آل البيت هم الثقل الثاني بعد القرآن وحقهم على الأمة عظيم.
من هم آل البيت عليهم السلام: آل بيت النبي jهم مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ، وهم: ذريته، وأزواجه، وبنو هاشم وبنو المطلب، ومواليهم، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وأخرج الأحناف والمالكية بني المطلب منهم، وقالوا هم: ذريته، وأزواجه، وبنو هاشم، ومواليهم، وأيا كان الراجح، فإنّ الجميع متفقون على دخول أزواج النبي jفي آل بيته، وعلى ذلك فإنّ آل بيت النبي jهم مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ، وهم: ذريته، وأزواجه، وبنو هاشم وبنو المطلب، ومواليهم.
(أولا) أزواج النبي j: لقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن ءَايَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب:]، فإنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على دخولِهنَّ حتماً، لأنَّ سياقَ الآيات قبلها وبعدها خطابٌ لهنَّ، وقد قالت الملائكة لسارة زوج إبراهيم عليه السلام:{رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} ولم يكن آنذاك لإبراهيم من سارة ولد، وقد استثنى القرآن الكريم امرأة لوط من آل لوط عليه السلام في قوله تعالى: {إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ} ومما يؤكد دخولهن في الآل ما أخرجه البخاري عن النبي jفي حادثة الإفك: (من يعذرنا من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما أعلم عن أهل بيتي إلا خيرا) ([1]) .وكان رسول الله jيقول لعائشة: (السلام عليكم أهل البيت) ([2]) . وأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله jجعل يمر على نسائه فيسلم على كل واحدة منهن ويقول: (سلام عليكم كيف أنتم يا أهل البيت فيقولون بخير يا رسول الله) ([3]) . وأخرج البخاري ومسلم عن منصور عن إبراهيم ثم قلت للأسود هل سألت عائشة أم المؤمنين عما يكره أن ينتبذ فيه فقال نعم قلت يا أم المؤمنين عم نهى النبي jأن ينتبذ فيه قالت: (نهانا في ذلك أهل البيت أن ننتبذ في الدباء والمزفت) ([4]) وفي البخاري أيضا: علمنا jأيضا أن نقول (اللهم صل على محمد وآل محمد) وفي لفظ: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته) ([5]) . فدل على أن الآل يدخل فيهم الزوجات والذرية.
(ثانيا) يدخل في الآل بالأصالة ذريته j: (الحسن والحسن وأبناؤهما إلى قيام الساعة)، وهذا الأمر لا خلاف فيه بل هو اجماع أهل العلم أنّ ذريته jمن نسل فاطمة الزهراء هم آل بيته بالأصالة وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة أم المؤمنينرضي الله عنهاأنَّها قالت: (خرج النَّبِيُّ jغداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل من شَعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحُسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا})([6]) .
وروى مسلم من حديث سَعد بن أبي وقَّاص t قال: (لَمَّا نزلت هذه الآيةُ {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} دعا رسولُ الله jعليًّا وفاطمةَ وحَسناً وحُسيناً، فقال: اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتِي) ([7]) .
(ثالثا) ويدخل في الآل: كلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نَسْل بني هاشم بن عبد مناف، وهم آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن زيد بن أرقم t قال: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ jيَوْمًا خَطِيبًا فِينَا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ؛ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: ” أَمَّا بَعْدُ أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَأُجِيبُ ؛ وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ – فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ – قَالَ: وأهل بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أهل بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أهل بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أهل بَيْتِي ” فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أهل بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أهل بَيْتِهِ؟ قَالَ: إِنَّ نِسَاءَهُ مِنْ أهل بَيْتِهِ وَلَكِنَّ أهل بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: ” هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ” قَالَ: أَكُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ! قَالَ: نَعَمْ) ([8]) .
وذِكرَ زيد بن أرقم t آلَ عَقيل وآلَ عليٍّ وآلَ جعفر وآلَ العبَّاس لا يدلُّ على أنَّهم فقط هم الذين تحرُم عليهم الصَّدقةُ دون سواهم من بني هاشم، بل هي تحرُم على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نسل عبدالمطلب، لأنه لم يعقب لهاشم إلا في عبد المطلب، وقد جاء في صحيح مسلم ما يدل على دخول أولاد ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب مع آلَ عَقيل وآلَ عليٍّ وآلَ جعفر وآلَ العبَّاس، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب أنَّه ذهب هو والفضل بن عباس إلى رسول الله jيطلبان منه أن يُولِّيهما على الصَّدقةِ ليُصيبَا مِن المال ما يتزوَّجان به، فقال لهما j: (إنَّ الصَّدقة لا تنبغي لآل محمد، إنَّما هي أوساخُ الناس) ثمَّ أمر بتزويجهما وإصداقهما من الخمس) ([9]) .
(رابعا) وأما آل المطلب وهو مذهب الشافعي وأحمد: فقد أخرج البخاري عن جبير بن مطعم t أنه قال: (مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ jفَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ j: إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ) ([10]) .
(خامسا) موالي آل البيت: فلما جاء عن مهران مولى النبي jقال: قال رسول الله عليه وسلم: (إِنَّا آلُ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ) ([11]) .
ويدلُّ أيضا على تحريم الصَّدقة على موالِي بَنِي هاشِم ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي رافع: (أنَّ النَّبِيَّ jبعث رجلاً على الصَّدقة مِن بَنِي مخزوم، فقال لأبي رافع: اصْحَبنِي فإنَّك تُصيبُ منها، قال: حتى آتِي رسولَ الله jفأسأله، فأتاه فسأله، فقال: مولَى القوم مِن أنفسِهم، وإنَّا لا تحِلُّ لنا الصَّدقة) ([12]) .
(تنبيه) الرد على شبهات من قال بعدم دخول أمهات المؤمنين في الآل، (قالوا): لو ان آية التطهير تتناول أمهات المؤمنين فلماذا عدل القرآن في الآية إلى الضمير المذكّر {يطهركم} بدلاً من نون النسوة (يطهركن)، وقد كان الخطاب لهن أصلا، والجواب: أنّ التطهير عام لكل آل البيت وليس أمهات المؤمنين وحسب، وهذا من عظمة النص القرآني وبلاغته، فقد كان النبي jهو اول المقصودين بالتطهير لأنه jالأصل، فلما اشترك معهن في التطهير، هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين y بل وعامة بني هاشم، كان الخطاب هنا يشمل الجميع، وهنا يلزم التذكير لأنه خطاب يشمل الرجال والنساء فيصلح وليس العكس لأنّ خطاب النساء لا يدخل فيه الرجال، وهذا أسلوب معروف من أساليب اللغة أنه إذا اجتمع الرجال والنساء في خطاب غلّب جانب التذكير على التأنيث، ولما كان بقية الخطاب لأمهات المؤمنين خاصة فقد عاد الخطاب للتأنيث مرة أخرى، و (قالوا): قوله j(إنَّ الصَّدقة لا تنبغي لآل محمد) ([13]) .
وقد ثبت في الصحيح أن بريرة تُصدّق عليها بلحم فأكلته، ولم يحرمه النبي j، وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها، فإن كانت الصدقة حراما عليهن لحرمت على مواليهن، كما أنّها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم، والجواب: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي jليس بطريق الأصالة، وإنما هو تبع لتحريمها عليه j، وإلا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به، فهن فرع في هذا التحريم، والتحريم على المولى فرع التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلا استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي jتبعا لم يقو ذلك على استتباع مواليهن، لأنه فرع عن فرع، وقد صح أنّ أمهات المؤمنين كنّ لا يقبلن الصدقة، وإنما كنّ يُعطَيْن من الخُمس، وقد روى ابن أبي شيبة في مصنّفه عن ابن أبي مُلَيكة: (أنَّ خالد بنَ سعيد بعث إلى عائشةَ ببقرةٍ من الصَّدقةِ فردَّتْها، وقالت: إنَّا آلَ محمَّدٍ jلا تَحلُّ لنا الصَّدقة) ([14]) .
و(قالوا): نفى زيد ابن أرقم t أن تكون أمهات المؤمنين من آل بيته jفقد روى مسلم في صحيحه بإسناده عن يزيد بن حيَّان قال: (انطلقتُ أنا وحُصين بن سَبْرة وعمر بنُ مسلم إلى زيد بنِ أرقم، فلمَّا جلسنا إليه، قال له حُصين: لقد لقيتَ ـ يا زيد! ـ خيراً كثيراً، رأيتَ رسولَ الله j، وسمعتَ حديثَه، وغزوتَ معه، وصلَّيتَ خلفه، لقد لقيتَ يا زيد! ـ خيراً كثيراً، حدِّثْنا ـ يا زيد! ـ ما سَمعتَ من رسولِ الله j، قال: يا ابنَ أخي! والله! لقد كَبِرَتْ سِنِّي، وقَدُم عهدِي، ونسيتُ بعضَ الذي كنتُ أعِي من رسول الله j، فما حدَّثتُكم فاقبلوا، وما لا فلا تُكَلِّفونيه، ثمَّ قال: قام رسولُ الله jيوماً فينا خطيباً بماءٍ يُدعى خُمًّا، بين مكة والمدينة، فحمِد اللهَ وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: أمَّا بعد، ألا أيُّها الناس! فإنَّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربِّي فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلَيْن، أوَّلُهما كتاب الله، فيه الهُدى والنُّور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بَيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، فقال له حُصين: ومَن أهل بيتِه يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيتِه؟ قال: نساؤه مِن أهل بيتِه، ولكن أهل بيتِه مَن حُرِم الصَّدقةُ بعده، قال: ومَن هم؟ قال: هم آلُ عليٍّ، وآلُ عَقيل، وآلُ جعفر، وآلُ عبَّاس، قال: كلُّ هؤلاء حُرِم الصَّدقة؟ قال: نعم!) وفي لفظ: (فقلنا: مَن أهل بيتِه؟ نساؤه؟ قال: لا، وايمُ الله! إنَّ المرأةَ تكون مع الرَّجل العصرَ من الدَّهر، ثم يُطلِّقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيتِه أصلُه وعَصَبتُه الذين حُرِموا الصَّدقة بعده) ([15]) .
والجواب أن نقول: الرواية الأولى له يثبت فيها دخولهن في الآل ونصها: (قيل له: ” ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته) فالاثبات مقدم على النفي، ويؤيده ما رواه أحمد في المسند أنه زيد ابن أرقم نفسه قال: (قَالَ: إِنَّ نِسَاءَهُ مِنْ أهل بَيْتِهِ وَلَكِنَّ أهل بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: ” هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ” قَالَ: أَكُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ! قَالَ: نَعَمْ) ([16]) .
وعلى افتراض صحة ما نقل عنه، فإنه استدل على اخراج أمهات المؤمنين من الآل لسببين كلاهما غير معتبر، فالسبب الأول قوله: (إنَّ المرأةَ تكون مع الرَّجل العصرَ من الدَّهر، ثم يُطلِّقها، فترجع إلى أبيها وقومها) هذا صحيح في حق أي زوجة إلا أمهات المؤمنين وذلك لأنَّ اتِّصالَهُنَّ بالنَّبِيِّ jغيرُ مرتفع، وهنَّ محرَّماتٌ على غيرِه في حياتِه وبعد مَمَاتِه، وهنَّ زوجاتُه في الدنيا والآخرة، فالسَّببُ الذي لهنَّ بالنَّبِيِّ jقائمٌ مقامَ النَّسَب، والسبب الثاني: (ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده)، وقد ثبت أن زوجات النبي حرمن الصدقة بعده، قالت عائشة: (إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة) ([17]) . فهذا نص من ام المؤمنين عائشة انها لا يحل لها الصدقة، ومع أنّ الأولى اعتبار الرواية الأولى من كلامه t، والرواية الثانية غايتها أنها محمولة على أنه أراد أهل بيته بالأصالة لا بالتبعية، وعموما فلا تقوم الحجة بقول غير المعصوم j، وتبقى الحجة في هذه الأقوال النبوية الصحيحة الواضحة، ولهذا اتفق الفقهاء الأربعة على دخول أمهات المؤمنين زوجات النبي jفي آل النبي j، وكل ذلك على سبيل الفائدة وإلا فإن آيات سورة الأحزاب تنص نصا على أنهن الأصل عند ذكر الآل.
ومن شبهاتهم أيضا: (قالوا): تخرج أمهات المؤمنين من الآل للحديث الذي اخرجه الترمذي عن عمر بن أبي سلمة أنّه قال: (نزلَت هذِهِ الآيةُ على النَّبيِّ j”إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا” في بيتِ أمِّ سلَمةَ، فدعا النَّبيُّ jفاطمَةَ وحَسنًا وحُسَيْنًا فجلَّلَهُم بِكِساءٍ وعليٌّ خَلفَ ظَهْرِهِ فجلَّلَهُ بِكِساءٍ ثمَّ قالَ: اللَّهمَّ هؤلاءِ أهل بيتي فأذهِب عنهمُ الرِّجسَ وطَهِّرهم تطهيرًا قالَت أمُّ سلمةَ: وأَنا معَهُم يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: أنتِ على مَكانِكِ وأنتِ إلي خَيرٍ) ([18]) .
قالوا: فهذا حديث صريح في أن النبي jلم يدخل أم سلمة في كساء آل بيته، وبشّرها بأنها على خير، والجواب على هذه الشبهة: هو أن قوله jلها (إنك إلى خير) غاية ما فيه أنه لم يدخلها معهم في الكساء، ولكن ليس فيه نفي أن تكون من آل البيت، ودعاؤه jلمن في الكساء لا يدل أبدا على حصر آل البيت بمن هم داخل الكساء، وإنما غاية ما فيه التأكيد على دخولهم فيه وأنهم أولى الناس بلقب الآل، وأولى الناس بالتطهير، ويكفي ام سلمة ان سياق الآيات جميعا في حق أمهات المؤمنين وهي إحداهن، وعليه فإن قوله j(إنك إلى خير) يكون معناه إنك إلى خير سابق ولا تحتاجين إلى تأكيد الأمر وقد نزلت الآيات فيك وفي أخواتك أمهات المؤمنين، كلامهم حجة لو كان النبي jنفى أن تكون أم المؤمنين أم سلمة من آل البيت وهيهات، وآية التطهير نزلت أصلا في حقهن.
فضائل أهل البيت: مما جاء في القرآن الكريم من فضائل آل البيت:
(1) قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، ففي هذه الآية منقبة عظيمة شرف الله بها آل البيت حيث طهرهم من الرجس تطهيراً وهي شاملة لجميع أهل بيته j، قال ابن حجر الهيتمي: هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدأت بـ (إنما) المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس الذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنهم، وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة) أهـ([19]) .
(2) وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وفي ذلك منقبة عظيمة ودرجة عالية شريفة حيث أمر بالصلاة عليهم تبعاً له jيوضح ذلك ما رواه البخاري عن كعب بن عجرة قال: (لما نزلت هذه الآية قلنا يا رسول الله: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) ([20]) .
(3) قوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61]، في هذه الآية فضيلة عالية ومنقبة جليلة لأصحاب الكساء وهم فاطمة وعلي والحسن والحسين y. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (لما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ دعا رسول الله jعلياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي) ([21]) .
قال ابن حجر الهيتمي: فعلم أنهم المراد من الآية وأن أولاد فاطمة وذريتهم يسمون أبناءه وينسبون إليه نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة) أهـ ([22]) .
ومما جاء في فضائلهم في السنة النبوية المشرفة:
(1) ما روى الترمذي أن العباس بن عبد المطلب t قال: قلت: (يا رسول الله إن قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض؛ فقال النبي j: إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً) ([23]) .فهذا الحديث يدل على فضل جنس العرب ثم جنس قريش ثم جنس بني هاشم فكان النبي jخير الناس نفساً ونسباً.
(2) وروى مسلم في صحيحه عن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله jيقول: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) ([24]) .
فهذا الحديث نص في التفضيل (والذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم وروميهم وفرسيهم وغيرهم، وأن قريشاً أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش وأن رسول الله jأفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق وأفضلهم نسباً) ([25]) .
(3) وجاء في صحيح مسلم بإسناده إلى يزيد بن حيان قال: (انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا يزيد خيراً كثيراً رأيت رسول الله jوسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله jقال: يا بن أخي! والله! لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله jفما حدثتكم فامثلوا، وما لا، فلا تكلفونيه، ثم قال قام رسول الله jفينا خطيباً بماء يدعى خماً، بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي…) ([26]) .
ففي هذا الحديث منقبة واضحة وفضيلة عالية لأهل بيته jحيث قرن الوصية بهم مع الوصية بالالتزام والتمسك بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، فجعلهم jثقلاً دليل واضح على عظم حقهم وارتفاع شأنهم وعلو منزلتهم، فالتمسك بالكتاب امتثال ما أمر الله به فيه واجتناب ما نهى عنه قولاً وعملاً. والتمسك بأهل بيته محبتهم والمحافظة على حرمتهم والعمل بروايتهم الصحيحة والاهتداء بهديهم وسيرتهم إذا لم يكن في ذلك مخالفة في الدين.
(4) وروى مسلم في صحيحه عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي jغداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]) ([27]) .فهذه فضيلة ظاهرة لهؤلاء الخمسة وقد طهرهم الله من الرجس وجل نسل آل البيت منهم y أجمعين.
(5) روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله jقال: (يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثاً أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم وسألت الله فيكم أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء فلو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار) ([28]) .
(6) وأخرج الحاكم في مستدركه عن أبي ذر t، قال النبي j: (ألَا إنَّ مَثلَ أهل بَيْتي فيكم مَثلُ سَفينةِ نوحٍ، مَن ركِبَها نَجا، ومَن تخَلَّفَ عنها هلَكَ) ([29])
فضائل الإمام علي t: مما جاء في فضل علي t على وجه الخصوص:
(1) ما أخرجه مسلم من رواية مصعب بن سعد عن أبيه (أنّ رسول الله jخرج إلى تبوك واستخلف عليّاً t، فقال: أتخلفني في الصّبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي) ([30]) .
(2) وفي (الصّحيحين) في تفسير قول الله تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] عن قيس بن عدي عن أبي ذر t إنّه كان يقسم فيها أنّ هذه الآية نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه، برزوا في يوم بدر ([31]) . ويقصد بحمزة وصاحبيه: علي وعبيدة ويقصد بعتبة وصاحبيه شيبة والوليد.
(3) وفي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب t قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرّحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] قال: هم الذين بارزوا يوم بدرٍ علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة([32]) .
(4) وفيهما عن سهل بن سعد t أنّ رسول الله jقال يوم خيبر: (لأعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله jكلّهم يرجو أن يعطاها فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه. فأتى به فبصق رسول الله jفي عينيه ودعا له فبرأ حتى كأنّ لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الرّاية فقال عليٌّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال عليه الصلاة والسلام: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن تكون لك حمر النّعم) ([33]) .
(5) وفي (صحيح مسلم) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه t قال: (فثلاث قالهنّ رسول الله jلأن تكون لي واحدة منهمّ أحب إليّ من حمر النّعم، سمعت رسول الله jيقول له وقد خلّفه في مغازيه فقال له عليٌّ t: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله j: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبوة بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، قال فتطاولنا لها قال ادعوا لي عليّاً، فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ليلة فتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ [آل عمران:61] دعا رسول الله jعليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهمّ هؤلاء أهلي) ([34]) .
(6) وفي (صحيح مسلم) عن زر قال: قال عليٌّ t: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبيّ jإليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق) ([35]) .
فضائل سيدة نساء المؤمنين الزهراءرضي الله عنهماوأرضاها: مما جاء في فضل فاطمة الزهراء رضي الله عنها:
(1) أخرج البخاري عن عائشةرضي الله عنهماقالت: (أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي jفقال النبي j: مرحباً يا ابنتي ثم أجلسها عن يمينه – أو عن شماله – ثم أسر إليها حديثاً فبكت فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله j، حتى قبض النبي jفسألتها فقالت: أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي. فبكيت. فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة – أو نساء المؤمنين – فضحكت لذلك) ([36]) .
(2) أخرج الحاكم عن حذيفة t قال: قال: رسول الله j:(نزل ملك من السماء فاستأذن الله أن يسلم علي لم ينزل قبلها فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة)([37]).
(3) أخرج البخاري عن عائشةرضي الله عنهماقالت: (دعا النبي jفاطمة عليها السلام في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشيء فبكت ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت فسألنا عن ذلك فقالت: سارني النبي jأنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت) ([38]) .
(4) وأخرج البخاري عن المسور بن مخرمة قال: (سمعت رسول الله jيقول وهو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها) ([39]) .
(5) وأخرج الترمذي عن عبد الله بن الزبير: (أن علياً ذكر ابنة أبي جهل فبلغ النبي jفقال: إنها فاطمة بضعة منى يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها) ([40]) .
(6) وأخرج البخاري عن أم المؤمنين عائشةرضي الله عنهماأنها قالت: (ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً، وقال الحسن: حديثاً وكلاماً – ولم يذكر الحسن السمت والهدى والدل – برسول الله jمن فاطمة كرم الله وجهها: كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها) ([41]) .
فضائل سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين: مما جاء في فضل الحسن والحسين رضي الله عنهما:
(1) أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال: رسول الله j: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ([42]) .
(2) وأخرج الترمذي عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: (سألتني أمي منذ متى عهدك بالنبي j؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا قال: فنالت مني وسبتني. قال فقلت لها: دعيني فإني آتي النبي jفأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك قال: فأتيت النبي jفصليت معه المغرب، فصلى النبي jالعشاء ثم انفتل فتبعته فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فاتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت حذيفة قال: مالك؟ فحدثته بالأمر فقال: غفر الله لك ولأمك، ثم قال: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ قال: قلت بلى قال: فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة فاستأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها) ([43]) .
(3) عن ابن أبي نعم قال كنت شاهداً لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض فقال: (ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي j، وسمعت النبي jيقول: هما ريحانتاي من الدنيا) ([44]) .
(4) وأخرج البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي jأنه كان يأخذه والحسن ويقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما أو كما قال) ([45]) .
(5) وأخرج الشيخان عن البراء t قال: (رأيت النبي jوالحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهم إني أحبه فأحبه) ([46]) .
(6) أخرج أحمد والحاكم عن زهير بن الأقمر قال: بينما الحسن بن علي يخطب بعد ما قتل علي t إذ قام رجل من الأزد آدم طوال فقال: (لقد رأيت رسول الله jواضعه في حبوته يقول من أحبني فليحبه. فليبلغ الشاهد الغائب، ولولا عزمة رسول الله jما حدثتكم) ([47]) .
(7) وأخرج البخاري عن الحسن سمع أبا بكرة: (سمعت النبي jعلى المنبر والحسن إلى جنبه، ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) ([48]) .
فضائل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن:
مما جاء في فضل أمهات المؤمنين زوجات النبي j: قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا نِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَآءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن ءَايَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}، فقولُه: {إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} دالٌّ على فضل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ويدل على فضلهنَّ أيضاً قوله تعالى:{وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}، فقد وصفهنَّ بأنَّهنَّ أمّهات المؤمنين، فلهن على كل مسلم إضافة إلى كونهن أزواج النبي jأنّ لهن حق الام على أبنائها من البر والحب والتقدير والاحترام،وأن عقوقهن كعقوق الإمهات إن لم يكن أعظم، ومما جاء في فضائل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى أبي هريرة t قال:(أتى جبريل النبي jفقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب ولا نصب) ([49]) .
ومن مناقبها ما أخبر به النبي jمن أنهارضي الله عنها خير نساء هذه الأمة: فقد روى البخاري بإسناده إلى علي t قال: سمعت رسول الله jيقول: (خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة) ([50]) .وعند مسلم بلفظ: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد) قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض([51]) .
قال النووي عند شرحه الحديث: (أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها وأن المراد به جميع نساء الأرض أي: كل من بين السماء والأرض من النساء والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه) ([52]) .
ومما جاء في فضل عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها: أنها المبرأة من فوق سبع سموات، نزلت براءتها في سورة النور، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}
ومما يستفاد من الآيات:
(1) أن حادثة الأفك كانت خيرا للمؤمنين حتى يعلموا طهارة الصديقة بنت الصديق ويكون ذلك من ضمن عقائدهم:{لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}، قال ابن كثير(ومن خصائصها أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنزل في عذرها وبراءتها وحياً يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة ([53])
(2) حصول البراءة القطعية لأم المؤمنين من الفاحشة فمن رماها بعد ذلك بالفاحشة فقد كفر بالقرآن، قال ابن العربي: (إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة، فبرأها الله، فكل من رماها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر) ([54]) . وقال الرازي: (صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها؛ فإن الله تعالى نص على كون تلك الواقعة إفكاً وبالغ في شرحه، فكل من يشك فيه كان كافراً قطعاً وهذه درجة عالية) ([55]) . وقال أيضا: (لولا إظهارهم للإفك؛ كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر… وشهد الله بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم) ([56]) .
(3) الشهادة الإلهية لها بالدرجة العالية من الإيمان والعفاف، قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12]، يقول ابن عطية: (كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم فإذا كان ذلك يبعد فيهم، فكانوا يقضون بأنه في عائشة أبعد، وقد روي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب وامرأته وذلك أنه دخل عليها فقالت يا أبا أيوب: أسمعت ما قيل؟ قال: نعم وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب تفعلينه؟ فقالت: لا والله، قال: فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب: نعم) ([57]) .
(4) الأمر الإلهي القاضي بوجوب ظن الخير في خصوص عائشة لأنها سبب النزول ودخول سبب النزول في الآية قطعي، قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ}، وما كان هذا الواجب ليحصل لولا عظيم مرتبتها في الإيمان، فلها الأولويةرضي الله عنهمافي الظن الحسن، قال الألوسي: (وجوب ظن الخير بعائشة خصوصاً للقطع في دخولها بالعموم، أو على القول بأنها مرادة خصوصاً) ([58]) .
(5) عتاب أهل الإيمان لأجلها، قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} [النور: 12]، قال الطبري: (هذا عتاب من الله تعالى ذكره أهل الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة) ([59]) .
(6) الحكم الإلهي لم رماها بأنه من الكاذبين، قال تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13].
(7) لولا رحمة الله لمس الجميع بسبب هذا الافك عذاب عظيم،: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
(8) هذا الإفك عظيم عند الله، قال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}، يقول ابن كثير: (فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل، الله يغار لهذا، وهو سبحانه لا يقدر على زوجة نبي من أنبيائه ذلك حاشا وكلا… فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟! ولهذا قال: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ}([60]) .
(9) عتاب الله للمؤمنين، قال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا}.
(10) تنزيه الله تعالى وتسبيحه وتقديسه أن يختار لنبيه إلا الطاهرة المطهرة، قال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}.
(11) التحذير للأمة إلى قيام الساعة أن تعود لمثل ذلك أبدا إن كانت على الإيمان بالله ورسوله والقرآن الذي أنزل على رسوله، قال تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
(12) والوعيد إن عادوا لمثل ذلك، قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}، قال الطبري: (لولا أن الله تفضل عليكم… لهلكتم فيما أفضتم وعاجلتكم من الله العقوبة) ([61]) . وقال ابن عطية: (لفضحكم بذنوبكم، ولعذبكم فيما أفضتم فيه من قول الباطل والبهتان) ([62]) . وقال ابن الجوزي: (جوابه محذوف، تقديره: لعاقبكم فيما قلتم لعائشة) ([63]) .وقال الألوسي: (وهذا تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجريرة) ([64]) .
الشهادة لها بالإحصان والإيمان: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} ودخول عائشةرضي الله عنهافي هذه الآية قطعي، إذ أنها سبب نزول الآيات.
(14) الشهادة لها بالطيب: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}، ولأجل هذا قال ابن عباس يخاطب عائشة رضي الله عنها: وطيبك فقال: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور: 26]، وحيث إن رسول الله jأطيب الطيبين فتكون عائشة من أطيب الطيبات بدلالة الآية، قال الرازي: (ولا أحد أطيب ولا أطهر من رسول الله jفأزواجه إذن لا يكن إلا طيبات) ([65]) .
(15) الشهادة لها بالبراءة والنزاهة من الأدناس: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} قال ابن عطية: (وبهذه الآية قيل لأزواج النبي j: الطيبات المبرآت) ([66]) .
(16) الشهادة لها بالجنة: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، فقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الرزق الكريم في الآية هو الجنة، قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}: (أي عند الله في جنات النعيم وفيه وعد بأن تكون زوجة النبي jفي الجنة) ([67]) .
فهي زوجة النبي في الدنيا وفي الآخرةرضي الله عنهاوأرضاها، وبعد كانت تلك فوائد مستفادة من آيات سورة النور، وهي رد على أولئك الروافض الذين يتخذون من سب أم المؤمنين الطاهرة المطهرة الصديقة دينا يتعبدون به ومن يضلل الله فما له من هاد، ومما جاء في فضائل أم المؤمنين عائشة في السنة: مجيء الملك بصورتها إلى النبي jفي سرقة من حرير قبل زواجها به jفقد روى الشيخان من حديث عائشةرضي الله عنهماقالت: (قال رسول الله jأريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه) ([68]) .
ومن مناقبها رضي الله عنها أنها كانت أحب أزواج النبي jوقد صرح بمحبتها لما سئل عن أحب الناس إليها، فقد روى البخاري بإسناده إلى عمرو بن العاص t (أن النبي jبعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: فمن الرجال؟ قال: أبوها) ([69]) .
ومن مناقبها رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام أرسل إليها سلامه مع النبي jفقد روى البخاري بإسناده إلى عائشةرضي الله عنهماقالت: (قال رسول الله jيوماً: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى ما لا أرى تريد رسول الله j) ([70]) .
ومن مناقبهارضي الله عنهاأن رسول الله jكان يحرص على أن يمرض في بيتها فكانت وفاته jبين سحرها ونحرها في يومها وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله jلما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: أين أنا غداً؟ حرصاً على بيت عائشة، قالت: فلما كان يومي سكن) ([71]) . وعند مسلم عنها أيضاً قالت: إن كان رسول الله jليتفقد يقول: (أين أنا اليوم أين أنا غداً؟ استبطاء ليوم عائشة قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري) ([72]) . ومن مناقبها رضي الله عنها ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى عبد الله بن عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك t يقول: سمعت رسول الله jيقول: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ([73]) .
المهدي عليه السلام من آل البيت عليهم السلام:
بشر النبي jبخروج المهدي في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً فتكثر الخيرات وتنزل البركات في زمنه ويفيض المال.
ومن ذلك:ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود أن النبي jقال: (لا تذهب -أو لا تنقضي- الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي)، ([74]) .وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله j: (المهدي مني.. أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلا، كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين) ([75]) .
وأخرج أبو داود عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله jيقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) ([76]) .
وأخرج ابن ماجة والإمام احمد عن علي t قال: قال رسول الله j: (المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة) ([77]) .
وأخرج الحاكم عن أبي سعيد t، أن رسول الله jقال: (يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتخرج الماشية وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانيا، -يعني حججاً-)([78]) .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله jقال: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم وإمامكم منكم) ([79]) .
وأخرج مسلم عن جابر t قال: سمعت رسول الله jيقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم jفيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة لهذه الأمة) ([80]) .
فهذه الأحاديث وغيرها كثير في حق المهدي تفيد التواتر والعلم القطعي بظهور المهدي من آل بيت النبي jفي آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وينزل في زمانه عيسى عليه السلام فيقتل الدجال ويكسر الصليب
حب آل البيت إيمان، وبغضهم نصب ونفاق:
قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، قال ابن حجر الهيتمي: (هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدأت بـ (إنما) المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة) أهـ ([81]) .
وروى البخاري في صحيحه عن كعب بن عجرة قال: (لما نزلت هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، قلنا يا رسول الله: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) ([82]) .
وقوله j: (وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) ([83]) .
ففي هذا الحديث منقبة واضحة وفضيلة عالية لأهل بيته jحيث قرن الوصية بهم مع الوصية بالالتزام والتمسك بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، فجعلهم jثقلاً دليل واضح على عظم حقهم وارتفاع شأنهم وعلو منزلتهم.
وروى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله jقال: (يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثاً أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم وسألت الله فيكم أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء فلو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار) ([84]) .
وأخرج الحاكم في مستدركه عن أبي ذر t، قال النبي j: (ألَا إنَّ مَثلَ أهل بَيْتي فيكم مَثلُ سَفينةِ نوحٍ، مَن ركِبَها نَجا، ومَن تخَلَّفَ عنها هلَكَ) ([85]) .
الأمة الإسلامية تبرأ إلى الله من كل ناصبي يبغض أحدا من آل البيت: والنواصب: قوم يبغضون آل بيت النبي j، أو أحدا منهم أو يبغضون أمير المؤمنين علي t وأرضاه على وجه الخصوص، جاء في لسان العرب: (النواصب قوم يتدينون ببغض علي عليه السلام) ([86]) .
وقال الذهبي: من تعرض للإمام علي بذم فهو ناصبي يعزر فإن كفره فهو خارجي مارق بل سبيلنا أن نستغفر للكل ونحبهم ونكف عما شجر بينهم) ([87]) .
وقال ابن حجر: (والنصب بغض علي وتقديم غيره عليه والخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم وتبرءوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة منهم) ([88]) .
والنواصب فرقة ضالة ظهرت في بدايات العصر الإسلامي: كانت تبغض آل البيت أو أفرادا منهم كالإمام علي t، أو الحسين t، ومن سمات هؤلاء: أنهم كانوا يشككون في أفضليته، وكانوا يتهمونه بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وانّه كان طالباً للخلافة لنفسه، وأنّه قاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من الصحابة والتابعين في الجمل وصفين، ومنهم هؤلاء الفجرة من يلمح بأنّه شارك في دم عثمان، أو أنّه رضى بقتله، ومنهم من يقول أنّه لم يقاتل بعد وفاة النبي jكافرًا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة في الجمل وصفين والنهروان يريد التنقيص منه،ومنهم من يقول أنّ الحسينtخرج على إمام زمانه،وكانوا يجوزون قتله؛ ويستدلون لذلك بقول النبي j: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) ([89]) .وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.
والفرق بين الخوارج والنواصب، أنّ النواصب والخوارج كليهما اشتركوا في مناصبة علي t العداء، ولكن النواصب يفسقون الإمام علي t، أما الخوارج لعنهم الله فيكفرون الإمام علي t، وكذلك فإن النواصب يقبلون عثمان أما الخوارج فيكفرونه، وأهل الحق يحبون أهل بيت النبي jويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الإسلام، ويتبرؤون من طريقة الخوارج الذين يكفرون آل بيت النبي j، ومن طريقة النواصب الذين يفسقون آل البيت ويؤذون آل البيت بقول أو عمل، والأمة الإسلامية كذلك يتبرؤون من معتقد الروافض النواصب الذين يبغضون أمهات المؤمنين زوجات النبي jtن وأرضاهن، فكل من سبهن او سب إحداهن فهو ناصبي نجس، أمّا اتهام الطاهرة المطهرة الصديقة التي طهرها القرآن الكريم من الفاحشة فهذا كفر وتكذيب للقرآن، وهم كذلك يتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وهم يمسكون عما شجر بين الصحابة اجلالا لقدرهم وحفظا لفضلهم وحفظا لوصية النبي jفيهم.
مُجملُ عقيدة أهل الحق في أهل البيت:
أنهم توسطوا في باب آل البيت رضي الله تعالى عنهم: بين طوائف الروافض والنواصب، فالرافضة يصلون ببعض آل البيت من أحفاد سيد سباب أهل الجنة الحسين إلى درجه العصمة، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور كإمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات المطهرات، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم، أما أهل السنّة والجماعة فهم يحبون آل البيت جميعا، ويوالونهم جميعا، ولا يرضون لما نالهم من الأذى كحال النواصب، وكذلك فإن أهل السنة والجماعة توسطوا في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه سيد آل البيت: بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب، فالنواصب قالوا: بفسقه t، والخوارج قالوا: بكفره t، والرافضة قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد j، أما أهل السنة والجماعة: قالوا بأنه الإمام العادل والخليفة الرابع الراشد، لا نبلغ معرفة فضائله لكثرتها ولا مناقبه لعظمها، نواليه في الله ونحبه في الله، لأن حبه علامة الإيمان ولأن بغضه علامة النفاق، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء، ويقولون أنّه يهلك فيه فريقان: أحدهما يقصر عن فضله وحقه حتى يكفره، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته ويكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة y، وكذلك فإن أهل السنة والجماعة: يوالون كل آل البيت فهم يَتوَلَّونَ أمهات المؤمنين زوجات النَّبِيِّ jوy جميعاً، ويتولون كلَّ آل بيت النبي j،
***
([1]) صحيح البخاري 3/167 ح 2637.
([2]) المصدر السابق 6/119 ح 4793.
([3]) صحيح مسلم 2/1046 ح رقم1428.
([4]) صحيح البخاري 7/107 ح 559. صحيح مسلم 3/1578 ح 1995.
([5]) صحيح البخاري 4/146 3369.
([7]) صحيح مسلم 4/1883 ح 2424، و 4/ ١٨٧١ح 2404.
([8]) مسند أحمد 32/11 ح 19265.
([10]) صحيح البخاري 4/91 ح 3140.
([11]) مسند أحمد 24/478 ح 15708.
([12]) سنن أبي داود 3/88 ح 1650. السنن الكبرى للبيهقي 3/682 ح 2907.
([13]) صحيح مسلم 2/754 ح 1072.
([14]) مصنف ابن ابي شيبة 2/429 ح 10708.
([15]) صحيح مسلم 4/1873 ح 2408.و 4/1874 ح 2408.
([16]) مسند أحمد 32/11. ح19265.
([18]) سنن الترمذي 5/663 ح 3787.
([20]) صحيح البخاري 8/77 ح 6357.
([23]) سنن الترمذي 5/584 ح 3607.
([24]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2276.
([25]) اقتضاء الصراط المستقيم 1/419.
([26]) صحيح مسلم 4/1873 ح 2408.
([27]) المصدر السابق 4/1883ح 2424.
([28]) المعجم الكبير للطبراني11/176 ح 11412، رواه الحاكم (3/ 161)، قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(2) المستدرك للحاكم3/161 ح 4712.
(3) صحيح البخاري 6/3ح 4416. صحيح مسلم 4/1870 ح 2404.
([31]) صحيح البخاري 6/98 ح 4743، صحيح مسلم 4/2323ح 3033
([32]) صحيح البخاري 5/75 ح 3965.
([33]) صحيح البخاري 5/134 ح 4160 ، صحيح مسلم 4/1872 ح 2406.
([34]) صحيح مسلم 4/1870ح 2404.
([35]) المصدر السابق 1/86 ح 78.
([36]) صحيح البخاري 4/203 ح 3623.
([37]) المستدرك للحاكم 3/164 ح 4721 وقال صحيح الاسنادولم يخرجاه.
([38]) صحيح البخاري 6/10 ح 4433.
([39]) المصدر السابق 7/37 ح 5230.
([40]) سنن الترمذي 5/698 ح 3869، المستدرك للحاكم 3/173 ح 4751. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
([41]) صحيح البخاري 5/28 ح3762.
([42]) مسند أحمد 18/138 ح 11594، سنن الترمذي 5/556 ح 3768. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الدارقطني في (سؤالات السهمي) (216): صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة وأنا أتعجب أنهما لم يخرجاه، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/ 204): رجاله رجال الصحيح.
([43]) سنن الترمذي 5/666ح 3781، مسند أحمد 38/354 ح 23328، السنن الكبرى للنسائي 7/368 ح 8240.
([44]) صحيح البخاري 5/27 ح 3753.
([45]) المصدر السابق 5/26 ح 3747.
([46]) صحيح البخاري 5/26 ح 3749. صحيح مسلم 4/1883 ح 2422.
([47]) مسند أحمد 38/192 ح 23105، المستدرك للحاكم 3/190 ح 4806. وقال شعيب الأرناؤوط محقق (المسند): إسناده صحيح.
([48]) صحيح البخاري 5/26 ح 3746.
([49]) صحيح البخاري 5/39 ح 3820، صحيح مسلم 4/1887 ح 2432.
([50]) صحيح البخاري 5/38 ح 3815.
([51]) صحيح مسلم 4/1886 ح 2430.
([53]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/ 405.
([54]) أحكام القرآن لابن العربي3 / 366.
([60]) تفسير القرآن العظيم6/ 28.
([67]) تفسير القرآن العظيم6/ 35.
([68]) صحيح البخاري 5/56 ح 3895 ، صحيح مسلم 4/1889 ح 2438.
([69]) صحيح البخاري 5/5 ح 3662.
([70]) صحيح البخاري 5/29 ح 3768.
([71]) المصدر السابق 5/30 3774.
([72]) صحيح مسلم 4/1893 ح 2443.
([73]) صحيح البخاري 5/29 ح 3770، صحيح مسلم 4/1895 ح 2446.
([74]) مسند أحمد 7/174 ح 4098، سنن الترمذي 4/505 ح 2230.
([75]) سنن ابي داود 6/342 ح 4285.
([76]) سنن ابي داود 6/341 ح 4283.
([77]) مسند أحمد 2/74 ح 645، سنن ابن ماجة 5/213 ح 4085.
([78]) المستدرك للحاكم 4/601 ح 8673.
([79]) صحيح البخاري 4/168 ح 3449، صحيح مسلم 1/136 ح 155.
([82]) صحيح البخاري 8/77 ح 6357.
([83]) صحيح مسلم 4/1873 ح 2408.
([84]) المعجم الكبير للطبراني 11/176 ح 11412، المستدرك 3/161 ح 4712. قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([85]) المستدرك للحاكم 2/373 ح 3312.
([87]) سير أعلام النبلاء 1/44.