وفي هذا الدرس اتناول إن شاء الله بيان الخلل في فهم مسائل وقواعد علم التقديس، فقه القدم الازلي لله وحل إشكالية الآيات المتشابهات الدالة على التغير والحدوث، أقول وبالله التوفيق: سبحان من لا يقبل الأفول، وسبحان من لا يدخل عليه التغير والزوال، ولا ينتقل من حال إلى حال، ومن هيئة إلى هيئة، لانها صفات الاجسام المحدثة المخلوقة، له الكمال المطلق فلا يقبل التغير والحدوث ولا يقبل الزيادة ولا النقصان لأنّه الإله الحق الذي له التقديس والكمال المطلق، والقاعدة تقول: الكمال المطبق لا يقبل زيادة ولا نقصان، و كل من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا وكل من قبل النقصان لا يصلح للإلهية، أجمعت الامة على قدم جناب الذات تعالى وتقدس وقدم الصفات ونقل هذا الاجماع: النووي، والغزالي، والرازي، وابن الجوزي الحنبلي وعبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر) أهـ([1]) . وقال الإمام النووي: (نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث) اهـ ([2]) . وكل متون العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وتذكر أن: القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، وانه لو قبل الحدوث لم يكن قديما، وتذكر أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، وتذكر أن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، لان الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له زيادة أو نقصًا، و الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان،، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات.
اجماع الأمة على ذلك عدا الكرامية المجسمة قالوا بأنه لا توجد مشكلة في قبول الله للحوادث، وابن تيمية مجدد لواء الحشو والتجسيم وباني هياكل الفرقة الحشوية في القرن الثامن وابن عبد الوهاب النجدي في القرن الثاني عشر، حيث الزلازل والفتن ومنه يطلع قرن الشيطان، الشاهد لم يخالف في هذه القضية سوى الكرامية والتيمية والوهابية، وقد رغبوا عن ملة إبراهيم كما سيتبين ذلك كالشمس واضحا للعيان.
[المفتاح الأول]: (الحدوث): هو الوجود بعد ان لم يكن موجودا، وهذا صفة المخلوق لأنّه ممكن الوجود كان عدما فأوجده الله من العدم، والله تعالى هو الأول بلا ابتداء واجب الوجود وذاتي الوجود لا يقبل العدم ولا الفناء، و(الحوادث): هي ما يطرأ على الذات من التغيّرات المختلفة، من قبيل: الحركة والسكون، والقيام والقعود، والنوم واليقظة، واللذّة والألم، والنشاط والضعف، والظهور، والأفول، ونحوها من الأعراض التي تنقل الذّات من حالة إلى أخرى، ودليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث: أنّ الحوادث تستلزم التغيّر، (الذات) التي تطرآ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى، وهذه من صفات الأجسام المخلوقة، والله تعالى ليس كمثله شيء، منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث.
القدم الأزلي لا يكون إلا لله وحده، هو المستحق سبحانه للإلهية فلا معبود بحق سواه، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، والله تعالى قديم الذات وأخص صفات القديم أنه لا يقبل الحادث، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، منزه عن التغير والأفول.
قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقول نبيه j: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))([3]) . يجعلنا نعلم يقيناً: أنه لا قديم أزلي إلا الله: والعالم كله مُحدَثٌ مخلوق أحدثه الله تعالى من العدم إلى الوجود، قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ}، مع قوله j: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء) دليل على أنّه كان الله ولم يكن شيء معه ولا غيره فهو وحده الأول ذي لا بداية لوجوده، لا قديم أزلي سواه، وكل ما سواه من العالم محدث مخلوق، ومن اعتقد أن شيئًا من العالم بنوعه أو بأفراده لا بداية لوجوده فقد خالف الآية والحديث واجماع أهل الأصول، وقال بقول الفلاسفة والدهرية الذين قالوا بقدم العالم، أو بقول الكرامية: انه قديم النوع حادث الآحاد، {هُوَ الْأَوَّلُ} جملة أسمية، المبتدأ (هو)، والخبر (الأول) كلاهما معرفة للدلالة على أنه وحده (الأول) الأزلي الذي لا يشاركه في هذه الصفة غيره، ويؤيد ذلك حديث النبي j: : (كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ) ([4]) . فلا شيء معه ولا شيء غيره ولا شيء قبله، لا بداية لوجوده، لا يشاركه في القدم الأزلي شيء من خلقه، فلا قديم أزلي إلا الله، وشرط الإلهية القدم وإلا كان الخالق محدثا مخلوقا، وهذا محال لان المحدث يحتاج إلى قديم أزلي أحدثه من العدم، واخرجه من العدم إلى الوجود، فالإله لابد وأن يكون قديما أزليا اول بلا ابتداء، ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله j: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([5]) . وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته جل جلاله، و(القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدم الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما وهو قاهر لهما فلا تأثير لهما عليه لأن الإله له القدم الأزلي فلا يتغير، ولا تتغير صفاته.
[المفتاح الثاني]: تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 76 إلى 79]، تماشى الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}، وعلة القمر الافول {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، وعلة الشمس الافول: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.
إنّ ملة الخليل إبراهيم تقوم على تقديس ذات الله عن الافول، ولا معنى للأفول إلا التغير والحدوث وقبول الحوادث، وإنّ من جوز على ذات الله تعالى التغير والحدوث وقبول الحوادث فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}
[المفتاح الثالث]: سورة الإخلاص تقديس لله عن التغير والحدوث: سورة الإخلاص يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي jجعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على عدة أصول: وصف الله تعالى بالأحدية (الله أحد)، والصمدية (الله الصمد)، وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث (لم يلد)، وعن الحدوث (ولم يولد)، وعن مماثلة الخلائق (ولم يكن له كفوا أحد)، [كما سبق في الدرس الثامن عشر]
[المفتاح الرابع]: كل ما يقوله التيمية والوهابية والمتمسلفة الحشوية وهم غير متخصصين في العقيدة، كل ما يقولونه عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة. منها: أن قبول الحوادث معارض بأحدية الذات وصمدية الذات، فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها. ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبل مسلم بهذا القول الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، سبحانك هذا بهتان عظيم،
كذلك فإن القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث.
وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم، كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيقولون إن صفة الكلام لله صفة فعلية وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء قياسا على البشر، ولازم قولهم أن القرآن ليس قديما وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم، وأنه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة، والتيمية والوهابية والحشوية المتمسلفة يقولون بأنه قديم النوع حادث الآحاد، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}
[المفتاح الخامس]: من جملة أخطاء ابن تيمية: قوله على صفات الله كالعلم والسمع والبصر والكلام أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، وهي بدعة غريبة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات لأنه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل بالأصول.
القديم لا يقبل الحدث وآحاد الشيء لا تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، ولولا الكرامية والتيمية والوهابية ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم أنّ الحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه.
إنّ مقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون.
كيف دخلت الشبهة على هؤلاء: دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد.
وانا لا أتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية والتيمية والوهابية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق، فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون.
[المفتاح السادس]: كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله j، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و كل ما يقوله الوهابية أهل الجهل والبدعة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، إنّ القول بقبول جناب الذات الإلهي (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول، بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون.
لقد أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وقد نقل الإجماع في ذلك، النووي، والغزالي، والرازي، وابن الجوزي الحنبلي وعبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، كما سبق.
وكل متون العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وتذكر أن: القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، وانه لو قبل الحدوث لم يكن قديما، وتذكر أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، وتذكر أن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، لان الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له زيادة أو نقصًا، و الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان،، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات.
للأسف المدرسة الوهابية السلفية المعاصرة تسير على كلام الإمام ابن تيمية وكانه معصوم، وهذا أضر بهم ضررا بالغا، وهم يتبعونه في أخطائه كما يتبعونه في صوابه، أخطا عندما قال في المنهاج: ” فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض) أهــ ([6]) .وقال في المنهاج: (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب، قلنا لكم: نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل) أهــ ([7]) . ومن العجب أن يقول هذا ذاهلا عن حجة سيدنا إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام من احتجاجه بقيام دلائل الحوادث بالقمر والكوكب والشمس وهو التحول من حال إلى حال، وان ذلك دليل على عدم ألوهيتها.
لقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر، و(الكرامية) خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، وأهم أسباب تبني ابن تيمية لهذه البدعة: زعمه أن العلم بالشيء يتجدد عند الله، فمثلا يزعم ان علم الله بعمل العبد يتجدد عندما يقوم العبد بهذا العمل، وان السمع والبصر يتجددان كذلك وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وكلها شبه زائفة والرد عليها يسير، والرد على تلك الشبة يسير على اهل التخصص، فأما شبهة العلم والسمع والبصر: فإن الله تعالى له سبحانه الكمال المطلق، (الكمال المطلق) لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، وكما أنّ جناب ذات الله تعالى له الكمال المطلق، فكذلك الصفات تابعة للذات، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير، له كمال العلم، بلا غاية ولا نهاية، علم الله تعالى محيط بكل ذلك، ولا يقبل الزيادة او النقصان، إذ لو قبل الزيادة لم يكن قبل الزيادة كاملاً بل كان به بعض الجهل بمقدار تلك الزيادة، ولو قبل النقصان لم يكن لينسب إلى عالم الغيب والشهادة الذي بكل شيء عليم، وله كمال السمع منكشف على سمعه كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد بلا زمان لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل فلا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، الكل منكشف على سمعه الازلي القديم له كمال السمع المطلق فلا تزيد له صفة ولا تنقص بتجدد الأزمان لأنه خالق الزمان فمحال أن يكون خلقه فاعلا في ذاته او في صفاته، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان بلا زمان يجري على بصره، وهو بكل شيء شهيد، لا يتجدد له سبحانه لا علم ولا سمع ولا بصر، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وأما شبهة الإرادة، فإن الإرادة عند الإنسان حادثة، لان الإنسان كله حادث مخلوق، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
الوهابية يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه لم يتكلم به في الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة لا تتعلق بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق بالإرادة، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق، وللخروج من هذا المأزق ابتدع ابن تيمية حامل لواء الحشو والتجسيم في القرن الثامن بدعة جديدة وهي في حقيقة الامر من المحالات ومن قبيل التلاعب بالألفاظ، فقال: عن صفات الله تعالى وتقدس: قديمة النوع حادثة الآحاد، ولنا ان نتساءل إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل المركب، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون.
حتى غلاة الحنابلة أبو يعلى وابن الزاغوني وأبو حامد الذين ينتسب إليهم الإمام ابن تيمية في بدعة الحشو براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، ولهذا لنا أن تعجب من جرأة ابن تيمية وتجاسره القول بأن صفات الله تعالى قديمة النوع حادثة الآحاد، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله (فسائر صفات الله هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) انتهى([8]) .
وحتى الحشوية القدامى أمثال أبو حامد والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني فلم يرضوا بهذا الهراء، لأنه إما قديم لا يقبل الحدث وإما محدث، أما بدعة قديم النوع حادث الآحاد، فهذه لم يقبلها حتى أهل الحشو القدامى الموغلون في الحشو أصحاب عقيدة الشاب الأمرد، قال أبو الحسن ابن الزاغوني في كتابه [الإيضاح في أصول الدين] (لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه تعالى في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأمة قاطبة على إحالته) انتهى([9]) . ونقل عنهم ابن تيمية في [التسعينية] (وقد ظن من ذكر من هؤلاء كأبي يعلى وأبي الحسن وابن الزاغوني أن الأمة قاطبة اتفقت على أنه لا تقوم به الحوادث وجعلوا ذلك الأصل الذي اعتمدوه وهذا مبلغهم من العلم) انتهى ([10]) . يقول هذا مبلغهم من العلم وأقول ما ذهبوا إليه أصح مما ذهب إليه ابن تيمية من نسبة المحال إلى الله وجر الامة إلى بدعة ضالة لا تصح عند صغار طلبة العلم في مدارس الأصول والتخصص، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[المفتاح التاسع]: قد يتساءل البعض: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلا من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع أو بصر جديدين، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم االله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق، فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، لا المعلوم والمسموع والمبصَر، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، فلا تجري الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت على الخالق وصفاته كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
الوهابية لكي يرغبوا عن ملة إبراهيم الخليل عليه السلام يستدلون بالمتشابهات على قبول الله تعالى للحوادث، ويقولون: قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، يدل على مجيء الله تعالى بذاته، وهذا يستلزم التغير والحدوث والحركة والانتقال، ويستدلون بقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]، يقولون: أنّ المجيء يكون بالذات وأنّ الإتيان يكون بالذات وهذا تجسيم محض، فإنّ الذي يتحرك ويذهب ويجيء ويتنقل بين الأماكن ليس بإله له الكمال المطلق في جناب ذاته، مقدس عن التغير والحدوث (الأفول)، وتلك حجة الخليل عليه السلام، {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الشمس والقمر والكواكب لتغير حالها لا تصلح للإلهية لأن الله دائم لا يزول، والزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، فمن جوز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]، ولذلك فإننا نجد المفسرين إذا كان لهم نصيب من العلم فإنهم يحملون المتشابه على المحكم، فقوله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، مفتاحه قوله تعالى: {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 76]، وقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} مفتاحه قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى: {وجاء ربك}: أي أمره وقضاؤه قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف، وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة، والله – جل ثناؤه – لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز) ([11]) .
[المفتاح العاشر]: كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة المجيء والاتيان والذهاب والاستواء والنزول والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا ننفي ما جاء عن الله في الكتاب والسنّة ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه j، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن.
كل الخلائق تقبل التغير والحدوث والله تعالى له القدم الازلي، ليس كمثله شيء، ولو قبل التغير والحدوث لشابه المخلوقات، ومما يؤيد بالقرآن الكريم نفي المثلية عن الله: قوله سبحانه: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، كل الخلائق تقيل التغير والحدوث، ولكن الله قديم أزلي لا تقبل ذاته التغير او الحدوث او قبول الحوادث.
من الصفات الواجبة لله تعالى: صفة القدم: (الأول بلا ابتداء)، والمراد بالقدم في حقه تعالى: القدم الذاتي، وهو: عدم افتتاح الوجود، أو عدم الأولية للوجود. وأما القدم في حقنا فالمراد به الزماني، وهو طول المدة، وهذا مستحيل في حقه تعالى، لأنّه سبحانه لا يجري عيه زمان، فالقـدم هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى:{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ} [الحديد: 3]، وقوله j: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء) ([12]) . وقوله j: (كان الله ولم يكن شيء قبله) [البخاري ومسلم]، ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، (أ) القِدمُ معناهُ الأزلية فإذا قيل الله قديمٌ معناه لا ابتداءَ لوجودِهِ، هذا في حق الله أما في حق غيره إذا قيل قديم فمعناه مضى عليه زمانٌ طويلٌ، (ب) الله تبارك وتعالى لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، (ت) قال أهلُ الحقّ: الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ: القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله تعالى فلا يقبل التغير والحدوث، والقسمُ الثاني من الموجودِ: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا والله تعالى هو الأزليٌّ الأبديٌّ وحده له القدم الذاتي فلا يقبل التغير، ومن وصفه بالتغير فقد رغب عن ملة إبراهيم عليه السلام.
كان هذا ما تيسر في بيان المعنى المراد من القدم الازلي ونفي معاني التغير والحدوث عن الله تعالى، تعالى الله عن معتقدات الحشوية والمجسمة علوا كبيرا، أسأل الله عز وجل ان يبصرنا بديننا وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي انقذتنا به من والضلال وهديتنا به إلى صراطك المستقيم وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله.
***
([1]) العين والأثرفي عقائد أهل الأثر ص: 34، 36.
([3]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([4]) صحيح البخاري 4/105 ح 3191.
([5]) سنن أبي داوود 1/349 ح 466.[ صححه الالباني وقال : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات].
([6]) منهاج السنة لابن تيمية 2/263.
([8]) لوامع الأنوار البهية 1/258.
([9]) الإيضاح في أصول الدين: أبو الحسن الزغواني ص 377.