وفي هذا الدرس اتناول إن شاء الله بيان الخلل الناتج بسبب اهمال دراسة مقدمات العقيدة المستمدة من الكتاب والسنّة، أقول وبالله التوفيق: آفة الوهابية عدم دراسة مقدمات العقيدة المستمدة من الكتاب والسنّة، ولذلك فإنهم ليسوا مؤهلين للحديث عنها بسبب الجهل بهذه المقدمات، وهم لجهلهم بتلك المقدمات ينسبون إلى الله تعالى المحال، فينسبون له الحد والمكان والصور والاشكال والتغير والحدوث، ومذهب هؤلاء تحديد الوجود الإلهي المطلق وتكييفه، مع انهم يقولون بلا كيف، ولكنهم يكيفون الوجود، ويحدونه بجهة واحدة من جهات الكون المخلوق، وعلى ذلك جعلوا المكان أكبر من ذات الرحمن، وهم يقولون في كل صلاة الله أكبر، وقالوا بسبب هذا التكييف الذي وقر في قلوبهم: أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وأنّ العالم المخلوق تحته، وانه موجود (بذاته) على عرشه، فكيفوا جناب الذات وحدوه بالمكان وحدوه بالعرش المحدود، مع أن قولهم: (استوى بذاته) لم يأت بها دليل من الشرع، وإنما هي من افرازات بدعة الحشو والتكييف التي ترسخت في أذهانهم، بل الآية {ثم استوى على العرش يدبر الامر}، فدل على انه استواء تدبير وربوبية لا استواء ذات، كما يقولون، وهؤلاء يعتقدون أنه تعالى متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يقابل العرش بظنهم، وأشنع بدعهم قولهم بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث، وذهلوا عن دليل الخليل إبراهيم عليه السلام {لا أحب الآفلين}، أي ان علة عدم الصلاحية للإلهية هي التغير وقبول الحوادث، ويقولون: بأنه ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وانه إن كان من لوازم النزول الحقيقي الحركة والسكون فلا بأس بالتزام ذلك، ويعتقدون أنه يذهب ويجيئ بجناب ذاته، وديدنهم الحديث حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ويدندون حول وصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث والتغير وقبول الحوادث، ولا يبقى لنا بعد تلك العقائد الفاسدة شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة الإسلام (امة التسبيح والتنزيه)، وهؤلاء الوهابية يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم دائما بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه الحقيقي كما هو في اللغة لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته ، أقول وبالله التوفيق وفي هذا الدرس أوجز إن شاء الله مقدمات العقيدة التي تٌخرج المرء من بدعة الحشو التجسيم إلى عقيدة اهل السنة والجماعة، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل،
بسم الله الرحمن الرحيم: يمكن تقسيم العقيدة إلى ثلاثة اقسام أساسية: (القسم الاول) (الإلهيات)، ويشمل الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وهذا القسم هو أهم أقسام العقيدة، و(القسم الثاني) (النبوات) ويشمل الواجب والجائز والمحال في حق انبياء الله عليهم الصلاة والسلام، و(القسم الثالث) (السمعيات) وهي كل ما ثبت في الدين بطريق الشرع من اخبار الغيب مثل الإيمان بالملائكة، والجن، ومما يتعلق باليوم الآخر، ومشاهد يوم القيامة والجنة ونعيمها والنار وعذابها، ثم أضيف إلي عقيدة اهل السنة والجماعة: قضايا أخرى ظهرت على مر عصور الإسلام وفرقت بين الجماعة الناجية وفرق الضلال: مثل الإمامة والصحابة وآل البيت، وقضايا الإيمان والكفر وقضايا التوحيد والشرك وقضايا السنة والبدعة، وبيان إطار النجاة ومدارسه المتخصصة في علوم الدين، وبيان الفرق الضالة في العقيدة وأصولها الشاذة، (الشاهد) قضايا ومسائل العقيدة متعددة، لكن أهم تلك الأقسام هو (القسم الاول): (قسم الإلهيات) ومقدماته تتعلق بالواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى.
مقدمات قسم الإلهيات مهمة جدا، جدا حتى قال اهل التخصص في علم العقيدة: حرام على من يجهل هذه المقدمات أن يؤلف في عقائد المسلمين، أو يتكلم في فرق الإسلام، لأنه بذلك يتقول على الله بغير علم فيضل ويضل، وهو يحسب انه من المهتدين، وهذه المقدمات هي النقاط التي لم يستطع لا ابن تيمية ولا اتباعه ولا ابن عبد الوهاب ولا اتباعه أن يهضموها، فسببت لهم خللا كبيرا في العقيدة، وآل بهم هذا الخلل إلى الوقوع في بدع الحشو التجسيم، على حساب التقديس، وللأسف فإنّ ((الوهابية)) من أبعد المسلمين عن تلك القواعد الربانية المستمدة من الكتاب السنة، [و] بسبب الجهل بتلك المقدمات تسربت إليهم مفردات بدعة الحشو والتكييف، كيفوا الوجود الإلهي وحدوه بالمكان والزمان ونسبوا إليه صفات الاجسام المخلوقة من الصورة والشكل والحركة والسكون والتغير والحدوث، قطاع طرق على علم التقديس، وصاروا مجسمة يلتزمون لوازم التجسيم لذلك فهذه المقدمات بالأساس لهم، وأحتسب الأجر في ذلك، وهي ضرورية كذلك لكل طالب علم يريد التخصص في عقائد المسلمين، أسأل الله تعالى القبول والسداد، وأسال الله تعالى ان يفتح لها أعينا مبصرة وقلوبا واعية وآذانا سامعة، وسأضرب امثلة مختصرة لاهم تلك المقدمات:
[أولا] من أهم تلك المقدمات: معرفة معاني (الأحدية) {قل هو الله احد}، معاني الاحدية المطلقة التي تمنع من من التكييف، الاحدية محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، هناك فرق كبير في المعني بين اسم الله (الأحد) واسمه (الواحد)، الله واحد لا شريك له، قال تعالى: {وهو الواحد القهار}، الله احد لا جزء له لا يقبل الكثرة والانقسام، قال تعالى: {قل هو الله أحد}، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا، وكل من كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، (الأحدية) توحيد جناب الذات تعالى وتقدس، لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة في جناب الذات، ولهذا قال تعالى {ليس كمثله شيء}، وقال تعالى{ولا يحيطون به علما} [وسيأتي ذكر ذلك بالتفصيل في الدرس الثامن عشر]
[ثانيا] ومن أهم تلك المقدمات: معرفة معاني (الصمدية المطلقة) {اللَّهُ الصَّمَدُ}: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة. [وسيأتي ذكر ذلك بالتفصيل في الدرس الثامن عشر]
[ثالثا] ومن أهم تلك المقدمات: معرفة أصول التقديس الموجودة في سورة الإخلاص [وسيأتي ذكر ذلك بالتفصيل في الدرس الثامن عشر]
[رابعا] ومن أهم تلك المقدمات: تقديس الله تعالى عن كل مثيل: {ليس مثله شيء}، او كفء أو شريك، الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} هذه الآية، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، يمكن أن تكون هناك مثلية في بعض معاني الصفات، ولكن النفي المطلق للمثلية إنما هو في جناب الذات، هذه الآية {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كانت أجزاء من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن القرب في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن المعية في قوله تعالى {وهو معكم أسنما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}،
[خامسا] ومن تلك المقدمات: معرفة معاني القدم الازلي لله تعالى: (أول بلا ابتداء)، (القـدم) هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى:{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، وقوله j : (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))([1]) . وقوله j : كان الله ولم يكن شيء قبله) ([2]) . ، ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله j : (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([3]) . وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته وأسماءه وصفاته، و(القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَانِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما،
أخص صفات (القديم الذاتي) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء،
(شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث.
الأفول معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة.
(جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم، سبحانه هو الخالق ومن دونه مخلوق.
قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث.
(قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات): القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن الحد والغاية والنهاية، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات، فعلمه لا حد له، ولا نهاية لمعلوماته، ولو كان لعلمه حد، لما اتصف بالكمال، لانّ ما له حد فإنه يقبل الزيادة والنقصان، فإن قبل الزيادة، فقد كان قبل الزيادة ناقصاً، وإن قبل النقصان فليس بالكمال، وهكذا القول في جميع الصفات، تابعة للذات.
الله تعالى أجلّ واعظم واكبر من أن يُدرك المخلوق المحدود صفاته، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 66]، ومثال ذلك: أننا نصف الله تعالى بكمال العلم، وننزهه سبحانه عن الجهل، ولكن يستحيل على الإنسان مهما بلغ علمه أن يعرف كنه وحقيقة معنى (علم الله) إذ لا سبيل إلى إدراك كيفية علم الله تعالى القديم التام الكامل الذي لا أول له ولا آخر، والذي يحيط بكل شيء علماً في الماضي والحاضر والمستقبل إلى أبد الأبد حيث خلود أهل الجنّة وخلود أهل النار، بلا غاية ولا نهاية خلودا أبديا لا انقطاع له، وعلم الله تعالى محيط بكل ذلك، ولا يقبل الزيادة او النقصان، إذ لو قبل الزيادة لم يكن قبل الزيادة كاملاً بل كان به بعض الجهل بمقدار تلك الزيادة، ولو قبل النقصان لم يكن لينسب إلى عالم الغيب والشهادة الذي بكل شيء عليم.
[سادسا] ومن تلك المقدمات: معاني الوجود الواجب لله تعالى، فــ (الموجودات) ثلاثة أقسام: واجب الوجود الذي لولاه لما وجد الوجود، وهو الله تعالى، وجوده أزلي أبدي سرمدي دائم، وهو وجود مطلق لا يحويه مكان لان المكان مخلوق محدود، والله مطلق منزه عن الحدود، ولا يتقيد بزمان، لأن الزمان متغير محدث، والخالق منزه عن الحدوث، هذا القسم الأول، والقسم الثاني: جائز الوجود وهو وجود خلق الله، والقسم الثالث مستحيل الوجود، وهو الشريك لله، [1] هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان، تحكمه قوانين المكان، من الكون في المكان والتحيز في جهة من جهات المكان، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه، هذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل، هذا الوجود المقيد هو صفة المخلوق مهما كبر أو صغر من الفرش إلى العرش ومن الأرض إلى السماوات كل الخلائق محكومة بهذا الوجود الزماني والمكاني مقهورة به لا انفكاك لها عنه، لا تخرج عن قوانين المكان، المخلوقات إن كانت في مكان فهي تخضع لقرب وبعد المسافات، قريبة من مكان وبعيدة عن الآخر، ويجري عليها الزمان قهرا، لا يمكنها التصرف في الزمان فلا توقف الحاضر ولا تعيد المستقبل، أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود الواجب لله الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، فالله تعالى له الوجود المطلق.(الوجود الواجب لله) لا يتقيد بالمكان، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، و (الوجود الواجب لله) لا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء، {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، تلازم الاسمين (الأول الآخر): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين (الظاهر الباطن): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان.
الخلائق عاجزة عن معرفة كنه الوجود الإلهي، لأنها مخلوقة محدودة محدثة، والمخلوق لا يدرك الخالق، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود، والمحدث لا يدرك كنه القديم، و (نحن) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق جسد الإنسان، إلا بآثار تلك الروح، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، و (العقل) لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها، والله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود، تعالى على الحدود والبدايات والنهايات، والغايات، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
(الوجود الواجب لله أزلي أبدي لا يغيب عن شيء وهو محيط بكل شيء وقريب من كل شيء، الله تعالى هو الأول بلا ابتداء له الازلية، وهو الآخر بلا انتهاء له الأبدية، وليس ذلك إلا لجناب الحق، وجوده وجود ذاتي واجب مطلق لا يقبل الحدوث ولا الفناء، لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء.
[الخلاصة] (الله تعالى) واجب الوجود، وجوده ذاتي، لولاه لما وجد أي موجود، أما وجود المخلوقات فهو جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود، وجودنا ممكن يسبقه عدم ويعقبه فناء وهو متعلق بإرادة الله يخلق ويعدم ويحي ويميت ويوجد ويفني أما وجوده سبحانه فهو وجود ذاتي واجب مطلق لا يقبل الحدوث ولا الفناء، هو الأول بلا ابتداء، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء، وليس بعده شيء، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، على العرش استوى، وهو قريب من كل شيء، ومحيط بكل شيء، وقاهر لكل شيء، له الوجود الأزلي الابدي المطلق، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 25]، (وجود الله تعالى وتقدس) ذاتي لا يجوز عليه العدم أو الفناء، ولا يجوز عليه أن يغيب عن شيء ولا ان يغيب عنه شيء.
(الله موجود بلا كيف): تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، الكيف مخلوق فلا كيف ولا مكان ولا زمان، والأحدية المطلقة تنفي الكيف ونفي المثلية يمنع من التصور، والحاصل هو العجز عن درك الادراك، الله موجود بلا كيف ولا حد ولا صورة ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، وأنّه يجب العلم بانّ الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، وأنّه يجب العلم بانّ القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، وأنّه يجب العلم بانّ الإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات، وانه يحب العلم بان العلو علو الرتبة والإلهية والربوبية وان الوجه والعين واليد صفات لا يعلم حقائقها إلا الله وان جناب الذات ليس كمثله شيء والعجز عن الادراك هو غاية الادراك.
ويجب العلم بانّ الله تعالى وتقدس موجود بلا كيف، فلا يقال أن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون، لأن الدخول والخروج من صفات الاجسام، و(الاجسام) من صفاتها انها مخلوقة تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون، والدخول والخروج، والاتصال والانفصال والحد والمقدار، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك، {ليس كمثله شيء}، {ولم يكن له كفوا احد}.
أخطأت الطائفة الحشوية قديما والوهابية حديثا خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود، (جناب الذات) تعالى وتقدس: {ليس كمثله شيء}، غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}.
هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن معرفة مقدمات الالهيات وقواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات، وهذه المعرفة من اعظم العلم، أما (المعرفة المستحيلة): هي الإحاطة علما بالحق، والإنسان مهما أوتي من علم، علمه محدود لأنه محدود، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود، ولا يستطيع الوقوف على كنهه، لأن جناب الذات لا يحاط به ولا يعرف كنهه، لا في الذهن ولا في الخارج، لأنه سبحانه مطلق، وكل ما يرد في ذهن الإنسان محدود، حيث لا يمكن للمتناهي المحدود أن يحيط بالمنزه عن الحدود، قال تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} [طه: 11].
[سابعا] ومن تلك المقدمات: معاني الكمال المطلق لله عز وجل، من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} (المثل الأعلى): الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى {الله الصمد} أي الذي له الكمال المطلق، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وصفاته، [] الكمال المطلق يمنع من وجود الند والشريك والمثيل والمعين، الكمال المطلق يوجب لجناب الذات القدم الأزلي الذي يمنع من الحدوث وقبول الحوادث، (الكمال المطلق): يوجب لله تعالى العلم الكامل فلا يغيب عنه معلوم، والسمع الكامل فلا يغيب عنه مسموع، والبصر الكامل فلا يغيب عنه شيء، وله المشيئة المطلقة والإرادة النافذة، والقدرة التامة فلا يعجزه شيء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.الكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية.
الكمال المطلق لا يقبل الحوادث، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، لأنه قبل التغير من حال إلى حال، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق. ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو.
الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، الحد معناه التناهي، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه.
الكمال المطلق أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته.
قول المسلمين: (الله أكبر) في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء يفيد الكمال المطلق، ومعناه: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار، فدل ذلك على الكمال المطلق، لأن ما له نهاية فإن النهاية علامة نقصه، وكل ما له نهاية يمكن أن يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه.
القاعدة عند الأصوليين: أن كل ما يقبل النهاية يمكن ان يتصور ما هو أكبر منه، ويمكن أن يقبل الزيادة والنقصان، والله تعالى له الكمال المطلق، والكمال المطلق لله في جناب ذاته وفي صفاته يجعل قولنا (الله اكبر) كمالا مطلقا، (الله اكبر) من كل حد (وأعظم) من كل حصر (ومتعال) على كل نهاية ومقدار، له الكمال المطلق الذي لا يقبل ابتداء ولا انتهاء.
قوله تعالى: {ولا يحيطون به علما}: يدل على الكمال المطلق، لان ما دون الكمال المطلق يمكن الاحاطة به، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يُحاط به، لأنه فوق الحدود والغايات، وقولنا (الله أكبر) في الذكر وفي الصلاة، معناه: الكمال المطلق لان (الله أكبر) تعني الله اكبر من كل تصور، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل نهاية، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته
[ثامنا] ومن تلك المقدمات: معاني التقديس المطلق لله تعالى: [] تقديس الله تعالى هو حال الملائكة الكرام حيث قالوا كما ذكر القرآن الكريم عنهم: {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}، سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، منزه عن كل مثيل أو كفء أو شبيه، غيب الغيوب، منزه عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات، لأن الحدود نقص عن الكمال، له الكمال المطلق، أحد منزه عن الانقسام، صمد منزه عن التركيب والاحتياج، غني حميد، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، [] تنزه في وجوده عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، والأحدية المطلقة تنفي الكيف ونفي المثلية يمنع من التصور، والحاصل هو العجز عن درك الادراك، {ليس كمثله شيء}، غيب الغيوب، لا يدرك، [] (جناب الذات): {ليس كمثله شيء}، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية، له الوجود الحق المطلق، والعقول المحدودة لا تحيط بالمطلق المنزه عن الحدود، [] الاحاطة به محال {ولا يحيطون به علما}، لا منتهى لجناب ذاته ولا لعظيم صفاته، جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن أي مثيل أو كفء أو شبيه: لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، قال سبحانه {ليس كمثلِه شيء} [الشورى: 11]، و{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه، لا يشبه شيئا من خلقه، ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال.
[تاسعا] ومن تلك المقدمات: استواء الله على العرش استواء صفات لا استواء ذات: الله تعالى غيب الغيوب لا يدرك، موجود بلا كيف، لا يجوز تكييف الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي، لا يغيب عنه شيء، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه وذاته، مقدس عن الغايات والحدود، وعن الكون في المكان المحدود، استواؤه استواء صفات، وقربه قرب صفات، وإحاطته إحاطة صفات[ وسيأتي ذكر ذلك بالتفصيل في الدرس الحادي والعشرون] [عاشرا] ومن تلك المقدمات: فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان، المكان محال على الله، المكان دائما أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء وهو اكبر من المكان، فلا يصح أن يحويه مكان، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله منزه عن الحد والحيز، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان، المكان محدث مخلوق والله تعالى له القدم الأزلي كان قبل المكان وهو على ما عليه كان، الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و (الاحدية المطلقة): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى في مكان.يستند الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بمتشابهات من الكتاب والسنّة، وقد اخبرنا الله أن الذين يتتبعون المتشابه في قلوبهم زيغ، أما اهل التخصص فهم الراسخون في العلم يردون تلك المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم القطعي من تقديس الله تعالى عن المكان وعن الزمان وعن الحد وعن التغير والحدوث، قال الطحاوي رحمه الله: ((تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات ” أهــ
قام ابن القيم الحشوي بجمع شبهات أهل الحشو على نسبة الجهة والمكان إلى الله، وابن القيم لأنه لم يدرس مقدمات العقيدة ولم يشم رائحة التقديس، ولم يهضم قواعد التقديس، ولذلك فهو يظن أن نفي المكان نفي لوجود الرحمن وهذا بسبب الحشو الذي تسرب إلى معتقده، وإلا فالله موجود بلا كيف ولا مكان ولا زمان ولا حد ولا مقدار، وهذا ما لا يهضمه ابن القيم،يستدل ابن القيم بالمتشابهات ومن ذلك قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، (الفوقية) ترد لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به إلا المجسمة، وثانيهما: بمعنى المرتبة كما في قوله تعالى: {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات}، فالرفع بالمرتبة، وقوله تعالى عن فرعون: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل، وقد يكون في الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم. ويستدل ابن القيم الحشوي بقوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير، لا فوقية مكان كما يقول أهل اللغة: السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة.
ويستدل ابن القيم بقوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 3، 4]، عروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربه لا مكان وجوده، لأنها اماكن لا يعصى فيه الله تعالى، فهو مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله،
ويستدل ابن القيم بقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وهذا أساسا مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم.
ويستدل ابن القيم بقوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}, وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} والمعنى في الآيتين: أي إلى مكان كرامته في السماء، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله، ولنا أن نقول: من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية، ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في جهة العلو في الجهة، وهذا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية.
ويستدل ابن القيم بقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] , وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سـبأ: 23] , المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: {قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى}، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي، وأنّه أعلى مسافة منه، وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع، وقد أخرج البخاري قصة غزوة أحد وفيها: (ونادَى أبو سفيان فقال (اعْلُ هُبَل) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم (الله أعلَى وأَجَلُّ) ([4]) . فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته، فالمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة، والمسلم حين يقول وهو ساجد . {سبحان رَبِّيَ الأعلَى}، معناه: سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً،. ويستدل ابن القيم بقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2]، على أن الله تعالى في مكان مرتفع، وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول j ، فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله. ويستدل ابن القيم بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206] , على اختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده بالمسافة وأن بعضها أقرب إليه من بعض، المراد من العندية: هي عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان.
ويستدل ابن القيم بقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في علو الرتبة والمقام، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، كما يستحيل على القديم أن يقبل المحدث، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي، لما في ذلك من بدعة القول بالحلول، وقد أجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن التقيد بالمكان، إذن المحكم من المعاني هو: {أأمنتم من في السماء}: أي من في العلو مكانته وقدرته وسلطانه، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل الكون بذاته في السماء مما لا يكون إلا للأجسام، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى، وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها من صفات العجز والنقص، قال القاضي عياض: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله (ءأمنتم في السماء) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم) أهـ ([5]) .وقال القرطبي: (ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة. ([6]) .
ويستدل ابن القيم: بحديث: ((أين الله)) في حديث مسلم: ((قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة)) ([7]) .وحديث الجارية له روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة، الأولى بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) والثانية بلفظ (من ربك) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ (أين الله) لإثبات الإيمان، والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى، إذن قد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول j ، (ثم) من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه يحمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم.
ويستدل ابن القيم بحديث البخاري ومسلم: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له)) ([8]) . أقول: للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، وللنزول الحقيقي لوازم فاسدة: من تلك اللوازم: (أ) الحلول في السماء، (ب) الصعود بعد النزول ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم (أربعة وعشرون ساعة نازل صاعد) وهل يقول بهذا إلا أحمق مجنون، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك، ثم القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه واهل التقديس وعلماء الأصول يقطعون بانتفاء الأمرين، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال، كما أنّ النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة، وإن كان الوهابية الحشوية الجهال بقواعد التقديس ومقدمات الالهيات لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت، أمّا حل إشكالية حديث النزول فتتمثل فيما أخرجه النسائي لحديث النزول بلفظ: ((إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى))، وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله ومعلوم أنّ العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه، فلو صلى الامام بقوله تعالى {إنني انا الله فاعبدني} هل يشك احد في انه كلام الله، وجمهور اهل الأصول على أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر،
[عاشرا] ومن تلك المقدمات: الوجه واليد والعين صفات وليست أجزاء من ذات،
الوجه واليد والعين في اللغة العربية اجزاء من ذات وليست صفات، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو (الجزئية والبعضية) لان الله تعالى ليس كمثله شيء، له الأحدية المطلقة، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، إذن: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات،كما سيأتي في الدرس العشرون.
(الحاصل): التقديس المطلق، الله موجود بلا كيف موجود بلا حد موجود ليس كمثل وجوده وجود، مقدس في وجوده عن المكان ولا يجري عليه في وجوده زمان، ويجب العلم بانّ القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، ويجب العلم بانّ الإحاطة بالكون احاطة صفات لا إحاطة ذات، ويجب العلم بانّ الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، ويجب العلم بانّ جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود، كان هذا ما تيسر في بيان الخلل الناتج بسبب اهمال دراسة مقدمات العقيدة المستمدة من الكتاب والسنّة، أسأل الله عز وجل ان يبصرنا بديننا وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه.
***
([1]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([2]) صحيح البخاري 9/124 ح 7418.
([3]) سنن أبي داوود 1/349 ح 466.[ صححه الالباني وقال : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات].
([4]) صحيح البخاري 5/94 ح 4043.
([7]) صحيح مسلم 2/70 ح537، سنن ابي داود5/176 ح3282.
([8]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145، صحيح مسلم 1/521. الباز الأشهب ص95-96.