله فأقامني على الشافعي، وقال أبو ثور ما رأيت مثل الشافعي ولا رأى هو مثل نفسه وقال حرملة سمعت الشافعي يقول سميت ببغداد ناصر الحديث ووثقه أحمد وغيره، وقال بن معين ليس به بأس قال الفضل بن زياد سمعت أحمد بن حنبل يقول ما أحد مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة وقال بن راهويه الشافعي إمام ما أحد تكلم بالرأي إلا والشافعي أكثرهم إتباعا واقلهم خطأ وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثا خطأ وقال أبو حاتم صدوق وصح عن الشافعي انه قال إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وقال الربيع سمعته يقول إذا رويت حديثا صحيحا فلم آخذ به فاشهدكم أن عقلي قد ذهب قلت مناقب الشافعي لا يحتملها هذا المختصر فدونكها في تاريخ دمشق وفي تاريخ الإسلام لي وكان حافظا للحديث بصيرا بعلله لا يقبل منه إلا ما ثبت عنده ولو طال عمره لازداد منه توفى أول شعبان سنة أربع ومائتين بمصر وكان قد انتقل إليها سنة تسع وتسعين ومائة رضي الله تعالى عنه ” أهـ ([55]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: ” محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، القرشي المطلبي، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر، وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة، وأمه أزدية وقد رأت حين حملت به كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية، وقد أثنى على الشافعي غير واحد من كبار الأئمة منهم: عبد الرحمن بن مهدي، وسأله أن يكتب له كتاباً في الأصول فكتب له الرسالة، وكان يدعو له في الصلاة دائماً، وشيخه مالك بن أنس، وقتيبة بن سعيد، وقال: هو إمام، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وكان يدعو له أيضاً في صلاته، وأبو عبيد، وقال: ما رأيت أفصح ولا أعقل ولا أورع من الشافعي، ويحيى بن أكثم القاضي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن الحسن، وغير واحد ممن يطول ذكرهم وشرح أقوالهم، وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحواً من أربعين سنة، وكان أحمد يقول في الحديث الذي رواه أبو داود، من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها)) ([56]) .
قال: فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، والشافعي على رأس المائة الثانية، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا جعفر بن سليمان، عن نصر بن معبد الكندي – أو العبدي -، عن الجارود، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ الأرض علماً، اللهم إنك أذقت أولها عذاباً ووبالاً فأذق آخرها نوالاً)) ([57]) .
وهذا غريب من هذا الوجه، وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه، قال أبو نعيم عبد الملك بن محمد الإسفراييني: لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعي، حكاه الخطيب،،وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: الشافعي فقيه البدن، صدوق اللسان، وحكى بعضهم عن أبي زرعة أنه قال: ما عند الشافعي حديث غلط فيه، وحكي عن أبي داود نحوه، وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة – وقد سئل: هل سنَّة لم تبلغ الشافعي؟ – فقال: لا !ومعنى هذا أنها تارة تبلغه بسندها، وتارة مرسلة، وتارة منقطعة كما هو الموجود في كتبه، والله أعلم.
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: سميت ببغداد: ناصر السنة، وقال أبو ثور: ما رأينا مثل الشافعي ولا هو رأى مثل نفسه وكذا قال الزعفراني وغيره وقال داود بن علي الظاهري في كتاب جمعه في فضائل الشافعي: للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من: شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه، وحفظه الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء، وحسن التصنيف، وجودة الأصحاب والتلامذة، مثل: أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة، ثم سرد أعيان أصحابه من البغاددة والمصريين، وكذا عدَّ أبو داود من جملة تلاميذه في الفقه: أحمد بن حنبل، وقد كان الشافعي من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة، وأشد الناس نزعاً للدلائل منهما، وكان من أحسن الناس قصداً وإخلاصاً، كان يقول: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي شيء منه أبداً فأوجز عليه ولا يحمدوني،، وقد كانت وفاته بمصر يوم الخميس، وقيل: يوم الجمعة، في آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، وعن أربع وخمسين سنة ” أهــ ([58]) .
[المفتاح الثالث]: أهم أصول المذهب الشافعي: (1) القرآن الكريم، (2) السنة، (3) الإجماع، (4) قول الصحابي إذا لم يُعلم له مخالف، (5) القياس، واصطلح الشافعية في ترتيب كتبهم الفقهية على البدء بالعبادات ثم المعاملات ثم الفرائض ثم النكاح ثم الجنايات ثم الجهاد ثم القضاء.
[المفتاح الرابع]: أبرز كتب الشافعية:
(1) الأم ؛ للإمام الشافعي، (2) العزيز شرح الوجيز؛ للرافعي (ت623هـ)، والوجيز لحجة الإسلام الغزالي (3) روضة الطالبين؛ للنووي (ت676هـ)، (4) المجموع شرح المهذب؛ للنووي (ت676هـ) ؛ لكنه توفي حين وصل باب الربا؛ فحاول تقي الدين السبكي (ت756هـ) إكماله لكن المنية اخترمته؛ وكان قد وصل إلى رد المبيع بالعيب؛ ثم جاء محمد نجيب المطيعي (ت1406هـ) فأكمله تماماً، (5) تحفة المحتاج شرح المنهاج؛ لابن حجر الهيتمي (ت974هـ)، (6) مغني المحتاج شرح المنهاج؛ للخطيب الشربيني (ت977هـ)، (7) نهاية المحتاج شرح المنهاج؛ للرملي المسمى: الشافعي الصغير (ت1004هـ)، (8) منهج الطلاب لشيخ الإسلام أبي يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، اختصره من كتب منهاج الطالبين للنووي، ومن شروحه:فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب لزكريا بن محمد الأنصاري، فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب، لسليمان بن عمر العجيلي المشهور بالجمل، وحاشية البيجرمي على شرح منهج الطلاب، لسليمان بن محمد بن عمر البيجرمي، ومن كتبهم في الغريب: تهذيب الأسماء واللغات؛ للنووي، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي؛ للأزهري (ت370هـ)، والمصباح المنير؛ للفيومي (ت770هـ)، ومن كتبهم في التراجم: طبقات الشافعية الكبرى؛ لتاج الدين ابن السبكي (ت771هـ)، وطبقات الشافعية؛ لابن قاضي شُهبة (ت851هـ).
[المفتاح الخامس]: أبرز التسميات والألقاب: (القديم): مذهبه بالعراق أو بمكة، (الجديد): مذهبه بمصر؛ وهو المعتمد، (الشيخان): الرافعي والنووي، (الأستاذ): أبو إسحاق الإسفراييني (ت418هـ)، (الإمام): إمام الحرمين الجويني (ت478هـ)، (شيخ الإسلام): زكريا الأنصاري (ت926هـ)، واهم أماكن انتشار المذهب الشافعي: في مصر وجنوب شرق أفريقيا والشام وجنوب شرق آسيا وأندونيسيا.
[المفتاح السادس]: [منهجية مقترحة لدراسة الفقه على المذهب الشافعي]:
(أولاً) أهم مؤلفات الفقه على المذهب الشافعي:
(1) (متن الغاية والتقريب) ويسمى متن أبي شجاع أو غاية الاختصار، لأبي شجاع الحسين بن أحمد لأصفهاني العباداني، ومن شروحه: (أ) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، لأبي بكر بن محمد الحسيني الحصني، (ب) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، لمحمد الشربيني الخطيب، وعليه حاشية سليمان بن محمد بن عمر البيجرمي وهي: تحفة اللبيب على شرح الخطيب، (ت) فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب، لأبي عبد لله محمد بن قاسم الغزي، وعليه حاشية إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري.
(2) (منهاج الطالبين وعمدة المفتين) لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، وهو مختصر من كتاب المحرر لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي، وهو من أهم كتب متأخري الشافعية ومن هنا شرحه كثير من علمائهم، ومن أهم شروحه: (أ) شرح جلال الدين محمد بن أحمد المحلي، وعليه حاشية شهاب الدين أحمد البرلسي الملقب بعميرة، وحاشية شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي، (ب) تحفة المنهاج بشرح المنهاج، لشهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي، (ت) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، لمحمد بن محمد الشربيني الخطيب، (ث) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، لشمس الدين محمد بن أحمد بن حمزة الرملي الشهير بالشافعي الصغير، ومطبــوع معه (حاشيـة الشــبراملــسي) لأبي الضيـاء علــي بن علــي الشبراملسي، ومعه أيضا (حاشية أحمد بن عبدالرزاق المغربي)، (ج) زاد المحتاج بشرح المحتاج لعبد الله بن الشيخ حسن الكوهجي.
(3) (متن الزبد) لأحمد بن حسين بن رسلان، ومن شروحه: (أ) غاية البيان شرح زبد بن رسلان، لشمس الدين محمد بن أحمد الرملي الشهير بالشافعي الصغير، (ب) مواهب الصمد في حل ألفاظ الزبد، لأحمد بن حجازي الفشني.
(4) (منهج الطلاب) لأبي يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، اختصره من كتب منهاج الطالبين للنووي، ومن شروحه: (أ) فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب لزكريا بن محمد الأنصاري، فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب، لسليمان بن عمر العجيلي المشهور بالجمل، (ب) حاشية البيجرمي على شرح منهج الطلاب، لسليمان بن محمد بن عمر البيجرمي.
(5) (روض الطالب) لشرف الدين اسماعيل بن أبي بكر بن عبد اله اليمني المقرئ، اختصره من روضة الطالبين للنووي، شرحه أبو يحيى زكريا الأنصاري في كتاب: أسنى المطالب شرح روض الطالب.
(6) (المهذب) للشيرازي، شرحه النووي في كتاب المجموع، ووصل إلى باب الربا، ثم أكمله السبكي ثم المطيعي.
(7) (الوجيز) لحجة الإسلام الغزالي، وهو مختصر من كتابه الوسيط، الذي اختصره من كتابه البسيط، المختصر من كتاب نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وشرحه الرافعي في كتاب فتح العزيز شرح الوجيز، واختصر النووي فتح العزيز في كتاب روضة الطالبين.
(8) ومن كتب الفتاوى النافعة في مذهب الشافعية: كتاب (الفتاوي الكبرى) لابن حجر المكي الهيتمي، ومطبوع معه (فتاوي شهاب الدين الرملي) 957 هـ،: (فتاوى سلطان العلماء العز بن عبد السلام)، و(فتاوى السبكي)، و (الحاوي للفتاوي للإمام السيوطي)، و (الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي)، ومن الكتب التي تخرِّج ما يتداوله فقهاء الشافعية من الأحاديث: (التلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني) و(البدر المنير) و (تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج) كلاهما لابن الملقن، ومن الكتب المؤيدة بالأدلة مع مناقشة أدلة المذاهب: (نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين الجويني)، و (المجموع شرح المهذب للنووي)، و (فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي)، و (شرح المنهاج للتقي السبكي)، ومن الكتب الموضحة لمفردات فقهاء الشافعية في عبارتهم: (تحرير ألفاظ التنبيه) و (دقائق المنهاج) كلاهما للنووي، ومن كتب تراجم فقهاء المذهب: (طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي)، و (طبقات الشافعية للإسنوي)، و (طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة).
(ثانيا) اقتراح أولي لدراسة المذهب الشافعي:
(أ) في الفقه: (متن سفينة النجا)، ثم (متن أبي شجاع والمسمى بمتن الغاية والتقريب)، ثم (شرح ابن قاسم على متن أبي شجاع)، ثم (تحرير تنقيح اللباب لزكريا الأنصاري)، ثم (تحفة الطلاب شرح تنقيح اللباب لزكريا الأنصاري)، ثم (عمدة السالك وعدة الناسك)، ثم (منهاج الطالبين)، ثم شروح المنهاج، ويبدأ بأحد الشرحين (النهاية أو التحفة)، ثم ليطالع حواشي المتأخرين، وأشهر هذه الحواشي: (حاشية البيجوري على ابن قاسم)، و(حاشية الشرقاوي على التحفة لزكريا)، و(حاشية تحفة الحبيب للبجيرمي على الإقناع)، و(حاشية البجيرمي على شرح المنهج)، و(حاشية الجمل على شرح المنهج)، (ب) في الأصول: (الورقات بشرح المحلي)، ثم (لب الأصول لزكريا)، ثم (غاية الوصول شرح لب الأصول)، ثم (متن جمع الجوامع)، ثم (شرح المحلي على جمع الجوامع)، (ت) في القواعد فقهية: (القواعد الفقهية لعبدالله بن سعيد)، و (شرح منظومة القواعد الفقهية للجرهزي) و (شرح المنظومة ذاتها للأهدل) و (الأشباه والنظائر للسيوطي)، (ث) في التراجم: (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي)، أو (طبقات الشافعية للإسنوي)
***
(المبحث الثامن) مدخل مختصر إلى الفقه الحنبلي
[المفتاح الاول]: إمام المذهب: هو إمام أهل السنة أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني الذهلي من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، جاءت به أمه حملاً من مرو؛ وولدته ببغداد سنة 164هـ؛ ومات أبوه وهو طفل فعاش يتيماً، بدت عليه النجابة منذ صغره؛ وعُرف بولعه وشغفه بالعلم منذ صباه؛ وتميز بالورع وعفة اللسان،، قال أبو سهل الأنطاكي عنه: “إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه”،، وقد بدأ طلب الحديث سنة 179هـ؛ ورحل في سبيل تحصيله رحلات عديدة؛ وتتلمذ على العديد من العلماء وأئمة الدين؛ قاربوا الثلاثمائة ؛ منهم: هُشيم بن بَشير (ت183هـ) ووكيع بن الجراح (ت197هـ) في الكوفة، وعبدالرحمن بن مهدي (ت198هـ) ويحيى بن سعيد القطان (ت198هـ) في البصرة، وعبدالرزاق بن همام (ت211هـ) في صنعاء، والشافعي في بغداد ومكة، كما رحل إلى واسط وعبادان وطرسوس والشام؛ وأفتى في موسم الحج في مسجد الخيف سنة (198هـ)، أخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها، وإن مسنده لشاهد على ذلك، فقد انتقاه من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وجمع فقه أهل العراق ثم لازم الشافعي وتتلمذ على يديه في الفقه، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه، ونظرا لسعة علمه بالآثار لذا يُعَدُّ الأَثَرُ أساس اجتهاد الإمام أحمد رحمه الله، ولا يَعْدِل عنه إلى القياس حتى يستنفد النصوص، ثم اجتهاد الصحابة، وإذا كان للصحابة رأيانِ رجَّح بينهما أو أقرَّ الرأيين معًا، ولهذا يُروى عنه في المسألة روايتان، وحينًا ثلاث روايات، أثنى عليه العلماء ثناء كبيرا، حتى أشياخه؛ ورووا عنه ؛ كعبدالرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد والشافعي وعبدالرزاق،، قال عنه الشافعي: “أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث؛ إمام في الفقه؛ إمام في اللغة؛ إمام في القرآن؛ إمام في الفقر؛ إمام في الزهد؛ إمام في الورع؛ إمام في السنة”، وقال عبدالرزاق: “ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع”، وقال وكيع شيخه واستاذه: “ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتى يعني: أحمد بن حنبل “، وابتلي بمحنة خلق القرآن وصبر، ورفع الله تعالى له علما عظيما يشمل الحديث والفقه إلى يوم القيامة، وقد توفي رحمه الله ضحى الجمعة في ربيع الأول سنة 241هـ،،
[المفتاح الثاني]: ثناء العلماء عليه: لمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم، جاء في تذكرة الحافظ في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ” أحمد بن حنبل شيخ الإسلام وسيد المسلمين في عصره الحافظ الحجة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل،، ولد سنة أربع وستين ومائة سمع هشيما وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة وعباد بن عباد ويحيى بن أبي زائدة وطبقتهم وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة ومطين وعبد الله بن أحمد وأبو القاسم البغوي وخلق عظيم، قال عبد الله بن أحمد سمعت أبا زرعة يقول كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث ذاكرته الأبواب وقال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول حفظت كل شيء سمعته من هشيم في حياته وقال إبراهيم الحربي رأيت أحمد كان الله قد جمع له علم الأولين والآخرين، قال حرملة سمعت الشافعي يقول خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا اعلم ولا افقه من أحمد بن حنبل وقال علي بن المديني ان الله أيد هذا الدين بابي بكر الصديق يوم الردة وبأحمد بن حنبل يوم المحنة وقال أبو عبيد انتهى العلم إلى أربعة افقههم أحمد وقال بن معين من طريق عباس عنه أرادوا أن أكون مثل أحمد والله لا أكون مثله أبدا قال أبو همام السكوني ما رأى أحمد بن حنبل مثل نفسه وقال محمد بن حماد الطهراني سمعت أبا ثور يقول أحمد اعلم أو قال افقه من الثوري قلت سيرة أبي عبد الله قد افردها البيهقي في مجلد وافردها بن الجوزي في مجلد وافردها شيخ الإسلام الأنصاري في مجلد لطيف توفي الى رضوان الله تعالى في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة ” أهـ ([59]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: ” قال إسحاق بن راهويه: أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان، وقال أيضاً: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله عز وجل، ثم قال: ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله، وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط: كان محدثاً، وكان حافظاً، وكان عالماً، وكان ورعاً، وكان زاهداً، وكان عاقلاً، وقال يحيى بن معين أيضاً: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن أكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه، وقال الذهلي: اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله، وقال هلال بن المعلى الرقي: منَّ الله على هذه الأمة بأربعة: بالشافعي فهم الأحاديث وفسرها، وبين مجملها من مفصلها، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، وبأبي عبيد بين غريبها، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الأحاديث، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس وقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد بن حنبل مقدم على كل من يحمل بيده قلماً ومحبرة – يعني: في عصره -، وقال أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا رأيت من رأى مثله، وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه ” أهـ ([60]) .
[المفتاح الثالث]: أهم أصول المذهب الحنبلي: (1) القرآن الكريم، (2) السنة، (3) الإجماع، (4) فتوى الصحابي إذا لم يُخالف ؛ فإن اختلف الصحابة تخيّر من أقوالهم ما كان أقرب إلى الوحيين ؛ مع حرصه على رأي الخلفاء الراشدين وسادة الفقه من الصحابة كابن مسعود وابن عباس، (5) ثم يأخذ بالحديث الضعيف إذا كان ضعفه مقبولاً ؛ ويقدّمه على القياس؛ وقد أُثر عنه قوله: “الحديث الضعيف أحبّ إليّ من الرأي”، ثم يصير إلى (6) القياس، واصطلح الحنابلة في ترتيب كتبهم الفقهية على البدء بالعبادات ثم الجهاد ثم المعاملات ثم النكاح والطلاق ثم الفرائض ثم الجنايات ثم الصيد والأطعمة ثم الأيمان والنذور ثم القضاء،
[المفتاح الرابع]: أبرز كتب الحنابلة: من المتون والمختصرات: (1) مختصر الخرقي؛ لأبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي (334هـ)؛ وهو أول المتون الفقهية في المذهب اعتنى بشرحه المتقدمون والمتوسطون؛ حتى قيل: بلغت شروحه أكثر من ثلاثمئة شرح؛ وأشهرها وأفضلها: المغني لابن قدامة (620هـ)، (2) العمدة في الفقه، لأبي محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت620هـ)؛ وهو كتاب للمبتدئين سهل العبارة جرى فيه على قول واحد في المذهب، وقد شرحه بهاء الدين المقدسي (ت624هـ) في: العدة شرح العمدة، (3) زاد المستقنع، لشرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد الحجاوي (ت968هـ)، وهو أهم المتون عند المتأخرين وأشهرها وأبرزها، ومن أبرز شروحه: الروض المربع؛ لمنصور بن يونس البهوتي (ت1051هـ) ؛ واعتنى العلماء في هذه البلاد بالمتن وشرحه؛ فوضعوا عليهما حواشي كثيرة ؛ من أهمها: حاشية العنقري (ت1373هـ) وحاشية ابن قاسم (ت1392هـ)، وقد شرح المتنَ أيضاً: الشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت1421هـ) في كتابه الشرح الممتع على زاد المستقنع، (4) دليل الطالب؛ لمرعي بن يوسف الكرمي (ت1033هـ)، وعليه شرح للشيخ إبراهيم بن ضويان (ت1353هـ) باسم: منار السبيل بشرح الدليل، ومن الكتب الأخرى: (1) المقنع؛ لابن قدامة (ت620هـ) ؛ ووضعه لمن فوق المبتدئين ودون المتوسطين؛ وجرى فيه على ذكر الروايات والأوجه دون الدليل أو التعليل، وقد شرحه ابن أخيه: عبدالرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة (ت682هـ) في: الشرح الكبير، واستمد عامة شرحه من المغني، ثم شرحه: زين الدين المنجى بن عثمان بن المنجى التنوخي (ت695هـ) في: الممتع في شرح المقنع،، ثم شرحه برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت884هـ) في: المبدع، (2) الكافي لابن قدامة (ت620هـ) ؛ وهو في الرتبة فوق (المقنع) لأنه لم يكن يخلو من الأدلة والتعليلات، (3) المغني؛ لابن قدامة (ت620هـ)،، وهو شرح لمختصر الخرقي؛ مقارن مع المذاهب الأخرى؛ وقد حشد فيه المؤلف أدلة الأقوال ومناقشاتها ؛ حتى غدا بحق موسوعة الفقه الحنبلي، (4) المستوعِب؛ لمحمد بن عبدالله السامُرّي (ت616هـ)،، وقد جمع فيه مؤلفه عدداً من كتب الحنابلة؛ مثل: مختصر الخرقي؛ والتنبيه لغلام الخلال؛ والإرشاد لابن أبي موسى؛ والجامع الصغير؛ والخصال للقاضي أبي يعلى؛ والخصال لابن البناء؛ والهداية لأبي الخطاب؛ والتذكرة لابن عقيل،، وقال في مقدمته: “فمن حصل كتابي هذا أغناه عن جميع الكتب المذكورة”، (5) الفروع؛ لشمس الدين محمد بن مفلح (ت763هـ)؛ وهو كتاب حافل؛ حوى من الفروع ما بهر العقول كثرة وتحريراً واستدلالاً وتعليلاً واتفاقاً واختلافاً في المذهب، (6) الإنصاف إلى معرفة الراجح من الخلاف؛ لمصحح المذهب علاء الدين علي بن سليمان بن أحمد المرداوي (ت885هـ)؛ وقد حرّر فيه المذهب وجمع الروايات وأقوال الأصحاب والأوجه والتخريجات واختيارات الشيوخ المعتمدين وترجيحاتهم ؛ وربطه بالمقنع وجعله قاعدة لمسائله لانكباب الناس عليه؛ ويضم إليه من الفوائد والتنبيهات وثمرات الخلاف ما تقرّ به عين الفقيه، (7) الإقناع لطالب الانتفاع؛ للحجاوي (صاحب الزاد)،، وهو شبيه للمستوعب إلى حد كبير،، لكنه يتميز بكثرة المسائل وتحرير النقول، وله منزلة رفيعة عند المتأخرين؛ زادها الشرح الرائع عليه للبهوتي المسمى: كشاف القناع، (8) منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات؛ لتقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار (ت972هـ)،، وهو معتمد عند المتأخرين؛ وله منزلة كسابقه،، ومن شروحه: معونة أولي النهى؛ لابن النجار نفسه، ودقائق أولي النهى؛ للبهوتي،، وعليه –أيضا- حاشية نفيسة للشيخ عثمان بن قائد النجدي (ت1097هـ)، (9) غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى؛ لمرعي بن يوسف الكرمي (ت1033هـ) جمع فيه بين كتابين معتمدين عند المتأخرين ؛ وعليهما مدار الفتيا والقضاء عند الأصحاب، وله أهمية كبيرة؛ لأنه كان هو المرجّح عند اختلاف المنتهى والإقناع، وعليه شروح، اكتمل منها: مطالب أولي النهى؛ لمصطفى بن سعد الرحيباني (ت1243هـ)، ومن كتب الحنابلة في الغريب: الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي؛ ليوسف بن عبدالهادي (ت909هـ)، والمطلع على أبواب المقنع ؛ لشمس الدين البعلي (ت709هـ)، ومن كتبهم في التراجم: طبقات الحنابلة ؛ لأبي الحسين محمد بن محمد بن الفراء ابن أبي يعلى (ت526هـ)، وعليه ذيل: لزين الدين أبي الفرج عبدالرحمن بن رجب (795هـ)، ثم ذيل: ليوسف بن عبدالهادي (ت909هـ) باسم: الجوهر المنضد، وكتاب المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد؛ لبرهان الدين ابن مفلح(صاحب المبدع)، وكتاب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد؛ لعبدالرحمن بن محمد العليمي (ت بعد 896هـ)، والسحب الوابلة على ضرائح الحنابلة؛ لمحمد بن عبدالله بن حميد (ت1295هـ)
[المفتاح الخامس]: أبرز التسميات والألقاب: (الرواية): هي الحكم المروي عن الإمام في مسألة ما ؛ (رواه الجماعة): كبار تلامذة الإمام؛ وهم سبعة: ولداه صالح (ت265هـ) وعبدالله (ت290هـ) وابن عمه حنبل بن إسحاق (ت273هـ) وأبو بكر المرّوذي (ت275هـ) وإبراهيم الحربي (ت285هـ) وأبو طالب (ت244هـ) والميموني(ت274هـ)، (التخريج): نقل حكم مسألة إلى مسألة تشبهها بقياسها عليها، (الوجه): الحكم المنقول في مسألة ما؛ جرياً على قواعد الإمام؛ وجزموا بالفتيا به،، وإذا قالوا: في المسألة وجه؛ فالمنصوص خلافه، (الاحتمال): قول صالح لأن يكون وجهاً؛ لكنه لم يكن لأن دليله مرجوح أو مساوٍ، (ظاهر المذهب): المشهور من المذهب؛ سواء كان نصاً أو رواية أو تخريجاً أو وجهاً، ويدل على أن هناك قولاً آخر في المذهب، (الشيخ): موفق الدين ابن قدامة، (الشيخان): موفق الدين ابن قدامة (ت620هـ) والمجد ابن تيمية (ت652هـ)، (القاضي) عند المتقدمين: أبو يعلى (ت458هـ)، وعند المتأخرين: المرداوي صاحب الإنصاف (ت885هـ)، (تقي الدين) ؛ الشيخ تقي الدين؛ أبو العباس ابن تيمية، وينتشر مذهب الحنابلة في الجزيرة العربية ؛ وله أتباع في مصر والشام والعراق.
[المفتاح السادس]: [منهجية مقترحة لدراسة الفقه على المذهب الحنبلي]:
(أولاً) أهم مؤلفات المذهب الحنبلي:
(1) (مختصر الخرقي) لأبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي، ومن شروحه: (أ) المغني، لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، (ب) المقنع في شرح مختصر الخرقي، لأبي علي الحسن بن أحمد.
(2) (عمدة الفقه)، لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ومن أهم شروحه: (أ) العدة شرح العمدة، لبهاء الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي.
(3) (المقنع)، لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ومن شروحه:
(أ) المبدع شرح المقنع، لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح، (ب) الشافي في شرح المقنع، المشهور باسم الشرح الكبير، لابن أبي عمر عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، (ت) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، لعلا الدين علي بن سليمان المرداوي، وقد اختصره في كتاب التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع.
(4) (زاد المستقنع في اختصار المقنع)، لشرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم المقدسي الحجاوي، ومن شروحه: (أ) الروض المربع بشرح زاد المستقنع، لمنصور بن يونس بن صلاح الدين البهوتي، وعليه حاشية محمد بن قاسم، (ب) الشرح الممتع على زاد المستقنع لمحمد بن صالح العثيمين.
(5) (منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات) لابن النجار الفتوحي، ومن شروحه: (أ) معونة أولي النهي بشرح المنتهى، لابن النجار الفتوحي، (ب) شرح منتهى الإرادات، لمنصور بن يونس البهوتي، (ت) دقائق أولي النهى شرح المنتهى، لمنصور بن يونس البهوتي. (6) (دليل الطالب لنيل المآرب)، لمرعي بن يوسف الكرمي، وهو مختصر من منتهى الإرادات، ومن شروحه: (أ) منار السبيل شرح الدليل، لإبراهيم بن ضويان، (ب) نيل المآرب شرح دليل الطالب، لعبد القادر التغلبي، (ت) حاشية على دليل الطالب، لمحمد بن عبد العزيز بن مانع.
(7) (الإقناع لطالب الانتفاع)، لأبي النجا موسى بن أحمد من بن موسى الحجاوي، ومن شروحه: (أ) كشاف القناع عن متن الإقناع، لمنصور بن يونس البهوتي، (ب) غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى، لمرعي بن يوسف الكرمي شرحه مصطفى الرحيباني في كتاب: مطالب أولي النهى.
(8) (أخصر المختصرات) لمحمد بن بدر الدين بن بلبان البعلي، ومن شروحه:
(أ) كشف المخدرات والرياض المزهرات شرح أخصر المختصرات، لعبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد البعلي، (ب) الدرر المبتكرات في شرح أخصر المختصرات، لعبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين.
(8) الفروع، لأبي عبد الله محمد بن مفلح، وعليه تصحيح الفروع، لعلي بن سليمان المرداوي، (9) المحرر في الفقه، لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية، وعليه النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر، لمحمد بن مفلح.
(ثانياً) أبرز فقهاء المذهب أربعة:
الأول: الموفق ابن قدامة: (ت 620هـ)، وله أربعة كتب، وهى: العمدة والمقنع والكافي والمغني، (العمدة) شرحه بهاء الدين المقدسي (ت 624هـ) في كتابه (العدة شرح العمدة)، و(المقنــع) له شروح واختصارات عديدة، وأهم شروحه: (الممتع شرح المقنع) لسيف الدين ابن المنجا (ت 695 هـ)، و (الانصــاف في بيان الراجـح من الخلاف) لعلاء الدين المرداوي (ت 885 هـ)، و (المبـدع شــرح المقنـع) لابن مفلح (ت 884 هـ)، ومن مختصراته: (زاد المستقنع) لشرف الدين موسي الحجاوي (ت 968 هـ)، و(الكــافي)، و(المغني) وقد كتبه كشرح لمختصر الخِرقي (أبو القاسم عمر بن الحسين) 334 هـ.
والثاني: شرف الدين موسى الحجاوي (ت 968هـ)، وله كتابان مهمان هما: كتاب زاد المستقنع مختصر المقنع، وكتاب الاقناع، (زاد المستقنع مختصر المقنع) الذي شرحه الشيخ البهوتي: (ت 1051هـ)، في كتابه (الروض المربع شرح زاد المستقنع)، و(الاقناع) الذي شرحه الشيخ البهوتي أيضاً في (كشاف القناع).
والثالث: مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي: (ت 1033هـ)، وله كتاب (متن دليل الطالب) وقد اعتني العلماء بشرحه، ومن شروحه: (منار السبيل شرح الدليل) لإبراهيم بن ضويّان 1153هـ. والرابع: الشيخ منصور بن يونس البهوتي: (ت 1051هـ)، وله عدة كتب أهمها: كتاب (الروض المـربع شرح زاد المستقنع)، وكتاب (شرح منتهى الإرادات)، وكتاب (كشاف القناع على متن الإقناع)
(ثالثاً) ومن الاقتراحات لتعلم المذهب الحنبلي:
(أ) اقتراح أول لدراسة المذهب الحنبلي: (المرحلة الأولى): كتاب (العمدة) للموفق ابن قدامة: (ت 620هـ)، و(المرحلة الثانية): (العدة شرح العمدة في فقه الحنابلة) والذي شرحه بهاء الدين المقدسي: (ت 624هـ)، أو كتاب (الكافي) للموفق ابن قدامة، و(المرحلة الثالثة): كتاب (المغني) للموفق بن قدامة، (ب) اقتراح ثان لدراسة المذهب الحنبلي: (المرحلة الأولى): (أخصر المختصرات) لابن بلبان، و (عمدة الطالب) للبهوتي، و(المرحلة الثانية): دليل الطالب” لمرعي الكرمي، و(الروض المربع بشرح زاد المستنقع) للبهوتي، و(المرحلة الثالثة): كتاب: (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي، ثم كتاب (المغني) للموفق بن قدامة، (ت) اقتراح ثالث لدراسة المذهب الحنبلي: (المرحلة الأولى): (زاد المستقنع مختصر المقنع) لشرف الدين موسى الحجاوي 968هـ، و (المرحلة الثانية): (الروض المـربع شرح زاد المستقنع) منصــور البهوتي، و (المرحلة الثالثة): كتاب: (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي، ثم كتاب (المغني) للموفق بن قدامة.
(رابعاً) ومن كتب القواعد الفقهية: كتاب القواعد، لابن رجب الحنبلي، وكتاب القواعد والفوائد الأصولية، لابن اللحام، وكتاب القواعد الفقهية، للدكتور صالح السدلان، ومن كتب التراجم: كتاب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب أحمد، للعليمي، وكتاب طبقات الحنابلة، لأبي يعلى، وعليه الذيل لابن رجب، وكتاب الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد، لابن المبرد.
***
(المبحث التاسع) مناهج أخرى لدراسة الفقه وتقييمها
[المفتاح الاول]: الفرق في التخصص بين الفقهاء والمحدثين: هناك فارق كبير بين تخصص الفقهاء وتخصص المحدثين، فالفقهاء هم المتخصصون في علم الفقه وأحكام الشريعة، واستنباط الأحكام من أدلة الكتاب والسنّة، وقد قطع الفقهاء شوطاً عظيماً لا يلحقهم فيه غيرهم في بناء علم الفقه وتناوله لكافة فروع الدين، وفي بناء علم أصول الفقه وأدلة الأحكام، وفي بناء علم القواعد الفقهية والضوابط الفقهية والقواعد الأصولية والضوابط الأصولية، وفي علم الفقه المقارن حتى صار بناؤهم محكماً دقيقاً، أمّا المحدثون فلهم تخصص آخر في معرفة علم الحديث متناً وسنداً، وعلم الجرح والتعديل وعلم تاريخ الرجال، فهم على ثغر الحديث واقفون، ولسنّة النبي صلى الله عليه وسلم حافظون، وهم بمثابة الصيادلة لأهل الفقه، وأهل العقيدة وأهل التزكية، وهم كلٌ منهم طبيب في مجال تخصصه، فالصيدلي يصرف الدواء ولكن لا يحق له أن يشخص الداء ولا أن يكتب العلاج، وقد أمرنا الشرع برد كل علم إلى أهل التخصص فيه، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14].
وإنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في: الفوضى العلمية، والخطأ في اصدار الأحكام، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم، ومن المسلمات في دين الله تعالى أنه لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 12]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، لقد كان من ثمرة التخصص في الفقه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا، والاختلاف فيها اختلاف تنوع وليس تضاد، ولا يدخل في الاختلاف المذموم، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة.
إنّ احترام التخصص الفقهي والرد في علم الفقه إلى تلك المدارس، ضرورة علمية، وذلك لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وواجب تحتمه تقوى الله تعالى لأنّ الذي يخاف الله تعالى لا يسأل إلا أهل العلم المتخصصين فيه خوف الخطأ، وواجب يحتمه العقل السديد، لأنّه قد جرت العادة أنّ الناس لا يسألون إلا أهل الخبرة والتخصص، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه، ومظانه عند أهل التخصص فيه، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها، وهكذا، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه.
إنّ دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة، بعدد كل ناعق مذهب، وينفرط عقد الفقه، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب، ولا حسيب عليه، لقد كان وراء الأئمة الأربعة ألف حسيب وحسيب، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها، ولقد كان في مجلس الإمام أبي حنيفة أربعين فقيها يراجعون الإمام في مسائله، أقلهم في العلم قد يكون أعلم من علماء العصر مجتمعين، فهيهات من دعاوى الحمقى والسفهاء التي ما جرت على الأمة سوى التنازع والتفرق.
وللأسف فهناك موتورون كلما اتفقت الأمة على قضية نخروا في أساسها يبغون الخلاف، وكلما بني الفقهاء صرحا علميا شامخاً أرادوا تشويه صورته ولا أدري لمصلحة مَن مِن أمة الإسلام ينعق هؤلاء، فإن زعموا أنّه الانتصار للكتاب والسنّة فهل كان الفقهاء على خلاف مع الكتاب والسنّة ام كانوا على جهل بهما وحاشاهم من ذلك، أم أنّه حب الظهور وداء الكبر وبطر الحق وغمط الناس، وغالب هؤلاء يذب الذباب عن وجه الآخرين وفي قلوبهم الحنوش الموتورة والسم الناقع الدفين، تتحكم فيهم أمراض نفسية قاتلة تتمثل في عدم احترام التخصص الفقهي، ومحاولة لفت الانظار يلعب بهم ابليس لعب الصبيان بالكرة وتتجارى الأهواء في دمائهم نسأل الله تعالى السلام.
وقد يفهم البعض من قول الأئمة الفقهاء (إذا صح الحديث فهو مذهبي) الفهم الخاطئ، فهم بهذا القول يظنون أنّه لا حرج من تخطئة الأئمة الفقهاء المجتهدين، بكل حديث ظنوا أنّه يُخالف ما ذهبوا إليه، ومن ثم يريدون الزام الناس بما فهموه، ويؤثمون أتباع الفقهاء في ترك الحديث من أجل قول فلان وفلان، وقد يبلغ بهم الحال إلى اتهام الناس في دينهم واخلاصهم لأنّهم ردوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل قول فلان وفلان، وهم لضيق أفقهم ومحدودية علمهم لا يعلمون أنّ الحديث قد يُعارضه حديث آخر أًصح منه، وقد صحت أحاديث عديدة عند الإمام مالك رحمه الله ورواها في الموطأ ولم يعمل بها لأنه عارضها حسب وجهة نظره ما هو أقوى منها، كما أنّ للفقهاء شروطا معينة للعمل بالحديث قد لا يستوعبها المحدث غير الفقيه، كما أنّ كل حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه فلا يلزم العمل به إلا عند من يعتقد صحته فقط، وكم رأينا محدثين يصححون اليوم حديثا ثم يتراجعون عن تصحيحه لعلة علموها من الحديث، فهل ننتظر في ديننا حتى يستقر رأى هؤلاء على التصحيح والتضعيف، وحتى لا يُفهم الكلام على غير مقصده فإنّه إذا ثبت أن إماما من أئمة الفقه الأربعة قد أخطأ في حكم مسألة ما فلا يجوز تقليده فيها، وهذا في حكم الفرضية النظرية، لأنّه انتسب إلى تلك المذاهب آلاف الفقهاء فكيف سهى الجميع عن هذا الخطأ، وإن كان عمداً فهل نتهم فقهاء الأمة على التمالؤ على كتم الحق.
والخلاصة أنّ الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم وجعل فقهاءها خير الفقهاء، وقد كفانا الأئمة المجتهدون مؤونة أكثر الفقه، على أمل أن تتفرغ الأمة لغايتها من نشر الدين ونصرته وتحقيق أهدافه على أرض الله تعالى وبين عباده، لقد استوفت مسائل العبادات في باب الفقه بحثاً بما لا مزيد عليه، ومع تكرار البحث فيها والتقعر في مباحثها تضخمت وتورمت، وفي المقابل ضمرت مباحث المعاملات وتقلصت، مع أنّ مجال المعاملات واسع وكل يوم تأتي معاملة جديدة تبحث عن حكم شرعي، ناهيك عن احتاج الدول الإسلامية إلى مباحث علوم الاقتصاد الإسلامي والسياسة الشرعية الإسلامية، والعلاقات الدولية، والمعاهدات الجائزة في السلم والحرب والأمن والخوف، فالفحولة ها هنا تكون في الاجتهاد في تلك الأبواب لا أن نجتر كل يوم مسائل الخلاف في العبادات مع اتفاقنا أن الفقهاء الأربعة مجتهدون مأجورون في كل حال، من أصاب منهم له أجران ومن أخطأ منهم فله أجر، وأن أتباعهم على الجادة علموا أنّهم أهل الذكر، وأطاعوا الله تعالى في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وليس معنى ذلك الزام المحدثين بقول الفقهاء، فليس لنا الزامهم، ولكننا نطلب منهم عدم تصدير الخلاف إلى أمة الإسلام وعدم استعمال معاول الهدم لشرخ جدران الصرح الفقهي الذي بناه الفقهاء، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
[المفتاح الثاني]: الفرق بين طلب الفقه عن طريق دراسة الحديث دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة، وبين الاستفادة من علم دراسة أدلة الأحكام من الكتاب والسنّة كأحد أهم ضوابط الفقه المقارن وسبل الترجيح بين أدلة الفقهاء:
هناك فارق كبير بين طلب الفقه عن طريق دراسة الحديث دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة، وبين الاستفادة من علم دراسة أدلة الأحكام من الكتاب والسنّة كأحد أهم ضوابط الفقه المقارن وسبل الترجيح بين أدلة الفقهاء، وذلك لأنّ الطريق الاول إن خلا من الاستفادة من أقوالهم واجتهاداتهم، فهو تسور للعلم ودخول له من غير بابه، وهو اهدار لجهودهم العظيمة في بناء الصرح الشامخ لعلم الفقه عند أهل السنّة والجماعة، وإن تضمن الاستفادة بجهودهم والتقيد بفقههم، فإنّ الترجيح بينهم لابد وأنّ يمر على أصول الفقه التابعة لأحدهم، وهو بالتالي اجتهاد في داخل المذهب وليس خارجه، كما أنّ لهذا الترجيح شروط أحدها الاجتهاد وحصول المؤهلات التي تتيح له القدرة على الترجيح بين الأقوال لأنّ المرجح لاشك أنّه أعلى علماً في المسألة التي يرجح فيها بين الأقوال من قائليها وإلا لما استطاع الترجيح بينها، أمّا مسألة الاستفادة من علم دراسة أدلة الأحكام من الكتاب والسنّة كأحد أهم ضوابط الفقه المقارن وسبل الترجيح بين أدلة الفقهاء، فهذا أمر حث عليه الشرع ولكنّه ليس لآحاد أهل السنّة وعوامهم، وليس هو طريق طلب علم الفقه عندهم، وقد يستغرق العالم الفقيه عمره كله دون أن يصل إلى ترجيح صحيح في مسالة واحدة من مسائل الفقه فضلا عن باب من أبوابه، فأين هذا من منهاج متكامل للترجيح لا نستطيعه لتعدد المرجحات واحتمالاتها الصحيحة من لغة وأصول ومصادر الأدلة، ثم هي قد تكون من باب التقعر وضياع الجهود التي تحتاجها الأمة فيما لا طائل منه لأنّه كما ذكرنا في خصائص الخلاف الفقهي أنّ الجميع ثبت لهم الأجر والثواب.
[المفتاح الثالث]: مؤلفات كتب آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وكتب فقه الحديث: من مؤلفات آيات الأحكام: كتاب (البرهان في علوم القرآن) للزركشي، وكتاب (أحكام القرآن) لابن العربي، و (كتاب أحكام القرآن) للكيالهراسي، وكتاب (أحكام القرآن) للرازي الجصاص، وكتاب (الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ)، وهو من أجل التفاسير، يتوسع في بيان الأحكام، وينقل فيه عن (أحكام القرآن) للقاضي أبي بكر بن العربي (ت 543 هـ)، وكتاب أحكام القرآن، للسيوطي، وكتاب روائع البيان تفسير آيات الأحكام لمحمد علي الصابوني، وفي علم أحاديث الأحكام وأهم شروحها:
(1) (عمدة الأحكام من كلام خير الأنام فيما اتفق عليه الشيخان)، لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، ومن شروحه: (أ) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، وعليه حاشية العدة على إحكام الأحكام، لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، (ب) كشف اللثام بشرح عمدة الأحكام، لمحمد بن أحمد بن سالم السفاريني، (ت) تيسير العلام شرح عمدة الأحكام، لعبد الله البسام.
(2) (بلوغ المرام من أدلة الأحكام) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ومن شروحه: (أ) سبل السلام شرح بلوغ المرام، للصنعاني، (ب) فتح العلام شرح بلوغ المرام، لصديق حسن علي خان، (ت) توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام، لعبد الله البسام.
(3) (منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار)، لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية، وشرحه محمد بن علي الشوكاني في كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار.
(4) طرح التثريب في شرح التقريب لزين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي.
(5) الإلمام في أحاديث الأحكام، لابن دقيق العيد، شرحه المؤلف في كتاب: الإمام شرح الإلمام. كما أنّ هناك مؤلفات في الفقه أدنى من سابقتها لأنّها تعتمد على ظاهرية الادلة: ومثالها: كتب المذهب الظاهري ومؤلفات الشوكاني وفقه السنّة للسيد سابق.
ومن أهم كتب المذهب الظاهري: (المحلى) لابن حزم (أبو محمد علي بن أحمد بن حزم) 456 هـ، ولا شك أنّ للمذهب الظاهري شذوذات في الفقه بسبب انكاره للقياس، وتوسعه في الاستصحاب، وهذا ما دعا الفقهاء إلى عدم الاعتداد بمخالفات المذهب الظاهري في الفقه.
ومن مؤلفات الشوكاني (محمد بن علي بن محمد الشــوكاني) 1250 هـ، في الفقه: ولم يتقيد الشوكاني في كتاباته الفقهية بمذهب معين، ولهذا لم ندرج كتبه تحت مذهب بعينه، وتعتبر كتبه من كتب الترجيح، وإن كان قد تأثر بمنهج ابن حزم بدرجةٍ ما تركت في آرائه بعض الشذوذ، ومن كتبه الفقهية: (أ) كتــاب (الــدرر البهيــة) وهو مــتن مختصر، وله شرحان (الدراري المضيّة شرح الدرر البهية) للشوكاني نفسه، والثاني: (الروضة الندية شرح الدرر البهية) لصديق حسن خان القنوجي البخاري 1307هـ، (ب) كتاب (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار)، وهو شرح لأحاديث الأحكام الواردة بكتاب (منتقى الأخبار) لأبي البركات ابن تيمية، وقد اعتمد الشوكاني في شرحه أساساً على كلام ابن حجر في (فتح الباري)، (ت) كتاب (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار)، وفيه استدراكات للشوكاني على كتاب (الأزهار) وهو من أشهر كتب فقه الشيعة الزيدية.
***
[المفتاح الرابع]: ضوابط طلب الفقه عن طريق مؤلفات آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وكتب فقه الحديث: إنّ ضوابط طلب الفقه عن طريق مؤلفات آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وكتب فقه الحديث هو عدم الخروج عن أقوال الأئمة الفقهاء المعتبرون بقول جديد لأنّه غالبا ما يكون شاذا غير صحيح، وهناك أمر أهم ينبغي التنبه إليه، ألا وهو عدم الزام المسلمين بما توصلوا إليه من احكام، وقد كان الإمام مالك عالم أهل المدينة الذي تقطعت أكباد الإبل من أجل الوصول إلى فتاويه، يأبى أن يحمل خليفة المسلمين: المسلمين على اجتهاداته وأقواله، وقد ابتلينا بأقوام لم يشموا طبيعة الفقه قط اعتكف أحدهم على مسألة الحجاب والنقاب أسبوعاً ثم خرج ليقول أنّ الحق في المسألة هو وجوب النقاب وأنّ التي تكتفي بالحجاب على كبيرة من الكبائر، وأتهم ملايين المسلمات العفيفات المحجبات بالفسق، وبكونهن على كبيرة من كبائر الذنوب تقتضي التوبة النصوح، ولا يدري المتقعر بأنّ مسائل الفقه لا تؤخذ هكذا، وأنّ خصائص الخلاف في الفقه تختلف تماما عن خصائص الخلاف في الأصول، وفاته أنّ القول الذي خالفه (ألا وهو سنّية النقاب وفرضية الحجاب) هو قول جماهير الفقهاء في مشارق الأرض ومغاربها، وأنّ قوله وإن قال به البعض (فرضية النقاب) فإنّهم لم يرتبوا عليه أحكاماً كتلك التي رتبها من كون المحجبات على كبيرة، ومن اتهامهن بالفسق لتفريطهن في حق النقاب، كما أنّ الفقهاء اتفقوا على أنّه لا انكار في مسائل الخلاف الفرعي، أي في أحكام علم الفقه، وأنّه لا تجوز الحسبة في الأمور المختلف عليها بين أئمة الفقه المتخصصين فيه، وإلا آل الأمر إلى الشقاق والنزاع وضياع الدنيا والدين، نسأل الله تعالى الفقه في الدين، ومن يرد الله تعالى به خيرا يفقه في الدين.
[المفتاح الخامس]: تقييم فقه أهل الظاهر ومؤلفات ابن حزم في علم الفقه: قال الشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي في رسالته القيمة: ” التمذهب دراسة تأصيلية مقارنة للمسائل المتعلقة بالتمذهب “: (أسباب عدم الاعتداد بمذهب الظاهرية: لجمهور أهل العلم أسباب جعلتهم لا يعتبرون المذهب الظاهري ولا يعتدون بخلافه ومن هذه الأسباب:
(السبب الأول): وهو الرئيس هو عدم قولهم بالقياس أما ابن حزم فكلامه في ذلك مدون في الإحكام والمحلى وأما داود فوقع الخلاف في إنكاره القياس فمن أهل العلم من يرى أنه ينكر القياس جملة وتفصيلا ومن أهل العلم من يرى أنه ينكر من القياس غير الجلي وقد تقدمت أقوالهم في ذلك.
و(السبب الثاني): أن داود لم يكن مجتهدا مستقلا بل كان مجتهدا منتسبا إلى المذهب الشافعي بل كان متعصبا له ثم ادعى الاجتهاد ولم يسلم له، ذكر ذلك بعضهم لكن قد يقال: إن فتوى المجتهد المنتسب كالمستقل في العمل بها، والاعتداد بها كما تقدم معنا في كلام ابن الصلاح عند ذكر مراتب المجتهد غير المستقل.
و(السبب الثالث): أن صاحب المذهب وناقله عليهم مآخذ عقدية فداود اتهم بالقول بخلق القران وأما ابن حزم فينحو منحا المعتزلة في الصفات.
و(السبب الرابع): كثرة شذوذهم كما تقدم في كلام أهل العلم والأمثلة على ذلك كثيرة، وفي كلام بعض الأئمة السابق إشارة إلى بعضها.
(تنبيه مهم): المذهب الظاهري لم يحفظ كما حفظت بقية المذاهب في أصوله وفروعه وقواعده ويدل على عدم الحفظ أمور: (1) أن ما نقله ابن حزم في المحلى والإحكام إنما يمثل اجتهاداته هو لا اجتهادات داود وأصحاب المذهب وهذا لا يخفى على من طالع المحلى، وقارن آراء ابن حزم بآراء داود، لأن ابن حزم كان يدعي الاجتهاد كما لا يخفى أيضا بل كان يلزم كل الناس بالاجتهاد حتى العذراء في خدرها والبدوي في البرية، (2) أن المسائل الموجودة في المحلى على فرض أنها اجتهادات داود وأصحابه فهي مسائل منتقاة في الأبواب الفقهية ولا تمثل الفقه من ألفه إلى يائه كما هو الحال في بقية المذاهب، (3) أن المذهب الظاهري ليس فيه كتب في قواعد الفقه كما هو الحال في بقية المذاهب، (4) أن المذهب الظاهري ليس فيه مخرجون وأصحاب وجوه ومرجحون كما هو الحال في بقية المذاهب، (5) أن المذهب الظاهري إنما نقل إلينا عن طريق ابن حزم وهذا على فرض أن ما في كتب ابن حزم يمثل المذهب الظاهري أما بقية المذاهب فقد تناقلتها الأجيال عبر آلاف العلماء وملايين الناس، (6) أن المذهب الظاهري قد اندثر فلم يعد أحد يتمذهب به منذ قرون، (لفت نظر): لعلك لاحظت أن من لا يعتد بخلاف الظاهرية يمنع من الأخذ بأقوالهم مطلقا، وأما من يعتد بخلافهم: فمن أجاز منهم الخروج عن المذاهب الأربعة فلا مانع عندهم من الأخذ بمذهب الظاهرية بالشروط المذكورة عند مسألة الخروج عن المذاهب الأربعة، وأما من لا يجيز الخروج عند المذاهب الأربعة فلا يجوز عندهم الأخذ بمذهب الظاهرية إذا خالف الأربعة) أهـ ([61]) .
[المفتاح السادس]: تقييم مؤلفات الشوكاني في علم الفقه: على الرغم من براعة الشوكاني في كتابة نيل الأوطار الذي يمثل مرجعاً بالغ الأهمية في معرفة أدلة آيات وأحاديث الأحكام، وأقوال الفقهاء حولها، وعلى الرغم من براعته في الاستفادة من جهود من سبقه من الأئمة الفقهاء، واستفادته الكبيرة من جهود الإمام ابن حجر الفقهية في كتابه فتح الباري، إلا أنّ للشوكاني شذوذات قد تأثر فيها من حيث لا يشعر بكتابات ابن حزم الظاهري فقها، والقريب من المعتزلة عقيدة، منها هجمته على الصرح الفقهي الذي بناه أئمة المذاهب الأربعة، في كثير من الأحيان، تحت مظلة الدعوة إلى فقه الكتاب والسنّة وكأنهم لم يكونوا أشد حرصا على ذلك منه، بل وأرسخ علما بهما، ومن ذلك دعوته الغير منضبطة إلى الاجتهاد وكأنّه بالأمر السهل على طلبة العلم ولقد كان فحول الفقهاء ممن هم فوق الشوكاني علما وفقها يتحرجون من الاجتهاد خوفا من القول على الله تعالى وفي دينه سبحانه بغير علم، وتحريمه للتقليد في الفروع، وهو يظن ذلك من التيسير الذي دعا إليه، وهو في الحقيقة من أعسر التعسير على أمة النبي صلى الله عليه وسلم إذ لا يتيسر على العامة وهم أكثر الامة الترجيح بين الاقوال الفقهية التي يتوقف عن الترجيح فيها أفحل فحول العلم والفقه، كما أنّ غالب ترجيحاته التي خالف فيها جمهور الفقهاء أقوال شاذة تغلب عليها ظاهرية ابن حزم أو قصور الشوكاني عن معرفة مرار الفقهاء وسعة أفقههم في فهم أدلة الكتاب والسنّة وتحقيقها للمصالح والمقاصد، وعلى ذلك فلا بأس من دراسة كتب الشوكاني لمعرفة ادلة الفقهاء، ولكن دراستها على أنّها منهج ومذهب فقهي فهذا غير صحيح، لأنّه لا مقارنة أصلاً بين جهد فردي قام به الشوكاني على عدم اكتمال آلته في الاجتهاد الفقهي، وبين مذاهب متكاملة خدمها آلاف الائمة المجتهدين الذين أقلهم شأناً في الفقه من أصحاب الاجتهاد في المذاهب وأصحاب الوجوه والترجيح فيها قد يكون أرسخ علماً وأبعد نظرا وأفقه بالدين من الشوكاني والصنعاني وغيرهما ممن خدم الفقه ولكن على غير طريقة المتخصصين فيه، ثم هل للشوكاني وغيره مذهب اكتمل بناؤه من حيث أصول الفقه والقواعد الفقهية وأصول الجمع والترجيح، أم أنّها ترجيحات من هنا وهناك، لا يربطها رابط منهجي عام من أصول الفقه وضوابطه، وعليه فإنّه فلا بأس من دراسة كتب الشوكاني في الاحاطة بأدلة الفقه المقارن، ولكن دراستها على أنّها منهج ومذهب فقهي فهذا غير سديد ولا رأي رشيد، وهو ولوج للفقه من غير بابه، ودراسة له على غير أهله المتخصصين فيه.
[المفتاح السابع]: تقييم ترجيحات ابن تيمية والتي خالف فيها المذاهب الفقهية الأربعة: ابن تيمية: كان موسوعة واسعة في أكثر ابواب العلم الإسلامي، ولكنّها موسوعة كانت تحتاج إلى ترتيب وتهذيب، ولهذا أشار بعض علماء عصره إلى كون حفظه أكبر من مقدرة استيعاب عقله، لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً، ولكن كانت تنقصه دقة المتخصصين في العلوم التي تكلم فيها، ففي مجال علوم العقيدة، وقع في أخطاء أبرزها:
(أ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين، (ب) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك، ولو كان له معنى لما كان متشابها، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض – وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي – من شر مذاهب الفرق الضالة، (ت) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات (ث) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض، (ج) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، (ح) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء، (خ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة، (د) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة، (ذ) لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير، (ر) لم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك، (ز) لم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في التبديع.
أمّا في مجال الفقه _ وهو بيت القصيد ها هنا -: فإنّه كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، واتباع الكتاب والسنّة، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية – على مر عصور الإسلام – كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، هذا علاوة على خرقه الإجماع في كثير من مسائل الفروع، حتى قال الإمام المجتهد الورع تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ) في مقدمة كتابه الدرة المضية في الرد على ابن تيمية: (أما بعد: فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة، وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل.
وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث، وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب، وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء، ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام) أهـ [مقدمة الدرة المضية]، فهل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات: أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن الدين واهله، وعن السلفية والسلف، وعن العقيدة المنجية وأصولها وعن الفقه وأدلته، والتزكية وأسرارها، نعم نحترم مكانته، ولكنّه ليس بالمتخصص في علم معين يُقتدى به فيه، نحترم علمه ونذكر أخطاءه، ونضيف علمه إلى تراث العلم، بعد غربلته على أيدي المتخصصين، ولا مانع عند الخطأ أن نقول: أخطأ في تقرير تلك المسألة، ولا زلت أقول وأوقن أنّ ابن تيمية لو فهم علم التقديس وقواعد التنزيه على يد متخصص، لكان آية في العلم، ولتغيرت الكثير من موازين التقييم عنده، ولكنها مشيئة الله العليم الحكيم.
***
(المبحث العاشر) الجامعة الفقهية لأهل السنّة والجماعة
[المفتاح الاول]: أسباب ميل الفقهاء إلى الاكتفاء بالمذاهب الأربعة: أسباب عديدة منها: (السبب الأول): بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه، (السبب الثاني): صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد، حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق، (السبب الثالث): وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق (وما أعسرها) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة، ويمكنه الاجتهاد في إطارها، (السبب الرابع): تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله، (السبب الخامس): الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية الجامعة، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة – بفضل الجهود الجماعية لعلمائها – بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة ((أحد المتون العلمية)) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح، هذا في نفس الوقت الذي يتم فيه تدريس أصول الفقه والقواعد الفقهية المتعلقة بالمذهب، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة صحيحة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها.
[المفتاح الثاني]: الآراء الفقهية المؤصلة المعبرة عن رأي أهل السنّة والجماعة استقرت على المذاهب الأربعة: أصبح لكل من الأئمة الأربعة تلاميذ وأتباع يتبنون طريقتـه، وقد عرفت هذه الطرق بالمذاهب، والمذاهب الفقهية الباقية إلى اليوم والمعبرة عن رأي أهل السنّة والجماعة أربعة هي: مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، ومن ينظر اليوم في المذاهب الفقهية الأربعة الباقية فإنه يجد أن لكل مذهب بناءً فقهياً هائلاً له مؤلفاته وقواعده وأصوله وعلماؤه، وجذور كل مذهب تمتد إلى صاحب المذهب ومؤسِّسه، وهؤلاء الأئمة قد بنوا مذاهبهم بناءً مُحكماً، وذلك أنهم كان اعتمادهم على كتاب الله وسنة رسوله، والنظر الصحيح من الاجتهاد الراجح إلى الكتاب والسنة، وترجيح أشبه المذاهب بالكتاب والسنَّة، وقد تمثلت مذاهبهم في أقوالهم التي دونوها في كتبهم، أو أملوها على تلامذتهم، أو أجابوا بها من سألهم واستفتـاهم، وقد حملها عنهم أصحابهم وتلامذتهم، وجاء أصحاب الأئمة من بعدهم، فكان لهم دور كبير في استيعاب علوم أئمتهم، وحفظها ونقلها، ولولاهم لضاعت مذاهبهم وتلاشت، واعتبر بهذا بعالم مصر المحدث الفقيه الليث بن سعد رحمه الله، فإن جمعـاً من أهل العلم يقدمونه على الإمام مالك، ولكن أصحابه لم يحفظوا فقهه، يقول الإمـام الشافعي رحمه الله تعالى: (الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به) ([62]) .
كما لم يقتصر دور أصحاب الأئمة وتلامذتهم على نقل أقوال أئمتهم واستيعاب ما سمعوه منهم، فقد كان الرعيل الأول من أهل كل مذهب أصحاب عقول راجحة، قادرة على النظر والاستنباط، ولذلك فإن كثيراً منهم كانوا يزاحمون أئمتهم في الاجتهاد، ولم يكونوا يتحرجون من مخالفة أئمتهم إذا تبين لهم أن الحق في خلاف قولهم، واعْتُبِرَ في هذا بالمذهب الحنفي، فإن أصحاب الإمام أبي حنيفة وتلامذته شاركوا الإمام في تأصيل المذهب وإنضاجه، فمدونات الحنفية تذكر أن أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا معه الكتب كانوا أربعين رجلاً، كانـوا يختلفون عنده في جواب المسألة، فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي بالجواب عن كثب، وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام، ثمَّ يكتبونها في الديوان، ويبدو أن هذا الديوان الذي كتبت فيه مسائل الفقه التي تمخض عنها اجتهاد أبي حنيفة وأصحابه تمثل أصول المدونات الفقهية التي دونها أصحاب أبي حنيفة من بعده، والكتب المعتمدة عند الحنفية لا تقصر المذهب على أقوال أبي حنيفة، فقد يكون المذهب قول أبي حنيفة، وقد يكون قول أبي يوسف، أو محمد بن الحسن أو قول زفر، أو الحسن بن زياد.
[المفتاح الثالث]: تقارب المذاهب الفقهية حتى كأنّها اجتهادات في إطار مذهب واحد يمثل المذهب الفقهي الواسع لأهل السنّة والجماعة: المذاهب الفقهية متقاربة فيما بينها تقارباً كبيراً، حتى أن الذي يطالع اجتهادات الفقهاء في مختلف مذاهبهم، يجد كأنها مذهب واحد، وأسباب ذلك تتمثل في:
(أ) أنّ كل الأئمة والفقهاء أبناء مدرسة واحدة هي مدرسة أهل السنة والجماعة، عقيدتهم واحدة، ومنطلقاتهم الكبرى وأصولهم الفقهية تكاد تكون واحدة تتمثل في: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، فكلهم يأخذ بها، ويقيم بناءه الفقهي على أساسها، وبالتالي فإن أكثر اختلافهم هو في اطار فهم محتملات النصوص التي تقبل الوجوه المتعددة وبالتالي صارت أقوالهم تمثل المرجعية الواسعة في الفقه في إطار الجامعة الكلية (أهل السنّة والجماعة الناجية).
(ب) الأئمة الكبار مؤسسي المذاهب أخذ بعضهم من بعض، وتتلمذ بعضهم على بعض، فأبو حنيفة ومالك كانا يلتقيان في مواسم الحج، ويتناقشان في أصعب مسائل الفقه، وتلامذة أبي حنيفة رحلوا إلى الإمام مالك وأخذوا عنه، فأبو يوسف رحل إلى الإمام مالك، واستفتاه وأخذ عنه، والإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة روى عن الإمام مالك موطأه، والشافعي تتلمذ على مالك ومحمد بن الحسن، وأحمد تتلمذ على يد الشافعي سنوات عديدة، وأخذ علم مالك من أهل المدينة وعلم أبي حنيفة من أهل العراق، وكان يأخذ من كل تلك الروافد الفقهية، حتى أنّه لا يكاد ينفرد عن الثلاثة إلا في أقل المسائل.
(ت) المتدبر لمسيرة تطور علوم الفقه وبناء المذاهب الفقهية ذلك البناء الشامخ، يجد أنّ أقوال وآراء أكثر الأئمة المجتهدين على مر عصور الإسلام السابقة لعصر بناء المذاهب الفقهية الكبرى يجد أنّها جميعا قد دخلت في إطار أقوال المذاهب الأربعة، فقد جمع مالك في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كالصديق والفاروق وفقه زيد بن ثابت، وتلامذتهم من الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، وجمع أبو حنيفة في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة ممن عاشوا بالعراق كعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وتلامذتهما، وجمع الشافعي في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كعبد الله بن عباس ومدرسته الفقهية في مكة المكرمة، وجمع أحمد في مذهبه الأقوال الفقهية والمسوعة الحديثية لأكابر الصحابة ممن رووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشروا العلم في سائر الأمصار، كما دخل في أقوالهم الفقهية علوم الليث بن سعد عالم مصر وعلوم الأوزاعي عالم الشام وعلوم الثوري عالم العراق، فلا تكاد ترى قولاً لعلماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة إلا وهو مدون في المذاهب الأربعة.
(ث) بسبب اكتمال الأئمة الأربعة في مجال الفقه والاجتهاد، فإن أكثر اختلافهم اختلاف تعدد واختلاف توافق لا اختلاف تضاد، وأكثره تابع لكون ألفاظ الكتاب والسنّة قد تحمل معاني عدة في اللغة العربية وبالتالي فإن الفتوى ستتعدد بسبب تعدد المعاني التي ترمي إليها الألفاظ والتراكيب اللغوية التابعة لاتساع اللغة العربية واتساع معانيها وبلاغتها، وهكذا شاء الله تعالى أن يجمع موسوعة الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية في أقوال المذاهب الأربعة، ولهذه الأسباب فقد حظيت المذاهب الأربعة بقبول واسع لدى المسلمين وجاء فترات للأمة وتتابعت القرون قرنا وراء قرن لا تكاد تجد فقيها في الأمة الإسلامية إلا وهو ينتسب لمذهب منها.
[المفتاح الرابع]: ضوابط الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة: المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم.
ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب:
(1) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى.
(2) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهله المتخصصين فيه.
(3) المذاهب الأربعة متكافئة، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة فكلهم على خير. (4) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال – وفق الهوى – من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة، أو وجود الدليل الراجح، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه، وليس كل الناس علماء، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء.
(5) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله، ويصعب، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم، وقد حبى الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي.
(6) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب، ولا يجوز له التعصب من أجله، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع.
(7) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله، والأدلة محتملة، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد، وملكة الفقه والترجيح، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم، ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة.
(8) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ بل يخطئون ويصيبون، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة، وكان اختلافهم رحمة.
(9) دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة، بعدد كل ناعق مذهب، وينفرط عقد الفقه، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص، كما سبق أن ذكرنا ذلك.
(10) يفهم البعض من قول الأئمة الفقهاء (إذا صح الحديث فهو مذهبي) الفهم الخاطئ، فهم بهذا القول يظنون أنّه لا حرج من تخطئة الأئمة الفقهاء المجتهدين، بكل حديث ظنوا أنّه يُخالف ما ذهبوا إليه، ومن ثم يريدون الزام الناس بما فهموه، ويؤثمون أتباع الفقهاء في ترك الحديث من أجل قول فلان وفلان، وقد يبلغ بهم الحال إلى اتهام الناس في دينهم واخلاصهم لأنّهم ردوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل قول فلان وفلان، وهم لضيق أفقهم ومحدودية علمهم لا يعلمون أنّ الحديث قد يُعارضه حديث آخر أًصح منه وقد سبق بيان ذلك.
والخلاصة أنّ الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم وجعل فقهاءها خير الفقهاء، وقد كفانا الأئمة المجتهدون مؤونة أكثر الفقه، على أمل أن تتفرغ الأمة لغايتها من نشر الدين ونصرته وتحقيق أهدافه على أرض الله تعالى وبين عباده، لقد استوفت مسائل العبادات في باب الفقه بحثاً بما لا مزيد عليه، ومع تكرار البحث فيها والتقعر في مباحثها تضخمت وتورمت، وفي المقابل ضمرت مباحث المعاملات وتقلصت، مع أنّ مجال المعاملات واسع وكل يوم تأتي معاملة جديدة تبحث عن حكم شرعي، ناهيك عن احتاج الدول الإسلامية إلى مباحث علوم الاقتصاد الإسلامي والسياسة الشرعية الإسلامية، والعلاقات الدولية، والمعاهدات الجائزة في السلم والحرب والأمن والخوف، فالفحولة ها هنا تكون في الاجتهاد في تلك الأبواب لا أن نجتر كل يوم مسائل الخلاف في العبادات مع اتفاقنا أن الفقهاء الأربعة مجتهدون مأجورون في كل حال، من أصاب منهم له أجران ومن أخطأ منهم فله أجر، وأن أتباعهم على الجادة علموا أنّهم أهل الذكر، وأطاعوا الله تعالى في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وليس معنى ذلك الزام المحدثين بقول الفقهاء، فليس لنا الزامهم، ولكننا نطلب منهم عدم تصدير الخلاف إلى أمة الإسلام وعدم استعمال معاول الهدم لشرخ جدران الصرح الفقهي الذي بناه الفقهاء، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
[المفتاح الخامس]: خصائص الخلاف في الفقه الإسلامي عند أهل السنّة والجماعة: (أ) الخلاف في الفروع يختلف عن الخلاف في الأصول: فأمّا الخلاف الذي يتعلق بأصول الدين وأصول العقيدة فهو خلاف خطير لأنّه خلاف بين حق وباطل وبين هدى وضلال، وهو الخلاف الذي ينشأ عنه فرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار، وأما الخلاف في الفروق فإنّه خلاف بين صواب وخطأ، والمجتهد فيه له أجر سواء أصاب أم أخطأ، ولهذا تواترت أقوال الفقهاء بأنّه خلاف رحمة وسعة، وإذا كان هذا هو حال الاختلاف في المذاهب الفقهية، فلا يوجد أي داع للتعصب الفقهي المذهبي، ولا ينبغي ضياع الأعمار والجهود في المفاضلة بين المذاهب القائم على التعصب لأحدها على أنه قد جمع الحق في الفقه كله، بل الحق متوزع بينها وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المرحومة، إنّ الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة، على اختلاف مذاهب هذا الفقه: لا يوجد فيها أدنى مشكلة بين هذه المذاهب المتأصلة العريقة، بل إنّها علامة على صلاحية الشريعة الربانية لكل زمان ولكل مكان ولجميع أجناس البشر الصعب منهم والسهل، وهي لا تزال تمثل مظهراً من مظاهر السعة والرحمة والغنى والثراء في ميدان الاجتهادات الفقهية، والأحكام الشرعية.
ومن أهم مميزات الاختلافات الفقهية أنّها لا تضعف أبداً الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لأن ميدانها هو الفروع، الذي لا يزال الناس فيه مختلفين، فاختلافاتها سنة وقانون إلهيّ لا تبديل له ولا تحويل، وهي اختلافات تعدد وتنوع في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة، أي تنوع في الاجتهاد الفقهي في إطار الشريعة الواحدة، التي هي وضع إلهي ثابت، كما أنّ تجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ، لأنه يضر بالميزة التي حبى الله تعالى بها الفقه ألا وهي (السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان)، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا، ورحم الله تعالى مالكاً وقد عرض الخليفة العباسي أن يحمل الناسَ على الموطأ فأبى، وما ذاك إلا لأنّه يعلم أنّ اختلاف الأمة في الفقه وفي الفروع رحمة بالغة وسعة تغطي الزمان والمكان، وعلى ذلك فإنّ الذي نحتاجه في ميدان الفقه، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان.
[المفتاح السادس]: للفقه المقارن دوره الأهم في تكامل علم الفقه والتقريب بين المذاهب الفقهية الأربعة ونبذ العصبية لأحدها، لأنّه يقضي على الجهل وينمي التواصل بينها، حيث يعتبر الجهل المتبادل بين المذاهب الإسلامية من أهم أسباب التنافر بين أتباعها ومقلديها، وبالتالي فإنّ علم الفقه المقارن يقدم معرفة جيدة بآراء المذاهب وأدلتها ومعتمد علمائها ومجتهديها وبذلك تتراجع دعاوى التعصب المذهبي بين اتباع المذاهب الفقهية الأربعة المتأصلة، كما أنّ لهذا العلم دوره العظيم في التعرف على التراث الفقهي الإسلامي العظيم الذي يُعد بحق مفخرة أهل السنّة والجماعة أهل الفقه في الدين، كما أنّه يكشف أسباب اختلاف الفقهاء ويؤصل لرفع الملام عنهم في اختلافهم، عند معرفة مآخذهم الفقهية، فإنّ من أهم ثمار ونتائج ممارسة المنهج المقارن في الفقه، هو تمكن الباحث أو المجتهد من التعرف بشكل دقيق وعلمي على أسباب اختلاف المجتهدين وأهل الرأي، سواء تعلق الأمر باختلاف الفهم أو مصادر الاستنباط، كما يساعد علم الفقه المقارن على معرفة مساحات الاتفاق والاختلاف بين المذاهب، كما يكشف أن مسائل الشريعة ليست كلها عرضة للخلاف، بل فيها ما هو قطعي لا يدخله الخلاف أصلا، وفيها كليات الشريعة التي تضافرت على معناها النصوص واتفقت عليها الأمة قاطبة، وفيها الجزئيات المنصوصة التي لا يتعدد الفهم فيها لورودها في أقصى درجات الوضوح، وهي التي يقول فيها الفقهاء: لا اجتهاد مع النص، أولا اجتهاد في مورد النص، وأما ما كان بخلاف ذلك فهو مما يدخله الخلاف، كما أنّ له أهميته الكبرى لعلم الافتاء وعلم الاجتهاد، كما أنّ له أهمية في رفع الحرج على المكلف في كثير من الأحيان، كما تظهر أهميته المعاصرة عند التفكير في بناء النظريات الإسلامية المتكاملة في جميع المجالات الحياتية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والقضاء وكافة النظريات حيث لا يمكن بناء نظرية إسلامية متكاملة تمثل الإسلام فعلا، بالإقتصار على مذهب معين، بل لابد من إشراك جميع المذاهب في عملية بناء النظريات الإسلامية في جميع المجالات، لأن كتب الفقه المقارن يمكن ان تضع بين يدي الباحث المادة الكاملة والشاملة لآراء المذاهب والعلماء والمجتهدين حول أي موضوع، بحيث يتسنى بناء النظريات الإسلامية المتكاملة في كل المجالات.
[المفتاح السابع]: علم أصول الفقه المقارن ودوره المهم في ديمومة الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة ما يناسبها من الحكم: إنّ علم أصول الفقه هو السبيل الشرعي لبقاء الشريعة وجعلها صالحة لكل زمان ومكان: أصول الفقه هو الأساس الذي يُبنى عليه الفقه، حيث يبحث في الأدلة الإجمالية التي تستنبط منها هذه الأحكام، كما أنه يبحث في قواعد استنباط الأحكام من الأدلة أي الطرق التي يجب أن يتبعها الفقيه ليستنبط الأحكام من الأدلة التفصيلية، وكان أول من دون في علم أصول الفقه هو الإمام الشافعي، وقد كان الفقهاء قبل الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كليّ مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للفقهاء قانوناً كلياًّ يُرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، ولذلك ملأ طباق الأرض علما، وتكمن أهمية دراسة علم أصول الفقه في: ضبط أصول الاستدلال، والتعرف على الأصول التي بنيت عليها الأحكام الشرعية، ومعرفة الطريقة التي استنبط بها الأئمة المجتهدون أحكامهم والمقدرة على مقارنة آرائهم ومذاهبهم، والتمكن من الحصول على قدرة يستطيع بها الفقهاء استخراج الأحكام الشرعية للمستجدات من أدلتها الشرعية على أساس سليم، وتيسير عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة ما يناسبها من الحكم، وبالتالي فإن علم أصول الفقه هو السبيل الشرعي لبقاء الشريعة وجعلها صالحة لكل زمان ومكان، إن التبحر في دراسة علم أصول الفقه لاشك أنّ له دور عظيم في ضبط الفقه، وله أعظم الدور في بناء صرح الجامعة الفقهية الكبرى لأهل السنّة والجماعة.
[المفتاح الثامن]: علم القواعد الفقهية ودوره في بناء الجامعة الفقهية الكبرى لأهل السنّة والجماعة: عندما ظهرت المذاهب ودونت، واستقل كل مذهب بمنهج معين في بيان الأحكام، معتمدين على القواعد والأصول التي يسيرون عليها، وهنا ظهرت ثلاثة أنواع من القواعد، [النوع الأول]: قواعد الاستنباط والاجتهاد، وهي قواعد علم أصول الفقه، و [النوع الثاني]: قواعد التخريج، وهذه القواعد هي: قواعد مصطلح الحديث، و [النوع الثالث]: قواعد الأحكام، وهي القواعد التي صاغها العلماء، وبخاصة ومجتهدو المذاهب، لجمع الأحكام المتماثلة، والمسائل المتناظرة، وبيان أوجه الشبه بينها، ثم ربطها في عقد منظوم، يجمع شتاتها، ويؤلف بين أجزائها، وهذه هي القواعد الفقهية، التي تدور معظم مسائل الفقه حولها، وفي بيان اهميتها قال القرافي: ((وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، ومن جعل يخرّج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع واختلفت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب) ([63]) . وقال ابن نجيم ((هي أصل الفقه، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد)) ([64]) .
وقال السيوطي: (اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مرِّ الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر) ([65]) .
ومن فوائد القواعد الفقهية أنها تساعد في إدراك مقاصد الشريعة وأهدافها العامة لأن مضمون القواعد الفقهية غالبا ما يعطي تصوراً واضحاً عن المقاصد والغايات.
[المفتاح التاسع]: من أهم مباحث التجديد المنشود في علم الفقه الإسلامي: (1) إحياء جهود علماء المذاهب الاربعة وربطها بالأدلة، (2) عدم التعصب والمفاضلة بين المذاهب الأربعة المتخصصة على سبيل الصواب والخطأ فجميعها يعبر عن الجامعة الفقهية لأقوال فقهاء أهل السنّة والجماعة، (3) تجديد الاهتمام بأصول الفقه ودراسته وفهم وجهات نظر الفقهاء حول ادلته، (4) تجديد الاهتمام بالفقه المقارن بين مدارس الفقه المتخصصة وتقبل وجهات نظر أصحابها في إطار الجامعة الفقهية لأقوال فقهاء أهل السنّة والجماعة، (5) تجديد الاهتمام بالقواعد الفقهية الضابطة للفقه وضرورة إلمام الفقيه بها لما لها من فوائد جليلة في ضبط الآراء الفقهية وتصويبها، (6) تجديد الاهتمام بدراسة النظريات الإسلامية الفقهية المتكاملة، مع ضرورة إدخال دراسة أنظمة الإسلام ضمن دراسة الفقه، (7) تجديد الاهتمام بدراسة علم السياسة الشرعية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبيان حقوق كل منهما في اطار الشرع الحكيم دونما غلو أو تقصير، ودونما إفراط او تفريط.
***
([1]) صحيح البخاري 1/25 ح 71، صحيح مسلم 2/719.
([2]) صحيح البخاري 8/9 ح 6008.
([4]) مسند أحمد 36/382 ح 22062، سنن أبي داوود 5/444 ح 3592، المعجم الكبير للطبراني 20/170 ح 362.
([5]) صحيح البخاري 5/112 ح 4121.
([6]) صحيح البخاري 7/133 ح 5749.
([7]) صحيح البخاري 2/15 ح 946، صحيح مسلم 3/1391 ح 1770.
([8]) موطأ مالك 2/513 ح 4، سنن ابن ماجة 4/27 ح 2724، سنن أبي داوود 4/521 ح 2894.
([9]) صحيح البخاري 8/54 ح 6245، صحيح مسلم 3/1694 ح 2153.
([10]) صحيح البخاري 6/183 ح 4987.
([11]) مسند أحمد 27/318 ح 16754، سنن أبي داوود 5/501 ح 3660، سنن الترمذي 5/33 ح 2656.
([12]) دراسة تحليلية في تاريخ الفقه: الشيخ محمد أبو زهرة الإسلامي ص20، 21.
([13]) صحيح البخاري 3/171 ح 2652، صحيح مسلم 4/1936 ح 2533.
([14]) سنن الترمذي 5/47 ح 2680.
([15]) صحيح ابن حبان 6/63 ح 4879.
([16]) تزيين الممالك، للإمام جلال الدين السيوطي ص22-23.
([17]) مسند ابي داوود الطيالسي 1/244 ح 307، حلية الاولياء 6/295. معرفة السنن والاثار 1/206 ح 413.
([18]) معرفة السنن والآثار 1/206 ح413.
([19]) تاريخ الإسلام للذهبي: 4/713.
([21]) مسند أحمد 19/334 ح 12327، 5/152 ح 2869. وقال الترمذي وهذا حديث حسن غريب، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالي في الفتح (7/6): وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلي الصحة، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 5: 359.
([22]) الصحاح للجوهري: ج2 / 37.
([24]) أصول الفقه للزحيلى: ج2 / 1066.
([25]) الوجيز فى أصول الفقه: 402.
([29]) أصول الفقه للزحيلى: ج2 /1074.
([30]) الوجيز فى أصول الفقه: 404.
([31]) أصول الفقه لأبي زهرة: 361.
([32]) أصول الفقه للزحيلي: ج2 / 1075.
([38]) صحيح مسلم 3/1391 ح1770.
([39]) سنن أبي داوود 1/254 ح 338، المستدرك للحاكم 1/286 ح 632
([40]) سنن الترمذي 5/183 ح 2924.
([41]) رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص 10.
([42]) دراسات في الاختلافات العلمية للدكتور محمد أبو الفتح البيانوني، مقدمة الفصل الرابع.
([44]) مسند أحمد 29/354 ح 17820.
([47]) البداية والنهاية 13/419.
([48]) مصطفى الشكعة: الأئمة الأربعة ص163، 164.
([49]) سنن الترمذي 5/47 ح 2680.
([50]) صحيح ابن حبان 6/63 ح 4879.
([51]) تزيين الممالك، للإمام جلال الدين السيوطي ص22-23.
([53]) البداية والنهاية 9/291.
([54]) مسند ابي داوود الطيالسي 1/244 ح 307، حلية الاولياء 6/295. معرفة السنن والاثار 1/206 ح 413.
([56]) سنن ابي داوود 6/349 ح 4291.
([57]) مسند ابي داوود الطيالسي 1/244 ح 307، حلية الاولياء 6/295. معرفة السنن والاثار 1/206 ح 413.
([58]) البداية والنهاية 14/132.
([60]) البداية والنهاية 14/410.
([61]) التمذهب دراسة تأصيلية مقارنة للمسائل المتعلقة بالتمذهب للشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي ص 244.
([62]) تاريخ الإسلام للذهبي: 4/713.