(الفصل الأول) أهل السنّة والجماعة المصطلح والتسمية والطوائف المنتسبة
ويتناول تلك المباحث:
(1) المفهوم الشرعي لمصطلح (أهل السنة والجماعة).
(2) متى تسمى أهل الحق بأهل السنة والجماعة ولماذا تسموا بتلك التسمية المباركة.
(3) الطوائف الداخلة في إطار الجماعة الناجية (أهل السنة والجماعة).
(4) فائدة في بيان معنى النجاة .
[المبحث الأول] المفهوم الشرعي لمصطلح (أهل السنة والجماعة)
[المفتاح الأول]: المفهوم الشرعي لمصطلح (أهل السنة):
(السنة) في اللغة: جاءت على معنى الطريقة والسيرة، سواء أكانت حسنة أو قبيحة، والسيرة سواء أكانت محمودة أو مذمومة، ([1]) .
و(السنة): في القرآن والسنّة: جاءت تُوكد هذا المعنى اللغوي، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء:26]، أي يهيدكم طرق الذين من قبلكم، وهي طرائقهم، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) ([2]) .
و(السنة): لها معان اصطلاحية متعددة متنوعة تبعا لتخصص القائلين بها، فالسنة عند المحدثين لها معاني تختلف عن معانيها عند الفقهاء، وتختلف عن معانيها عند أهل أصول الفقه، وتختلف عن معانيها عند المتخصصين في أصول الدين (علوم العقيدة)، فأهل الحديث يعنون بها كل ما يُؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل او تقرير أو وصفة خلقية أو خلقية أو سيرة سواء كان قبل البعثة أو بعدها، وأهل الفقه يعنون بها المستحب والمندوب الذي يقابل الفرض والواجب فهي عندهم كل ما يثاب فاعله ولا يأثم تاركه وإن كان في تركه الملام، وأهل أصول الفقه يعنون بها ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل أو تقرير، و معناها عند المتخصصين في العقيدة اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مقابل البراءة من البدع العظيمة التي تؤول بأصحابها إلى مجانبة السنّة وأهلها والانتساب إلى الفرق الضالة المستحقة الوعيد بالنار، وعلى ذلك فمعنى السنّة عند المتخصصين في أصول الدين (علوم العقيدة)، وهو الذي يعنينا في بحثنا هذا هو: عقيدة الفرقة الناجية في مقابلة عقائد الفرق الضالة الباطلة، واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مقابلة البدع والضلالات، فإذا قيل (السنّة)، فالمراد هي السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها، ويشهد لها قوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن رغب عن سنتي فليس مني)) ([3]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ)) ([4]) . وقوله صلى الله عليه وسلم ((إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) ([5]) وإذا قيل مذهب أهل السنة، فالمراد: معتقداتهم وأقوالهم في أصول الدين والعقيدة، في مقابل أقوال أهل البدع والفرق الضالة.
[المفتاح الثاني]: المفهوم الشرعي لمصطلح (أهل الجماعة): (الجماعة) في اللغة: تأتي على معنى الاجتماع وهو ضد التفرق والفرقة يقال تجمع القوم إذا اجتمعوا من هنا وهناك ويقال الجماعة بمعنى العدد الكثير من الناس أو غالب الناس ([6]) .
و(الجماعة) جاءت في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم على معنى: الاجتماع على الحق الخالص وعدم الفرقة عليه، كقوله صلى الله عليه وسلم ((وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة)) ([7]) و (الجماعة) جاءت في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم على معنى: الاجتماع على ما عليه عامة المسلمين وسوادهم الأعظم: وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم (عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَمَنْ أَرَادَ بُحْبُحَةَ الْجَنَّةِ فَعَلَيْهِ بِالْجَمَاعَةِ) ([8]) فالمقصود بالجماعة هاهنا هم الغالبية والسواد الأعظم من المسلمين، ومنه قول أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه لما سئل عن الفتنة قال: (عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة)، وقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه (إن الذين تكرهون في الجماعة خير من الذي تحبون في الفرقة) ([9]) .
و(الجماعة) جاءت في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم على معنى: اجتماع أهل الحق إذا اجتمعوا على إمام، والجماعة المقصودة هاهنا هي جماعة المسلمين، ومن ذلك ما اخرجه البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) ([10]) وما أخرجه البخاري أيضا عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر ؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية)) ([11]) و حاصل معنى (الجماعة) يؤول إلى معنيين: (الأول): الاجتماع على ما اجتمع عليه أهل السنّة من الاتباع وترك الابتداع، و(الثاني): هم أهل السنّة الذين اجتمعوا على أمير على مقتضى الشرع، فيجب لزوم هذه الجماعة، ويحرم الخروج عليها وعلى أميرها، ومعنى (الجماعة) عند أهل التخصص في العقيدة: يشمل المعنيين الأول والثاني، الأول: الاجتماع على ما اجتمع عليه أهل السنّة من الاتباع وترك الابتداع، ويتفرع من هذا التعريف: أنهم هم الصحابة على وجه الخصوص لأنهم أئمة أهل الحق، وأنهم هم أتباع الصحابة جماعة أئمة العلماء المجتهدين من أهل السنّة المقتدى بهم في الدين، وأنهم هم السواد الأعظم من أهل الإسلام المتبعين للصحابة واتباع الصحابة من علماء أهل السنّة، فإذا اجتمع هؤلاء على أمير على مقتضى الشرع، فيجب لزوم هذه الجماعة، ويحرم الخروج عليها وعلى أميرها وهي آنذاك جماعة المسلمين، وتحقق المعنى الثاني لمفهوم الجماعة.
[المفتاح الثالث]: المفهوم الصحيح الشامل لمصطلح (أهل السنة والجماعة): إذا كان معنى (السنّة) عند المتخصصين في أصول الدين (علوم العقيدة) هو اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مقابلة البدع والضلالات، واتباع عقيدة الفرقة الناجية في مقابلة عقائد الفرق الضالة الباطلة، وإذا كانت (الجماعة) تعني الاجتماع على ما اجتمع عليه أهل السنّة من الاتباع وترك الابتداع، فإذا اجتمع هؤلاء على أمير على مقتضى الشرع، فيجب لزوم هذه الجماعة، ويحرم الخروج عليها وعلى أميرها وهي آنذاك جماعة المسلمين، وعند جمع المعاني الشرعية لكلا من (السنة) و(الجماعة) نجد أن أهل السنة والجماعة: هم المتصفون بالاجتماع على السنة ومجانبه البدعة، وهم الذين يجتمعون على لزوم الطاعة لائمة المسلمين وحكامهم الشرعيين وكل ما ينوب عنهم ما كانوا على الإسلام وأقاموا شرع الله عز وجل، وتحريم الخروج عليهم بالسيف إلا لكفر بواح المسلمين فيه من الله تعالى برهان ساطع وحجة بينه، ومصطلح (أهل السنة والجماعة) يقوم على معنيين متكاملين: المعنى الأول: هو تحري الحق الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، والاجتماع عليه، ويعني عدم التفرق في الدين بما أحدثته المبتدعة والفرق الضالة من بدع وضلالات تخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضي الله عنهم، وأهل السنة والجماعة في هذا (المعنى) يقابلون أهل البدع والضلالات وأهل الفرق الضالة والأهواء المبتدعة، والمعنى الثاني: هو لزوم الطاعة لائمة المسلمين وحكامهم الشرعيين وكل من ينوب عنهم ما كانوا على الإسلام وأقاموا شرع الله، وتحريم الخروج عليهم بالسيف إلا لكفر بواح للمسلمين فيه من الله تعالى برهان ساطع وحجه بينه، وهذا هو الذي استقر عليه أهل السنة والجماعة في نهاية المطاف بعد تجارب مريرة مع السيف لم تجن أمة الإسلام من ورائها سوى الفتن وإراقة الدماء، قال ابن تيمية: (ولهذا استقر رأي أهل السنة والجماعة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ن وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم) ([12]) .
وقال ابن حجر – فيما يخص الخروج بالسيف على أئمة الجور -: (وهذا مذهب للسلف قديم، ولكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد افضى إلى ما هو أشد منه) ([13]) .
(وأهل السنة والجماعة) في هذا المعنى يقابلون أهل البغي والفرقة والعصيان والخروج على جماعة المسلمين، و (أهل السنة والجماعة): – عند جمع المعنيين – هم أهل السنة المتحرين للحق الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، وينبذون في المقابل –كل المحدثات والبدع التي من شأنها التأثير على صحة الدين وصفائه ونقائه، وهم أهل الجماعة الحريصون على جمع الناس على كلمة الحق، والحريصون أشد الحرص على جماعة المسلمين ووحدتهم واجتماع كلمتهم بطاعة أولي الأمر منهم وينبذون في المقابل كل ما من شأنه أن يفرق جماعتهم، ويشتت كلمتهم ويزرع الفتنة بين صفوفهم، وأهل السنة والجماعة: هم على العصور المجتمعون على (السنّة) سنة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، والحريصون على (الجماعة) ونبذ الفرقة والتفرق، وهم المعنيون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ)) . ([14])
***
[المبحث الثاني] متى تسمى أهل الحق بأهل السنة والجماعة؟ ولماذا تسموا بتلك التسمية المباركة؟
[المفتاح الأول]: لبث النبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثته قرابة ثلاث وعشرين عاما بين ظهراني أصحابه رضي الله عنهم يعلمهم ما يقيم لهم الفهم الصحيح المرتضي المحيط بكافة جوانب الدين وجميع عراه، وكان الصحابة رضي الله عنهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلب رجل واحد في أصول الدين وأركان الإيمان ووسائل العقيدة وأصول الفقه ووسائل التزكية، ومهما ظهر انحراف صغير عالجه النبي صلى الله عليه وسلم في وقته وقضى عليه في مهده، ولم يقبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا والصحابة رضي الله عنهم على مثل بيضاء ناصعة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وظل المسلمون على هذا الحال الطيب على عهد الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وصدرا عريضا من خلافة الخلفة الراشدة عثمان رضي الله عنه، والفتنة آنذاك نائمة وبابها موصد وطريقها مغلق، والصحابة جميعا على كلمة سواء.
[المفتاح الثاني]: لما كان من سنن الله تعالى الكونية أنه ليس بعد التمام والكمال إلا النقص، فقد شاءت حكمة الله تعالى أن تضطرم الفتنة على آخر عهد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وتولي كبرها وإثمها غوغاء الأمصار وصفاؤهم، وأدت تلك الفتنة إلى مقتل الخلفة الراشد عثمان رضي الله عنه مظلوما شهيدا مبشرا بالشهادة وبالجنة، واتجهت الأنظار بعد مقتله رضي الله عنه إلى الأمام عي رضي الله عنه، وبويع بالخلافة ليصبح رابع الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالعض بالنواجذ على سننهم وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليه بالنواجذ) ([15]) .
ثم لم تهدأ الفتنة بعد مبايعة الإمام علي بالخلافة إذ سيطر الغوغاء والسفهاء على جيشه ولم يستطع أن يقتص لدم عثمان رضي الله عنه، فطالبه الصحابيان الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله بدم عثمان وخرجا إلى البصرة مخالفين له وخرجت معهما وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقصد الإصلاح بين الناس فخرج الإمام علي إلى البصرة وقابلهما وتكلم مع الزبير وطلحة فرجعا عن خلافهما معه وخرجا من عنده إلا أن الغوغاء والسفهاء من قتلة عثمان قتلوهما غدرا وغيلة مخافة أن يجتمع الصحابة جميعا على أمر واحد ويتفرغوا لقتلة عثمان، وبالليل أنشب قتلة عثمان الحرب بين الطرفين وكلاً من الطرفين يظن ان الطرف الآخر هو الذي بدأ القتال، وكان من موقعة الجمل ما كان ولولا السفهاء ما كانت فتنة ولا قتال، ولما اختلف صحابي مع أخيه فضلا عن قتاله.
وما كادت تهدأ تلك الفتنة حتى تجددت المطالبة بدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وكان معاوية هو المطالب بدم عثمان بن عفان هذه المرة، وذلك لقرابته من الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، والامام علي رضي الله عنه أنداك لم يستتب له أمر جيشه وذلك لكثرة الغوغاء والسفهاء فيه فكان يريد المهلة حتى يستتب له الأمر ثم يأخذ بدم عثمان، ولكن معاوية لم يمهله وأصر على طلبه لدم الخليفة عثمان رضي الله عنه وقد كان له وجه اجتهاد ولكنه اجتهاد خاطئ، والحق كان أقرب إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وظل الخلاف حتى كانت موقعة صفين وكان فيها ما كان، وأدنى الطائفتين وأقربهما إلى الحق طائفة الإمام الراشد على رضي الله عنه، والبغي من نصيب الطائفة الأخرى، وللصحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم حُرمة عظيمة، لا يتعداها إلا ضال، وجميعهم أكابر وأخطاؤهم مغمورة في بحر حسناتهم، ولا يحق لمن جاء بعدهم إلا ما جاء في قوله تعالى – بعد ذكر فضائل المهاجرين والأنصار -: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
وهكذا وجدنا الإمام علي رضي الله عنه بين تأديب السفهاء والقصاص لدم عثمان رضي الله عنه وبين المطالبين بدم الإمام عثمان رضي الله عنه، وهو أشد ما يكون حرصا على وحدة الأمة ووحدة صفوفها، فإذا بالفتنة الحقيقية تطل برأسها متمثلة في ظهور (الخوارج) وخروجهم عليه، وكانت أول فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الخوارج انتقصوا من الإمام علي وكفروه وخرجوا عليه بعد (صفين) محققين ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من خروج هؤلاء الضالين الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من المية، وقاتلهم الإمام علي رضي الله عنه وسن للأمه من بعده إحكام التعامل مع هؤلاء، وبحمد الله تعالى قتل الكثير منهم وتحققت على يديه بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هؤلاء، وعلى النقيض من هؤلاء الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه ظهر (الروافض) وكانوا بمثابة ثاني فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الروافض غالوا في الإمام علي مغالاة عجيبة وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، حيث قدموه على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما تقديم تنقيص لهما واتهام لهما بظلمه وسلب الخلافة منه وهو الأحق بها، ووصل إلى سامعه أن هؤلاء يقدمونه على الشيخين ابي بكر وعمر رضي الله عنهما فأمر بجلد من يصدر عنه ذلك وأخرج البخاري في صحيحه قول الإمام علي رضي الله عنه ((لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري)) ([16]) . وهكذا ظل الإمام علي رضي الله عنه يحارب هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض) ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها، وظل على ذلك الجهاد حتى تمكن أحد الخوارج من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه.
[المفتاح الثالث]: بايع أصحاب الإمام علي رضي الله عنه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة لمعاوية بن ابي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وبعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، ومن ساعتها بدأ تمايز أهل الطائفة الظاهرة المنصورة والفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، واجتماعهم على تقديم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان على الخليفة الراشد علي، والترضي عنهم جميعا، رضي الله عنهم وأرضاهم، وذلك في مقابل الشيعة الذين خالفوا هدى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، والذين قدموا الإمام علي رضي الله عنه على الخلفاء الراشدين ابي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا، تقديم تنقيص واتهام لهما بسلبه حقه، مخالفين بذلك إجماع الصحابة على تقديم الشيخين واتفاقهم على تقديم الخليفة الراشد عثمان على الخليفة الراشد علي رضي الله عنهم جميعا، ثم لم يكتف هؤلاء الضالة بذلك، حتى وقعوا في الصحابة وسفهوهم آل بهم الغلو إلى تكفير الصحابة والحكم بردتهم جميعا إلا قليلا.
(وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق ولزومهم طاعة أولي الأمر وأئمة المسلمين وخلفائهم وحكامهم ما كانوا على الإسلام وأقاموا شرع الله تعالى، وتحريم الخروج عليهم بالسيف إلا لكفر بواح للمسلمين فيه من الله تعالى، وذلك في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي رضي الله عنه استحلوا دماء المسلمين.
[المفتاح الرابع]: هكذا نجد: أن بداية ظهور وترسيخ هذا القب (أهل السنة والجماعة)، كان مقترنا مع تصالح الحسن بن علي رضي الله عنهما مع معاوية رضي الله عنه، وتنازله بالخلافة له، حتى يصلح بين المسلمين ويجمع كلمتهم، ومن ساعتها بدأ تمايز (أهل السنة والجماعة) الذي تمسكوا بالسنة في مقابل الروافض الذين تمسكوا بالبدعة والضلالة، والخوارج الذين تمسكوا بالبغي والعصيان والخروج والفرقة، ومع اجتماع أهل الحق الخالص (أهل السنة والجماعة) ظل الخوارج والروافض تتجارى بهم الأهواء والبدع والضلالات، وهم على قلتهم كما تمادى بهم زمان اختلفوا وانقسموا فيما بينهم إلى فرق داخل الفرق وأهواء داخل الأهواء كلها يخالف بعضه بعضا ويرميها بالكفر والمروق من الدين، وهذا شأن أهل البدعة والضلالة والباطل وصدق الله تعالى حيث يقول: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، فشأن الحق أهله مجتمعون عليه، وشأنه الباطل أهله منقسمون عليه متنازعون فيه والله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الانعام: 159] فالخوارج انقسموا إلى قريب من عشرين فرقه كلها يكفر بعضها بعضا وسائر المسلمين، والشيعة انقسموا فيما بينهم إلى قريب من ثلاثمائة فرقة لكل مقال يخالف بعضها بعضا ويرميها بالكفر والضلال.
ولم ينته الأمر إلى ظهور الخوارج والروافض، فقد امتد الزمان ببعض الصحابة حتى ظهرت (القدرية)، وانقسموا بعد ذلك إلى فرق ضالة تكفر بعضها بعضا، وعلى النقيض منهم ظهر الجهمية الجبرية وفتحوا بابا عريضا نحو الانحلال والزندقة والاحتجاج على الله تعالى بالمعاصي، وعلى النقيض من الخوارج ظهر المرجئة كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوه إيمان العصاة كإيمان الملائكة وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب.
وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و (المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
[المفتاح الخامس]: أكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول.
[المفتاح السادس]: صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة (الأشعرية)، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال – والمدرسة (الماتريدية)، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور العصور توالت ظهور الفرق الضالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة، وظل أهل الحق خالص (أهل السنة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنة متمسكون فكانوا على مر العصور الطائفة المنصورة والجماعة الناجية فلله الحمد والمنة والفضل والثناء الحسن أن جعلنا في زمرة أهل الحق بعيدين كل البعد عن أهل الأهواء والبدع والضلالات، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان والفرقة.
[المفتاح السابع]: النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أشار إلى مسمى الجماعة الناجية (اهل السنّة والجماعة) بقوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث النجاة: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([17]) . فالذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو السنّة والذي عليه الصحابة الكرام هو الجماعة، لاسيما وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([18]) .
فكم كان بحمد الله تعالى اختيار أئمة الحق لهذا اللقب (أهل السنة والجماعة) كدليل على الطائفة الناجية الظاهرة بالحق وعلى الخلق حكيما موفقا، (فالسنة) كما ذكرنا لأنهم أهل السنّة، العالمون بها والمتمسكون بهديها، وغيرهم على البدعة الضلالة، نعوذ بالله من الخذلان، (والجماعة) لأنهم مجتمعون على الحق، ومن دونهم على باطلهم متفرقون وعلى الأمة بغاة خارجون مفرقون شملها وكلمتها، ولذلك كان لقب الفرقة الناجية (أهل السنة والجماعة) علامة على حالهم، ووصف دقيق لأجل صفاتهم وسماتهم، ورسم قويم لمناهجهم، وفي المقابل أهل البدع والأهواء وأهل البغي والخروج والإثم والعدوان، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال، وكان بحمد الله تعالى اختيار هذا اللقب بتقدير من الله تعالى وتوفيق، فلله الحمد والمنة والفضل في ذلك التوفيق، ولا يظن ظان أن هذا اللقب قد أحدث عبر السنين وأنه لم يعرف إلا بعد وقوع الفتنة والافتراق، وإنما هو لقب شرعي مأثور عن سلف هذه الأمة الصالح رضي الله عنهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين خير قرون الإسلام وقدوتهم المثلى، وتمتد جذوره لتصل إلى جماعة المسلمين الاولى التي رباها وعلمها وزكاها النبي صلى الله عليه وسلم بهداية من الله تعالى وتوفيق، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرنا بالسنّة وهو صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا بالجماعة، وذلك في مثل قوله صلى الله عليه وسلم ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضو عليها بالنواجذ))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن رغب عن سنتي فليس مني)) ، وقوله صلى الله عليه وسلم – وهو يحذرنا من البدع التي تناقض السنن – ((إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) ([19]) .
والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرنا بالجماعة وحثنا عليها، بقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وعليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة) [سبق تخريجه]، وقوله صلى الله عليه وسلم وهو يأمر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بلزوم الجماعة: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))، ([20]) .
فمن هذه النصوص نعلم يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضع اللبنة الأولى للقب الفرقة الناجية وأنها (أهل السنة والجماعة) المتمسكون بالسنة والجماعة، والصحابة رضي الله عنهم هم أول من أثر عنهم هذا اللقب فقد أخرج اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} قال رضي الله عنه فأما الذين ابيضت وجوههم (فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم) وأما الذين اسودت وجوههم (فأهل البدعة والضلال) ([21]) .
وهكذا نرى أن استعمال هذا اللقب دلالة على أهل الحق كان معروفا لدى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وها هو حبر القرآن رضي الله عنه يعبر عنهم بلقب أهل السنة والجماعة، رغم أن الكثير من أهل البدع والفرق والأهواء لم يكونوا قد أطلوا برؤوسهم الخبيثة بعد، ومع توالي ظهور الفرق الضالة، وتنازع أهلها ببدعهم المنكرة وأهوائهم الضالة، استعمل سلفنا الصلح من التابعين وتابعيهم بإحسان لقب (أهل السنة والجماعة) دلالة على أهل الحق الخالص، أصحاب الفرقة الناجية والطائفة الظاهرة المنصورة، في مقابل أهل الفرق الضالة وأصحاب البدع المنكرة، لذلك وجدنا الأئمة الإعلام وهم يصنفون عقائد الفرق الناجية يطلقون عليها عقائد أهل السنة والجماعة، فها هو الإمام أبو جعفر الطحاوي يقول في مقدمة عقيدته المشهورة (العقيدة الطحاوية) (،، هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة،، ثم شرع رحمة الله تعالى في بيان اعتقاد الفرقة الناجية) [مقدمة العقيدة الطحاوية]، وعلى ذلك فأهل السنة والجماعة وصف ولقب يتميز به أهل الحق الخالص والفرقة الناجية والطائفة الظاهرة المنصورة على مر العصور الإسلام وإلى قيام الساعة لا يحصرهم مكان أو زمان معين، ولا يخلوا منهم زمان لأنهم حجة الله تعالى على خلقه، وبهم يتحقق وعد الله تعالى يحفظ الدين، وفيهم يصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا ينصرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)) ([22]) .
***
[المبحث الثالث] الطوائف الداخلة في إطار الفرقة الناجية (أهل السنة والجماعة)
[المفتاح الأول]: (أهل السنة والجماعة) هم أهل السنة الذين يهتمون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم أشد اهتمام، وهم أهل الجماعة يحرصون عليها أشد الحرص، وهم في مجموعهم يمثلون سواد المسلمين الأعظم والذي قارب اليوم ملياري مسلم على وجه الأرض يزيد أهل السنة والجماعة فيهم على نسبة الثمانين بالمائة، وهم الذين ينتسبون إلى السنّة ويلقبون باسمها، دون من تسمى بغير اسمها كسائر الفرق الضالة الشيعة والخوارج والإباضية والمعتزلة والمجسمة وغيرها.
[المفتاح الثاني]: وهم (أهل السنة والجماعة) كل من اعتقد بصحة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ويؤمنون بعدالة كل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ويحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح الثالث]: وهم (أهل السنة والجماعة): أهل القرآن تلاوةً وتدبراً وفهماً وحفظاً وتفسيراً، ولهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة، وكل هذه القراءات وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية لاسيما في المشرق، ورواية قالون في ليبيا تونس، ورواية ورش في الجزائر والمغرب وموريتانيا ومعظم الدول الإفريقية، ورواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال.
[المفتاح الرابع]: وهم (أهل السنة والجماعة): أهل السنة النبوية يتمسكون بسنة وهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يأخذون السنة من كتب السنة المعتمدة لديهم، وأهمها صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن الأربعة: سنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه، والموطأ والمسانيد كمسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرها كمصادر للاعتقاد والتشريع.
[المفتاح الخامس]: وهم (أهل السنة والجماعة) أهل الفقه في الدين، ويأخذون الفقه عن الأئمة الأربعة، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تُراجع ولم تنتشر ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة.
[المفتاح السادس]: وهم (أهل السنة والجماعة): أهل الفقه الأكبر في الدين، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة، والتفريق بين المحكم والمتشابه، عملاً بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)} [آل عمران: 7}، ففي المحكم تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم والفقه في الدين، لأن المحكم أصل العلم، {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، وفي المتشابه: تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة، وبين الجهمية والمعتزلة، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، ثم لما كان الوقف – في الآية – محتملاً على لفظ الجلالة (الله) أو على قوله قوله تعالى (والراسخون في العلم)، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد، اتسع إطار أهل السنة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله.
وعلى ذلك استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، (الأولى): المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، و (الثانية): الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، و (الثالثة): الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ولا يمكن فصل إحداها بحال، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة.
[المفتاح الثامن]: وهم (أهل السنة والجماعة) يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية السنّية)، ومن أشهرها عند أهل السنة والجماعة الطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية والطريقة الدسوقية والطريقة البرهانية والطريقة القادرية والطريقة التيجانية، وكلها تنتمي في أصولها العريضة إلى أهل السنّة والجماعة الناجية، إلا من شذ، ولا عبرة بالشاذ، ونحن نتكلم على مجمل الداخلين في إطار أهل السنّة والجماعة الناجية إن شاء الله تعالى، وبعد: فهذا هو الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة، سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم، فهذا هو الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة، سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الجماعة الناجية سواد الأمة الأعظم الذين يتمسكون بالكتاب والسنّة ويحرصون أشد الحرص أشد الحرص على جماعة المسلمين ووحدتها.
***
المبحث الرابع (فائدة): في بيان معنى النجاة في حديث تفرق الامة لضالة وهدي الجماعة الناجية أهل السنّة والجماعة في معاملة فرق المسلمين الضالة
[المفتاح الأول]: ليس معنى (الفرقة الناجية) أن أفرادها ناجون من النار مهما أتوا من الذنوب والمعاصي، يل ثبت أن هناك من يعذب في النار من امة الإسلام بذنوبه ومعاصيه، فإنّ كل نفس بما كسبت رهينه، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وليس معنى (الفرقة الناجية) أنّهم في مأمن من من عذاب النار، بل كل مسلم أيا كان يحاسب على عمله فمن غلبت سيئاته حسناته فهو معرض لعذاب النار إلا أن يعفوا الله عنه، ولكن المقصود بــــ (الفرقة الناجية) أنهم اعتقدوا الاعتقاد الحق في أصول الدين وأركان العقيدة سالمين من بدع الضلالة التي تستوجب النار، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق ((كلها في النار إلا واحدة)) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، (كلها في النار) لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين، وقد يشفع لهم شفيع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين، وقد يكون لهم من الحسنات الماحية والمحن والمصائب المكفرة ما يدرأ عنهم دخول النار، كما قد يعفو الله تبارك وتعالى عنهم بفضله وكرمه، لا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق ولكن لم يوفقوا فيه فأخطأوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، و(الوعيد بالنار) لتلك الفرق لا يقتضي الخلود فيها، يستحقون النار، لبدعتهم في الدين، ولكن لا يحكم على جملتهم لا بالكفر، ولا بالنار، وإن كان من أقوالهم ما يكون كفرًا، فليس يلزم من كون القول كفرا أن يكون قائله كافرا، ولا يلزم من كون الفعل كفرًا أن يكون فاعله كافرًا، لعدم توفر الشروط وانتفاء الموانع، وقد تكون البدعة ممن في قلبه الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وغلط فيما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة، وقتالاً للأمة، وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين، وخير مثال لنا هو قتال الإمام علي رضي الله عنه للخوارج الناكثين فكان لا يبدأهم بقتال ولا يستحل أموالهم ولا حرماتهم، بل كان يداوي جريحهم ويطعم أسيرهم ولا يلاحق الفار منهم والهارب حتى يكونوا هم من بذءوا المسلمين بالقتال، كما ذكرت الآثار عنه رضي الله عنه، وهكذا سائر الثنتين وسبعين فرقة من فرق المسلمين، إلا من كان منافقا يظهر الإسلام، كما يكثر ذلك في طوائف الروافض، فإن من تتبع مقالات بعظهم وكذبهم على أئمتهم جزم يقينا بأنهم لا يريدون للإسلام والمسلمين إلا الشر، فهؤلاء لله حسيبهم ولنا الظاهر والله أعلم بالبواطن.
[المفتاح الثاني]: هدي أهل السنّة والجماعة الرشيد في معاملة فرق المسلمين الضالة: كل اهل الفرق الضالة يكفر بعضها بعضا ولا توجد لديهم ضوابط لتكفير المسلمين فكل من خالف مذاهبهم الضالة كفر، إلا اهل السنّة والجماعة فلا يكفرون أحدا من أهل الفرق الضالة أبدا، ما داموا بالشهادتين قائلين وبمضمونهما ملتزمين، فهم في نظر اهل السنّة والجماعة مسلمون، لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان، فلا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام، لان أهل الإسلام ثلاثة أصناف، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وجميعهم داخلون في الاصطفاء وهم أهل الإسلام، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد)) ([23]) . وقال صلى الله علية وسلم: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)) ([24]) وقتل المسلم أهون من تكفيره، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها: أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج أهل السنة، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه.
[المفتاح الثالث]: افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام: أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)) [سبق تخريجه] وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أهل الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن، ممن يشهدون بأنّه لا إلاله إلا الله ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله، فلا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه، والله تعالى يقول: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144]، وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الانفال: 73]، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس، وأنهم أمة واحدة من دون الأمم.
[المفتاح الرابع]: ومن جمال مذهب اهل السنّة والجماعة اعتدال رؤيتهم لغيرهم من أهل القبلة، فجميعهم مسلمون والمسلمون كافة داخلون في الاصطفاء الرباني، لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، وجميعهم مآلهم إلى رضوان الله تعالى وجنته، وإن لبث بعض العصاة منهم أحقابا في النار، هم حير الأمم قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ)) ([25]) . والأصل بين المسلمين هو وحدة التآلف والتكامل والتراحم، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين، قال تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102، 103]، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وقال صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([26])
[المفتاح الخامس]: هدي أهل السنّة والجماعة في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد، فــــ (المسلم) عندهم: هو كل من قال (لا إله إلا الله – محمد رسول الله): مقرا لها بلسانه، معتقدا لها بقلبه، والاعتقاد القلبي له ركنان، (قول القلب وهو المعرفة والتصديق القلبي للشهادة، وعمل القلب، وهو الانقياد والاذعان والقبول القلبي لها)، ولما كان حال القلب لا يطلع عليه إلا الله، فإن المسلم عندهم هو كل من قال ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله))، مقرا بها منقادا لها بلسانه، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر، وهذا المسلم: لا يكفرونه بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، واعظم سياج لحفظ حرمة المسلم هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته)) ([27]) . ولا يصح عندهم تفريغ الحديث من معناه، فمن صلى صلاة المسلمين واستقبل قبلتهم وأكل ذبيحتهم فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ)) [سبق تخريجه] وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على أي مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)) ([28]) .
فأهل السنّة والجماعة يعتقدون بخطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه، وذلك لأنّ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله، فكذلك التكفير، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، وهم (اهل السنّة والجماعة): يرون أنّ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فيه الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، وأهل الفرق الضالة مسلمون، لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان، فلا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم، فقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد)) ([29]) . وقال صلى الله علية وسلم: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)) ([30]) . ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها: أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج أهل السنة، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه، والخلاصة: فإنّ هذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية: بدعة الخروج، وبدعة التشيع، وبدعة الاعتزال، وبدعة الحشو والتجسيم، وقد تجمع فرقة ما بين بدعتين كما جمعت الشيعة الإمامية ما بين الرفض والاعتزال، وكما جمعت الوهابية بين الحشو والتجسيم وبين الخروج، ومع ذلك فالجميع مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات، ولا يجوز استحلال شيء من حرماتهم لأجل بدعتهم، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، و (المبتدعة) ندعو لهم بالهداية، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين.
***
([1]) [لسان العرب 13/225، القاموس المحيط 4/238، مختار الصحاح 317].
([3]) صحيح البخاري 7/2 ح 5063.
([4]) مسند أحمد 28/373 ح 17144/ سنن الترمذي 5/44 ح 2676. [وقال الألباني إسناده صحيح ورجاله ثقات]،
([5]) سنن ابن ماجة 1/29 ح 43، سنن ابي داود 7/16 ح 4607[وقال الألباني إسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات]
([6]) لسان العرب (جمع) 8/53-85، مختار الصحاح (جمع) 110/111، المعجم الوسيط (جمع) 1-135-136
([7]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597. سنن ابن ماجة 5/128 ح 3991. [ وقال الألباني: الحديث صحيح قطعا لأن له ست طرق أخرى عن أنس، وشواهد عن جمع من الصحابة].
([8]) مسند أحمد 38/220 ح 23145.
([9]) [الاعتصام للشاطبي 2-261].
([10]) صحيح البخاري 4/199ح 3606، صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([11]) صحيح البخاري 9/47 ح 7054. صحيح مسلم 3/1477 ح 1849.
([13]) [تهذيب التهذيب ج 2-288]،
([14]) صحيح مسلم 3/1524ح 1923.
([15]) أخرجه ابن ابي العاصم في كتاب السنة 1/29 حديث (54) وقال الألباني إسناده صحيح ورجاله ثقات.
([16]) صحيح البخاري 5/7 ح 3671.
([17]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([18]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597. سنن ابن ماجة 5/128 ح 3991. السنة لابن أبي عاصم 1/32 ح 63, [ وقال الألباني: الحديث صحيح قطعا لأن له ست طرق أخرى عن أنس، وشواهد عن جمع من الصحابة].
([19]) صحيح البخاري 3/69، صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([20]) صحيح البخاري 9/51 ح 7084.
([21]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1-79.
([22]) صحيح مسلم 3/1523 ح 1920.
([23]) صحيح البخاري 2/176 ح 1739، صحيح مسلم 2/886 ح 1218.
([24]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([25]) سنن الترمذي 5/226 ح 3001.
([26]) صحيح مسلم 4/1999 ح 2586.
([27]) صحيح البخاري 1/87 ح 391.
([28]) صحيح البخاري 8/26 ح 6104، صحيح مسلم 1/79 ح 60 واللفظ له.