وفي هذا الدرس اتناول: اكذوبة تبديع علم الكلام القائم على الكتاب والسنّة والتي أدخلها ابن تيمية على اهل الإسلام، أقول وبالله التوفيق:
علم الكلام نوعان: نوع باطل يقوم على السفسطة والفلسفة والتعطيل والاعتزال، وهذا ذمه السلف والخلف العدول وكل ما ورد عن السلف الكرام في ذم علم الكلام وكل ما ورد على لسان العلماء في ذم علم الكلام فإنّما يعود على هذا النوع الباطل، وهناك نوع آخر من علم الكلام يقوم على أدلة الكتاب والسنّة وهذا العلم من أعظم العلم بالله تعالى، وبنبيه jوعقائد الإسلام، وهذا العلم، هو العلم الراسخ القائم على ادلة الكتاب والسنة، ولكن اهل الحشو لا يريدون لعقائد التقديس ان ترى النور هم يريدون العيش في وحل الحشو والتجسيم، فكان لابد وأن يبدعوا كل علم الكلام حتى ذلك المستنبط من ادلة الكتاب والسنّة، مع أنه العلم الراسخ الذي لابد من دراسته، لأنه مطلوب حتماً لكل متخصص في العقيدة كما أن علم أصول الفقه مطلوب لكل فقيه مجتهد، بل هو أشد ضرورة، لأنه يتعلق بالعقيدة، والخطأ فيها يؤول إلى البدعة والضلالة والفرقة والندامة، ومما يزيد من أهمية دراسة هذا العلم أنّ الأمة الإسلامية صدق فيها خبر المعصوم j ، بأنها ستتفرق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، على المعتقد الحق الوسط العدل بين المغالين والجافين والمبطلين، وهنا يأتي علم الكلام السني القائم على الكتاب والسنة لإثبات تلك العقائد الصحيحة، بأدلة الكتاب والسنة ودفع الشبه عنها، وذلك لان تعريف علم الكلام السني القائم على الكتاب والسنّة كما عرفة القاضي الإيجي في المواقف: هو: (علمٌ يقتدر معه على إثبات العقائد الدينيّة، بإيراد الحجج، ودفع الشبهة) ([1]) . أو هو كما عرفه ابن خلدون في مقدمته (هو علمٌ يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانيّة، بالأدلّة العقليّة، والردّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنّة) ([2]) .أو هو كما عرفه الجرجانيّ في كتابه التعريفات: (علمٌ يُبحث فيه عن ذات الله تعالى، وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام) ([3]) .
وبهذه التعريفات يكون علم الكلام لبقية العلوم بمنزلة الرأس من الجسد، لأن الخلاف فيه خلاف في أصول هذا العلم وهذا خطير، لأنّه خلاف بين حق وضلال وسنة وبدعة، وفرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار، من مسميات علم الكلام الدالة على أهميته، (علم العقيدة): وهذه التسمية باعتبار أنّ هذا العلم يبحث عن العقائد التي يعتنقها المسلم من دينه، والعقيدة لغةً: مأخوذة من العَقْد، وهي: الحكم الذي لا يقبل الشك ولا يتطرَّق إِليه شك، وأسموه كذلك: علم التوحيد: لأنّه يبحث في توحيد الله تعالى في ذاته، وصفاته وأفعاله، وهذا أعظم الإيمان، ولذلك أسموه كذلك: علم الإيمان، لأنّه يتناول كل أبواب الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والسادة الاحناف لأهميته القصوى سموه (علم الفقه الأكبر): تمييزاً له عن علم الفقه، لأنّ علم العقيدة هو علم الفقه بالأصول، وعلم الفقه هو علم الفقه بالفروع، وكذلك سموه: (علم أصول الدين): وذلك لأنّ كافة علوم الدين مبنيّةٌ عليه، وهي إليه بمثابة الفروع للأصل، فإن هذا العلم يبحث في العقائد التي هي الأصول الواجب على المكلف اعتقادها قبل أن يبدأ العمل، فلا يثمر العمل في الآخرة إلا باعتقاد هذه الأصول في الدنيا.
لقد احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه: فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين: مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء، وتفرعت وتعددت مجالاتها، وظهرت داخلها علوم القراءات، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل، ثم احتاج الناس إلى الحديث، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام، فظهرت مدرسة الفقه، وانتسب إليها طلاب العلم، وعرفوا باسم الفقهاء، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور مذاهب الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين في الفقه، ثم ظهرت الفرق الضالة، فاحتاج الناس إلى علم الكلام السني لإثبات عقائد الدين الصحيحة والرد على المخالفين لما ظهرت الفرق الضالة في العقيدة انتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق أكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم: الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم عبر القرون وفي عمق التاريخ الإسلامي بالرضا والقبول، هذا ما حدث ولكن ابن تيمية ومن ورائه التيمية والوهابية خلطوا الحابل بالنابل وهاجموا علم الكلام برمته صالحه وطالحه حقه وباطله، وذلك نصرة لمذهبهم في الحشو والتشبيه والتجسيم، وإلا فقد امتلأ القرآن الكريم بالأدلة التي استقى منها علم الكلام السني أعظم العقيدة في الله وفي أنبيائه ورسله وفي كل جوانب الدين والإيمان، وفي هذا الدرس اتناول الإشارة إلى بعض تلك المفاتيح القرآنية التي استقى منها اهل السنّة والجماعة مذاهبهم في التوحيد والتقديس والعقيدة.
المفاتيح على وجه الإجمال: سورة الإخلاص بما حوت من معاني الأحدية والصمدية والقدم الازلي ونفي المثلية، وحجة الخليل إبراهيم عليه السلام، {لا أحب الافلين}، أي ان الجرم المتحرك الذي يقبل الحركة والانتقال لا يصلح ان يكون إلها، وكذلك آية الكرسي وما فيها من وصف الكمال المطلق لله وتقديس الإله تعالى وتقدس عن العجز والنقص والحاجة، والتفديس المستفاد من قوله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، وقوله سبحانه: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وقوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [ الحج: 64 ]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [ فاطر: 15 ]، فهذه أدلة التقديس التي فهمها علماء اهل السنّة والجماعة الأصوليون المتخصصون كما قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]،
[المفتاح الأول]: سورة الإخلاص: سورة الإخلاص سورة محكمة تعدل ثلث القرآن لذلك يجب التوسع في فهم معانيها، وسورة الإخلاص من المحكمات لا حرج من التوسع في فهمها وتفسيرها لأنها تتحدث عن تقديس الذات ونفي الادراك ونفي المثلية عن جناب الذات، وسورة الإخلاص تتحدث عن ذات الله وصفة الرحمن كما سيأتي في الدرس الثامن عشر[جهل الوهابية بعلم التقديس: تفسير سورة الإخلاص نموذجاً]
[المفتاح الثاني]: الآية {لا أحب الآفلين} والتقديس:
قال الخليل عليه السلام على طريقته في مسايرة الخصم حتى يقيم عليه الحجة: قال في حق الكوكب: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}،، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا تصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به، ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، (جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، إنّ من يُجيز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]، ومن الأدلة على بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث، أنّ الحوادث هي ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، فلهذا يستحيل علي القديم الأزلي أن يكون محلاًّ للحوادث.
[المفتاح الثالث]: الآية {ولم يكن له كفوا احد} والتقديس:: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، وكان منزها عن الجسمية ولوازم الجسمية لأنها الصفة المشتركة بين كل المخلوقات، والحمد لله أنه لا خلاف بين المسلمين – عدا المشبهة والمجسمة والحشوية – بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] قال المفسرون أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية، وقوله تعالى {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [سورة البقرة: 22]، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل، {ليس كمثله شيء} و {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}
[المفتاح الرابع ]: عند تدبر قوله سبحانه: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، قال أهل الأصول: إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، وقالوا: هذه الآية أقوى سوط على ظهور الحشوية، لأنها تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، الحركة والسكون، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة، قال أهل الأصول: – ولا ينبئك مثل خبير -: أنّ من صفات الكمال الواجبة لله تعالى: (صفة المخالفة للحوادث): فليس جناب ذاته من جنس أي شيء نراه في الكون، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالحدود والمقادير ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، ((الله له الإطلاق)) فلا تتحكم فيه المنظومات، منظومات الزمان ولا منظومات المكان، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، والملاحظ أنّ كل المخلوقات متماثلة في صفة الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، و قالوا: (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، ومن خصائص الأجسام كذلك انها تخضع لجريان الزمان، فيجري عليها الزمان بماضيه وحاضره ومستقبله لا انفكاك لها عن قهر الزمان، ومن خصائص الأجسام كذلك أنّ لها صورا وأشكالا خصها بها خالقها عز وجل، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها تقبل الانقسام، وانها تتكون من الجوارح والأجزاء والأعضاء، وتقبل التحيّز والاختصاص بالجهات، ويقهرها التغير والحدوث، و قالوا: (الجسمية) تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر في اثبات وجوده، والمحتاج فقير لا يكون إلها البتة، والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، و (الجسم) مادة، والمادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والزمان والمكان والصور والاشكال، والحركة والسكون وذات الله تعالى ليس كمثله شيء، لا تسري عليه قوانين المادة، هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا قوانين المواد، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة قليلة هم أهل التجسيم، الجاهلون بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها.
[المفتاح الخامس]: عند قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ الرعد: 16 ]، قال أهل الأصول: كل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور والمكان والزمان، والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى، والله تعالى غني عن خلقه، واستدلوا باجتماع اسم الله الواحد مع اسمه القهار، تقديس الله تعالى عن الحد والنهاية، لأنّ الحدود تقهر أصحابها بالانتهاء، فالله عز وجل هو وحده سبحانه الواحد القهار لأنه قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير، وقهرها جميعها بالحد والمقدار، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار، لأن الخالق سبحانه هو الذي حد له حدوده، وقدّر له مقداره، وقهرها جميعها بالحد والمقدار، فكل مخلوق لابد محدود متناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}، وقوله تعالى:{جعل الله لكل شيء قدرا}، ومعنى هذه الآيات أن الله عز وجل خص كل مخلوق (بحد ومقدار) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث، وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار، فإنه لما كان قاهراً لجميع مخلوقاته، لم تتحكّم فيه الحدود، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، هو سبحانه الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان، فهو القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان، تنزه عن الكون في مكان فلا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، فالماضي عنده حاضر والمستقبل عنده حاضر، والجميع خلقه، والجميع تقديره، لا يغيب عن علمه وسمعه وبصره شيء من ماضٍ أو حاضرٍ او غيبٍ مستقبل، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما وما قدرناه سبحانه حق قدره وهو الواحد القهار.
[المفتاح السادس]: عند تدبر قول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [ الحديد: 3}، مع قوله j : ((اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)) [ أخرجه مسلم]، قال أهل الأصول: أن الله تعالى منزه عن أن يجري عليه زمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا (أي له بداية) فهو أبدي (أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، وكذلك فإن له كمال الوجود المنزه من المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته.
[المفتاح السابع]: عند تدبر قول الله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [ الحج: 64 ]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [ فاطر: 15 ]، قال أهل الأصول: دلت الآية على كونه تعالى غني حميد، له كمال الغنى، وله كمال الحمد، ولو كان جسماً مركبا من أجزاء وجوارح لما كان له كمال الغنى، ولما كان حميدا، لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وكل محتاج فليس بغني، وكل من كان هذا حاله فليس له كمال الغنى والحمد،
[المفتاح الثامن]: عند تدبر قول الله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}، قال أهل الأصول: القيوم مبالغة في كونه تعالى له كمال الغنى عن كل ما سواه، قيوم على شؤون خلقه، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً بحال، فإذا أضفنا قوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، نتج تمام التنزيه عن الجسمية (المادة) والجارحة والبعض والجزء، لأنّه سبحانه لو كان جسما أو مادة أو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، تعالى الله عمّا يصفون، وليس معنى ذلك أنّ ذات الله تعالى كلٌ لا جزء له، تعالى الله عن الكل والجزء، وعن كل ما تتصف به المواد والاجسام من الكل والجزء، فالله تعالى خالق المواد والاجسام بما تحويه من كل وجزء، وهو منزه عن مماثلتها، {ليس كمثله شيء}، ومن أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود، ولا كمثل ذاته ذات، ولا كمثل صفاته صفات، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وقد جزم السادة الأشاعرة والماتريدية أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه،
(تنبيه): كل قواعد التقديس مستمدة من الكتاب والسنة فكيف يجرؤ ابن تيمية على تبديع هذا العلم برمته وكله يستقي من أدلة الكتاب والسنة، إنّ معرفة قواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تمنع من التمثيل والتشبيه، هي أهم الطريق إلى معرفة الله تعالى ولم يجيزوا لأحد أن يتكلم في الإلهيات إلا بعد الإلمام بها، ومن أهم فوائد تلك القواعد أنها تقطع الطمع تماماً في إدراك ذات الله {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}، {ولا يحيطون به علما}، وأنها تصفي الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى – على لسان الملائكة – {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، وهذه القواعد هي مبادئ الفقه في العقيدة، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لمسلم أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به، وغايتها: وضع قواعد التقديس التي تمنع من الخوض في ذات الله، فالعجز عن الادراك هو غاية هذا العلم {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] سياتي ذكر هذه القواعد في الدرس السابع عشر.
***