وفي هذا الدرس اتناول إن شاء الله بيان الخلل الناتج بسبب الخلل في فهم مسائل وقواعد علم التقديس، تفسير قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} انموذجا:
[المفتاح الأول]: قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، هذه الآية، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المزراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بأنه السميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بأنه سميع بصير فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فثبت أن المراد بنفي المماثلة التامة من كل وجه إنما هو نفي المماثلة عن جناب الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يماثل الله تعالى في الذاتية، فتضمنت الآية نفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، وأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها فهو منتف عن ذات الله تعالى، واخص هاهنا ما يتعلق بجناب الذات وليس الصفات، وإذا كانت كل المخلوقات متماثلة في الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى.
[المفتاح الثاني]: كل المخلوقات متماثلة في صفة الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، و(الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، ومن خصائص الأجسام كذلك انها تخضع لجريان الزمان، فيجري عليها الزمان بماضيه وحاضره ومستقبله لا انفكاك لها عن قهر الزمان، ومن خصائص الأجسام كذلك أنّ لها صورا وأشكالا خصها بها خالقها عز وجل، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها تقبل الانقسام، وانها تتكون من الجوارح والأجزاء والأعضاء، وتقبل التحيّز والاختصاص بالجهات، ويقهرها التغير والحدوث، و(الجسمية) تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر في اثبات وجوده، والمحتاج فقير لا يكون إلها البتة، والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، و(الجسم) مادة، والمادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والزمان والمكان والصور والاشكال، والحركة والسكون وذات الله تعالى ليس كمثله شيء، لا تسري عليه قوانين المادة، هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا قوانين المواد، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة قليلة هم أهل التجسيم، الجاهلون بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها، لأنه كما تقدس جناب ذاته عن الحد تقدس عن الكمية وعن الجسمية ولوازمها من الحجم والكتلة والوزن والمقدار والامتداد في الافاق وقبول الجهات الست والصور والأشكال تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والعجز عن الادراك هو مقصود هذا العلم ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح الثالث]: الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى} قال المفسرون أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية، وقوله تعالى {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [سورة البقرة: 22]، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل.
[المفتاح الرابع]: الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، تقديس لله عن الجسمية وهي تقديس لله عن لوازم الجسمية كذلك، ولوازم الجسمية ما اكثرها وأبرزها التقيد بالمكان والزمان، والتقيد بالحدود والمقادير والتقيد بالصور والأشكال، والحدود والاركان والاعضاء والادوات ومن ولوازم الجسمية كذلك التجزؤ والانقسام، وقبول الكيفيات من الأطوال والأعراض والأحجام والصور والأشكال، ومن ولوازم الجسمية كذلك الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال، والحد والنهاية والتغير والحوث والله تعالى ليس كمثله شيء مقدس عن الحد والنهاية وعن التغير والحدوث فأني ان يتصل المحدود بالمقدس عن الحدود، وأنى أن يتصل المحدث بالقديم وانى أن يتصل الفاني بالذي له البقاء، وأنى أن يتصل الواجب الوجود الذي له الوجود الذاتي الازلي بممكن الوجود، الذي له العدم والفناء. ومن ولوازم الجسمية كذلك التجاور والتباين والتحيز والاجتماع والافتراق والدخول والخروج، والله تبارك وتعالى منزه عن كل لوازم الجسمية، وعن الحركة والسكون لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، لأن الحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، تقدس عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات الأجسام المخلوقة، الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، ومنها كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته، والندم والتردد على معنى التغير في ذاته، والله تعالى منزه عن أي معنى من معاني الجسمية ولوازمها التي لا انفاك لها عنها.
[المفتاح الخامس]: من الأدلة الإضافية على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: قوله تعالى {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وقوله تعالى {لا إله إلا هو الحى القيوم}، والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه، وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق، وقوله تعالى {القدوس السلام} والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه القدوس سبحانه، وهي (الجسمية) ضد الكمال الذي يتصف به ذات القدوس، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والسلام عز وجل هو الذي سلم من جميع النقائص والعيوب والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه السلام سبحانه، والسلام عز وجل هو الذي سلم ذاته عن المثل والسمي والشبيه، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام، والسلام هو الذي سلم ذاته عن أن يكون له مثيل أو شبيه، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مُقدَراً مُتناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور، والبارئ أي المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، فوجود الأجسام المقدرة المخلوقة دليل على خالقها وباريها الذي قدرها وأخرجها من العدم إلى الوجود، وهو المصور الذي ركب الأجسام على الصورة التي شاءها وأرادها، قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تكون إلا للأجسام والصور من خصائص الاجسام، والصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، وجل المصور سبحانه أن يكون مُصَوَرا، وجل الخالق البارئ المصور ان يكون جسما مقدرا مُصَوَرا.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الأول والأخر والظاهر والباطن}، (هو الأول والأخر) مع شرحه eللآية، وقوله j: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) فهذا يقتضى أن يكون جناب الذات الإلهي منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون (الجسم) أولا بلا ابتداء أبدا، إذ لا بد له من بداية، و (الظاهر والباطن) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق: 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول، وقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب} ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: أنّ الجسم هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق، وعند إضافة البعد الزماني إلى الأبعاد الثلاثة المكانية، يكون الجسم مقهورا بالمكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، وهو ملازم للتركيب لا مفر له عن التركيب، والمركّب محتاج إلى أجزائه، والمحتاج ممكن الوجود لا واجبه، والممكن لا يكون إلها خالقا مدبّرا تنتهي إليه سلسلة الموجودات، وبالتالي يتقدس الله عن الجسمية.
تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية: معناه تنزيه الله عن الصور والاشكال لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: (جناب الذات الإلهي) مقدس عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، و(الصور) لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور {ليس كمثله شيء}، و (الصورة) تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة [وقد سبق تفصيل ذلك في الدرس السابع عشر]
تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية معناه تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: فالله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ومن الأدلة النقلية المجملة على تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء والأجزاء كثيرة منها: (1) قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، (2) وقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله ، {ولم يكن له كفوا أحد}: نفي للمثلية ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، (3) وقوله تعالى: {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، (4) وقوله تعالى: {لا إله إلا هو الحي القيوم} والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً، (5) وقوله تعالى {ليس كمثله شيء} ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح.
أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قل هو الله أحد} وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال
تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية معناه تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء، وتنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات الاجسام المخلوقة: الاجسام المخلوقة لأنها أحجام فإنها تقبل الحد والمقدار وتقبل التغير والحدوث وتقبل الحركة والسكون وتقبل الاتحاد والحلول وتقبل الاتصال والانفصال [ وقد سبق الحديث عن ذلك في الدرس السابع عشر]
الله تعالى منزه عن كل لوازم الجسمية، وعن الحركة والسكون لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، لأن الحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، تقدس عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات الأجسام المخلوقة، الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، ومنها كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والله تعالى منزه عن أي معنى من معاني الجسمية ولوازمها التي لا انفاك لها عنها.
الخلاصة في علم التقديس: الله تعالى هو (القدوس) المنزه عن العيوب والنقائص، والمنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير، والله تعالى هو (السبوح)، ففي صحيح مسلم من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ eكَانَ يَقُولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ)) ([1]) . و(السُبُّوح): سبحانه هو الذي يُسبَّح ويُقدس وينزه، و (التسبيح) تنزيه الله عن كل ما لا يليق به سبحانه، إذن العلم الأول الذي ينبغي التنبه إلى التركيز عليه هو علم التسبيح، وهو علم التقديس، وهو علم توحيد جناب الذات أولى وأهم علوم التوحيد، سبحانه هو السبوح وهو القدوس المتصف بالكمال المطلق، المنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد،
المقصود من علم التقديس: هو الإقرار بالعجز والقصور عن معرفة جناب ذات الله تعالى ومنع التكييف والتوقف عن التفكير في الكيفية لأنّ العجز عن درك الإدراك إدراك، والخوض في معرفة كنه ذات الله كفر وإشراك، والمقصود الثاني بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص والتسبيح الدائم، والمقصود الثالث: الحذر من المتشابهات في هذا الباب والتي يؤول اعتقاد ظواهرها إلى الحشو والتشبيه والتمثيل والتكييف، وقد حذرنا الله تعالى من تتبعها بقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} لقد انقطع علم الخلائق عن إدراك حقائق جناب ذات الله تعالى وتقدس، وأنى للمخلوق المحدث، أن يحيط علما بالقديم في جناب ذاته وأسمائه وصفاته، وأنى للمخلوق المحدود أن يحيط علما بالمنزه عن الغايات والنهايات والحدود، ليس كمثل وجوده وجود، وليس كمثل جناب ذاته ذات، ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد.
هذا العلم علم التقديس هو قسم توحيد جناب الذات من أقسام التوحيد، وهذا القسم هو أساس التوحيد وأصله، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى، والمسمى هو ذات الله، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات، وعلى ذلك فإنّ توحيد جناب الذات تعالى وتقدس هو حجر الزاوية في العلم بالتوحيد، وفي وحدة أهل التوحيد، وأعظم آية وردت في التقديس هي قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس.
كان هذا ما تيسر في تفسير قوله تعالى، {ليس كمثله شيء}، أسأل الله عز وجل ان يبصرنا بديننا وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه.