وفي هذا الدرس اتناول إن شاء الله بيان الخلل في فهم مسائل وقواعد علم التقديس، (مفاتيح علم التقديس المستنبطة من فقه المراد بالآيات الدلة على علو الله تعالى على خلقه في القرآن الكريم) وانه علو رتبة ومكانة لا مكان، علو ربوبية وعظمة وتدبير لا علو جهة، أقول وبالله التوفيق:
الحشوية قديما والوهابية حديثا لا يؤمنون إلا بالمحسوسات، ولذلك كل الآيات الدالة على علو الله تعالى على خلقه جعلوها علو المكان، عندما سمعوا قوله تعالى: {أامنتم من في السماء}، قالوا المقصود هو الله والسماء هي البناء الأزرق الذي فوقنا والله في السماء بنص الآية، نقول لهم ((السماء)) تحمل معنى السمو والعلو ويكون المعنى حينئذ أامنتم من له صفات العلو والقهر والسمو والرفعة والكبرياء والعظمة والربوبية والقدرة والإلهية واستحقاق العبودية، إن عصيتموه ان يخسف بكم الأرض فلم حملتم الآية على السماء المخلوقة، قالوا لأنه لابد له من مكان يدير منه المملكة، قلنا أنتم متناقضون تقولون الله على العرش بذاته والسموات إلى الكرسي كحبة رمل في صحراء، والكرسي إلى العرش مثل ذلك فكيف يكون في السماء وهي صغيرة جدا جدا جدا إذا قورنت بالعرش، وانتم كمجسمة تقولون قد ملأ العرش وللعرش اطيط من ثقل وزنه وليس من خشيته وعظمته كما نقول نحن، فكيف يكون المقصود بالسماء السماء المبنية الزرقاء، قالوا المقصود (أامنتم من على السماء)، والمقصود على العرش الذي هو فوق السماء، نقول هذا تلاعب باللغة والعقيدة من اجل بدعة التجسيم التي تجري في دمائكم فلو كان القصد ذلك لكانت الآية (أامنتم من على السماء) لأنها أبلغ في بيان المقصود وهذا لم يحدث لان على تفيد العلو و في تفيد الظرفية، فحجتكم باطلة، وكذلك لو كان المقصود هو ما تقولون بأن المقصود أامنتم من على العرش الذي فوق السماء، لكانت الآية (أامنتم من على العرش)، وهذا أيضا لم يحدث، وانتم ظاهريون لا تقبلون إلا ظواهر الايات فلم تتلاعبون الآن بالآية وتقولون السماء المقصود بها العرش، هل تطوعون القرآن وفق معتقداتكم ام ماذا، ألم تسمعوا قول الله: {وفق كل ذي علم عليم} هل هذه فوقية مكان ام مكانة ورتبة، ألم تسمعوا قول الله تعالى: {وانتم الاعلون عن كنتم مؤمنين}، هل المقصود ان لكم الأدوار العليا في مباني الأرض ام المقصود علو الرتبة وعلو القرب من الله وعلو التمكين، ألم تسمعوا قول الله تعالى لموسى عليه السلام: {لا تخف إنك انت الأعلى}، الأعلى على فرعون بماذا بعلو المكان فيكون موسى ساكنا في الدور العلوي وفرعون يسكون الطابق الأرضي، أم بعلو الرتبة والنصر والغلبة والتمكين أجيبونا يا قوم، القرآن الكريم كتاب الله تعالى وديوان اللغة العربية أو من يحاججكم يوم القيامة ألغيتم منه المجاز والبلاغة، فكيف تشرحون لنا قول الله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}، فهل شرب اليهود عجولا، أم انه مجاز الحذف والإيجاز، فقد حُذف في الآية الكريمة مضاف وتقديره: “وأشربوا في قلوبهم حب العجل”؛ لأن القلب لا يشرب “العجل”، وحتى الحب لا يشرب ولكن البلاغة لبيان مدي رسوخ محبة الشرك والكفر في قلوب هؤلاء، هذه هي البلاغة لبيان مدى رسوخ محبة العجل الذي عبدوه في قلوبهم واختلاطه في قلوبهم كاختلاط الشراب، أسففتم عقولكم وتعديتم على اللفة بانكار المجاز وتعديتم على القرآن الكريم بانكار البلاغة والمجاز وتتبع المتشابهات، ألم تسمعوا قول فرعون: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}، فوقية ماذا؟ هل كان فرعون يركب على اكتافهم، إنها فوقية القدرة، فوقية القهر، مثلها تماما {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، سبحانه الفوقيه هاهنا هي فوقية الربوبية والإلهية بقرينة ذكر العبودية في قوله {فوق عباده}، وهي فوقية القدرة والقهر بقرينة ذكر وهو القاهر فوق عباده}، هذا هو التخصص وهذا هو الرسوخ في العلم.
المجسمة والحشوية والتيمية سلف الوهابية الطالح جمعوا كل ما في القرآن من آيات العلو وجعلوها علو مكان، ولو كان الكون في المكان جائزا على الله لكنا اول المقرين بذلك، فغايتنا تقديس الله وتعظيم الله وتمجيد الله ولكن لا يكون ذلك بالباطل،(أ) عشرات النصوص المحكمات تقدس الله تعالى عن المكان، قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3}، مع قوله j: ((اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)) ([1]) . اجتماع الاسمين الظاهر والباطن، تقديس لله تعالى عن المكان، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان، وهو بكل شيء محيط، فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء فليس يحتاج في وجوده على المكان، (ب) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث، تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان، وذلك لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما، (ت) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى: {الله خالق كل شيء}، ومن جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان.
المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط والمكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير والمكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، (ر) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، (ز) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد، (س) قوله تعالى (الله احد) تقديس لله تعالى عن المكان، لان المتمكن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان وهذا لا يكون أحدا ابدا، لان الاحدية تقديس لله عن قبول الأجزاء والابعاض، فمن قبل المكان انتفت عنه صفة الاحدية، وقوله تعالى (الله الصمد) فالصمدية كمال الغنى، فلو كان مختصاً بالمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود إلى المكان، فلا يكون صمداً على الإطلاق، و اسمه (القيوم) مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق، (ط) وقوله تعالى (هل تعلم له سمياً) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره. (ق) الوهابية ارتكبت الخطأ الجسيم عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود، إذن الاحدية تمنع من الكون في المكان، والصمدية تمنع من الكون في المكان، والغنى المطلق يمنع من الكون في المكان، والكمال المطلق يمنع من الكون في المكان، وقوله تعالى {والظاهر والباطن} مع قوله jتقديس عن المكان، وقوله تعالى {ليس كمثله شيء} تقديس عن المكان، وقوله تعالى {ولم يكن له كفوا أحد} تقديس عن المكان، الله موجود وجوده أزلي واجب لا يحتاج في وجوده إلى مكان.
أين نفي المثلية في قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، كل الموجودات تحتاج في وجودها إلى مكان فإن احتاج الله تعالى في وجوده إلى مكان فأين نفي المثلية
وأين المكان من قوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين، فلو احتاج إلى مكان لاشبه المخلوقات.
وأين المكان من قوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، فإن اضفنا إليه المكان جعلنا له مثيلا.
وأين المكان من قوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فإن اضفنا إليه المكان جعلنا له مثيلا، سبحانه منزه عما يقوله المجسمة، {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، ولا نحيط به علما، تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء لا يحتاج في وجوده إلى مكان كما هو حال مخلوقاته، القديم ازلي القديم واجب الوجود القديم واجد كل موجود فلا يقاس على خلقه أبدا.
كل الآيات التي استددل بها المجسمة والحشوية والتيمية والوهابية لها مخارج من أحسن المخارج، وجميعها لها مفاتيح للفهم الصحيح الذي يمنع من الحشو والتجسيم: (أولا) الآية:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، في الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، (الفوقية): ترد لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل والله تعالى ليس بجسم، فلا يصح ذلك، والثاني علو المرتبة كما يقال الخليفة فوق الرعية وفي القرآن الكريم {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} وقال تعالى {وفق كل ذي علم عليم}.
[ثانيا]: الآية قوله تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير، ومعنى {فوق عباده} فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره، (وهو القاهر فوق عباده} أي هو المتصرف في أمورهم، (القاهر) الغالب المنفرد بالتدبير {فوق عباده} فوقية ربوبية وتدبير بدلالة ذكر العبودية بعدها {فوق عباده}، وعلى ذلك: المراد فوقية القدرة والرتبة يستدلون بالآية على نسبة الجهة والمكان والجهة مخلوقة والمكان مخلوق، قال الطحاوي منذ الف سنة: (تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، من الف سنة وهذه هي عقيدة المسلمين صغارا وكبارا عامة وعلماء ولكنهم يجهلون.
[ثالثا]: يستدلون بعروج الملائكة في قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} على انه عروج إلى الله وليس إلى السماء، على انها محل قربته وكرامته، وعلى ذلك معنى توجه المسلمين إلى الكعبة عند الصلاة ان الله تعالى داخل الكعبة، ما علاقة الأية بإثبات المكان لله، قوله تعالى:{مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 3، 4]، {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} أي من الله تعالى ذي العظمة والكبرياء، من الله ذي الفواضل والنعم والدرجات التي يمنحها للطائعين من عباده، وعلى ذلك فعروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده تعالى أن يحويه مكان، وجود الله ذاتي أزلي قبل خلق المكان، والمكان مخلوق محدود والله تعالى لا تحده حدود ولا يحويه مكان لأنّه خالقه وخالق العرش فمن دونه.
[رابعا]: يستدلون لاثبات مكان لله تعالى بقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، نتساءل؟ كيف يصعد الكلم الطيب والاعمال الصالحة، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم، صعود الكلم الطيب مجاز عن قبوله، قال المفسرون: {العمل الصالح يرفعه} أي يقبله.
[خامسا]: يستدلون برفع عيسى عليه السلام إلى السماء الرابعة، في قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، والمعنى: أي إلى مكان كرامته في السماء، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله، ولأنها منزهة عن معاصي العباد، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء، ليس مكان منها بعيد عن الله، وهو من جميع عباده قريب، قال أهل التفسير: (بل رفعه الله إليه) أي إلى السماء والله تعالى متعال عن المكان، ولا أدري من أين استنبط المجسمة من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش، سيدنا عيسى في السماء الرابعة، فاين ذكر العرش وانه كما يقولون بذاته على العرش، {بل رفعه الله إليه} أي إلى مكان كرامته في السماء التي اطت من خشية الله، كل آية فيها الرفع يظن المجسمة انها دلالة على المكان، قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} هل الرفع هنا دلالة على المكان ام المكانة، {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ}، فالوزير اعلى رتبة من الخفير وهكذا، وقوله تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)} {لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}، الرفعة هنا بالمنزلة وليس بالمكان، ويؤكدها قوله تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}، فوقية علم ومنزلة ومرتبة، العرب تقول: (فلان رفع الله شأنه) عندما يتولى وظيفة مرموقة، ولا تقصد انه طار في السماء، أين عقولكم ياقوم.
[سادسا]: يستدلون بقوله تعالى:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سـبأ: 23]، وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]، وقوله تعالى: {سَـبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، ويقولون علو المكان، هل المكان كمال، المكان نقص لانه اضطرار، المقيد بالمكان مقهور بالمسافات والامكنة، لا ينفك عنها، (العلو) هنا علو الملك علو الرتبة علو المقام، كما في قوله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: {قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى}، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي، وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع، وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها: (ونادَى أبو سفيان فقال (اعْلُ هُبَل) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم (الله أعلَى وأَجَلُّ) ([2]) .
، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض، والله تعالى قريب، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته،: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة، والمسلم حين يقول وهو ساجد . {سبحان رَبِّيَ الأعلَى}، معناه: سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً، والهية وربوبية سبحانه وتعالى، له العزة والعلاء، وله العظمة والكبرياء وليس المعنى أن الله تبارك وتعالى عالٍ بالمكان والحَيّز والجهة، وعلى هذا الحمل للمتشابه على المحكم أطبق المتخصصون في العقيدة والعلماء الراسخون في العلم، قال القرطبي في تفسيره: (ووصفه تعالى بالعلو والعظمة، لا بالأماكن لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ ([3]) .
[سابعا]: يستدلون بتنزيل الكتاب على انه اثبات للمكان لله، والله لو يصلح المكان لكنا اول الموافقين، كما قال تعالى لنبيه j{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 81، 82]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس، وكذلك المكان مستحيل نسبته إلى الله.
يقولون: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ…} [آل عمران: 7]، وقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2] وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول j، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22]، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ} [الدخان: 3]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ولما أخرجه النسائي والحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبيّ j) ([4]) . فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله، تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا.
[ثامنا]: يستدلون بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]، والمراد من العندية في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ}، هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآية عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان، فنسبة المكان إلى الله محال باجماع اهل الأصول.
[تاسعا]: يستدلون بقوله تعالى:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى علو الذات والصفات، علو العظمة والعزة والكبرياء، لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، هل قال الله {أأمنتم من في السماء مكانه}، محال لان السماء محدودة والله مقدس عن الحد، الله تعالى لا حد له، مقدس عن الحد الجسماني، والسماء خلق من خلق الله تعالى، فهل يحل الخالق في المخلوق، الله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي، تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ، اجماع اهل الأصول من المدارس العقدية الثلاث المعبرة عن عقيدة اهل السنة والجماعة أنه سبحانه مقدس منزه عن المكان، المعاني كثيرة، قد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء (أي العلو) مكانته وقدرته وسلطانه.
فهم الوهابية بأن الله تعالى بذاته في السماء على سبيل المكان، والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى، وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها من صفات العجز والنقص، وإليك طائفة من أقوال الراسخين في علم العقيدة والمتخصصين فيها في فهم الآية ورد متشابهها إلى محكمه، قال القاضي عياض: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}: أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم) أهـ ([5]) . وقال القرطبي – في درة من تنزيهاته -: (تقديره: أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه) أهـ ([6]) . وقال العلامة ابن الجوزي – وهو يرد على حشوية الحنابلة: (ومن الآيات قوله تعالي: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} قلت: وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق) أهـ ([7]) .المفسرون اهل العلم والفقه يقولون: (أأمنتم من في السماء أي العلو أي من في السماء قدرته وسلطانه أن يخسف بكم الأرض)
الوهابية لا يقولون انه في السماء حقيقة لانهم يقولون أنه على العرش بذاته، ومعلوم أن نسبة السماء إلى العرش وعظمته نسبة لا تذكر، السماوات بالنسبة للكرسي كحلقة في فلاة والكرسي إلى العرش كحلقة في فلاة، فكيف تسع السموات وجود الله بذاته، مع انهم يقولون بالتجسيم وانه ملا العرش، وعلى ذلك يلزم إما اتساع السماء وهذا لا يحدث، أو تضاؤل الذات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهذا كفر، فلا مخرج إلا فهم الآية على المجاز وانه أامنتم من في السماء أي العلو عظمته وعزته وكبراؤه.
[عاشرا]: يستدلون بالاستواء على اثبات المكان لله، والحمد لله قد أفردنا درسا لذلك تفنيد لكل مزاعمهم في ذلك وذكرت ان آيات الاستواء السبعة بقرائنها تدل على انه استواء تدبير، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، (العرش) أعلى واعظم المخلوقات، والله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف موجود بلا مكان، والعرش مظهر ربيوبيته وليس مكانا لذاته، والعجز عن درك الادراك ادراك، الله واجب الوجود، والمكان مخلق ممكن الوجود، فمن المحال ان يحل الخالق في المخلوق، الله موجود لا يحتاج في وجوده إلى مكان، ليس كمثل وجوده وجود، والعجز عن ادراك الوجود الإلهي هو التقديس، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، هناك آيا تدل على قرب الله وانه معنا وهناك آيات تدل على انه بكل شيء محيط، وهناك آيات تدل على الاستواء على العرش، الجهمية الحلولية جمعوا الآيات وعاملوها معاملة واحدة وقالوا إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، وهذا باطل لان الله تعالى مقدس عن المكان، والحشوية التيمية الوهابية قالوا: إن الله في مكان دون مكان ومكانه العرش، وهم أحط قدرا في هذا الامر من الجهمية لان الجهمية جعلوه في كل مكان والحشوية جعلوه في مكان دون مكان، وكلاهما على خطا والصحيح أن نقول: إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان، والعرش إنما هو مظهر هيمنته وقدرته، وليس هو مكان لذاته، لأنه مقدس عن المكان فلا يحل في مكان دون مكان.
قربه في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، المفتاح أجيب دعوة الداع إذا دعان فهو قرب إجابة، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)} والمفتاح قرب العلم {وقوله تعالى: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}.
وجاءت الإحاطة في آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}[فصلت: 54]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والمفتاح احاطة علم قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}، فكانت هذه الآية بمثابة المفتاح لمعنى الإحاطة.
نحن والوهابية متفقون على حمل القرب على قرب الصفات صفات العلم والسمع والبصر، ومتفقون على حمل الإحاطة على احاطة الصفات صفات العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء يحدث التلاعب بالادلة، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة من مدارس العقيدة الثلاث الاثرية والاشعرية والماتريدية الاستواء على معاني استواء الصفات، صفات الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، لقوله تعالى {ثم استوى على العرش يدبر الامر}، والمفتاح التدبير، يدبر الامر، وحملها الوهابية على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) لا يوجد لا في الكتب ولا في السنة لفظة بذاته فمن أين جاءوا بها، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، والقاعدة العامة أن الذات غيب الغيوب لا يُدرك، فالقرب قرب صفات والإحاطة إحاطة صفات، والاستواء استواء صفات، لأن جناب الذات مقدس عن المكان لا يحتاج في وجوده إلى مكان، وكل الأماكن عنده سواء وهو قريب من كل خلقه ولا شيء منها عنه ببعيد، نحن اجسام نحتاج في وجودنا إلى المكان، يميننا يمين المكان وشمالنا شمال المكان، وهكذا تقهرنا الجهات الست، لا مخرج لنا من الكون في المكان، أما خالق المكان فلا يقهره شيء احد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد وهو القاهر فوق عباده، ولا يحتاج في وجوده إلى شيء منها. لقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء تدبير وملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت،[ سبق تفصيل آيات الاستواء في الدرس الحادي والعشرون]
(فائدة): وجمع الله تعالى في سورة الحديد في آية واحدة بين الاستواء والمعية، فقال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، فجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالتدبير والربوبية والهيمنة والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بحمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
[الحادي عشر]: حديث النزول: يستدلون بحديث النزول لإثبات المكان لله، وانه على العرش حقيقة وانه ينزل منه حقيقة إلى السماء، والحديث في البخاري ومسلم: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له)) ([8]) . وسياق الحديث يدل على أن الهدف منه اثبات فضل ثلث الليل الآخر في إجابة الدعاء، بقرينة (من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له)، وليس الهدف منه اثبات نزول حسي ولا اثبات حركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، اما اهل الحشو الوهابية فإنّ حديث النزول عندهم ليس لإثبات أفضلية الثلث الآخر من الليل مع ان سيق لأجله بل هو لإثبات النزول والصعود ولوازمهما من الحركة والسكون فسبحان من بيده الهداية يهدي من يشاء فضلا ويضل من يشاء عدلا، ((الإمام مالك)) تأول النزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ ([9]) يستدل (الوهابية) بالحديث لاثبات الحشو والتجسيم وابن تيمية يؤلف فيه مجلد، في ترسيخ المعنى الباطل، أضاع عمره في ترميم وإعادة بناء مذهب الحشو والتجسيم الذي اماته العلماء.
للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل من السماء، وللنزول الحقيقي لوازم فاسدة: من تلك اللوازم: (أ) الحلول في السماء، (ب) الصعود بعد النزول ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، ولا يقول بهذا إلا أحمق، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك، ثم القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه واهل التقديس وعلماء الأصول يقطعون بانتفاء الأمرين، كما أنّ النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة، وإن كان الوهابية الحشوية الجهال بقواعد التقديس ومقدمات الالهيات لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، أمّا حل إشكالية حديث النزول [ فقد سبق الحديث عنه في الدرس السادس عشر]
((ابن تيمية)) في كتابه (شرح حديث النزول) سود الصفحات تلو الصفحات بالنزول الحسي وأنّه على حقيقته نزولا من العرش إلى السماء الدّنيا، وكأنّه يتكلم على ملك محدود له جسم ينزل ويصعد، ما الفائدة من اثبات النزول على حقيقته، وحقيقته الهبوط من علو إلى سفل، ثم يلزم منه الصعود من سفل إلى علو، فبالله هل تلك عقائد أهل السنّة المنزهين لله تعالى عن الشبيه والمثيل، أم عقائد المشبهين الذين يشبهون الله تعالى بخلقه في حركاتهم وسكناتهم ونزولهم وصعودهم، الخالق لا يُشبه المخلوق في شيء، فالمخلوق محدود بالمكان يتحرك فيه ويصعد وينزل فيه، والله تعالى أن يحده حد او يوفيه مقدار مهما كبر، فالله اكبر وأعظم واجل أن تحده الحدود، قال الطحاوي في عقيدة المسلمين: (تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، تنزه عن كل ما يخطر بأذهان البشر، ومنه النزول الحسي الذي يتوهمه أهل الحشو، وهل حديث النزول كان مراده تخيل النزول ومن ثم الصعود، أم مراده بيان فضيلة ثلث الليل والاستغفار فيه والتهجد فيه، لأنّ عبادة الليل أبعد ما تكون عن الرياء والنفاق، ولأنّ ثلث الليل يتوزع على انحاء الأرض كل لحظة، فلنا أن نتخيل النزول والصعود على مدار لحظات الليل والنهار، لأنّ الليل في الأمريكتين هو النهار في بلاد العرب، وثلث الليل في حق مسلمي امريكا كما هو في حق مسلمي البلاد العربية، فهل هذا هو ما يرمي إليه الحشو في شرح حديث النزول، وهل هذا هو الطريق الأمثل لشرح المتشابهات، التي كان السلف الصالح حقاً ينهون عن مجرد السؤال عنها، أن نشرح الحديث في قريب من مجلد نحشوه بالتشبيه والتجسيم، وأساسا حديث النزول لإثبات أفضلية الثلث الآخر من الليل، وهو عندهم لإثبات النزول والصعود ولوازمهما من الحركة والسكون فسبحان من بيده الهداية يهدي من يشاء فضلا ويضل من يشاء عدلا.
[الثاني عشر]: يستدلون برفع الأيدي إلى السماء عند الدعاء على انها رفع الايدي إلى مكان الله،
وعلى ذلك فيمكن لاحد ان يستدل بوجود الله في الكعبة لان المسلمين يتجهون إليها كل صلاة، (السماء)) قبلة الدعاء كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة، فترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، كما جعل الله الكعبة قبلة للصلاة، جعل السماء قبلة الدعاء، ولله أن يَتعبَّد عبادَه بما شاء، ويوجههم إلى حيث شاء، الأماكن كلها إلى الله سواء، كان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان، كل العلماء المتخصصين يقولون السماء قبلة الدعاء كما ان الكعبة قبلة الصلاة
[الثالث عشر]: حديث (أين الله) في حديث مسلم: ((قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة)) ([10]) الحمد لله قد افردت لهذا الحديث درسا بينت فيه اضطراب الروايات، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة، الأولى بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) صحيحة في موطا الامام مالك والثانية بلفظ (من ربك) صحيحة في سنن النسائي واللفظ الثالث بلفظ (أين الله) في صحيح مسلم، والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى، إذن قد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول j، (ثم) من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه يحمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم.
اذن: الكون في المكان محال على الله، المكان محدث احدثه الله عندما خلق الكون، والذات الإلهي قديم، والقديم يقوم إلا بنفسه، لأنّه الحي القيوم لا يحتاج في وجوه إلى مكان، والمكان أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء، فلا يصح أن يحويه مكان، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله منزه عن الحد والحيز، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان، المكان محدث مخلوق والله تعالى له القدم الأزلي كان قبل المكان وهو على ما عليه كان، لا يلحقه تغير بمخلوقاته ولا تأثر بها. قوله تعالى (الله احد) تقديس لله تعالى عن المكان، لان المتمكن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان وهذا لا يكون أحدا ابدا، لان الاحدية تقديس لله عن قبول الأجزاء والابعاض، فمن قبل المكان انتفت عنه صفة الاحدية، وقوله تعالى (الله الصمد) فالصمدية كمال الغنى، فلو كان مختصاً بالمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود إلى المكان، فلا يكون صمداً على الإطلاق، واسمه (القيوم) مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق، وقوله تعالى (هل تعلم له سمياً) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره، سورة الإخلاص ثلث القرآن تقديس عن المكان، الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة.كان هذا ما تيسر في بيان المعنى المراد من الفوقية والعلو، وبيان أن فوقية الله تعالى فوق عبادة فوقية مكانة وليس مكان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
([1]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([2]) صحيح البخاري 5/94 ح 4043.
([4]) سنن النسائي 7/247ح 7937، المستدرك للحاكم 2/242 ح 2881.
([6]) تفسير القرطبي ج: 18 ص: 215.
([7]) الباز الأشهب المنتفض على ص59.
([8]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145، صحيح مسلم 1/521. الباز الأشهب ص95-96.
([9]) التمهيد5/155، سير أعلام النبلاء 9/333، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82.