في القرن الثاني عشر الهجري ظهر في نجد التي وصفها النبي jبانها ارض الزلازل والفتن وانها أرض الكبر والخيلاء وان بها راس الكفر وان منها يطلع قرن الشيطان ولذلك ابى النبي صلى الله عليه وسلن ان يدعو لها او يبارك عليها تنبيها لكافة المسلمين بالحذر كل الحذر من بدع هؤلاء التي أسسوا بها منهاجا موازيا لمنهاج اهل التخصص العلمي قي كل علوم الدين، يزاحمون به اهل السنّة والجماعة في اطارها العام، فجعلوا لهم مذهبا ضرارا وتفريقا بين المؤمنين يضرون به التخصص العلمي ويفرقون به بين المسلمين، ضل سعيهم وهم يظنون انهم يحسنون صنعا، فحسبنا الله ونعم الوكيل، الشاهد: ظهر في القرن الثاني عشر الهجري في نجد رأس من رؤوس البدعة والضلالة حق فيه وصف النبي jومنها يخرج قرن الشيطان، وهو محمد ابن عبد الوهاب النجدي، جمع من البدع شرها واشرها، فهو في العقيدة حشوي مجسم، يدور اعتقاده حول التجسيم، وهذا يعلمه كل متخصص في علم العقيدة وكل دارس لمقدمات الإلهيات وكل ملم بعلم التقديس، والوهابية لا يعلمون شيئا عن علم التقديس ولا عن مقدمات التقديس الموجودة في سورة الإخلاص ولا يعلمون شيئا عن معاني الاحدية والصمدية والقدم الازلي ونفي المثلية، سورة الإخلاص اربع آيات كلها في ذات الله، نفرد لها إن شاء الله درسا مستقلا، ليس هاهنا موضعه، الشاهد: ابن عبد الوهاب مجسم وتكفيري خارجي موغل في التكفير والتشريك والتبديع، قاطع طريق لمدارس الإسلام المتخصصة في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وله طامات انفرد بها.
وأول تلك الطامات: الخلل في فهم توحيد الألوهية وفي معنى العبودية حتى آل به الحال إلى تكفير عموم أهل القبلة – إلا هو واتباعه، واستحلال حرمات المسلمين ودمائهم وأموالهم بغير حق، لقد كان الخلل جسيما في فهم توحيد العبودية، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الرصين الذي يضبط أحكامها ألا وهو اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف له العبادة، لقد كفر المشركون من كفار قريش بسبب اقرارهم بعبادة الأوثان، واقرارهم بأنها آلهة مع الله تنصر وتعز وتنفع وتضر، فسجدوا لها ودعوها وذبحوا لها ونذروا لها بهذا الاعتقاد، وزعموا أن لها شفاعة جبرية على الله بحكم المشاركة الجبرية في تدبير الكون.
إنّ الذهول عن ضابط العبادة التي يكون صرفها لغير الله شرك اكبر، ألا وهو اعتقاد الربوبية والإلهية لمن تُصرف إليه تلك العبادة، لهو أشد الخلل والخطر في تكفير قطاعات عريضة من امة الإسلام من اهل لا إله إلا الله -محمد رسول الله واتهامهم بالشرك الأكبر لمجرد التوسل بالصالحين، وهذا التوسل خلاف فقهي وليس عقدي يوجب التكفير والتشريك، وقد اجازه الأكابر من علماء أمة النبي jمن السادة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، لقد حكى القرآن حال المشركين، فقال تعالى:: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 35 و 36]، وكانوا يقولون، كما حكى عنهم القرآن الكريم: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} قد يقف الأبن البار أمام والديه في غاية التذلل والخضوع والخشوع والطاعة يقبل أرجلهم وأيديهم، ولا يقع في الشرك الأكبر لأنه خلا قلبه من اعتقاد الربوبية أو الإلهية لأحد أبويه، بل فعله من البر الواجب وليس الشرك الأكبر، وقد يقف الجندي اما الضابط بكل تذلل وانكسار وتجرد للطاعة، ولا يقع في الشرك الأكبر لأنه خلا قلبه من اعتقاد الربوبية أو الإلهية لهذا الضابط، بل فعله من الطاعة التي لا يصلح الجهاد إلا بها، وليس من باب الشرك الأكبر، مشكلة الشيخ النجدي أنه لم يفرق بين أصل العبادة وصور العبادة، ولم يجعل الاعتقاد القلبي هو ضابط الفقه في مسائل العبادة، ألا وهو اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف إليه العبادة، فإنّ الجندي قد يصرف أنواع الطاعة والخضوع والتذلل للضابط ولا يسمى ذلك عبادة له، والملائكة سجدوا لآدم ولا يعني ذلك أنهم عبدوه، وآل يعقوب خروا سجدا ليوسف عليهم السلام ولم يكن ذلك عبادة له، فدل ذلك على أنّ العبادة لها معنى أبعد من مجرد العمل العبادي، فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر.
لقد وفق الله علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله j: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ([1]) .
ولكن الشيخ لم يحقق المسألة فظن انّ مجرد الفعل العبادي معناه العبادة، فكان هذا الغلط سببا في تكفير قطاع كبير من المسلمين واتهامهم بالشرك، وكان بمثابة مزلَّة كبرى أُستحِلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، نعوذ باللّه من المزالق والفتن، وعلى لازم مذهب ابن عبد الوهاب الذي لا مفر منه، هو كفر الملائكة لما سجدوا لآدم، ولم ينج من هذا الكفر سوى ابليس الرجيم لانه على لازم مذهبهم الضال أبى ان يسجد إلا لله، ومجرد صرف العبادة لغير الله عند الوهابية كفر اكبر، ويقولون من الارجاء النظر إلى النية، وعلى لازم قولهم الضال، قسجود الملائكة لآدم شرك، لانهم سجدوا لغير الله، وعلى لازم مذهب ابن عبد الوهاب الذي لا مفر منه، هو كفر يعقوب عليه السلام والاسباط لما خروا سجدا ليوسف عليه السلام، {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}
و(الحقيقة أنّ مفهوم ابن عبد الوهاب لشهادة التوحيد مفهوم شيطاني، يقول الشيخ النجدي وهو يتحدث عن نفسه، كما نقل عنه ابن غنام في تاريخ نجد: (الرسالة العاشرة للشيخ المجدد: من محمد بن عبد الوهاب إلى أهل الرياض و منفوحة: وأنا أخبركم عن نفسي: والله الذي لا إله إلا هو لقد طلبت العلم، واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى “لا إله إلا الله” ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي – ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء “العارض” أنه عرف معنى “لا إله إلا الله” أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك – فقد كذب، وافترى، ولبّس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه) ([2]) .
فالشيخ النجدي يزعم علانية أنه المكتشف الحصري والوحيد لمعاني التوحيد، فليس أحد قبله حاز هذا السبق وكل من زعم أنه يعرف معاني التوحيد التي جاء بها الشيخ النجدي فقد كذب وافترى ولبّس على الناس ومدح نفسه بما ليس فيه، و قوله أخطر مما نتصور، إذ معناه أنه لم يكن أحد قبله على الإسلام وعلى العلم بالتوحيد منذ قرون مديدة وبالتحديد منذ القرن الثامن حيث كان يعيش شيخه الأوحد شيخ اهل الحشو ابن تيمية والذي استوحى من كلامه بعض هذا الذي فهمه، ثم جاء بمزيد بيان عليه، وهكذا أُختزل الإسلام في ابن تيمية وابن عبد الوهاب، فمن خالف فهم الشيخ النجدي للإسلام والتوحيد والدين، تُطبق عليه فورا قاعدة التكفير، إذن: الخطأ الأول: في مجال توحيد الألوهية): أخطأ في تفسير العبادة، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية، وقد كان المشركون في زمان النبي jيعبدون الاصنام ويعتقدون فيها بعض مفردات الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية من دون الله، وكانوا يعتقدون لأصنامهم بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله، وكنفوذ المشيئة لا محالة و لو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ خالق السموات والأرض، الّذي هو أكبر الآلهة في اعتقادهم ولهذا قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5 و 6]، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} [الزمر: 3]، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، و هو اعتقادهم ربوبية من خضعوا له، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله لا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد، عبادة شرعاً (كسجود الملائكة لآدم)، (وكسجود يعقوب عليه السلام وأخوة يوسف عليه السلام ليوسف عليه السلام) {وخروا له سجدا}، فانّه حينئذٍ يكون كفراً، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به {قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ} [الاَعراف: 28]، {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر} [الزمر: 7]، وذلك ظاهر إن شاء اللّه، ولكن لما رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ ظنّ أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، فأدى ذلك إلى الغلط في تصور العبادة والشرك المقابل لها، وإنّ الغلط في تفسير العبادة، كان المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، الذي أُستحِلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، عياذاً باللّه من المزالق والفتن.
الخطأ الثاني والطامة الثانية عند النجدي ابن عبد الوهاب: المفهوم المغلوط لتوحيد الربوبية: (فمن المفاهيم المغلوطة في باب توحيد الربوبية): قوله: (أن المشركين زمان النبي jكانوا على توحيد الربوبية)، وهذا افك عظيم، فهم لم يكونوا كذلك، بل كانوا على بعض مفرداتها وحسب كالاعتراف بأنّه سبحانه الخالق، ولكنهم كانوا يظنون في آلهتهم المزعومة بعض مقردات الشرك في الربوبية كالإعزاز والاذلال، فقد كانوا يظنون أنّ لآلهتهم نوع من الشراكة مع الله في تدبير أمورهم، وكانوا يعتقدون أنها تستطيع إعزازهم ودفع الضر عنهم، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [سورة مريم] فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز والاعزاز والإذلال من مفردات الربوبية، وكانوا يظنون أنها تحقق لهم النصر، قال تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [سورة يس] والنصر من مفردات الربوبية إذ الرب هو الناصر والمعين، والمشركون على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، قال تعالى – حكاية عن قولهم واعتقادهم – {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [سورة هود] وهذا معتقد المشركين، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، وكانوا يعتقدون أنّ لها الشفاعة الواجبة لهم عند خالق السموات والارض، ولهذا خاطبهم الله تعالى بنفي شفاعتهم التي يظنونها لآلهتهم التي عبدوها من دون الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}
وقال في المجموعة التي سماها الوهابيون: مجموعة التوحيد: ” وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين: القاعدة الأولى: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله jكانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون}” أهـ([3]) .
والخطأ في هذا القول بين لأسباب عديدة، منها: أنّ توحيد الربوبية لله يعني اعتقاد أن الله أن الله تعالى هو وحده الخالق الرازق الهادي الشافي المحيي المميت، واعتقاد أن مقادير كل شيء بيد الله يرفع من يشاء ويخفض ويعز من يشاء ويذل ويهدي من يشاء ويضل ويوسع الرزق على من يشاء ويضيق ويحيي من يشاء ويميت، له في ذلك كله المشيئة المطلقة والإرادة النـافذة لا حق لأحد في مراجعته وأمـره كله عدل وفضـل {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، واعتقاد حقه المطلق في التشريع والحكم والأمر {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}، هذا هو توحيد الربوبية عند الموحدين، ومن اعتقد بأن هناك من يملك الضر أو النفع أو التصريف أو التدبير في حياة الناس وغيرهم من المخلوقات من دون الله فقد أشرك في ربوبية الله عز وجل شركاً أكبر، ومن اعتقد أن لأحد من دون الله حق مطلق في التشريع المطلق بالتحليل والتحريم والحظر والإباحة والحكم والأمر والنهي دون الرجوع إلى حكم الله وشرعه فقد اتخذه رباً من دون الله، هذا هو توحيد الربوبية عند المسلمين.
أما مشركو العرب فقد اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، فأين هو توحيد الربوبية عند كفار قريش.
وهؤلاء المشركين كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22].
وهؤلاء المشركين كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم، في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، كما في قوله تعالى – واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار-: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98].
والتساؤل الآن: لماذا حرص ابن عبد الوهاب على انّ المشركين زمان النبي jكانوا موحدين في الربوبية، الإجابة: حتى يخلص إلى تكفير المسلمين الذين يتوسلون إلى الله تعالى بحب الرسول jوبحب الصالحين، يقول إمام الوهابية النجدي: – وهو يتحدث عن أربع قواعد في التوحيد -: (الأُولى): إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه j مقرّون بأنّ اللّه هو الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ ..، فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس: الآية ٣١]، [وهذه رددنا عليها وانهم ما كانوا موحدين في الربوبية بل كانوا على شرك الربوبية يؤمنون بان الله تعالى هو الخالق ولكنهم يشركون من الله اربابا آخرين، في النفع والضر والاعزاز والنصر [[يقول]]: و(الثانية): إنهم يقولون: ما دعونا الأصنام وما توجهنا إليهم الاّ لطلب القرب والشفاعة لقوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ مَا نَعْبُدُهُم اِلاّ لَيُقَرِّبُونا إلى اللّه زُلفي} [الزمر: الآية ٣]، وقوله: {وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّه مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨]، [وهذه مغالطة فجة: فإنهم أقروا بعبادتهم، قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ مَا نَعْبُدُهُم اِلاّ لَيُقَرِّبُونا إلى اللّه زُلفي} [الزمر: الآية ٣]، وقال تعالى: {وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّه مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه}، فهم أقروا بعبادتهم من دون الله، وهل أقر احد من المسلمين في زمانه بعبادة غير الله، [[يقول]]:: (الثالثة): إنّه ظهر j على قوم متفرقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الأنبياء والصالحين، وبعضهم الأشجار والأحجار، وبعضهم الشمس والقمر، فقاتلهم ولم يفرق بينهم، أقول وهؤلاء يعبدون هذه الاوثان فما علاقة المسلمين الذين لا يعبدون إلا الله، [[يقول]]: (الرابعة):إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين، لأن أولئك يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى:{فَإِذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم إلَى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ}([4]) . وهو يقصد بمشركي زمانه كافة المسلمين دون أتباعه، وذلك لأنهم يتوسلون بالنبي j في شدتهم ورخائهم، ولذلك صاروا عنده أغلظ من مشركي عهد الرسالة، هذا مع أن التوسل بالرسول j جائز عند جمهور الفقهاء، وقصاراه أنّه من المسائل الفقهية الخلافية وليس من مسائل التوحيد والشرك، كما أنّ هناك فرقاً جلياً بين المسلمين وعبدة الأوثان والأصنام، فإنّ المسلمين يعبدون اللّه وحده، ولا يتوجّهون إلى النبي j إلاّ بقصد أنه رسول الله وليس شريكا مع الله يتوسلون به أن يدعو لهم عند اللّه، ويشفع لهم عنده، وأين هؤلاء من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه، ويتوجهون إليها على أنها آلهة تملك ضرهم ونفعهم، وهذا الخطأ الجسيم أدى به إلى استحلال دمائهم على أنّهم مشركون.
(من المفاهيم المغلوطة) عند الوهابيين: خطأ المقارنة بين جهل بعض المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين: المسلم يعتقد أنه لا معبود بحق سوى الله، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء، والموحد يقر ويعتقد أنه لا إله إلا الله، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله، ويقول: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، والمسلم يعتقد أنّ: {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، والمشرك ينسب إليه الولد والوالد والصاحبة والبنات، والمسلم يوحد الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، ولا يرى له مثيلاً ولا نظيراً في الأسماء والصفات والاَفعال فهو المتفرِّد في أسمائه وصفاته وأفعاله، والمشرك يلحد في أسمائه ويشتق منها أسماء لآلهته، كالعزى من العزيز، ويلحد في صفاته وأفعاله، وينسب إلى آلهته صفات القدرة والنفع والضر والإعزاز والإذلال، ويسوي الاَصنامَ بربّ العالمين كما في قوله تعالى – وهم يتعاتبون في النار -: {تَاللّه ِإِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين} [الشعراء: 97، 98]، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا، لقوله تعالى: {قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً} [الزمر: 44] وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله، وإنما لمن ارتضى، لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة – على اعتقادهم الباطل – مع الله، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94]، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى: {فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} (فاطر: 10) والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى: {وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81]، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول jويقولون (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) معتقدين لها، والمشرك لا يؤمن بالرسول، ويقول – كما حكاه عنه القرآن الكريم -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 4 إلى 8]، ولذلك لا يصح مقارنة أفعال جهلاء المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً تنسب إلى الجهل ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال، كالطواف حول القبور.
والوهابية يسمونهم عباد القبور، وهذا كذب عليهم، فإنهم ما عبدوا إلا الله، العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية والربوبية أو شيء من صورهما.
ومنه يتبين خطأ الشيخ محمد ابن عبدالوهاب واجرامه في حق المسلمين عندما قال: (فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين: أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا}،،، الأمر الثاني: إن الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة أو يدعون أشجارا أو أحجارا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك ” ([5]) .
وليس بعد هذا التدليس تدليس، وليس بعد هذا التكفير تكفير، يقول: ((فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا)، فهل هناك مقارنة بين مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وبين من قال الله تعالى فيهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}، إذ من المعلوم أن شرك الاولين اعتقادي فهم يأبون الانقياد للإسلام ويأنفون من قول لا إله إلا الله ومن الاعتراف بالرسول jوينكرون البعث والنشور فكيف نقارنهم بمن اتى بالشهادتين واعتقدهما وأقر بهما ورضي بالإسلام دينا، وقد أدى هذا الاعتقاد إلى تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر، واستحلال دمائهم وأموالهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحرير الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا. ثم يدلل كلامه بحجة واهية يستدل بأن الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، وهذه اوهي من بيت العنكبوت فالمناط ليس الناس وإنما المناط هو الاعتقاد، فاعتفاد المشركين انهم الهة مع الله، واعتقاد المسلمين أنه لا إله إلا الله وهؤلاء وسائل إلى رضا الله والوسيلة جائزة عند جمهور الفقهاء، فالأول شرك اكبر بغض النظر عن صلاح المعبود، والثاني توسل من مسلم بعبد يظنه صالحا، والله يعلم المصلح من المفسد، وهذا أيضا من (المفاهيم المغلوطة) وهو الخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر واتهام الأمة بالوقوع في الشرك الأكبر: فكما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الأكبر.
و(من تلك المفاهيم المغلوطة) الخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي jإلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وليس المقصد الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر، وإنما المقصد هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع الإيمان والكفر لأنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – مهما بلغ الجهل من بعضهم مبلغه، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله، كيف وشعارهم هو (لا إله إلا الله)،
و(من تلك المفاهيم المغلوطة) الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، دون تفريق بين الاولياء والادعياء، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وقد كان ابن تيمية يفصل في مسائل التصوف، وجعلهم طوائف منهم الصديقون والأولياء، ومنهم الأدعياء المرتزقة، ومنهم أهل الجهل والخرافة، ولكن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفصّل وإنما اعتبر التصوف برمته ضلال ينبغي أن يُزال، مع أنّ السبب الاساسي الذي أُنشأ من أجله التصوف هو تزكية الباطن، وقد كان التصوف هو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وتخليته عن صفاته الذميمة، وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية الحقة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وبالتالي فإن إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على بعضهم، أو ألفاظ قالها بعضهم في ساعة ذهول لا يقصدها، أمر لا يصح، فلا يعقل أن ينادي اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا من تنطع، وأين يذهب أكثرية أهل السنة والجماعة وسوادهم الأعظم في العالم اليوم في مصر والسودان وبلاد الشام، ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين. ولا عبرة بالادعياء والدخلاء والجهلاء أهل التصوف الحق هم الاولياء الصديقون المقربون الذين جعل الله تعالى لهم قدم صدق في الامة أمثال الجنيد والجيلاني والرفاعي والشاذلي وغيرهم من الائمة الاكابر، التصوف الصافي خلق وزهد ورجولة وإيثار، وليس رعونة ولا جهل ولا خرافة، والتصوف الحق صدق وأمانة وليس شعوذة ودجل، والتصوف الحق حقائق وأحوال ومجاهدات، ورحم الله تعالى القائل: ” ليس التصوف لبس الصوف ترقعه،،، ولا بكاءك إن غنى المغنونا،،، ولا صياح ولا رقص ولا طرب،،، ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا،،، بل التصوف أن تصفو بلا كدر،،، وتتبع الحق والقرآن والدينا،،، وأن تُرى خائفا لله ذا ندم،،، على ذنوبك طول الدهر محزونا “، والخلاصة: التصوف الحق: علم راسخ، وعمل جاد دائب، لا محل فيه للهزل واللهو، أوله علم وأوسطه عمل ومجاهدة وأعلاه عطاء وموهبة، وهو أعلى مراتب الدين، وأهله الكُمل هم الصديقون وهم الأولياء المرشدون أهل الوراثة عن رسول الله j، فلا يصح محاربة التصوف بدعوى محاربة الشرك.
و(من تلك المفاهيم المغلوطة) عند الوهابية استحلال دماء وأموال مخالفيه: فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام، نعلم كيف كانت (الغزوات)! على أعراب نجد والحجاز، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان، لا مسلمين يقولون (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، ويعتقدون أنه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون لله به.لقد ترتب على غلو الوهابيين في فهم مسائل وأحكام التوحيد والشرك: استحلال دماء المسلمين، لغير سبب شرعي صحيح، وإليك الأمثلة:
(أ) هاجم الوهابية الطائف ليحرروها من الشرك!! ودخلوها عنوة في ذي القعدة 1217هـ: 1802م فقتلوا الناس بدون تمييز بين رجل وامرأة وطفل، يذكر المؤرخ الشهير عبدالرحمن الجبرتي – وهو ذو هوى وهابي – في كتابه (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) أنهم (حاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام حتى غلبوا فأخذ البلدة الوهابيون، واستولوا عليها عنوة، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وهذا رأيهم مع من يحاربهم) ([6]) .
(ب) احتلال مكة المكرمة: بعد إرعاب أهل الحجاز بقتل النساء والأطفال خلال احتلال الوهابية للطائف بدأوا بمهاجمة مكة المكرمة ويذكر مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر الحنبلي النجدي فيذكر أن الوهابية راحوا يقتلون الحجاج ويأسرون من يمر بهم، واشتدَّ الغلاء في مكة بشكل فاحش لم تشهده من قبل حتى باع أهل مكة أثاثهم وحلي نسائهم بعشر القيمة، ليشتروا أقوات أطفالهم بأضعاف أثمانها، ومات الكثير من أهل مكة جوعا وانتشرت جثث الأطفال في الأزقة، بل يذكر أن لحوم الحمير والجيف بيعت فيها بأغلى الأثمان، وأكلت الكلاب، وأخذ الناس يهجرونها نتيجة الخطر الجاثم على أطرافها، فلم يبق فيها إلا النادر من الناس([7]) .
(ت) ومن مجازر الوهابية ضد الحجيج: في سنة 1341هـ: 1921م التقت سرية من الوهابيين بحوالي ألف من أبناء اليمن القادمين لأداء فريضة الحج، وانقض المسلحون على الحجاج بأسلحتهم فأبادوهم فلم ينج منهم إلا اثنان، وقد برر الوهابيون هذه الفعلة بأنّهم ظنوا أن مجموعة الحجاج مجموعة مسلحة من أهل الحجاز فاشتبكوا معها، وهو عذر أقبح من ذنب كما ترى([8]) .
(ج) حرق المكتبة العربية بمكة المكرمة: أحرق الوهابية المكتبةَ العربية في مكة المكرمة وهي من أنفس مكتبات العالم، إذ كانت تحوي ستين ألفاً (60،000) من الكتب النادرة، وحوالي أربعين ألف (40،000) مخطوطة، بعضها مما أملاه النبي j ، وبعضها كتبه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة، ومنها ما هو مكتوب على جلود الغزلان والعظام والألواح الخشبية والرقم الفخارية والطينية، كما كانت المكتبة تشكل في جانب منها متحفاً يحتوي على مجموعة من آثار ما قبل الإسلام وبعده.
(ح) استباحة دماء المسلمين في المساجد: جاء في كتاب تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام: ” يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (إن عثمان بن معمَّر – حاكم بلد عيينة – مشركٌ كافر، فلما تحقق المسلمون من ذلك تعاهدوا على قتله بعد انتهائه من صلاة الجمعة، وقتلناه وهو في مصلاه بالمسجد في رجب 1163 هـ، ولنا أن نتساءل كيف يكون مشركاً من قُتل في مصلاه بالمسجد يوم الجمعة، وهو يعبد الله، لقد نالت شدة وبطش الوهابية العديد من المسلمين، حتى أبيدت قبائل بأكملها ومواقفهم مع العجمان والخوالد وآل رشيد معروفة، وما ذلك إلا بناء على عقيدتهم التي ترمي أهل ملة التوحيد بالشرك الأكبر لتستحل بذلك دماءهم وأموالهم ونساءهم، ومن أراد أن يتتبع أحكامهم على المسلمين، وكيف أخرجوهم من الملة والدين، واعتقدوا فيهم أنهم مشركون، فليرجع إلى كتاب (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) فإنه سيجد في ذلك العجب العجاب، وكذلك كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) الذي ألفه أحد علماء الوهابية وهو عثمان بن بشر النجدي الحنبلي، ونشرته مكتبة الرياض الحديثة بالمملكة العربية السعودية، فإن في هذا الكتاب من التعسف ومعاملة المسلمين معاملة الكافرين الصرحاء ما تشيب منه الولدان.
الخلاصة: إن اردنا معرفة الخلل العلمي ومعرفة الطريق إلى علاج هذا الخلل، علينا باتباع سنّة النبي jفي الحذر كل الحذر من الوهابية ومن كل ما أتت به الوهابية مما خالف المذاهب المتخصصة، ومن كل ما اعتمدت عليه الوهابية من مصادر شاذة لا يرضها الوسط العلمي المتخصص، والفائدة أهيلوا التراب على تراث الدعوة النجدية وعودوا على مدارس التخصص الإسلامي، هذا إن كنتم صادقين.
([2]) تاريخ نجد ابن غنام ص 309.
([3]) مجموعة التوحيد ص 15 – 16.
([4]) رسالة أربع قواعد ص ١ ـ ٤
([5]) شرح كشف الشبهات ص 100- 103.
([6]) من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي ص 90.
([7]) عنوان المجد في تاريخ نجد ج1، ص 135.
([8]) صفحات من تاريخ الجزيرة العربية، لمحمد عوض الخطيب، ص 198-199، عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي،ص 139.