وفي هذا الدرس اتناول بيان الخلل الحاصل بسبب اهمال التخصص العلمي في علوم الدين، لاسيما العلوم المستنبطة العقيدة والفقه والتصوف، قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، أقول وبالله التوفيق:
[1] الشرع الحنيف يدعو إلى التخصص وإلى احترام التخصص: قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، ومعنى الآية الرد إلى المتخصصين، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم لأنهم أهل المعرفة والخبرة به، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، بل أمرنا الشرع بسؤال أهل التخصص لا غيرهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ولذلك فإنّ احترام التخصص العلمي والرد إلى المدارس العلمية المتخصصة في علوم الإسلام واجب شرعي، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، في عمق التاريخ الإسلامي، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها معرفة على مر عصور الإسلام، ومن أراد التزكية لجأ إلى أهل التصوف الحق أهل التصوف السني الرشيد، فتلك مدارس اهل السنة والجماعة التي تمثل سواد الامة الأعظم في كل جوانب الدين، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله j ، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله j : (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، ومدارسها المتخصصة في الفقه والعقيدة والتصوف السني الرشيد
[2] لقد تطرق القرآن الكريم إلى العلوم الإسلامية كلها ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات أو تعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات، ثم ترك جمع القواعد والأصول لكافة علوم الدين للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص، فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه، (احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه): فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين: مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء، وتفرعت وتعددت مجالاتها، وظهرت داخلها علوم القراءات، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل، وصار للمسلمين في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – j ، منها سبع قراءات مشهورة، (ثم احتاج الناس إلى الحديث)، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وكافة علوم الحديث، (ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام) فظهرت مدرسة الفقه، وانتسب إليها طلاب العلم، وعرفوا باسم الفقهاء، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور مذاهب الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين المعروفين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ثم أصبحت تلك المذاهب على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل الكتاب والسنّة، مع أنّها عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة، (ثم استفحل أمر الفرق الضالة) في القرن الثالث الهجري و كان أهم أسباب ظهور تلك الفرق الضالة بالعقيدة هو الجهل بالدين، وتتبع المتشابهات وعدم ردها إلى أمهاتها من المحكمات أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق، وأصول الفرق الضالة هم (الخوارج) و(الشيعة) و(المعتزلة) و(الحشوية) و(المجسمة) و(الجهمية) و(المرجئة)، ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة، لبيان عقائد الفرقة الناجية، والرد على الفرق الضالة، فظهرت ثلاث مدارس في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة هي (الأثرية والأشاعرة والماتريدية)، وبها اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، والمذهبان الأشعري والماتريدي يقدمان طريقة الأثر (المدرسة الأثرية) التي امامها الامام احمد رحمه الله، من تفويض علم المتشابهات إلى الله عند سلامة العقيدة وعدم وجود الآراء الضالة ولكن عند ظهور الضلالات العقدية ووجوب الرد عليها فإنهم يحملون المتشابهات على محكماتها ويردون الفروع إلى أمهاتها فتستقيم العقيدة، لقد اكرم الله تعالى الامة بالإمامين (أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي) تخصصا في علوم العقيدة وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة، وصار المذهبان هما جناحا أهل السنة والجماعة في العقيدة، وعلماء المذهبين هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت،
[3] وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو.
وأول تلك المدارس: (المدرسة الأثرية): وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب الجهل بمقدمات الإلهيات وقواعد التقديس، كالتيمية اتباع ابن تيمية والوهابية اتباع محمد بن عبد الوهاب، و(المدرسة الأثرية): لا تخوض في المتشابهات وإنما تكل العلم بمعانيها إلى الله، ولديها من الإلمام بسورة الإخلاص وما فيها من الاحدية والصمدية والقدم الازلي ونفي المثلية، ولديها من قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة لتقديس الله تعالى عن المثلية والجسمية وعن الحد والمقدار وعن الزمان والمكان وعن التغير والحدوث ما يمنعها من الخوض في المتشابهات، ولكن هذه (المدرسة الأثرية): ابتليت بالأدعياء من أهل الحشو والتجسيم والزيغ فنازعوا منبرها وشغبوا على صفاء منهاجها فالحذر الحذر من مناهج هؤلاء ومنهم ابن تيمية وأتباعه، ومنهم ابن عبد الوهاب واتباعه، ومذهب هؤلاء جميعا هو الحشو والتجسيم، مهما أنكروا ذلك، ومذهبهم هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وأن العالم المخلوق تحته، وانه موجود بذاته في مكان وفي جهة من جهات الكون، وأنه بذاته على عرشه حقيقة، وانه ينزل إلى السماء على الحقيقة، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن هؤلاء واكثروا حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، مع انها متشابهات تعارض الأحدية المطلقة التي تعدل ثلث القرآن، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظن الجاهلين انها أجزاء من جناب الذات، فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي عقل ولُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة، كما وصف هؤلاء الجاهلين بعقائد المسلمين الله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وكأنه جسم يقبل الحد والنهاية والصور والاشكال والتغير والحدوث وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ولنا ان نسآل هل فهم هؤلاء المقصود من سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن قبل أن يتكلموا على عقائد المسلمين.
[4] إذن الخلاصة في باب العقيدة: اكرم الله تعالى الامة الإسلامين بالأئمة أحمد بن حنبل واتباعه الاثرية الفضلاء وبالإمامين (أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي) وصارت المذاهب (الاثرية والاشعرية والماتريدية) هي المذاهب المعبرة عن اطار اهل السنة والجماعة في باب العقيدة والمدارس الثلاث على وفاق تام في أصول العقيدة والتقديس والتنزيه، لا تبديع بينها ولا تفسيق، وفاق تام في أصول العقيدة وقواعد التقديس، والخلافات بينها في الفروع تشبه إلى حد كبير الخلافات بين مذاهب الفقه الاحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، والحقيقة التي يتعامى عنها أهل الحشو والتجسيم والبدعة والضلال، أنّ المذهب الأشعري والمذهب الماتريدي هما مذهبان متخصصان في العقيدة الإسلامية على منهاج أهل الحق، وانهما جناحا أهل السنة والجماعة في علوم العقيدة، وانهما يرجعان إلى التفويض الذي قالت به المدرسة الاثرية في المتشابهات (تفويض المعنى المراد إلى الله) وانهما عند الرد على المبتدعة وعند بناء أسس العقائد واصولها يردون المتشابهات إلى امهاتها من المحكم، لحماية الامة من بدع المبتدعين، والمذهبان تخصصا في تطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة، هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وهم الذين ضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، وهذه المدرسة لا تخوض في المتشابهات وإنما تكل العلم بمعانيها إلى الله، ولكن ابتليت هذه المدرسة بالأدعياء كما ذكرت من أهل الحشو والتجسيم والزيغ فنازعوا منبرها وشغبوا على صفاء منهاجها فالحذر الحذر من مناهج هؤلاء ومنهم ابن تيمية وأتباعه ومذهب هؤلاء هو الحشو والتجسيم، وإن أنكروا ذلك، وآفة هؤلاء أنهم لم يدرسوا قواعد التقديس ولم يطلبوا علم العقيدة على يد المتخصصين، و المدرسة الثالثة هي (المدرسة الأشعرية) وعليها فضلاء المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، و المدرسة الثالثة هي (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منها فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، ثم نأتي إلى التخصص الثالث التخصص في علم التزكية والسلوك والأخلاق: (فمع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، مال المسلمون إلى الدنيا وركنوا إليها، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية.
وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)) وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان، وبالتصوف اكتملت أهم العلوم التي تتعلق بالإنسان وزكاة الإنسان، فإن الفقه يسعى إلى تزكية جسده وجوارحه والعقيدة تسعى إلى تزكية عقله وأفكاره والتصوف يسعى إلى تزكية قلبه وروحه، فإن التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان.
[5] وعلى ذلك استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة: في العقيدة ثلاث مذاهب أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية، والثانية: الأشعرية، والثالثة: الماتريدية، واستقر لهم (أهل السنة والجماعة) في الفقه مذاهب أربعة، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وقد تنوعت الطرق التربوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، واهل التصوف تكلموا في فقه القلوب وبلوغ المنازل والسير إلى الله، وبهذا اكتملت علوم الإسلام التي يحتاج إليها كل مسلم (العقيدة والفقه والتصوف) وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل هؤلاء، وهم سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الجماعة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول j ، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة.
وخلاصة الامر: فإن احترام التخصص الإسلامي يتمثل في عودة الشرعية للمرجعية الإسلامية العلمية المتخصصة والمتمثلة في المذهبية الإسلامية، فللعقيدة مدارسها المتخصصة المعروفة، وللفقه مدارسه المتخصصة، وللتزكية كذلك مدارسها المتخصصة، وطلب العلم الصحيح لا يكون إلا من خلال احترام تلك المدارس ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف، لقد كان من ثمرة التخصص في العقيدة ظهور ثلاث مدارس متخصصة في الأصول على منهاج أهل السنّة والجماعة لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) (والمدرسة الأشعرية) (والمدرسة الماتريدية) ، وكان من ثمرة التخصص في علم الفقه ظهور المذاهب الأربعة، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وصارت هذه المدارس هي المرجع الصحيح لكل مسلم يبتغي في الفقه وجه الصحة والصواب، وكان من ثمرة التخصص في علم التزكية ظهور مدارس التصوف، وصارت هذه المدارس هي المرجع الصحيح لكل مسلم يبتغي في التزكية وجه الطهارة والنقاء، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، والإسلام يدعو إلى احترام التخصص العلمي، قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، وقال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة في كافة أبواب العلم، والواجب على كل مسلم أن يطلب علم الدين من خلال مدارسه المتخصصة فيه على منهاج أهل السنة الجماعة،
[تنبيه]: بعد استقرار المذاهب حدث ما حذر منه النبي jوظهر بنجد قرن الشيطان، خمسة احاديث قي الصحيحين في التحذير من قرن الشيطان، ولم تتنبه الامة إلى هذا الخطر الداهم، [الحديث الأول]: الحديث الأول: روى البخاري عن بن عمر أن رسول الله j قال: : (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا، قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) ([1])
الحديث الثاني: روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله j قال (رأس الكفر نحو المشرق والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم )([2]) . ومشرق المدينة نجد وليس العراق، لو مددنا خطا مستقيما من المدينة شرقا لمر بالرياض عاصمة نجد،.
والحديث الثالث: روى الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وهو مستقبل المشرق يقول: (ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة هاهنا، ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([3]) . وفي رواية لمسلم: رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([4]) . والحدبث الرابع: عن أبي مسعود أن النبي jقال الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر ([5]) .
والحديث الخامس: روى مسلم عن أبي مسعود قال ثم أشار النبي jبيده نحو اليمن فقال: (ألا إن الإيمان ههنا وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر) ([6]) . من هذه المنطقة ظهرت الوهابية الحشوية تنتسب إلى السلف الكرام والسلف منها براء، وتدعي انها الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وهي لا تحترم تخصصات أهل السنّة والجماعة العقائدية ولا الفقهية ولا السلوكية، بل تبدع أهل تلك التخصصات والقائمين عليها، وهذه الطائفة الوهابية يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، يريدون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي، وهم – في حقيقة الأمر – قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنة وهم ابعد الناس عن السلفية والسلف، وهم ابعد الناس عن السنة والجماعة، وما هم إلا حشوية زائغة قلوبهم، يحشون عقولهم بما يستحيل نسبته إلى ذات الله تعالى من التجسيم والتشبيه، ويتتبعون المتشابه أينما كان يريدون به فتنة المسلمين عن دينهم، حذّر القرآن الكريم منهم في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]،
(الوهابية): ينتسبون إلى السلف، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا (الأثرية) المفوضة – اتباع الامام احمد الحقيقيون وهم اتباع السلف الحقيقيون – يتهمونهم بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، وديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة، وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق، ويشنون حروبا لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله j ، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، فأيهما أجدى البناء على ما بنوه فيرتفع البناء عاليا، أم هدمه والتشكيك فيه، مع استحالة إتقان ما أتقنوه، واستيعاب ما استوعبوه، وبناء ما بنوه، ويشنون حروبا لا داعي لها على التصوف برمته، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين والأدعياء، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله، فهل جميع أولئك على ضلالة، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك، وأخطر ما في هذه الفرقة الوهابية أنّها تسعى إلى هدم تخصصات الإسلام، ونخر القلاع العلمية الحصينة، التي أسّسها وبناها علماء المسلمين طوال القرون، ولذلك فهم من شر الفرق، يتدثرون بلباس السلف، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، ((هؤلاء الوهابية الحشوية)) بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، ينسبون إلى الله تعالى والأجزاء والأبعاض، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، والحشو الذي لا يجيدون غيره، أوباش لا يحترمون تخصص العلماء، ويهجمون على كل أبواب العلم، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص، وما فهموه منها بعقولهم السقيمة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، لديهم جهل وغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله j ، ولديهم جهل وغلو في فهم مسائل الإيمان فاقتربوا كثيرا من مذاهب الخوارج، ولديهم خلل في فهم اطار أهل السنّة والجماعة فوقعوا في تبديع الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، و ((الوهابية)) أبعد الناس عن العقل، فالشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالجهل والضلالة، يحشون عقولهم بالمتناقضات، ولأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله ليس كمثل وجوده وجود، وأخطر مشاكل هؤلاء عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون،
الخلاصة: من الخلل الجسيم في الامة : اهمال التخصص العلمي في علوم الدين والذي أكرم الله تعالى اهل السنة والجماعة به، والحل هو إعادة ترتيب الأولويات العلمية، والعودة إلى المدارس العلمية المتخصصة، واحترام التخصص العلمي الإسلامي الذي أسفر عنه طول الزمان في طلب العلم ولزومه ومدارسته: ففي عمق التاريخ العلمي الإسلامي المجيد كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام وهو حديث مشهور في صحيح مسلم، وكانت علوم الدين المستنبطة ثلاثة تغطي مراتب الدين، وقد اصطلح علماء الإسلام على مر عصور الإسلام عليها: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و (التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، واهل السنّة والجماعة هم من تخصص في علم الفقه الذي يغطي مرتبة الإسلام، وأبدعوا فيه أيما ابداع، وإليهم تعود المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة)، بما أبدعت في مباحث الفقه وأصول الفقه والقواعد الفقهية والضوابط الفقهية والنظريات الفقهية بما تغطي كل احكام العبادات والمعاملات، وبما يُعتبر بحق مفخرة أهل الإسلام في علوم الفقه التي تُغطي مرتبة الإسلام، واهل السنّة والجماعة هم من تخصص في علم العقيدة الذي يتناول مرتبة الإيمان ايما تخصص واتقنوا العقيدة ايما إتقان، وكان من ثمرة تخصصهم في العقيدة ظهور المدارس العظيمة الثلاث المتخصصة في العقيدة، الاثرية اتباع الامام احمد الحقيقيون ومن قرأ دفع شبه التشبيه باكف التنزيه للإمام ابن الجوزي الحنبلي وخير الحنابلة بعد الامام احمد، عرف انه لا فرق في الأصول بين الاثرية والاشعرية والماتريدية وكلها مدارس قامت على التخصص والتقديس، والمدرسة الأشعربة التي على عقائده أكابر علماء أمة النبي jفي سائر التخصصات، وينتسب إليها في العقيدة السادة المالكية والسادة الشافعية، والمدرسة الماتريدية المعبرة عن عقائد السادة الاحناف وهم قريب من ثلث امة النبي j ، ويُعبر عنها عقيدة الإمام الطحاوي الذي لاقت عقيدته القبول في الأرض وبين أهل الإسلام، ومن كان على وفاق مع المدرستين (الأشاعرة والماتريدية) في أصل الاعتقاد من السادة الأثرية اتباع الإمام المبجل احمد بن حنبل، عدا حشوية الحنابلة المتمسلفة اتباع ابن حامد وابن الزاغوني وأبي يعلى الفراء، وابن تيمية وابن عبد الوهاب فهؤلاء ومن سلك مسلكهم حشوية لا علم ولا حلم، وليس لهم تحقيق في أصول العقيدة فلم يدرسوا لا مقدمات العقيدة ولا قواعد التقديس والتنزيه، فهم في العقيدة ادنى مرتبة عن العوام الذين لا يعلمون، فهم أضافوا إلى الجهل جهلا مركبا باعتقاد البدع الحقيقية في أكثر مباحث العقيدة، وقصاراهم الحشو والتجسيم في جناب الذات لجهلهم بقواعد التقديس المستنبطة من محكمات أدلة الكتاب والسنة، وهم أهل الغلو في التكفير والتشريك والتبديع، مضاهاة للخوارج وبعض فصائل الاعتزال، وفي المقابل اكرم الله تعالى مدارس التخصص: (الأشعرية والماتريدية ومن اتبع هداهم من الأثرية فضلاء المذهب الحنبلي، بحل مشكلات العقيدة العويصة التي ضل فيها الآخرون كمشاكل علم التنزيه والتقديس ببيان مقدماته الصحيحة المستنبطة من أدلة الكتاب المحكمات كسورة الإخلاص والتي تعدل ثلث القرآن بما حوته من قواعد التنزيه والتقديس لجناب الذات الإلهي عن مشابهة الخلائق، ولكن أهل الحشو لا يعلمون، فهم (الأشاعرة والماتريدية) إن صح التعبير من حل شيفرة التقديس والتنزيه بين الاثبات والتعطيل، بأدق تفصيل، واحسن الفهم وأجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها المعطلة من الجهمية والمعتزلة، وفي المقابل أهل التمثيل والتشبيه من الحشوية والمجسمة، فلأنهم متخصصون في العقيدة، والله تعالى قد امتدح أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، تقرأ متونهم ورسائلهم وقواعدهم في التقديس والتنزيه فلا تفارق محكمات الكتاب والسنّة قيد انملة، وسط عدل بين التعطيل والتجسيم بما لا مزيد عليه فهم الراسخون في العلم كما وصفهم القرآن الكريم: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، وهم من حل كل المشكلات المتمثلة في النصوص التي يبدو انها متعارضات، فيردون المتشابه منها إلى المحكم، فتنتفي البدعة ويزول الخلل ولا يبقى معارضا لهم إلا من كان في قلبه زيغ ومرض، فهم من تصدى لمتشابهات علم الإيمان والكفر وقاموا بعد جمع الادلة المحكمات من الكتاب والسنّة وقاموا ببيان أصل الإيمان وبيان عناصره التي لا مناص منها لتحقيق أدنى ما يصح به الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين وبيان فرع الإيمان الواجب الذي يُؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداء وبيان فرع الإيمان الكامل الذي يُؤهل صاحبه للدرجات العلى من الجنة، فهم من حل شيفرة الإيمان والكفر، بأدق تفصيل، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها الخوارج والمعتزلة والحشوية والوهابية والجهمية والجبرية، وهم أيضا من حل شيفرة القضاء والقدر بأحسن الحل، واجلى بيان، واحسن الفهم وأجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها المعتزلة القدرية والجهمية الجبرية، وهم بفضل الله تعالى من حل شيفرة الآل والصحب بحب الجميع، محبة نحفظ لهم المراتب التي أكرمهم الله بها ولا يدعون لاحد منهم العصمة، يحبون الجميع ويقفون مع المحق يؤازرون حقه كما يزعم أهل الجهل والضلال، وهم من حل شيفرة السنّة والبدعة بوضع ضوابط التبديع، بمقياس دقيق وفهم عميق، وفقه راسخ في العلم والدين، وأهل السنّة والجماعة هم من تخصص في علم التصوف الذي يغطي مرتبة الإحسان، وهم القائمون على ثغور الإحسان، ومنهم الصديقون والاولياء، لأنّ التصوف الحق هو المدرسة التي يتخرج منها الأولياء، وورثة الأنبياء، قال تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17]، ومنهم أهل المشاهدة والعرفان، لأنه من اهم معاني التصوف ((ان تعبد الله كأنك تراه)) وهم الربانيون الوارثون لأحوال النبي j وعلومه ومعارفه، وهم اعلم الناس بمنازل الدين وهم السائرون إلى الله بالله وفي الله كما قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50]، وهم أهل المجاهدة في ذات الله، عندما يجاهد المجاهدون في سبيل الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وهم القائمون المتحققون بمنازل الإحسان، لأن التصوف الحق هو القائم على حقائق مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، فعند غيابه يغيب ثلث الدين الأعلى، وتغيب منازله ومعارفه، وعند غيابه تغيب التزكية إحدى مهام النبي j في امته، قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151]، لأنه القائم على علم تزكية الانفس وسلامة القلوب وتصفية الباطن وتخليته من الرذائل، وتحليته بالفضائل، وعند غيابه يضيع الطريق إلى الحق سبحانه، لأنه العلم الذي يُعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وعند غياب التصوف الحق نعلم ظاهرا من الدين ونفقد لبه وباطنه، لأنه لباب الشريعة وحقيقتها، وعند غيابه يضيع الفهم الراقي والعميق لكل علوم الدين ومعارفه، وهم الوارثون لأحوال النبي jومعارفه القلبية، وعلى ذلك فإن العلامة الظاهرة التي ليس بعدها علامة على الانتساب إلى أهل السنّة الجماعة، هي الانتساب أو على أقل تقدير القبول بمدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في علوم الفقه والعقيدة والتصوف، ومن كان على خلاف جوهري مع تلك التخصصات في الفقه او العقيدة او التصوف النقي الصافي، فاعلم أنه ليس من أهل السنّة والجماعة وإن ظل يلهج بنسبة نفسه إليها صباح مساء، وقد قال تعالى في بيان أهمية التخصص، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، ومعنى الآية الرد إلى المتخصصين، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم لأنهم أهل المعرفة والخبرة به، وقال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، بل أمرنا الشرع بسؤال أهل التخصص لا غيرهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، واحترام هذا التخصص العلمي والرد إلى المدارس العلمية المتخصصة في علوم الإسلام ليس من باب نافلة القول وإنما هو بيان الانتساب إلى سفينة النجاة التي من ركبها نجا وتمسك بالسنّة والجماعة، ومن تخلف عنها هلك وكان كما وصفه الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الانعام: 159]، وكما وصفهم الله تعالى بقوله: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32].
***
([1]) صحيح البخاري 2/33ح 1037.
([2]) صحيح البخاري 4/127 ح 3301.
([3]) صحيح البخاري 4/181 ح 3511، صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.