وفي هذا الدرس اتناول إن شاء الله بيان الخلل الحاصل بسبب إهمال جهود المدارس المتخصصة في علم العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة، أقول وبالله التوفيق: سئل الفوزان وسئل ابن عيثمين وقبلهم سئل ابن باز وابن جبرين وسئل أيضا مصطفى العدوى عن السادة الاشاعرة سواد علماء الامة في كل أقسام العلم، فقالوا أهل بدعة وقبلهم سئل عنهم ابن تيمية فنقل فيهم انهم مخانيث المعتزلة، وان المعتزلة هم الجهمية الذكور وان الاشاعرة هم الجهمية الاناث، سبحان الله، هل هذا جزاء من ضبطوا مسائل العقيدة كلها على منهاج الكتاب والسنة، واسسوا الاطار العام الصحيح لاهل الحق الزلال اهل العقيدة السليمة اهل السنة والجماعة، لولا الأشاعرة وبيانهم لاصول التنزيه والتقديس لكان في الامة من يعبد الشاب الامرد، بعد ان صححتم الحديث، ولكان في الامة من يعبد إلها يستقر على جناح بعوضة كما قال سلفكم عثمان بن سعيد، هل هذا قدر تعظيم الله في قلوبكم، إذن أين الخلل؟؟ أين الخلل؟ هل الخلل عند الأشاعرة سواء علماء الامة الأعظم، أم الخلل عند الوهابية؟
عظماء أمة النبي jمن الأشاعرة، كالباقلاني، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، والإمام فخر الدين الرازي، والحافظ ابن عساكر، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والإمام الرافعي، والإمام النووي، والإمام السبكي، والحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام الفقيه ابن حجر الهيتمي، والحافظ السيوطي، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، كبار المفسرين أشاعرة: منهم على سبيل المثال: الإمام القرطبي والإمام ابن كثير والإمام المفسر الكبير قدوة المفسرين ابن عطية الأندلسي صاحب تفسير المحرر الوجيز، والإمام أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى صاحب البحر المحيط والإمام المقدم فخر الدين الرازي صاحب تفسير مفاتيح الغيب، والإمام المفسر الحافظ البغوي محي السنة صاحب كتاب شرح السنة، والإمام المفسر أبو الليث السمرقندي رحمه الله تعالى، صاحب تفسير بحر العلوم، والإمام المفسر الواحدي أبو الحسن على النيسابوري أستاذ عصره في النحو والتفسير، له كتاب أسباب النزول، وهو من أشهر الكتب في بابه، والإمام المفسر شهاب الدين الآلوسي رحمه الله تعالى، خاتمة المفسريـن ونخبة المحدثيـن، والإمام الحافظ المفسر جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور، والإمام الخطيب الشربينى رحمه الله تعالى صاحب تفسير السراج المنير، وغير هؤلاء ممن لو أطلنا النفس بذكرهم لخرجنا عن المقصود، كلهم كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وأكابر محدثي الأمة وحفاظها من الأشاعرة والماتريدية، منهم على سبيل المثال: الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطني إمام وقته، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني، صاحب حلية الأولياء، والحافظ أبو ذر الهروي، والحافظ أبو طاهر السلفي، والحافظ الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى صاحب المستدرك على الصحيحين، وإمام أهل الحديث في عصره، والحافظ ابن حبان صاحب الصحيح وكتاب الثقات وغيرها، والحافظ أبو سعد ابن السمعاني رحمه الله تعالى، صاحب كتاب الأنساب، والإمام الحافظ أبو بكر البيهقي والإمام الحافظ ابن عساكر والإمام الحافظ الخطيب البغدادي، والإمام الحافظ محي الدين النووي محي الدين، والإمام المحقق صلاح الدين العلائي، والإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح، والإمام الحافظ الكرماني صاحب الشرح المشهور على صحيح البخاري، والإمام الحافظ المنذري صاحب الترغيب والترهيب، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري، والإمام الحافظ السخاوي، والإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى، والإمام القسطلاني رحمه الله تعالى شارح الصحيح، والإمام الحافظ المناوي رحمه الله تعالى، وغيرهم وغيرهم من أئمة الحديث وحفاظ الأمة، كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، كل من شرح الموسوعة الحديثية اشاعرة كل علماء اللغة أشاعرة كل كتاب السيرة اشاعرة، قال الحافظ ابن عساكر امام اهل العلم في زمانه: ” وأكثر العلماء في جميع الأقطار عليه – يعني مذهب الإمام الأشعري – وأئمة الأمصار في سائر الأعصار يدعون إليه،،، وهل من الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق له أو منتسب إليه أو راضٍ بحميد سعيه في دين الله أو مثنٍ بكثرة العلم عليه ” اهـ، ([1]) .وقال الإمام ابن السبكي رحمه الله تعالى: ” وقد ذكر الإمام عز الدين ابن عبد السلام أن عقيدة الامام الأشعري – اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ” اهـ، ([2]) . والصروح الشامخة والمراكز العلمية التي كانت تنشر علوم الإسلام في بلاد المسلمين كانت تدرس المذهبين الأشعري والماتريدي، مثل الجامع الأزهر في مصر، وجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس، والجامع الأموي في دمشق، وندوة العلماء في الهند، وغيرها من منارات العلوم المبثوثة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كلها تتبنى إما مذهب الأشاعرة أو الماتريدية، ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين، والأشاعرة لم يبتدعوا مذهباً، وإنما كانوا مقررهم الواقفون على ثغر العقيدة وهم القائمون على مذهب السلف، وهم المناضلون عن عقائد الإسلام، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين، كل هؤلاء العلماء الاكابر على مذهب الاشاعرة في العقيدة ألا يعطي ذلك مؤشرا على الحقيقة التي غابت عن الوهابية، وهل يستحق الاشاعرة ما يقوله الوهابية عنهم، [[القرآن]] سنده للامة كلها عبر الاشاعرة، ابن الجزري صاحب الجزرية اشعري شاذلي، وشرح الحديث مائة شارح للبخاري كلهم اشاعرة، فأين يوجد علم نافع وليس في سنده أشعري، (الاشاعرة) على مر عصور الإسلام سادة أهل العلم وقادة الفتح والجهاد، كل المذاهب الفقهية تنتسب إليهم او توافقهم في العققيدة، وكل اهل التزكية الاحسان ينتسبون إليهم في العقيدة، وهم سواد الامة الأعظم على مر عصور الإسلام.
فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله j ، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله j : (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، ومدارسها المتخصصة في الفقه والعقيدة والتصوف السني الرشيد.
أما ((الوهابية)) فقد جاء فيهم أحاديث تحذر منهم ومن الأرض التي خرجوا منها فمن هذه المنطقة ظهرت الوهابية الحشوية تنتسب إلى السلف الكرام والسلف منها براء، وتدعي انها الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وهي لا تحترم تخصصات أهل السنّة والجماعة العقائدية ولا الفقهية ولا السلوكية، بل تبدع أهل تلك التخصصات والقائمين عليها، ومن ذلك تبديع الأشاعرة.
((الأشاعرة)) مدرسة أصولية متكاملة: أنقذ الله تعالى بهم الأمة من التجهم والاعتزال وأنقذ الله تعالى بهم الأمة من الحشو والتجسيم، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، بعيداً عن بدع الخروج والتشيع، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، في باب الإيمان والكفر، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد، وباب السنّة والبدعة، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات، بما لا مزيد عليه، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً، الشاهد: لأسباب عديدة ليس لأهل السنة والجماعة في العقيدة سوى مدارس ثلاث، هي (الأثرية والأشعرية والماتريدية)، ولا يصلح للعقيدة الإسلامية: إلا المدارس الثلاث الأثرية والأشاعرة والماتريدية: وذلك لانهم يمثلون كلا المنهجين للسلف الصالح في معاملة المتشابهات، (المنهج الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، و(المنهج الثاني): حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وتفسير الآيات وفق السياق العام الذي سيقت من اجله وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ،
لذلك حديثي ان شاء الله بنوع من التفصيل عن مدارس اهل السنة والجماعة في باب العقيدة، على تلك المحاور
أولا: من هم الاثرية ومن هم المعبرون عن الأثرية وأهل الأثر وأصحاب الحديث، وما هي قواعد السادة الأثرية في متشابهات الأخبار، وتنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية.
ثانيا: المدرستان الأشعرية والماتريدية هم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج الكتاب والسنّة، وهم الذين يمثلون السلف بكافة مناهجه وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وما هي جهود السادة الأشاعرة والماتريدية في بناء صرح العقيدة الإسلامية الصحيحة المتكاملة، وما هي أهم مباحث تجديد العقيدة التي قام بها السادة الأشاعرة والماتريدية أقول وبالله التوفيق:
المدرسة الأولى: هي المدرسة الأثرية وهي الامتداد الأول لمذهب السلف، وهم الذين يمثلون المنهج الأول، منهج تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، وأهم علماء تلك المدرسة المباركة: الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة، وسفيان الثوري ومذهبهم (تفويض معنى المتشابهات على الله).
ومن أهم أصول المذهب الأثري: التفريق بين المحكم والمتشابه، وتفويض علم المتشابه، ورده إلى محكماته، وعدم الخوض فيه بالحشو والتجسيم، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد لها مدلول عظيم في غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله.
من هم المعبرون عن الأثرية وأهل الأثر وأصحاب الحديث: (أولاً): المعبرون عن الأثرية من أهل الحديث: على رأسهم الإمام مالك بن أنس رحمه الله، ومذهبه رحمه الله: أنّه كان ينهى عن التحديث بالأحاديث المتشابهات التي توهم التشبيه، وكان يمنع من السؤال عنها، وكان مجرد السؤال عن المتشابه أمامه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه في طرد السائل عن معنى الاستواء وتبديعه، وعلى رأسهم أيضاً: الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه تفويض معنى المتشابهات، كما ثبت عنه التأويل عند الضرورة رداً على أصحاب البدع بسند صحيح أخرجه البيهقي، والأثرية من أهل الحديث هم كل من سار على نهج الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل.
و(الأثرية) من أهل الحديث هم الذين كانوا على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في مباحث العقيدة، ومنهم فخر الحديث وأهله الإمام البيهقي، وله رسالة (الأسماء والصفات) تدل على رسوخ قدمه في علم العقيدة والتنزيه والتقديس، وهي من أهم مراجع العقيدة الأثرية، والإمام النووي شارح صحيح مسلم، ومباحث العقيدة في كتابه القيم المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، هو أهم الشروح على صحيح مسلم، وفيه ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً لعقيدة أهل الأثر، وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني، صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري، وفيه من مباحث العقيدة ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً كاملاً لعقيدة أهل الأثر.
(ثانياً): المعبرون عن الأثرية من الحنابلة: الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي القرشي من أفضل علماء الحنابلة الذين تكلموا في العقيدة على منهاج الاثرية، وذلك في كتابه الباز الأشهب في الرد على منتقضي المذهب، والمسمى كذلك دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، رد فيه على حشوية الحنابلة، وكتابه الباز الأشهب من خير الكتب التي ردت على بدعة الحشو، ومن الكتب المعبرة عن مذهب الأثرية كتاب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات) صنفه العلامة مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي (ت: 1033 هـ)، وكتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر لعبد الباقي بن عبدالباقي بن عبد القادر، وكتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية وكلاهما للشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي.
قواعد السادة الأثرية في متشابهات الأخبار: من ألفاظ الوجه واليد والعين والصورة والنزول والمجيء والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه:
1- إن أول موقف هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها لأن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاتها، [[التقديس عن الجسمية ولوازمها]]، و (الجسم): هو الشيء المستلزم للأبعاد الثلاثة، وهي: الطول والعرض والعمق، والجسم بطبيعته يحتاج إلى مكان، والجسم بطبيعته يتأثّر بالحوادث، لا ينفك عن الأمور الحادثة من قبيل الحركة والسكون، والاتصال والانفصال والدخول والخروج، والجسم بطبيعته محدود، متناه له بداية وله نهاية والجسم بطبيعته مركّب، والجسم محكوم بالصور والأشكال والألوان، والصورة محدودة متناهية كما قال تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك}، وكل ما نراه في الكون إنا هي اجسام، و(الله) تعالى مقدس عن الجسمية وجميع لوازمها، لأنه ليس كمثله شيء، فهو يخالف الجسمية في كل لوازمها، ولذا كان الله مقدس عن الحد والمقدار والاجزاء والابعاض وعن الكون في مكان وعن جريان الزمان وعن الصور والاشكال، وعن التغير والحدوث، من اعظم التقديس: تقديس الله عن الجسمية التي من اخص خصائصها التكثر والانقسام وتقبل الزيادة في الحجم والنقصان ويعتريها التغير والحدوث وتجري عليها سمات الاشكال والألوان والهيئات والكيفيات والكون في المكان وجريان الزمان، يمينها غير اليسار واعلاها غير أسفلها لأنها تقبل التكثر والانقسام والاجزاء والابعاض، فتلك بعض لوازم الأجسام، والله مقدس عن الجسمية ولوازمها من الصور والاشكال والألوان والاحجام، فالجسم: هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، والجسمية تناقض الأحدية والصمدية، الله تعالى [أحد] لا جزء له، [صمد] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، إذن أول موقف لأهل الأثر هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها، ولذلك صح عن الامام احمد امام اهل الأثر التقديس عن الجسمية، يقول في عقيدته التي ذكرها أبو الفضل التميمي (لا يجوز أن يسمى جسما، وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل ” أهـ([3]) .
وقال عبدالباقي بن عبدالقادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: (فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال) أهـ ([4]) . هذه تقديسات اهل الأثر.
2- ثاني موقف من مواقف السادة الاثرية في متشابهات الاخبار هو الايمان والتصديق: بأن هذه الألفاظ أُريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته، فينبغي ان يرد معاني المتشابهات إلى الله تعالى ورسوله jعلى مراد الله تعالى ومراد رسوله j
3- ثالث موقف من مواقف السادة الاثرية في متشابهات الاخبار هو وجوب الاعتراف بالعجز عن إدراك المعنى المراد لأن هذه المتشابهات تتعلق بجناب الذات وجناب الذات قديم أزل بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء وهو أحد صمد له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فلا يدرك وليس كمثله شيء.
4- رابع موقف من مواقف السادة الاثرية في متشابهات الاخبار هو الامتناع عن السؤال عن المشابهات، لأنه بالسؤال عن هذه الامور يتعرض لما لا يطيق وقد ضرب عمر رضي الله عنه من سأله عن المتشابهات لأن الواجب الأساس هو المبالغة في التقديس ونفي التشبيه.
5- خامس موقف من مواقف السادة الاثرية في متشابهات الاخبار هو أنه لا يجوز التصرف في الألفاظ المتشابهات ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إبهاما للباطل من البعض، فالاستواء جاء بلفظ الفعل (استوى) فلا نحوله إلى الاسم (مستو) لأن الاسم أكثر ايهاما للشبهة وتقوية لها، ولا نقول تفسير الاستواء بمعنى الاستقرار ولا الجلوس لأنهما يوهمان التكييف لجناب الذات، ولكن قراءة اللفظة المتشابهة هو تفسيرها فقط، ولا يجوز النطق إل بالفظ الوارد.
6- سادس موقف من مواقف السادة الاثرية في متشابهات الاخبار هو أنه لا يجوز الجمع بين الألفاظ المتشابهة في مكان واحد لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل، وهذا ما يفعله أهل الزيغ وتتبع المتشابه يجمعون المتشابه ويؤلفون المؤلفات في تتبعه.
7- سابع موقف من مواقف السادة الاثرية في متشابهات الاخبار هو أنه لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها، والله سبحانه وتعالى: لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل، فذكر العبودية: عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى ” وهو القاهر فوق عباده يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية وذكر التدبير عند ذكر الاستواء في قوله تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الامر} يدل على ان الاستواء استواء تدبير وقهر وتسخير وربوبية وليس استواء جلوس واستقرار.
8- ثامن موقف من مواقف السادة الاثرية في متشابهات الاخبار هو أنه كما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف في المتشابهات فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور لان العجز عن الادراك إدراك والتفكير في جناب الذات كفر وإشراك، وأخيرا فإن حاصل هذا (المذهب الأثري) هو: أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها، هذا موقف اتباع السلف الحقيقيون في معاملة المتشابهات.
[تنبيه مهم]: السلفية المعاصرة مدرستان احداهما الأثرية وهي المعبرة عن مذهب السلف الأول في المتشابهات (التفويض)، والثانية حشوية مجسمة: المدقق لحال السلفية المعاصرة يجد انّ هناك اتجاهين يمثل كل اتجاه منهما فريق من السلفية المعاصرة: (الفريق الأول): أثري على العين والرأس ينتمي إلى المدرسة الأثرية التي تعلم من قواعد التقديس ما تفوض به علم المتشابه إلى الله وهي على وفاق مع بقية مدارس التخصص، وهؤلاء في زماننا للأسف قلة و(الفريق الثاني): وهابية أهل حشو وتجسيم، ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا من أهل السنّة والجماعة، وإنما هم يدخلون ضمن إطار فرقة ضالة من فرق الضلال التي حذر منها النبي j ، آلا وهي الحشوية وإن تدثروا بلباس السلف، وإن زعموا الانتساب إلى أهل السنة والجماعة، واما النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام إنما هي للأثرية، أما: (الحشوية) انتسبت زورا إلى الحنابلة والحنابلة الأثرية منهم برآء، وانتسبت إلى مذهب السلف والسلف الصالح منهم برآء، لقد ذهل (الوهابية) الحشوية عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج أهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من أهل السنّة والجماعة في باب الصفات، مع أنّ الحق والصواب أنّهم (الحشوية) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة: أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح المتعلقة بذات الله تعالى، والمستمدة من الكتاب والسنة.
تنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية: المدرسة الأولى من مدارس التخصص في عقيدة أهل السنذة والجماعة: (تنبيه أول): مذهب الأثرية من تفويض معنى المتشابه ليس معناه الجهل بالمراد من الآيات، فهم يفهمونها وفق السياق والسباق واللحاق، ولكن اللفظة المتشابهة يردون معناها إلى الله، فقوله تعلى {بل يداه مبسوطتان}، يفهمون منها الكرم الإلهي ولا يتعرضون لمعنى اليد، وهم بذلك يكتفون بالمعنى الإجمالي المفهوم من سياق الآيات دون تتبع للمتشابهات.
(تنبيه ثان): الأثرية لا يخوضون في المتشابه لفرط خوفهم من التكلم على الله تعالى بغير علم، لكنّهم يعرفون من أصول توحيد الذات وقواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من نسبة النقص إلى ذات الله تعالى، إذ هم يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وإذ هم منزهون لله تعالى عن المكان والزمان وحلول الحوادث.
(تنبيه ثالث): الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة، ولذلك يعترف الجميع بأن الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى: أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و(الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ([5]) .
(تنبيه رابع): الفرق كبير بين الأثرية والحشوية، بل لا تصح المقارنة أصلاً، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، وهم ينصون في عقائدهم على تقديس الله تعالى عن الأجزاء والابعاض وعن المكان والزمان والحد والمقدار والحركة والسكون والتغير والحدوث لانها صفات الاجسام والله مقدس عن الجسمية ولوازمها، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه، وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله،
(تنبيه خامس): براءة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله من انتساب الحشوية إليه: اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل (ت241هـ)، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر، ومن أكبر أئمّة الاسلام، لكن قد انتسب إليه هؤلاء هو منهم بريء، وكلاهما (الأثرية والحشوية) يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس، وهو الإمام أبو الفرج ابن الجوزي: أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان على تفويض علم المتشابه إلى الله، وهو على ذلك كان أثرياً، وهاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه، ودعا عليهم، وانظر كتابة الباز الأشهب في الرد على مخالفيه، وكانوا ثلاثة من شيوخ المذهب الحنبلي، وهم: ابن حامد البغدادي، والقاضي أبو يعلى الفراء، وأبو الحسن ابن الزاغوني، واتهمهم بأنهم صنفوا كتبا شانوا بها مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقال في خاتمة كتابه: ” ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال لم يعجبهم، لأنهم ألفوا كلام رؤسائهم المجسمة، فقالوا ليس هذا المذهب، قلت: ليس بمذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهتُ مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ونفيت عنه كذب المنقولات وهذيان المعقولات ” أهـ، ومن نظر في كتابه الباز الأشهب علم مدى الحشو الذي وصل إليه هؤلاء، إذن المدرسة الأولى: هي المدرسة الأثرية وهي الامتداد الأول لمذهب السلف، وهم الذين يمثلون المنهج الأول، منهج تفويض المعنى المُراد من المتشابهات.
المدرستان الثانية والثالثة من مدارس التخصص في العقيدة الإسلامية امتداد السلف الصالح، وعلى منهاج أهل السنّة والجماعة (السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية)
علماء المدرستين الأشعرية والماتريدية هم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج الكتاب والسنّة، وهم الذين يمثلون السلف بكافة مناهجه وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وقد بينا في الدرس السابق أنّ للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، وقد اعتمد السادة (الأشاعرة) و(الماتريدية): كلا المنهجين، المنهج الأول هو تفويض المعنى المراد من المتشابهات إلى الله، مع فهم الآيات وفق السياق العام، الذي سيقت من أجله فإن حديث النزول على سبيل المثال كان في سياق فضل الثلث الأخير من الليل فننشغل بذلك بعيدا عن نسبة المحال إلى الله وهو النزول الحسي من علو إلى سفل نسأل الله السلامة، والمذهب الثاني هو رد المتشابه إلى امهاته من المحكم وفهمه في اطار المحكم، والمذهبان معتمدان عند السلف وعند الاشاعرة والماتريدية.
التعريف بالأشاعرة: (الأشاعرة): هم أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله (270 ه إلى 330 ه)، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة، نصر الحديث، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين، وهو يعد عند جمهور أهل التخصص في العقيدة المجدد الثالث للدين على راس المائة الثالثة.
و((الأشاعرة)): مدرسة أصولية متكاملة: فمن فضل الله تعالى على أمة الإسلام، أن سخّر للأمة أعلام الأشاعرة علماء العقيدة الذين أنقذ الله تعالى بهم الأمة من التجسيم والحشو والاعتزال، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، بما يمثل منهج الإسلام الصافي النقي في علم العقيدة بعيداً عن بدع الخروج والتشيع، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، في باب الإيمان والكفر، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد، وباب السنّة والبدعة، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات، بما لا مزيد عليه، توسطاً واعتدالاً و، وصحة وبياناً، وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور: أهمها: الأول: دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة، والمحور الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة، الثالث: قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم.
والماتريدية: صنو السادة الأشاعرة وكلاهما يمثلان لأهل السنّة والجماعة في باب العقيدة وهما كما قيل جناحا أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، وعلماء المذهبين نجوم تتلألأ في سماء عقيدة التقديس والتنزيه، وغالب ما وقع بين المدرستين من الخلاف هو من قبيل اللّفظي، أو مما يحتمل المعنيين الصحيحين من العقيدة على منوال موقف الصحابة من حديث (لا يصلين احدكم العصر إلا في بني قريظة)، فصلى بعضهم بالطريق حرصا على الوقت وصلى الآخرون عند أسوار بني قريظة اتباعا للامر النبوي وقد فات وقت العصر ولم يخطئ النبي jأي من الفريقين، لانّ كليهما صواب.
على مذهب الأشاعرة والماتريدية العقائدي غالب علماء أمة الإسلام: فأكابر مفسري الأمة من الأشاعرة والماتريدية، منهم على سبيل المثال: الإمام القرطبي والإمام ابن كثير والإمام ابن عطية الأندلسي صاحب تفسير المحرر الوجيز، والإمام أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى صاحب البحر المحيط والإمام المقدم فخر الدين الرازي صاحب تفسير مفاتيح الغيب، والإمام المفسر الحافظ البغوي صاحب كتاب شرح السنة، والإمام السمرقندي، صاحب تفسير بحر العلوم، والإمام الواحدي صاحب كتاب أسباب النزول، والإمام الآلوسي، خاتمة المفسريـن، والإمام الحافظ جلال الدين السيوطي صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور، والإمام الخطيب الشربينى رحمه الله تعالى صاحب تفسير السراج المنير، وغير هؤلاء ممن لو أطلنا في ذكر أسمائهم لخرجنا عن المقصود، كلهم كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وأكابر محدثي الأمة وحفاظها من الأشاعرة والماتريدية، منهم على سبيل المثال: الإمام الحافظ الدارقطني إمام وقته، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني، صاحب حلية الأولياء، والحافظ أبو ذر الهروي، والحافظ أبو طاهر السلفي، والحافظ الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك على الصحيحين، وإمام أهل الحديث في عصره، والحافظ ابن حبان صاحب الصحيح وكتاب الثقات وغيرها، والحافظ ابن السمعاني صاحب كتاب الأنساب، والإمام الحافظ أبو بكر البيهقي والإمام الحافظ ابن عساكر والإمام الحافظ الخطيب البغدادي، والإمام الحافظ محي الدين النووي محي الدين، والإمام المحقق صلاح الدين العلائي، والإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح، والإمام الحافظ الكرماني صاحب الشرح المشهور على صحيح البخاري، والإمام الحافظ المنذري صاحب الترغيب والترهيب، وغمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري، والإمام الحافظ السخاوي، والإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى، والإمام القسطلاني رحمه الله تعالى شارح الصحيح، والإمام الحافظ المناوي رحمه الله تعالى، وغيرهم وغيرهم من أئمة الحديث وحفاظ الأمة، كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وأكابر فقهاء الأمة من الأشاعرة والماتريدية، والصروح الشامخة والمراكز العلمية التي كانت تنشر علوم الإسلام في بلاد المسلمين كانت تدرس المذهبين الأشعري والماتريدي، مثل الجامع الأزهر في مصر، وجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس، والجامع الأموي في دمشق، وندوة العلماء في الهند، وغيرها من منارات العلوم المبثوثة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كلها كانت تتبنى إما مذهب الأشاعرة أو الماتريدية.
جهود السادة الأشاعرة والماتريدية في بناء صرح العقيدة الإسلامية الصحيحة المتكاملة.
الأشاعرة والماتريدية هما مدرستان متخصصتان في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة: في الإلهيات وفي النبوات وفي السمعيات.
الأشاعرة والماتريدية هم من قرروا عقيدة أهل السنة، وهم الذين وقفوا في وجه الفرق الضالة، إنّ من فضل الله تعالى على أمة الإسلام، أن سخّر للأمة أعلام الأشاعرة والماتريدية علماء العقيدة الذين أنقذ الله تعالى بهم الأمة من التجسيم والحشو والاعتزال، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، بما يمثل منهج الإسلام الصافي النقي في علم العقيدة بعيداً عن بدع الخروج والتشيع، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً.
أهم مباحث تجديد العقيدة التي قام بها السادة الأشاعرة والماتريدية: هناك سبعة مباحث تدل على أنهم أهل التخصص في العقيدة على منهاج الحق: (1) مبحث التقديس (الإيمان بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله): وهم فيه عدل وسط بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، (2) مبحث التوفيق بين المعقول والمنقول: وهم فيه عدل وسط بين بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، (3) مبحث الرؤية وهم فيه عدل وسط بين نفي المعتزلة والشيعة والإباضية، وبين تشبيه المشبهة والمجسمة والحشوية، (4) مبحث الإيمان والكفر وهم فيه عدل وسط بين بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو والجهمية والمرجئة من جهة التفريط، (5) مبحث الإتباع والابتداع بيان ضوابط (السنة والبدعة) وبيان أصول الفرق الضالة عن منهاج اهل الحق، ولهم السبق في بيان الهدي الإسلامي الرشيد في معاملة الفرق الضالة بغير افراط ولا تفريط، (6) مبحث توحيد الأفعال والتوفيق بينه وبين الكسب وهم فيه عدل وسط بين بين القدرية المعتزلة وبين الجبرية الجهمية، (7) مبحث الصحابة والآل والتوسط الفريد بين افراط وتفريط طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب.
(المبحث الأول): مبحث الإيمان بذات الله تعالى وصفاته: و(السادة الأشاعرة) وسط في هذا الباب بين المعتزلة والمجسمة، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وأكرم الله تعالى الأمة بالأشاعرة والماتريدية استنبطوا قواعد التقديس والتنزيه من الكتاب والسنّة، والتي ملئت الأرض تقديسا وتسبيحا كما امتلأت السماء بتقديسات الملائكة، والاشاعرة حددوا دائرة المتشابه الصحيحة في الباب، ووضحوا ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله، بتخصص فريد وصحة متناهية لا مزيد عليها في الباب.
(المبحث الثاني) مبحث التوفيق بين المعقول والمنقول: والتوسط في باب التوفيق بين المعقول والمنقول بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، (الأشاعرة) يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة، ويتجنبون تفريط المجسمة المشبهة، فمذهبهم في ذلك أوسط المذاهب، يعرفون ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى في اطار صريح المعقول، ثم يوفقون بينه وبين صحيح الشرع، في توسط حبى الله تعالى به أهل السنّة والجماعة دوناً عن أهل البدع والأهواء من أهل الإفراط والتفريط.
(المبحث الثالث) مبحث الرؤية بين نفي المعتزلة والشيعة والإباضية للرؤية، وبين تشبيه المشبهة والمجسمة والحشوية للرؤية، وقد أجمع الأشاعرة على رؤية ذات الله تعالى في الآخرة، وأنها رؤية بغير احاطة، لقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة.
(المبحث الرابع) مبحث الإيمان والكفر والتوسط بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو والجهمية والمرجئة من جهة التفريط، (أ) تأصيل الأشاعرة لمسائل الإيمان والكفر هو تأصيل العلماء المحققين، وهو التأصيل اللازم المصير إليه لمن تدبر الكتاب والسنّة وفقه مسائل الإيمان من خلالهما، ومن قواعدهم التي تدل على الفقه في مسائل الإيمان، معرفة أنّ الإيمان قول وعمل، وأنّ الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل، وأنّ أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان، وهو إيمان أصحاب قبضة الرحمن وأصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلاّ للرحمن وهي لمن جاء بالتوحيد خاليا عن أعمال الجوارح بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيخرجهم الله تعالى بعد شفاعة الشافعين، وأنّ أصل الإيمان هو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان وحكمه، وليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام، وأنّه ليس بعد أصل الإيمان سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وأنّ أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب وعمله وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار، وأنّ عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها: الأول: قول اللسان (الإقرار)، والثاني: قول القلب (المعرفة والعلم والتصديق)، والثالث: عمل القلب (الانقياد والإذعان)، وأنّ أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب، وأنّ فرع الإيمان الواجب يكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات إضافة إلى وجود الأصل، وأنّ الإيمان المنفي في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان، وأنّ فرع الإيمان الكامل المستحب يكون إضافة إلى وجود أصل الإيمان وواجبه التحلي بالمندوبات والقربات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات، و(علماء الأشاعرة) رحمهم الله تعالى كانوا دليلاً على وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، فالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة جميعهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، فأما الخوارج والمعتزلة فأدخلوا فيه عمل الجوارح، والجهمية والمرجئة يعتبرونه مؤمناً كامل الإيمان، أما السادة الاشاعرة فهم يجعلون الإيمان منه ما هو أصل ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومنه ما هو واجب، وضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان، ومرتكب الكبيرة عندهم مسلم لا يزال في مرتبة الإسلام، وهو عندهم مؤمن فاسق عاص، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان كما تفعل الخوارج والمعتزلة، ولا يصفونه بالإيمان الكامل كما تفعل الجهمية والمرجئة.
(المبحث الخامس): مبحث الاتباع والابتداع وبيان أصول الفرق الضالة عن منهاج اهل الحق، ولهم جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء السبق في بيان الهدي الإسلامي الرشيد في معاملة الفرق الضالة بغير افراط ولا تفريط، وهذا المبحث من أهم مباحث تجديد العقيدة التي قام بها السادة الأشاعرة والماتريدية، فقد تحقق الامر الذي أخبر به النبي jمن ظهور الفرق الضالة واستقلت كل فرقة منها ببدع ضالة مضلة، فكان التجديد في هذا الباب على يد المدرستين المتخصصتين في العقيدة (الأشاعرة والماتريدية) فأول شيء بينا ضوابط البدعة الضالة وعزلوها عن المحدثات الحسنة التي لا تتعلق بالضلال، ثم بينوا بدع الضلال الحقيقية الكبرى التي تتسبب في ظهور الفرق الضالة، ثم بينوا احكام تلك الفرق، وانها البدعة والضلالة في اطار الديانة وليس الكفر الأكبر المخرج عن الإسلام، وبهذا ظهر الباب وعُرفت اصوله، وأصبح سهلا ان نعرف اطار أهل الحق في باب الاتباع والابتداع، ففي مجال توضيح بدع الضلال ذكروا انّ المحدثة حتى توصف بأنها بدعة ضلالة فلابد ان تتحقق فيها تلك الضوابط:
(الاول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و(الثاني): أن تكون محدثة بعد زمن التشريع، و(الثالث): أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، و(الرابع): أن تخالف الشرع، و(الخامس): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع تستند إليه فلا تكون بدعة، و(السادس): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله j ، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: (أ) ما أُحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، (ب) وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، (ت) وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم أصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف، وفي المقابل وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بضوابط وشروط لابد منها، تجعلها مقبولة في ميزان الشرع، مندرجة تحت غطائه، ومن تلك الشروط: (الشرط الأول): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، و(الشرط الثاني): أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، و(الشرط الثالث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، إذ أمر البدعة جدُّ خطير، ولابد في كل أمر محدث من نظر فقيه مجتهد عالم بموازين الشريعة، وقواعدها وضوابطها لينظر هل تندرج هذه البدعة في ميزان الشريعة فتكون بدعة حسنة، أو لا تندرج فيها فتكون بدعة ضلالة، ثم بعد ذلك بينوا أصول الفرق الضالة وجعلوها ستة تتفرع عنها كل البدع الضالة، الفرقة الأولى: الخوارج وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، والفرقة الثانية الشيعة وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، والفرقة الثالثة: المعتزلة القدرية وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، والفرقة الرابعة: الجهمية الجبرية وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، والفرقة الخامسة: المرجئة الذين يزعمون انّ إيمانهم كإيمان الملائكة وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، والفرقة السادسة: الحشوية المجسمة وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، وذكروا ان من بين تلك الأصول الضالة تنطلق كل فرقة جديدة، وهكذا كان تجديدهم في هذا الباب بأن وضحوا الأصول التي ينطلق منها اهل السنّة والجماعة في تقييم كل بدعة جديدة، وكانت جهودهم رسما لاطار اهل الحق فلا يحيد عنه إلا مخالف.
(تنبيه): كل الفرق الضالة المستجدة التي ظهرت والتي ستظهر حتما ستأخذ من أصول تلك الفرق الضالة، ودليل ذلك: انّ الوهابية على سبيل المثال لما ظهرت مزجت بين أصول الخوارج والمعتزلة والحشوية الضالة وأفرزت فرقة ضالة جديدة هي الوهابية ولكن بأصول قديمة سبقهم إليها أهل الضلال من الخوارج والمعتزلة والحشوية والمجسمة، ولكن مع تركيبة جديدة أخذت من كل فرقة ضالة أصلا ضالا ومزحت بينها مزجا موغلا في الضلال، يقال لكل من اعتقده (وهابي) وهكذا نستطيع بناء على ما أصله الاشاعرة والماتريدية في علم الاتباع والابتداع ما يمكن به بيسر ودقة معرفة كل ضلال يمثلا خطرا على اطار أهل السنّة الجماعة فجزاهما الله تعالى ورسوله jعن الإسلام وأهله خير الجزاء، ثم بعد ذلك كان الاتقان العلمي في انهم لم يكفروا تلك الفرق الضالة ولم يُخرجوها عن إطار الإسلام بل فرقوا بين اطارين الأول: اطار أهل الحق العلمي الصافي: أهل السنّة الجماعة، والثاني اطار الإسلام العام، فجعلوا من خرق الإطار الأول ليس بالضرورة ان يخرق الاطار الثاني، فخرق الإطار الأول توصيفه البدعة وخرق الإطار الثاني توصيفه الكفر، فلا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، وأهل الفرق الضالة مسلمون، لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان، فلا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام.
(المبحث السادس) مبحث الكسب والتوسط بين القدرية والجبرية: (أ) ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية، جميعها يشير إلى كسب الإنسان، وأنّه مسؤول عن كسبه، منها قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفي كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} ولأنّ الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، وهذا الاختيار هو ما عبروا عنه بالكسب، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، و(القدر) سر الله تبارك وتعالى، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وحاصل المذهب هو أنّ العبد له كسب بنفسه، وليس مجبورا كما تقول الجَبرية، وليس خالق لأعماله كما تقول المعتزلة، وهذا (الكسب): هو التوسط العدل الوحيد الملائم لعقيدة التوحيد فلو قلنا بمشاركة الإنسان لله تعالى في خلق الفعل لانتهى بنا الأمر إلى إثبات خالق مع الله تعالى وهو قول القدرية المعتزلة، ولو قلنا بانتفاء الاختيار والكسب لانتهى بنا الأمر إلى الجبر وهو قول الجهمية الجبرية، وما زاد على ذلك فهو تكلف، قال تعالى في كتابه: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون})
(المبحث السابع) الموقف من الصحابة والآل: أهل السنّة والجماعة بمدارسهم الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) عدل وسط في هذا المبحث بين كافة فرق الضلال: توسطوا في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه: بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب، فالنواصب قالوا: بفسق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والخوارج قالوا: بكفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والشيعة قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد j ، أما الأشاعرة: قالوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة راشد وإمام عادل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء، وقالوا أنه يهلك فيه فريقان أحدهما يقصر عن فضله حتى يكفره، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته حتى يكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم، وتوسطوا في باب الصحابة رضي الله تعالى عنهم: بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب، (الشيعة) الذين يلعنون أصحاب النبي jويكفرونهم إلا نفر يسير معدودين، ويقولون انهم علي رضي الله عنه وأصحابه الذين والوه، و(الخوارج) يكفرون علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه، أما الأشاعرة أهل السنة والجماعة، فهم يوالون أصحاب رسول الله jجميعا ويترضون عنهم جميعا، ويقولون كما جاء في القرآن الكريم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا إلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، وتوسطوا في باب آل البيت رضي الله تعالى عنهم: بين طوائف الشيعة والنواصب، فالشيعة يصلون ببعض آل البيت إلى درجه العصمة، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور كأمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات المطهرات، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم، أما الأشاعرة أهل السنّة والجماعة فهم يحبون آل البيت جميعا، ويوالونهم جميعا، ولا يرضون لما نالهم من الأذى، ولا يؤذونهم، بل يحبونهم المحبة الشرعية التي جعلها الله تبارك وتعالى لسائر المؤمنين وزيادة لقرابتهم من النبي j .
و(الحاصل): الأشاعرة والماتريدية علماء متخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء لولاهم لمال البعض إلى الحشو والتجسيم ولمال الآخرون إلى الاعتزال والتعطيل ولولاهم لما استطاع المسلمون إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع، ولولاهم لما عرف المسلمون الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المتخصصة، وبيان نظرتها إلى الطوائف المخالفة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء، كان هذا بحمد الله تعالى- ما تيسر في بيان الخلل الحادث بسبب اهمال جهود المدارس المتخصصة في علم العقيدة، قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، أسأل الله عز وجل ان يبصرنا بديننا وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه.
***
([1]) تبيين كذب المفتري ص/ 410.