[1]: لقد أخطأت الحشوية في جمع المفرق من المتشابهات لتقوية الشبهة واعتقاد البدعة، فألفوا مؤلفات نسبوها إلى السنّة وإلى التوحيد – وهي منهما برآء – بل هي كتب الحشو والتدليس والتجسيم، فصنعوا أبواباً، جمعوا المتشابهات ابتغاء الفتنة ولتقوية الشبهة واعتقاد البدعة، فكانوا يقولون باب ” الوجه “، باب ” العين “، باب ” اليد “، باب ” اليمين “، باب ” الأصابع “، باب ” الساق “، باب ” القدم “، باب ” الجنب “، باب ” الصورة “، وهكذا يسردون في تلك الأبواب سائر الأخبار التي توهم الجارحة والجزء والبعض والتشبيه والتجسيم في قلوب العوام، ويقولون: باب ” الاستواء على العرش “، باب ” الفوقية “، باب ” الكون في السماء “، باب ” المجيء “، باب: ” الهرولة “، باب ” الضحك “، وهكذا يسردون في تلك الأبواب سائر الأخبار التي توهم الحد والنهاية والكون في المكان والحركة والسكون والتغير والحدوث، والتكيف بالكيفيات النفسية التي تعتري الإنسان مما يوجب التغير والحدوث وقبول الحوادث والمتغيرات وغيرها من طامات مذاهب الحشو والتجسيم، ومن تلك الكتب االمشبوهة والتي طبعتها يد المجسمين الآثمين: كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد كلاهما لعثمان بن سعيد الدارمي الحشوي الجاهل بعلم التقديس، وككتاب التوحيد لابن خزيمة الذي ندم في آخر عمره على تصنيفه، ذكر ذلك البيهقي في كتابه [الأسماء والصفات] فقال: ” وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال ” أهـ([1]) . وكتاب السنّة المنسوب إلى عبد الله بن أحمد وفي نسبته إليه شك كبير لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه، وكتاب السنة لابن أبي عاصم، وكتاب الإبانة لابن بطة، وكتاب التوحيد لابن مندة، وكتاب السنة للخلال، وكتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل الهروي الجاهل بعلم التقديس والتنزيه، وككتاب العرش وما روي فيه: لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وكتاب الصفات المنسوب للدارقطني، ولا تصح نسبته إليه لأن في سنده إليه أبو العز بن كادش الوضاع، والعشاري الذي يروي الأباطيل، فأمّا أبو العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته: (أقر بوضع حديث وتاب وأناب) ([2]) . فقد تجرأ على وضع حديث ينسبه للنبي jيكذب على النبي j، فكيف لا يتجرأ بالكذب على الدارقطني، وأما العشاري قال الذهبي في ترجمته: (والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) ([3]) .
وكتاب إبطال التأويلات لأبي يعلى الفراء الحشوي القح، وغيرها من الكتب التي جُمعت فيها الأخبار المتشابهة والمتونُ المنكرة في ما يسمونه كتبَ التوحيد والسنةَ والردَ على الجهمية، وهي في حقيقة الأمر كتب الجهل بما يلزم من التقديس والتنزيه لذات الله تعالى وتقدس، وهي كتب الحشو والبدعة والتجسيم، وأهم أغلاط هؤلاء: أنهم جمعوا فيها أخباراً متفرقة فأحدث هذا الجمع في دلالتها تقوية لظاهرها الموهم للتجسيم، أضف إلى ذلك أنهم لم يفرقوا فيها بين النصوص الصحيحة والأخبار المنكرة التالفة فساقوا الجميع في سياق واحد لتقوية المتشابه وإلصاقه بالمحكم وصدق فيهم قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ} [آل عمران: 7]، أما كتاب الجهمية للدارمي المجسم فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه،، أما كتابه الآخر: نقض عثمان بن سعيد على المريسي: زاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وأما كتاب السنة لابن أبي عاصم فقد ملأ كتابه بالكثير من الأخبار المنكرة والمتشابهات المضلة، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً jمعه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك، وأما كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (29، هـ): وفيه وصف الله عز وجل بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه، وأما كتاب السنة للخلال: فقد أطال في تقرير قعود النبي jمع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم، وأما كتاب التوحيد لا بن خزيمة: ففيه أبواب عناوينها: ” إثبات الأصابع لله عز وجل “، وباب ” في إثبات القدم “، ونحو ذلك وساق في الكتاب متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، في اثبات أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً jرآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك مما ساقه من اخبار واهية، وأما كتاب الصفات المنسوب للدارقطني ففيه باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن ونحو ذلك، وكتاب التوحيد لابن مندة: وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من الأخبار التالفة، وكتاب العرش وما روي فيه لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وفيه أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً jرأى ربه في روضة خضراء، وكتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي، وفيه: أن محمداً jرأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في علماء الأمة الذين رزقهم الله تعالى القبول والتشنيع عليهم وتكفيرهم لاسيما السادة الأشاعرة المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، وكان يحكي تكفيرهم وشحن كتبه في ذلك وسعى بين السلاطين في فتنتهم، وكان يقول: ” وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي ” ([4]) .
وبعد فهذا هو خطأ الحشوية في جمع المفرق من المتشابهات لتقوية الشبهة واعتقاد البدعة، أمّا هدي أهل السنّة والجماعة في معاملة المتشابه فيتمثل في: أنّه لا يجوز تتبع المتشابهات، أو الجمع بين الألفاظ المتشابهة في مكان واحد، لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل.
[2]: قد أجمل الدكتور عبد الحليم محمود وأحسن في تحديد مذهب السلف في المتشابهات حيث قال في كتابه التفكير الفلسفي في الاسلام: ” لأننا الان بصدد تحديد مذهب السلف فيما يتعلق بصفات الباري تعالى وسنعتمد إن شاء الله تعالى في هذا التحديد بوجه أخص على الشهرستاني في الملل والنحل وعلى الامام الغزالي في الاحياء وفي إلجام العوام وعلى الإمام الرازي في أساس التقديس، وأظن أن خطورة الموضوع تعطينا كل عزم في الاستفاضة والاسترسال 0 ونعود فنتسائل عن موقف السلف من الصورة واليد والنزول والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه ؟ 1- إن أول موقف يقفه السلفي من هذه الاخبار: إنما هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها 0 فإذا سمع كلمة الصور: مثلا في قوله،j(إني رأيت ربى في أحسن صوره) فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلق ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفه، مرتبه ترتيبا مخصوصا، مثل الأنف، والعين، والفم، والخد 0 التي هي أجسام، وهى لحوم العظام، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئه في جسم، كما تقول: صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا، ولقد صورت للمسألة صوره في غاية الحسن، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذى هو جسم وهيئه 0 وإن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاتها: وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن، فإن خطر له أنه، عليه الصلاة والسلام، إن لم يرد هذا المعنى الجسم فأي معنى أراد ؟ فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به، بل أمر بأن لا يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته، لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلال الله وعظمته ما ليس بجسم ولا عرض في جسم، وعلى هذا النمط يكون موقفه في بقية ما ورد: كالفوقية 0 والنزول واليد، القدم 0 يجب أن ينفي في كل ذلك المعنى المادي 0 وأن يحدد معنى يخترعه هو، 2- ويجب عليه الايمان والتصديق: وهو أن يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته وأن رسول الله، jصادق في وصف الله تعالى به، فليؤمن بذلك وليوقن بأن ما قاله صدق، وما أخبر عنه حق لا ريب فيه ويقول آمنا وصدقنا وأن ما وصف الله، تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذى أراده، وعلى الوجه الذى قاله، وإن كان لا يقف على حقيقته، 3- ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز فإن التصديق واجب وهو عن إدراك المعنى عاجز فإن ادعى المعرفة فقد كذب 0 وأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة الى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة الى خواص الخلق، 4- وبالسؤال عن هذه الامور، يتعرض الإنسان لما لا يطيقه وقد ضرب عمر بالدرة من سأله عن المتشابهات ويرى الامام “الغزالي” أنه يحرم على الواعظ على رؤوس المنابر الجواب عن أسئلة المتشابهات 0 وإنما يجب عليهم المبالغة في التقديس، ونفي التشبيه، 5- ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه سواء كان بالعربية أو بالفارسية وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إبهاما للباطل من البعض، فتفسيرها وترجمتها إذن ممنوعان 0 ولا يجوز النطق إل بالفظ الوارد:” للأن من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسيه تطابقها، ومنها ما يوجد لها فارسيه، ولكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التى جرت عادة العرب باستعارتها منها 0 ومنها ما يكون مشتركا في العربية ولا يكون في العجمية كذلك “والأمثلة كثيره: فمثلا لفظ ((الاستواء)) فإنه ليس له في الفارسية – كما يقول الإمام “الغزالى” – لفظ مطابق يؤدى بين الفرس من المعنى ما يؤديه لفظ الاستواء بين العرب، بحيث لا يشتمل على مزيد إيهام: إذ فارسيته أن يقال “راست بإستاد ” وهذان لفظان 0(الاول) ينبئ عن انتصاب واستقامة فيما يتصور أن ينحى ويعوج، و (الثاني) ينبئ عن سكون وثبات فيما يتصور أن يتحرك ويضطرب وإشعاره بهذه المعانى وإشارته إليها في العجمية: أظهر من إشعار لفظ الاستواء وإشارته إليها في العربية 0 فإذا تفاوتا في الدلالة، والاشعار: لم يكن هذا مثل الأول، وإنما يجوز تبديل اللفظ بمثله، المرادف له الذى لا يخالفه ولو بأدنى شيء، 6- ويجب الاحتراز عن التصرف: فلا تقول في قوله تعالى:(استوى) أنه مستو فاسم الفاعل يدل على كون المشتق ممكنا ومستقرا، أما لفظ الفعل فدلالته على هذا المعنى ضعيفة، 7- ولا يجوز الجمع بين هذه الألفاظ المتشابهة في مكان واحد: لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وكما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها، والله سبحانه وتعالى: لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل، فذكر العبودية: عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى ” وهو القاهر فوق عباده يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية، 8- ولا يقاس على هذه الألفاظ فإذا ورد لفظ اليد فلا يجوز إثبات الساعد أو العضد أو الكف مصيرا الى أن هذا من لوازم اليد كل ذلك محال وكذلك زيادة قد يتجاسر عليها بعض الحمقى، 9- وكما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور: وهذا ثقيل على النفس ولكن من المكن أن يشغل الانسان نفسه عنه بمختلف أنواع العبادة أو بهواية من الهوايات العلمية أو العملية، ويرى الامام الغزالي أن الاشتغال بلعب أو لهو خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره العظيم خطره بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له ن أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى فإن ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وأخيرا فإن حاصل هذا المذهب – كما يقول الرازي – هو: أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها ” ([5]) .
[3]: قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله – في درة من علم التنزيه -: (أنه (سبحانه) في ذاته واحد لا شريك له فرد لا مثيل له صمد لا ضد له منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له أزلي لا بداية له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له قيوم لا انقطاع له دائم لا انصرام له لم يزل موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستوي على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إذا لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان ” أهــ ([6]) .
فأين الثرى من الثريا وأين الحشو وأهله من التقديس والتنزيه وأهله !!!،
***
([4]) بيان تلبيس الجهمية 4/415.، وانظر هذه الحكاية في سير أعلام النبلاء 16/ 478.