(الفصل الثاني) أهل السنّة والجماعة الوسطية واحترام التخصص
يتناول تلك المباحث:
(1) وسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق الضالة المستحقة للوعيد.
(2) لماذا لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة.
(3) احترام التخصص العلمي هو سمة أهل السنّة والجماعة.
***
[المبحث الاول] وسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق الضالة
[المفتاح الأول]: إنّ الله تعالى اختار أمة النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم والملل، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، وجعلها خير الامم، فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أهل الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]، وجعلها أمة وسطاً بين الأمم جميعاً، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، ثم إنّ الله تعالى اختار من هذه الأمة الوسط، الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة) هم أهل التوسط والاعتدال بين الفرق جميعا، ولهذا استحقوا الوعد بالجنة والنجاة من النار من بين الفرق جميعا، إذ هم (أهل السنّة والجماعة) وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض.
[المفتاح الثاني]: وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر: أهل السنّة والجماعة وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، فالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة جميعهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، فأما الخوارج والمعتزلة فأدخلوا فيه عمل الجوارح، ولهذا فالخوارج يعتبرون مرتكب الكبيرة كافراً، والمعتزلة يسلبون منه مسمى الإيمان، فيجعلونه لا مؤمناً ولا كافراً، والجهمية والمرجئة يعتبرونه مؤمناً كامل الإيمان، أما أهل السنّة والجماعة فهم يجعلون الإيمان منه ما نهو أصل ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومنه ما هو واجب، وضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان، ومرتكب الكبيرة عندهم مسلم لا يزال في مرتبة الإسلام، وهو عندهم مؤمن فاسق عاص، مؤمن بأصل إيمانه فاسق بكبيرته، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان الناقل من الكفر الأكبر إلى الإسلام كما تفعل الخوارج والمعتزلة، ولا يصفونه بالإيمان الكامل كما تفعل الجهمية والمرجئة.
[المفتاح الثالث]: وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام القضاء والقدر: أهل السنّة والجماعة وسط في باب القضاء والقدر بين الجهمية الجبرية من جهة الغلو وبين القدرية المعتزلة من جهة التفريط، فالجهمية والجبرية أفرطوا في القضاء والقدر، فنفوا فعل العبد أصلا، وجعلوا الإنسان مجبورا ليس له أي اختيار، والقدرية والمعتزلة فرطوا في القضاء والقدر، وقالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله، أما أهل السنة والجماعة: فتوسطوا وجعلوا للعبد اختيارا، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}، وفرقوا بين الخلق والكسب، وقالوا: أن الخلق للخالق، والكسب للإنسان المخلوق، كما ذكر القرآن: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، وقوله تعالى: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ}.
[المفتاح الرابع]: وسطية أهل السنًة والجماعة في باب التوفيق بين المعقول والمنقول: وهم وسط في باب التوفيق بين المعقول والمنقول بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، أو حتى في تدبر وفهم النصوص المتعارضات، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة، ويتجنبون تفريط المجسمة المشبهة، فمذهبهم في ذلك أوسط المذاهب، يعرفون ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى في اطار صريح المعقول، وليس المقصود به عقل الجاهل ولا عقل القاصر، وإنما عقل العالم المتخصص الفاهم الفقيه، ثم يوفقون بينه وبين صحيح الشرع، في توسط حبى الله تعالى به أهل السنّة والجماعة دوناً عن أهل البدع والأهواء من أهل الإفراط والتفريط.
[المفتاح الخامس]: وسطية أهل السنّة والجماعة في باب ذات الله تعالى وصفاته: أهل السنة والجماعة: وسط في هذا الباب بين المجسمة والمشبهة والكرّامية أهل زيادة إثبات على حساب التنزيه لجهلهم بقواعد التنزيه الربانية، وبين الجهمية والمعتزلة أهل زيادة التنزيه على حساب الإثبات لجهلهم بنصوص الإثبات الصحيحة، فخاض الأوائل في تفسير الصفات والأخبار خوض المجسمين المشبهين، وخاض أصحاب القسم الثاني في تأويلها خوض المعطلين، وبقيت طائفة تعض على معتقدها بالنواجذ تتمسك بالإثبات والتنزيه، في توازن رباني بينهما بلا زيادة ولا نقصان، فجعلوا عمدتهم في الإثبات صحيح المنقول، وجعلوا عمدتهم في التنزيه قواعد التقديس المستقاة من أدلة الكتاب والسنًة، ومدارسهم المتخصصة (الأثرية والأشاعرة والماتريدية) تمكنت من الوصول إلى جمع قواعد التنزيه التي نتعلم من خلالها الواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى فيكون المرء على بينه من عقيدته.
[المفتاح السادس]: وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه: أهل السنة والجماعة: وسط في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بين (النواصب) و (الخوارج)، و (المعتزلة) وبين (الرافضة)، فالنواصب قالوا: بفسق الإمام علي رضي الله عنه، والخوارج قالوا: بكفر الإمام علي رضي الله عنه، و المعتزلة يقولون بأنه ساقط العدالة ولو شهد أمامهم على باقة بقل لما فبلوا شهادته، والرافضة قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما أهل السنة والجماعة: قالوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة راشد وإمام عادل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء، وقالوا أنّه يهلك فيه فريقان أحدهما يقصر عن فضله حتى يكفره، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته ويكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم.
[المفتاح السابع]: وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الصحابة: أهل السنة والجماعة: وسط في هذا الباب بين (الخوارج)، و (المعتزلة)، و(الرافضة)، فـــ (الخوارج) يكفرون الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه، و(الإباضية) وهم فرقة من الخوارج ينتقدون الصحابة بدءاً من زمن عثمان، ويرون أنّ أعمال عثمان هي من أحلت بدمه، وينتقدون الإمام علي رضي الله عنه، ويخطئونه في حربه ضد الخارجين عليه في موقعة النهروان، ويرون البراءة من عثمان وعلي والحسن والحسين والزبير وطلحة وام المؤمنين عائشة رضي الله عنها ومعاوية وعمرو ين العاص وجميع من شارك في حروب الجمل وصفين، ويرون صحة موقف أهل النهروان الذين خرجوا على الإمام علي واستحلوا دمه ودماء الصحابة الذين معه، و(الروافض) يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، ويحكمون بردة أكثرهم وهم لا يكتفون بذلك بل يجعلون دينهم ودينهم سب الصحابة ولعنهم وشتمهم والدعاء عليهم وقد امتلأت كتبهم على آخرهم بمئات النصوص، الدالة على هذا المعتقد الضال، و(المعتزلة) يقولون بفسق الصحابة الذين شاركوا في الجمل وصفين دونما تحديد، ويدخل فيهم الإمام علي رضي الله عنه، وجميع الصحابة الذين كانوا معه، والزبير وطلحة ومعاوية وعمرو والصحابة الذين كانوا معهم، أما (أهل السنة والجماعة) فإنّهم يقرون بعدالة الصحابة اجمعين، ويوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم ويترضون عنهم جميعهم، ويعتقدون أنّ رتبة الصحابة لا يعدلها رتبة، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّ فضيلة الصحبة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
[المفتاح الثامن]: وسطية أهل السنّة والجماعة في باب آل البيت: أهل السنّة والجماعة وسط في باب محبة آل البيت بين الرافضة والنواصب، فالرافضة يصلون ببعض آل البيت إلى درجه العصمة، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم، أما أهل السنّة والجماعة فهم يحبون آل البيت جميعا، ويوالونهم جميعا، ولا يخرجوهم من منزلتهم التي هم عليها حقا، وكذلك لا يرضون لما نالهم من الأذى، ولا يؤذونهم، بل يحبونهم المحبة الشرعية التي جعلها الله تبارك وتعالى لسائر المؤمنين وزيادة لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
***
[المبحث الثاني] لماذا لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة بمدارسها العلمية والسلوكية المتخصصة
الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي سواد أهل الإسلام الأعظم أهل السنة والجماعة: إذ جميع الفرق الإسلامية ترى نفسها الفرقة الناجية، ولكن لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب عشرة عريضة:
[السبب الاول]: هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال صلى الله عليه وسلم: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([1]) . (قلت) ويؤيد حديثنا هذا قول الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) فقد دلت الآية على أن الناجين يوم القيامة هم المتمسكون بما عليه النبي – صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام أئمة المؤمنين الهداه المهديين، وأن الخاسرين آنذاك هم المشاقون لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والمخالفون لهدى الصحابة، رضي الله عنهم، وأسعد الطوائف بهذا الحديث، هم (أهل السنة والجماعة) سواد الامة الأعظم، فهم الوحيدون من بين سائر الفرق الإسلامية الذين يترضون على سائر الصحابة، ولا ينظرون إلى ما كان بينهم من الفتن والاختلافات، وينطبق عليه قول الله تعالى في سورة الحشر: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8-10]، إن هذه الآيات الثلاثة من سورة الحشر تمثل منهاج الرد المتكامل على روافض الحق وشيعة الباطل، ففي الآية الأولى ثناء على المهاجرين من الصحابة ووصف لهم بالصدق والإخلاص ونصرة الله ورسوله، وفي الآية الثانية ثناء على الأنصار وهم من الصحابة ووصف لهم بالإيثار والفلاح، وعلى ذلك فكلتا الآيتين ثناء على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهل الصحابة إلا المهاجرون والانصار، والآية الثالثة: تمتدح أولئك الذين ليس في قلوبهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا المحبة والود، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، ولا يوجد في الفرق من يترضى على جميع الاصحاب إلا (اهل السنّة والجماعة)، فهم وسط في هذا الباب بين (الخوارج)، و(النواصب)، و(المعتزلة)، و(الرافضة)، فـــ (الخوارج) يكفرون الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون كل من والاه، و(النواصب) يبغضون الإمام علي رضي الله عنه ويفسقونه ومن كان معه، و (الشيعة الروافض) يلعنون غالب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، ويحكمون بردة أكثرهم وهم لا يكتفون بذلك بل يجعلون دينهم ودينهم سب الصحابة ولعنهم وشتمهم والدعاء عليهم وقد امتلأت كتبهم على آخرهم بمئات النصوص، الدالة على هذا المعتقد الضال، و (المعتزلة القدرية) يقولون بفسق الصحابة الذين شاركوا في الجمل وصفين دونما تحديد، ويدخل فيهم الإمام علي رضي الله عنه، وجميع الصحابة الذين كانوا معه، والزبير وطلحة ومعاوية وعمرو والصحابة الذين كانوا معهم، أما (أهل السنة والجماعة) فإنّهم يقرون بعدالة الصحابة اجمعين، ويوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم ويترضون عنهم جميعهم، ويعتقدون أنّ رتبة الصحابة لا يعدلها رتبة، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّ فضيلة الصحبة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وانهم مع ذلك ليست لهم العصمة، بخطؤون ولكنهم خير البشر بعد الأنبياء.
وهم كذلك اسعد الناس حظا بحيث: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([2]) وحديث: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة)([3]) .
فهم احرص الناس على الجماعة، لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال.
[السبب الثاني]: أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار) ([4]) . ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية النجاة سوى راية أهل السنة والجماعة.
[السبب الثالث]: أهل السنّة والجماعة هم الخط العام لجماعة المسلمين التي انشقت منها بقية الفرق، فلم يقبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا والصحابة رضي الله عنهم على مثل بيضاء ناصعة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلما فبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، واجتمع الأنصار في السقيفة ولحق بهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة من المهاجرين، وأسفر هذا الاجتماع على انتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين، وتمت البيعة العامة بعدها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، باتفاق الصحابة، وصار انتخابه هو الخط العام للجماعة فكل من خالف خرج عن الخط العام، وكان زمانه زمان الخير والبركة قضى على المرتدين وأرسل الجيوش لفتح فارس والروم وكانت انتصارات عظيمة للمسلمين في كل الجهات، ثم اجمع المسلمون على قبول ترشيح أبي بكر لعمر كخليفة للمسلمين من بعده واستقر الامر عليه كخليفة وكان عبقريا رسخ أكبر امبراطورية إسلامية قضت على فارس والروم ونشرت الإسلام عزيزا في أرجاء الأرض كلها، فكل من اعترض على عمر فقد خرج عن إطار الجماعة، ثم اغتاله المجوسي في صلاة الفجر ورشح ستة يختار المسلمون من بينهم الخليفة واستقر أمر المهاجرين والانصار على عثمان وتمت له البيعة وأجمع عليه المسلمون فكل من خرج على عثمان خرج عن الخط العام للجماعة الناجية، أكمل عثمان رضى الله عنه فتح البلدان في أقاصي الشرق والغرب وحكم إمبراطورية مترامية الأطراف لم يتيسر لأي أمة قبل أمة الإسلام أن تحكم مثلها عبر التاريخ، وفي آخر عهده كانت هناك جهة تعمل في الخفاء للانتقام والثأر من أهل الإسلام يقودها اليهودي ابن السوداء ابن سبأ حيث جمع أوباش الناس من مختلف الأنصار وكانت له معرفة بتزوير الأختام والرسائل فكان يكاتب الأوباش ويرسل الرسائل المزورة على عثمان في الأمصار ويرسل الرسائل المزورة على كبار الصحابة بوجوب قتل عثمان وتخليص الامة الإسلامية منه، ولم يتفطن الصحابة لذلك المخطط حتى حاصر الاوباش الخليفة عثمان في موسم الحج وانتهزوا فرصة خلو المدينة من اكثر الصحابة ومن حاميتها لان أغلب الصحابة إما كانوا على ثغور الجهاد وإما في مكة المكرمة لأداء مناسك الحج وتجمع الأوباش حول بيت عثمان واقتحموا عليه بيته وقتلوه، وظلوا أربعة أيام هم الممسكون بزمام الأمور في المدينة حتى كان احدهم هو من يأمّ بالناس في الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى لا ينفرط عقد الخلافة سارع الصحابة لمبايعة الإمام علي رضي الله عنه خليفة للمسلمين وكان اول من بايعه الصحابي الجليل المبشر بالجنة طلحة بن عبيد الله واسرع الصحابة لمبايعة علي رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمت له البيعة وكل من كان معه هم خط الجماعة الناجية ومن خالفهم كان على الباطل، وكل الصحابة بمن فيهم أم المؤمنين عائشة والزبير وطلحة ومعاوية رضي الله عنهم وأتباعهم لم ينازعوا عليا رضي الله عنه في الخلافة وإنما كان الخلاف على سرعة الاقتصاص من قتلة عثمان وكان القتلة في جيش الإمام علي رضي الله عنه وكان يطلب المهلة لإدارة أمور الحكم فهي اهم ويأتي بعد ذلك وقت القصاص من قتلة عثمان، الشاهد حدثت خلافات بين الصحابة، كان الحق في جميعها مع وأقرب إلى الإمام علي رضي الله عنه وكان مع الصحابة الذين خالفوه وجه اجتهاد مقبول ولكنهم كانوا أبعد الطائفتين عن الحق، وكانت يستحيل ان تؤول هذه الخلافات إلى حروب لولا كيد السبئية اتباع عبد الله بن سبأ وسعيهم لانشاب القتال كلما كاد الصحابة ان يتفقوا، وهذا قدر الله، وظل علي رضي الله عنه يجاهد من اجل توحيد كلمة المسلمين والحفاظ على الخلافة الواحدة حتى مرقت أولى الفرق الضالة وهي (الخوارج): خرجوا عن خط الجماعة وكفروا الإمام علي بزعم أنه قبل بالتحكيم وانه لا حكم إلا لله، وقد قال لهم تقولون كلمة حق أريد بها باطل لأنه لابد من وجود قاض يبين حكم الله فاستحلوا دمه ودم أصحابه فقاتلهم في النهروان وقضى على أكثرهم ولكن تمكن أحدهم من ضربه بخنجر مسموم وهو ينادي في الناس لصلاة الفجر، فطالبه المسلمون ان يستخلف فأبى فاختار الناس ابنه الحسن بن علي رضي الله عنه سيد شباب أهل الجنة فكان له رأي آخر يجمع به المسلمين على راية واحدة فتنازل عن الخلافة لمعاوية على ان تتوحد الامة وتسقط الدماء المطلوبة وتحققت به بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري في صحيحه أبي بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر – والحسن بن علي إلى جنبه -، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) ([5]) . فهذا الحسن رضي الله عنه وأرضاه ترك الخلافة لا عن جبن ولا عن قلة ولا عن ذلة بل لمراعاة أمر الدين ومصلحة المسلمين وحقن دمائهم ولرغبته فيما عند الله، فكان سيدا أصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فئة علي وفئة معاوية، لما رآه من حقن دماء المسلمين، ومن تدبر نص الرسول صلى الله عليه وسلم علم أن الفئتين من المسلمين، وانه يجوز للخليفة أن يخلع نفسه إذا كان في ذلك مصلحة للامة، الشاهد اجتمعت الامة في هذا العام عام (41 هجري) وسمي عام الجماعة، فمن خرج على خط الجماعة كان من أهل الضلال، وبعد الصلح صارت الجماعة هي الخط العام الراضي بخلافة معاوية بعدما تنازل له الإمام الحسن رضي الله عنه، وهكذا في مقابل الخوارج ظهر الروافض من شيعة الإمام علي، ومن تدبر الأمر بإنصاف وجد ان أهل السنة والجماعة هم شيعة الإمام علي عن فقه وعلم وحكمة، والروافض هم كل من قدم الإمام علي على أبي بكر وعمر تقديم تنقيص لهما أو اتهام لهما بأنهما استبدا بالأمر وظلما علي واخذا حقه وكيف ذلك وقد أجمع صحابة النبي رضي الله عنهم على البيعة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن خالف في ذلك فقد أزرى بكل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم العدول بشهادة القرآن والحديث وإجماع أهل السنة والجماعة، فالروافض يبغضون الصحابة على زعم انهم ظلموا آل البيت حقوقهم وظهر في المقابل تيار آخر يبغض آل البيت وهم النواصب.
لقد كان الخط العام للجماعة الأم الترضي عن الصحب كافة والآل كافة فالصحب هم حملة القرآن والدين والسنة إلينا وهم الذين حكم القرآن والحديث بعدالتهم، والآل هم الاطهار المطهرون ذرية النبي صلى الله عليه وسلم وأهل وصيته وهم الثقل الثاني للأمة على مر العصور بعد القرآن، فالجماعة الام تترضى عن الجميع، ولكن (الخوارج) يكفرون كل المسلمين إلا انفسهم و(النواصب) يبغضون آل البيت خاصة و(الروافض) يبغضون الصحابة خاصة، ولم يطل الزمان حتى ظهرت (القدرية) تنفي قدر الله وفي مقابلها (الجهمية الجبرية) تدعي أن الأمر جبر والإنسان كالريشة في مهب الريح واحتجوا على الله بالمعاصي، وكلاهما خط جانبي عن الخط الأساس جماعة المسلمين الام (أهل السنة والجماعة)، فالجماعة تجعل الخلق لله الخالق والكسب للإنسان المخلوق فيما أقدره الله عليه، وعلى نقيض الخوارج ظهر (المرجئة) كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوا إيمان العصاة كإيمان جبريل وميكائيل وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب، وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و(المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف جماعة المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
وأكرم الله تعالى الجماعة الأم (الخط العام للمسلمين) بثلاثة مدارس عقدية بها اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وقامت بالتأصيل لعقائد الكتاب والسنة واجتهدت في تطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الجماعة الأم بعلماء تلك المدارس الأجلاء، الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وأول تلك المدارس، وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الثانية هي المدرسة (الأشعرية)، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الثالثة هي المدرسة (الماتريدية)، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور الأزمان توالى ظهور بقية الفرق الضالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة، وظل الخط العام للجماعة (أهل السنة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنة متمسكون فكانوا على مر العصور الجماعة الناجية فلله الحمد والمنة أن جعلنا في زمرة أهل السنّة والجماعة بعيدين كل البعد عن أهل الأهواء والبدع والضلالات، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان.
[السبب الرابع]: أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين، ولا تقوى فرقة من فرق المسلمين أن تنسب إلى نفسها حفظ القرآن وتدوينه وتدوين علومه والتي وأوصلها الحافظ السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن” إلى ثمانين علما متعلقا بالقرآن، وتفسيره ونشره سوى أهل السنّة والجماعة الذين يرون عدالة الصحابة أجمعين ويأخذون عنهم القرآن والسنّة، كان اول من جمعه في مصحف واحد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وجمعه على تشكيل واحد الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه، والصحابة رضي الله عنهم هم من جمع القرآن وهم من كتبوه، وهم من نسخوه، وهم من نشروه، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنة والجماعة، الذين تتلمذوا على يد الصحابة، ولهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة , وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية لاسيما في المشرق، ورواية قالون في ليبيا تونس، ورواية ورش في الجزائر والمغرب وموريتانيا ومعظم الدول الإفريقية، ورواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال، ولا يمكن لأي فرقة أن تزعم أنّ لها في القرآن ما لأهل السنّة من جهود في حمل راية القرآن مصدر الدين الأول والأساس لأنهم أهل القرآن وخاصته.
[السبب الخامس]: أهل السنة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين البخاري ومسلم وكتب السنن للترمذي والنسائي وابي داود وابن ماجة والمسانيد كمسند الإمام أحمد بن حنبل وكتب الجرح والتعديل، التي تمنع من أن يتقول متقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، ولا يوجد حديث مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند مدرسة أهل السنّة والجماعة ولا يعرف أحد علوم الحديث والتي أوصلها ابن الصلاح في مقدمته إلى خمسة وستين علما، إلا عند أهل السنّة والجماعة، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة.
[السبب السادس]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع، (الخوارج) يكفرون الإمام عليا رضي الله عنه ويكفرون أصحابه، و(النواصب): يفسقون الإمام عليا رضي الله عنه وأصحابه و (الروافض) يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، و (المعتزلة) يقولون بفسق بعض الصحابة دونما تحديد، إما طائفة الإمام علي رضي الله عنه، وإما طائفة الزبير وطلحة رضي الله عنهما، وإما طائفة معاوية رضي الله عنه، فهذه الفرق لا يسلم لها الإجماع أبدا، أما (أهل السنة والجماعة)، فهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا، ويؤمنون ويقرون بما أثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم , ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال، وأنّ فضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهم يتذكرون دائما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) ([6]) . وقول ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ([7]) .
[السبب السابع]: أهل السنّة والجماعة هم اهل التخصص العلمي: فلم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنّة والجماعة، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان، فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك“)) ([8]) . وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، والتصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس.
وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وعلى ذلك استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة: في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية، والثانية: الأشعرية، والثالثة: الماتريدية، واستقر لهم (أهل السنة والجماعة) في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
[السبب الثامن]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض.
[السبب التاسع]: أهل السنّة والجماعة هم أهل الرسوخ في العلم يعملون بالمحكم من القرآن، وهم ابعد الفرق عن متشابه القرآن، يردون المتشابه إلى المحكم، عملا بقوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، لقد وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، والفرق الضالة كلها تتبع المتشابه، المعتزلة القدرية تتبع الآيات الدلة على أن الإنسان صانع مشيئته، وقالوا بالقدر، والجهمية الجبرية تتبع الآيات المتشابهات التي تدل على انّ كل شيء بيد الله وحده، وقالوا بالجبر، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وقالوا بالكسب، وهو الصيغة القرآنية الوسط بين هؤلاء وهؤلاء، قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، وهكذا في كل أبواب العلم والعقيدة أخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم.
ففي باب الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، كلٌ يستدل لمذهبه بمتشابهات القرآن، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وجاؤوا بأحسن مذاهب التقديس والتنزيه والاثبات، فلا هم معطلون تعطيل المعتزلة والجهمية ولا هم مفرطون في التجسيم والتمثيل تشبيه المجسمة والحشوية، وقعدوا قواعد التقديس التي ملئت الدنيا علما ونورا وتقديسا لله وتسبيحا بحمد الله، وقد اشتمل بحمد الله تعالى كتابي الاول من سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، (مفاتيح علم التقديس) كل تلك القواعد على احسن ما يكون الفقه في الدين ورد المتشابه إلى محكماته، في باب التقديس والتنزيه.
وفي باب الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وجاؤوا بأحسن مذاهب الإيمان فلا هم متشددون تشدد الخوارج والمعتزلة ولا هم مفرطون تفريط الجهمية والمرجئة، وقعدوا القواعد التي ملئت الدنيا علما وفقها في الدين، وقد اشتمل بحد الله تعالى كتابي الثاني من سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كل تلك القواعد على احسن ما يكون الفقه للدين ورد المتشابه إلى محكماته، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
[السبب العاشر]: أهل السنّة والجماعة هم أهل الفقه في الدين، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، فإن علوم الدين الثلاثة التي اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و(التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، واهل السنّة والجماعة هم من تخصص في علم الفقه الذي يغطي مرتبة الإسلام، وأبدعوا فيه أيما ابداع، فمنهم الفقهاء وإليهم تعود المذاهب الفقهية المعتمدة وهم أهل أصول الفقه وأهل القواعد الفقهية والنظريات الفقهية التي تغطي كل احكام العبادات والمعاملات، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري والليث بن سعد، وغيرهم من اكابر الفقهاء في امة النبي صلى الله عليه وسلم الكثير والكثير، والمذاهب الأربعة في كل مذهب منها على اقل تقدير وعلى مر عصور الإسلام آلاف من الفقهاء المجتهدين في المذهب.
واهل السنّة والجماعة هم من تخصص في علم العقيدة وهم من تخصص في علم العقيدة، وهم من حل مشكلات عويصة ضل فيها الآخرون كمشكلة الرؤية والكسب والقضاء والقدر والكفر والإيمان والصحابة والآل، فجمعوا ادلة الكتاب والسنّة في ككل مسألة وأنزلوا كل دليل على مرتبته الخاصة به، وهم من حل شيفرة الإيمان والكفر، بأدق تفصيل، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها الخوارج والمعتزلة والوهابية والجهمية والجبرية، وهم أيضا من حل شيفرة القضاء والقدر بأحسن العلاج، واجلى بيان، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها المعتزلة والجهمية الجبرية واكثر الفرق إلا هم بحمد الله، وهم بفضل الله تعالى من حل شيفرة الآل والصحب بحب الجميع، محبة نحفظ لهم المراتب التي اكرمهم الله بها ولا يدعون لاحد منهم العصمة، يحبون الجميع ويقفون مع المحق يؤازرون حقه كما يزعم أهل الجهل والضلال، وهم من حل شيفرة السنّة والبدعة بوضع ضوابط التبديع، بمقياس دقيق وفهم عميق، وفقه راسخ في العلم والدين، واهل السنّة والجماعة هم أهل السلوك والتخصص، هم القائمون على ثغور الإحسان، ومنهم الصديقون والاولياء، لأنّ التصوف الحق هو المدرسة التي يتخرج منها الأولياء، وورثة الأنبياء، قال تعالى: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } [ الكهف: 17 ].
ومنهم أهل المشاهدة والعرفان، لأنه من اهم معاني التصوف (( ان تعبد الله كأنك تراه )) ([9]) . وهم الربانيون الوارثون لأحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلومه ومعارفه، وهم اعلم الناس بمنازل الدين وهم السائرون إلى الله بالله وفي الله كما قال تعالى: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50]، وقال تعالى: { وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118]، وهم أهل المجاهدة في الله، عندما يجاهد المجاهدون في سبيل الله، قال تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وهم القائمون المتحققون بمنازل الإحسان، لأن التصوف الحق هو القائم على حقائق مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، فعند غيابه يغيب ثلث الدين الأعلى، وتغيب منازله ومعارفه، وعند غيابه تغيب التزكية إحدى مهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في امته، قال تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } [ البقرة: 151 ]، لأنه القائم على علم تزكية الانفس وسلامة القلوب وتصفية الباطن وتخليته من الرذائل، وتحليته بالفضائل، وعند غيابه يضيع الطريق إلى الحق سبحانه، لأنه العلم الذي يُعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك.
وعند غياب التصوف الحق نعلم ظاهرا من الدين ونفقد لبه وباطنه، لأنه لباب الشريعة وحقيقتها، وعند غيابه يضيع الفهم الراقي والعميق لكل علوم الدين ومعارفه، وعند غيابه تضيع بوصلة الطريق، وذلك لأن طرحه في الإصلاح العلمي والعملي والسياسي والأخلاقي الإسلامي هو الطرح الأمثل للخروج من الأزمات الراهنة، والمشكلات الطاحنة، أهله هم الخلاصة في معرفة العلوم الإسلامية الدقيقة والأحكام الصحيحة، وهم الغاية في معرفة أحكام الإيمان والكفر، والنهاية في معرفة أحكام التوحيد والشرك، وعلم السنة والبدعة، وعلم التقديس والتنزيه معرفة وشهودا، وهم الفاهمون تماما لعلم السياسة الشرعية واقعا وعيانا، وهم أقدر الناس على احترام التخصص العلمي لأهل السنة والجماعة، وهم أحرص الناس على حرمة أهل الإسلام قاطبة، وهم أعدل الناس في موقفهم من الفرق الإسلامية الضالة المنحرفة، وهم اكثر الناس لله تعالى عبودية واجتهادا، وهم أعظم الناس خلقا وديانة، وهم أعرف الخلق بالله ودين الله، أهل الشريعة يؤمنون بالله استدلالا وهم يوقنون بالله شهودا وعيانا، وحين يدور العلماء حول علم اليقين استدلالا يدورون هم حول عين اليقين وحق اليقين تحقيقا وعرفانا، هم أهل منازل السير إلى الله وهم أهل السفر إلى الحق المبين ابتداء من اليقظة وسيرا نحو التوحيد، وهم أهل الزهد فيما سوى الله، لا يشقى بهم جليسهم، يحتون جميع المخالفين بسعة العلم والصدر والدين، وهم في عمق التاريخ الإسلامي العريق أهل الولاية أهل المخاطبات والمكاشفات والمشاهدات والمعاينات، وأهل التحقق والتمكين، وأهل التجريد والتفريد والجمع والتوحيدز
وهم أعمق الناس فهما للكتاب وهم اعرف الناس بسنة المصطفى المختار، وهم اعلم الناس بحال الدنيا وهم اعلم الناس بمكائد النفس والشيطان والدنيا والهوى، فهل سمع احد عن التصوف الحق الرشيد إلا في أهل السنّة والجماعة الناجية وسواد أهل الإسلام الأكبر، ومن عداهم فرق متعادون وشرازم قليلون فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، (اهل السنّة والجماعة) هم أهل التوسط والاعتدال، والله تعالى يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، فالمسلمون أمة وسط بين الناس جميعا وأهل السنّة والجماعة وسط بين أهل الإسلام جميعا، ولهذه الأسباب كانت الجماعة الناجية (أهل السنّة والجماعة) أسعد المسلمين حظا بهدي الكتاب والسنّة والاجماع واحسن المسلمين حالا مع الآل والصحب الكرام، ولا يصلح أن تكون النجاة إلا لمن كان على مذهبهم، يقتدي بهداهم.
***
[المبحث الثالث] وجوب احترام التخصص العلمي الإسلامي
[المفتاح الأول]: الشرع الحنيف يدعو إلى التخصص وإلى احترام التخصص: قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، ومعنى الآية الرد إلى المتخصصين، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم لأنهم أهل المعرفة والخبرة به، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، بل أمرنا الشرع بسؤال أهل التخصص لا غيرهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ولذلك فإنّ احترام التخصص العلمي والرد إلى المدارس العلمية المتخصصة في علوم الإسلام واجب شرعي، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، في عمق التاريخ الإسلامي، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها معرفة على مر عصور الإسلام، ومن أراد التزكية لجأ إلى أهل التصوف الحق أهل التصوف السني الرشيد،، وقد ذكرت في المدخل السابق (أسباب عشرة) علمنا من خلالها ماهية الجماعة الناجية وانها (اهل السنّة والجماعة) سواد أهل الإسلام الأعظم، وعلمنا المدارس العلمية التي تمثل المرجعية الصحيحة والدقيقة لتلك الجماعة، في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية وفي كافة علوم الإسلام.
[المفتاح الثاني]: لقد تطرق القرآن الكريم إلى العلوم الإسلامية كلها ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات أو تعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات، ثم ترك جمع القواعد والأصول لكافة علوم الدين للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص، فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه، (احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه): فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين: مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء، وتفرعت وتعددت مجالاتها، وظهرت داخلها علوم القراءات، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل، وصار للمسلمين في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة، (ثم احتاج الناس إلى الحديث)، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وكافة علوم الحديث، (ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام) فظهرت مدرسة الفقه، وانتسب إليها طلاب العلم، وعرفوا باسم الفقهاء، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور مذاهب الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين المعروفين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ثم أصبحت تلك المذاهب على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل الكتاب والسنّة، مع أنّها عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة، (ثم استفحل أمر الفرق الضالة) في القرن الثالث الهجري و كان أهم أسباب ظهور تلك الفرق الضالة بالعقيدة هو الجهل بالدين، وتتبع المتشابهات وعدم ردها إلى أمهاتها من المحكمات أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق، وأصول الفرق الضالة هم (الخوارج) و (الشيعة) و (المعتزلة) و (الحشوية) و(المرجئة)، ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة، لبيان عقائد الفرقة الناجية، والرد على الفرق الضالة، فظهرت مدرستان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة هما (الأشاعرة والماتريدية)، وبهما اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، والمذهبان يقدمان طريقة الأثر من تفويض علم المتشابهات إلى الله عند سلامة العقيدة وعدم وجود الآراء الضالة ولكن عند ظهور الضلالات العقدية ووجوب الرد عليها فإنهم يحملون المتشابهات على محكماتها ويردون الفروع إلى أمهاتها فتستقيم العقيدة، لقد اكرم الله تعالى الامة بالإمامين (أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي) تخصصا في علوم العقيدة وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة، وصار المذهبان هما جناحا أهل السنة والجماعة في العقيدة، وعلماء المذهبين هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت.
[المفتاح الثالث]: وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وأول تلك المدارس: (المدرسة الأثرية): وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، وهذه المدرسة لا تخوض في المتشابهات وإنما تكل العلم بمعانيها إلى الله، ولكن ابتليت هذه المدرسة بالأدعياء من أهل الحشو والتجسيم والزيغ فنازعوا منبرها وشغبوا على صفاء منهاجها فالحذر الحذر من مناهج هؤلاء ومنهم ابن تيمية وأتباعه، ومذهب هؤلاء هو الحشو والتجسيم، مهما أنكروا ذلك، ومذهبهم هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وأن العالم المخلوق تحته، وانه موجود بذاته في مكان وفي جهة من جهات الكون، وأنه بذاته على عرشه حقيقة، وانه ينزل إلى السماء على الحقيقة، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن هؤلاء واكثروا حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، مع انها متشابهات تعارض الأحدية المطلقة التي تعدل ثلث القرآن، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظن الجاهلين انها أجزاء من جناب الذات، فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة، كما وصف هؤلاء الجاهلين بعقائد المسلمين الله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وكأنه جسم يقبل الحد والنهاية والصور والاشكال والتغير والحدوث وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد.
ولنا ان نسآل هل فهم هؤلاء المقصود من سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن قبل أن يتكلموا على عقائد المسلمين، {قل هو الله احد}، ما معنى الأحدية المطلقة: الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشا لم يكن والانسان قدرته محدودة، وهكذا السمع سمع الإنسان وبصره محدودان فلا يسمع ولا يبصر إلا ما تقوى أجهزته السمعية والبصرية على استيعابه أما سمع الله تعالى فهو مطلق يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات جملة واحدة ويميزها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد وكذلك له البصر المطلق الذي لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان جملة واحدة وهو بكل شيء شهيد وهو كذلك له الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما، ((الأحدية المطلقة)) توحيد في نفس جناب الذات، والأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى منزه عن لوازم الجسمية من الصور والأشكال والألوان والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء وكل ما ورد في الشرع مما يوحي بالصورة أو الجارحة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي لم ترد إلا في سورة الإخلاص وبها عدلت السورة ثلث القرآن، {اللَّهُ أَحَدٌ} معناها عند المتخصصين أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من اخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، {اللَّهُ الصَّمَدُ} وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة وسلب كل معاني النقص والحاجة له كمال الحياة والقيومية على الدوام وتمام الغنى والحمد على الدوام منزه عن الحاجة يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج والصمدية تنفي عن جناب الله تعالى التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن التركيب وقبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول ما صورة الامر وتقصد صفات الامر فإن الاوامر ليس لها صور، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وصف الله تعالى بالقدم أول بلا ابتداء وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث، {لَمْ يَلِدْ} فلا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء القديم الأزلي الأول الذي لا يكون منه جزء محدث مخلوق، {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن التغير والحدوث، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال تقدس أن يكون له مثيل او شبيه هو سبحانه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وهذه المعاني التقديسية هي ما قال به السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية المتخصصون في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة جزاهم الله عن أمة النبي صلى الله عليه وسلم خير الجزاء إذا لولاهم لسار المسلمون خلف الحشوية والمجسمة ولكانوا من الضالين، إن آفة هؤلاء الحشوية أنهم لم يدرسوا قواعد التقديس ولم يطلبوا علم العقيدة على يد المتخصصين، فالحذر الحذر أن نسير خلف هؤلاء لانهم ليسوا من ذوي التخصص في العقيدة.
[المفتاح الرابع]: إذن الخلاصة في باب العقيدة: اكرم الله تعالى الامة الإسلامين بالإمامين (أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي) وصار المذهب الأشعري والمذهب الماتريدي هما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج أهل الحق، وصارا جناحا أهل السنة والجماعة في علوم العقيدة وتخصصا في تطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة، هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) والمدرسة الثانية هي (المدرسة الأشعرية) والمدرسة الثالثة هي (والمدرسة الماتريدية) وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منها فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، ثم نأتي إلى التخصص الثالث التخصص في علم التزكية والسلوك والاخلاق: (فمع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، مال المسلمون إلى الدنيا وركنوا إليها، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية.
[المفتاح الخامس]: وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)) وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان، وبالتصوف اكتملت أهم العلوم التي تتعلق بالإنسان وزكاة الإنسان، فإن الفقه يسعى إلى تزكية جسده وجوارحه والعقيدة تسعى إلى تزكية عقله وأفكاره والتصوف يسعى إلى تزكية قلبه وروحه، فإن التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان.
[المفتاح السادس]: وعلى ذلك استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة: في العقيدة ثلاث مذاهب أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية، والثانية: الأشعرية، والثالثة: الماتريدية، واستقر لهم (أهل السنة والجماعة) في الفقه مذاهب أربعة، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وقد تنوعت الطرق التربوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، واهل التصوف تكلموا في فقه القلوب وبلوغ المنازل والسير إلى الله، وبهذا اكتملت علوم الاسلام التي يحتاج إليها كل مسلم (العقيدة والفقه والتصوف) وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل هؤلاء، وهم سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الجماعة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة.
والخلاصة فإن احترام التخصص الإسلامي يتمثل في عودة الشرعية للمرجعية الإسلامية العلمية المتخصصة والمتمثلة في المذهبية الإسلامية، فللعقيدة مدارسها المتخصصة المعروفة، وللفقه مدارسه المتخصصة، وللتزكية كذلك مدارسها المتخصصة، وطلب العلم الصحيح لا يكون إلا من خلال احترام تلك المدارس ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف، لقد كان من ثمرة التخصص في العقيدة ظهور ثلاث مدارس متخصصة في الأصول على منهاج أهل السنّة والجماعة لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) (والمدرسة الأشعرية) (والمدرسة الماتريدية) ، وصارت هذه المدارس هي المرجع الصحيح لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وكان من ثمرة التخصص في علم الفقه ظهور المذاهب الأربعة، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وصارت هذه المدارس هي المرجع الصحيح لكل مسلم يبتغي في الفقه وجه الصحة والصواب، وكان من ثمرة التخصص في علم التزكية ظهور مدارس التصوف، وصارت هذه المدارس هي المرجع الصحيح لكل مسلم يبتغي في التزكية وجه الطهارة والنقاء، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، والإسلام يدعو إلى احترام التخصص العلمي، قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، وقال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة في كافة أبواب العلم، والواجب على كل مسلم أن يطلب علم الدين من خلال مدارسه المتخصصة فيه على منهاج أهل السنة الجماعة.
[تنبيه]: ظهرت طائفة تنتسب إلى أهل السنّة والجماعة – بل إلى السلف الكرام – مباشرة وهي لا تخترم تخصصات أهل السنّة والجماعة العقائدية ولا الفقهية ولا السلوكية، وهذه الطائفة تسمت بالسلفية والسلف الصالح منها برآء، وهؤلاء يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، يريدون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي، وهم – في حقيقة الأمر – قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وما هم في حقيقة الامر إلا حشوية زائغة قلوبهم، يحشون عقولهم بما يستحيل نسبته إلى ذات الله تعالى من التجسيم والتشبيه، ويتتبعون المتشابه أينما كان يريدون به فتنة المسلمين عن دينهم، حذّر القرآن الكريم منهم في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]، وهم ينتسبون إلى السلف، والسلف برآء منهم، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيون – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم، تراهم دوماً في حروب وهمية مع من يظنونهم مبتدعون مارقون عن مذهب السلف الذي صنعوه بأيديهم ونسبوه إلى السلف، ويدافعون عنه ضد كل من تسول له نفسه مخالفة، ديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة، وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق، ويشنون حروبا لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، فأيهما أجدى البناء على ما بنوه فيرتفع البناء عاليا، أم هدمه والتشكيك فيه، مع استحالة إتقان ما أتقنوه، واستيعاب ما استوعبوه، وبناء ما بنوه، ويشنون حروبا لا داعي لها على التصوف برمته، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين والأدعياء، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله، فهل جميع أولئك على ضلالة، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّها تسعى إلى هدم تخصصات الإسلام، ونخر القلاع العلمية الحصينة، التي أسّسها وبناها علماء المسلمين طوال القرون، ولذلك فهم من شر الفرق، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ومن أبرز صفات هؤلاء الحشوية أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، ينسبون إلى الله تعالى الجوارح والأجزاء والأبعاض، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، والحشو الذي لا يجيدون غيره، أوباش لا يحترمون تخصص العلماء، ويهجمون على كل أبواب العلم، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص، ومن أخطر مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة، وأدى ذلك إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى اعتقاد التجسيم في كثير من الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، لديهم جهل وغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولديهم جهل وغلو في فهم مسائل الإيمان فاقتربوا كثيرا من مذاهب الخوارج، ولديهم خلل في فهم اطار أهل السنّة والجماعة فوقعوا في تبديع الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهم أبعد الناس عن العقل، فالشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالجهل والضلالة، يحشون عقولهم بالمتناقضات، ولأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد متخصص عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله ليس كمثل وجوده وجود، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
([4]) سنن الترمذي 4/466 ح 2167.
([5]) صحيح البخاري 5/26 ح 3746.
([6]) صحيح مسلم 4/1976 ح 2541.