في هذا الدرس اتناول إن شاء الله تعالى حل إشكالات ظواهر متشابهات من الكتاب والسنة مخالفة لقواعد علم التقديس وردها إلى محكماتها فتزول الفتنة إن شاء الله تعالى، أقول وبالله التوفيق: لا احد في امة الإسلام يعتقد ظواهر المتشابهات صفات لله إلا الحشوية والمجسمة وهم من شر فرق الضلال في امة الإسلام، ولذلك قال القرطبي رحمه الله – في درة من كلامه -: ” اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته (المجسمة) الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك ” أهـ ([1]) .
[1]: هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات المتشابهات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ}، وقوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، فإن علم الله تعالى قديم، والمعنى: إلا ليعلم المؤمنون من أنبيائي ورسلي واوليائي بذلك، لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم عباده وخواصه.
[2]: وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، والمعنى: تركوا عبادته فتركهم في العذاب، او غفلوا عن ذكر الله وتركوا طاعته فتركهم في غفلتهم، وتركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته في الآخرة وتركهم في عذابه، أو المعنى تركوا طاعة الله فحرمهم من ثوابه وكرامته.
[3]: وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، لان الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وإنما المعنى: سنفرغ لكم أي سيأتي وقت حسابكم ونحاسبكم فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة، فالله تعالى ليس له شغل يفرغ منه وإنما المعنى الوعيد والتهديد لهم سنقصد لعقوبتكم ونحكم جزاءكم.
[4]: وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، والمعنى أن الإعادة أهون عليه في نظركم لأن إعادة الشيء أسهل من انشائه ابتداء، فهذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء، والمراد التقريب لعقول الجهلة المنكرين للبعث وإلا فكل الممكنات بالنسبة إلى قدرته تعالى عز وجل سواء لا يعجزه شيء، فلا يظن مسلم أن الأمر بالنسبة لله تعالى فيه شيء هَيِّن وشيء أَهْوَن، وشيء شاقّ، فالمراد بهذه الألفاظ تقريب المعنى إلى أذهاننا، والله تعالى لا يعجزه شيء ولا يعييه خلق، بل يقول للشيء كُنْ فيكون: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]، وظاهر الآيات محال على الله تعالى.
[5]: وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ العالم كله محاط بالرحمن وأنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا [النساء: 126]، وهذه الآية ظاهرها يفيد إحاطة الله تعالى الذاتية بكل شيء، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى تقدس وتنزه عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كمثل ذاته ذات، ولذلك حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، لوجود المفتاح في قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما.
[6]: وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومنزه عن القرب الحسي بالذات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، والمفتاح قرب إجابة {أجيب دعوة الداع}، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وقد حمل القرب على قرب الصفات صفات العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات،.
[7]: وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى استوى على عرشه بذاته، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء التدبير والملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت كما سبق ذكره في الدرس العشرون.
[8]: هناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم، والمحكم هو اسم الله الأحد واسم الله الصمد كما سبق ذكره في الدرس التاسع عشر.
[9] قوله تعالى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} هو بيان كمال قدرة الله وعظمته وسلطانه المطلق على الكون يوم القيامة؛ حيث تكون (الأرض) جميعها (والسماوات) تحت تصرفه وملكه، لا يخرج عنها شيء، وفي الحديث المتفق على صحته: (جاء حبر إلى النبي j، فقال: يا محمد ـ أو يا أبا القاسم ـ إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك، أنا الملك)، فضحك رسول الله jتعجبا مما قال الحبر، تصديقا له، ثم قرأ: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون}([2]) . كله من باب المجاز، فالسياق يدل على بيان كمال القدرة والعظمة والهيمنة والسلطان المطلق، نسبة (((الجوارح))) إلى الله الاحد الصمد محال فتعين المجاز، والمعنى: السموات و الأرض في تصرفه وملكه كما يقال البلدة في قبضة السلطان والمال في قبضة فلان والدار في قبضته، لم يرد بذلك الكون في الكف وعطف الأنامل عليه قطعا بل القدرة والاستيلاء، فإن قيل فهي في الدنيا كذلك فلم خص يوم القيامة؟ (قلنا): لانفراده بالملك والاستيلاء في ذلك اليوم كقوله تعالى: {مالك يوم الدين}، وهو مالك الدنيا والآخرة، الآن أعطانا الله التكليف هناك من يكفر وهناك من يسرق وهناك من يشرب الخمر أما يوم القيامة فلا يقوى أحد على العصيان فمن هنا كان المجاز {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يوم القيامة}، أي تحت سلطانه التام وتصرفه وملكه، لا أحد يعصيه ولا احد يخالف امره وحكمه، [البيهقي]: في رسالته القيمة الأسماء والصفات قال: المتقدمون من هذه الأمة لم يفسروا ما ورد من الآيات والأخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله واحد لا يجوز عليه التبعيض، وقال الخطابي وليس معنى اليد عندنا الجارحة وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى بها الكتاب والأخبار الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد ثب بالدليل القاطع أن يد الحق سبحانه وتعالى ليست بجارحة، وقال بعض أهل التأويل هو تنبيه على عظمته وكمال قدرته على الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه والامر كله في اطار التقديس.
[10] وهناك آيات تدل على العلو مثل قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] , وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سـبأ: 23] , المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: {قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى}، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر، وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع، ويؤكدها قوله تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}، فوقية علم ومنزلة ومرتبة، العرب تقول: (فلان رفع الله شأنه) عندما يتولى وظيفة مرموقة، ولا تقصد انه طار في السماء، وقد أخرج البخاري قصة غزوة أحد وفيها: ((ونادَى أبو سفيان فقال (اعْلُ هُبَل) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم (الله أعلَى وأَجَلُّ)))، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته، فالمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة، والمسلم حين يقول وهو ساجد . {سبحان رَبِّيَ الأعلَى}، معناه: سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً، إنّ مجازات الفوقية معروفة معلومة، ومن ذلك قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، (الفوقية) ترد لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به إلا المجسمة، وثانيهما: بمعنى المرتبة كما في قوله تعالى: {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات}، فالرفع بالمرتبة، وقوله تعالى عن فرعون: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، وكذلك تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير، لا فوقية مكان كما يقول أهل اللغة: السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة.
[11]: وهناك آيات ظاهرها يدل على حدوث صفة الكلام لله، واعتقاد هذا الظاهر جهل بالله تعالى لأنه قديم بجناب ذاته وصفاته، قال تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، وقوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم، وليس للحدوث معنى سوى المخلوق، وهؤلاء نسبوا إلى الله ثبوت الحوادث وانه يتكلم بصوت وحرف متى شاء ويسكت متى شاء، فشبهوه بالإنسان في طريقة كلامه، وحدوا صفة الكلام القديمة لله ، وجعلوا كلام الله خاضعا للزمان، لان (متى) للزمان، فكانه يجري عليه في كلامه زمان، وهؤلاء لم يدرسوا قواعد تقديس ولم يهضموا علم التقديس أصلا ولم يدرسوا قواعد التقديس الموجودة في كتاب الله تعالى، ومع ذلك يقحمون انفسهم في مسالة من أصعب المسائل العقيدة وأغمضها ألا وهي مسألة صفة الكلام لله تعالى، فالكلام إذا نسب لله فلابد وأن يكون قديما كقدم الذات، فالصفات تابعة للذات، قديمة قدم جناب الذات ، لها الإطلاق كجناب الذات، هو الأول بلا ابتداء وهو الىخر بلا انتهاء، وكلامه سبحانه صفة ذاته فلا بداية ولا نهاية ولا يمكن أن ننسب إلى كلام الله تعالى الحدوث ، ولا يمكن ان ننسب إلى كلام الله تعالى الاصوات والحروف ، فالأصوات محدثة والحروف متعاقبة يجري عليها الزمان، وما جرى عليه الزمان فهو محدث، وكلام الله تعالى صفة من صفاته فلابد وان يكون قديما أزليا منزها عن الحدوث، هذا حكم كلام الله القائم بذاته، والقرآن الكريم كلام الله، قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فدل ذلك على أنّ القرآن الكريم كلام الله، يأخذ حكم الصفات الإلهية من حيث القدم والكمال، ولكن القرآن الكريم الذي بين أيدينا محدود يحويه المصحف، والمصحف مصنوع صنعناه من الورق وكتبناه بأيدينا ، وهو مبدوء بسورة الفاتحة مختوم بسورة الناس، وصفات الله أزلية قديمة لا حد ولا عد، وتلاوتنا للقرآن الكريم حروف متسلسلة متعاقبة يردف بعضها بعضا ويجري عليها الزمان ففي قولنا بسم الله الرحمن الرحيم لابد وان تكون الباء قبل السين والسين قبل الميم، وأصواتنا بالقرآن أعراض محدثة يطرأ عليها الابتداء والاستمرار والسكوت وهذه صفات المحدث المخلوق، فهناك تعارض بين قدم صفة الكلام لله، وبين القرآن المكتوب في المصاحف نقرأه بألسنتنا ونسمعه من غيرنا، وهذا كله من صفات الحدث وليس القدم الازلي، وهذا التعارض حله اهل الأصول بجملة واحدة، ((كل ما تعلق بالقديم قديم، وكل ما تعلق بالمحدث محدث)) ، كلام الله الذاتي صفة لله قديمة فلا يمكن ان يكون بحرف وصوت لانها اعراض، ولا يمكن ان يكون محدودا له بداية وله نهاية، لأنه تعالى لا حد ولا ابتداء ولا انتهاء لصفاته ، فكل ما يتعلق بالله تعالى قديم وكلامه صفة ذاته وكلامه الذاتي قديم، وكل ما يتعلق بالعباد محدث، تلاوتنا محدثة وقراءتنا لكلام الله محدثة ، وسماعنا للقرآن محدث لأنه متعلق بنا، وليس بالله، والقرآن كلام الله أنى تصرف فهو كلام الله، لأنه كلام الله بالأساس، لقد ضل في الباب أهل عدم التخصص من أصحاب الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والجهمية والشيعة الزيدية والشيعة الإمامية والمجسمة والحشوية، والتيمية والوهابية كل حزب بما لديهم فرحون وكلهم يعارض قول بعضهم بعضا إلا المتخصصون (الأشاعرة والماتريدية)، وصدق الله حيث يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وحيث يقول سبحانه: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، ولا عبرة ولا وزن لمن لم يدرس الأصول ويعرف مقدمات الإلهيات من التيمية والوهابية اهل الجهل المركب والبدعة الضالة ، فلا عبرة بقول من يقول بقدم الحرف والصوت ولا عبرة ولا وزن لمن يقول قديم النوع محدث الآحاد لانّ هذه الأقوال مستحيلة في عرف من درس مقدمات الإلهيات ومن درس الأصول، واهل الحشو التيمية والوهابية لا يعرفون شيئا عن معاني القديم والمحدث، وهي مصطلحات لم يدرسوها ولا يفهموها يتكلمون على الله تعالى بغير علم ، جهل مركب فلا علم ولا حلم فإنّا لله وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
منذ نزل القرآن الكريم على النبي jوالمذهب المعروف عند علماء السلف الصالح ان القرآن كلام الله صفة لله وصفات الله قديمة أزلية تابعة لجناب ذاته، لا يخطر ببالهم سوى ذلك، حتى جاءت المعتزلة ووجدت أن المسموع من القرآن هو الأصوات والحروف، وهذه مخلوقة لا جدال في ذلك، ووجدوا أن صفات الله قديمة أزلية تابعة لذاته ووجدوا أنّ القديم الأزلي لا يصح معه تعاقب الحروف والأصوات، ولا يطرأ عليه سكوت ولا يصح أن يكون مستمرا متواصلا لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمان، فزعموا أنّ كلام الله ليس صفة لذاته وإنما هو مخلوق يخلقه الله في محل كالشجرة أو لا في محل فيُسمع هذا الكلام لمن شاء من خلقه، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم، وليس للحدوث عندهم معنى سوى المخلوق، ولم يكونوا على قدر من العلم والتوفيق يسمح لهم بجمع الآيات والأحاديث المتعلقة بصفة الكلام وتنزيل كل دليل منزلته المنوطة به، ولم يكن الله تعالى قد فتح عليهم بمعرفة الكلام النفسي الأزلي القديم، وسار على قول المعتزلة الشيعة الزيدية والإمامية وبعض الخوارج، والقرآن عندهم مخلوق محدث، وكرد فعل لقول المعتزلة، وقف الإمام أحمد رحمه الله وقفته المعروفة في محنة القرآن ولم يزد على قوله (القرآن كلام الله غير مخلوق) ولم يتطرق إلى الكلام النفسي، ورفض قول المعتزلة وصبر على البلاء والمحنة. ولكن حشوية الحنابلة الذين لا باع لهم في معرفة أصول الدين ولا رسوخ في العلم يمكنهم من التفريق بين المحدث والقديم، وهم لا يعلمون مقصود الإمام احمد بقوله: (القرآن كلام الله غير مخلوق) فهو يقينا يقصد أنّه غير مخلوق من حيث المعنى القائم بالذات، لكن أصواتنا، وحركات ألسنتنا ومداد الأوراق هذه كلها مخلوقة، لا يختلف على ذلك عاقلان، وهم كذلك لا يعلمون مقصود أهل التخصص العقدي بقولهم (قديم أزلي) في حق الله تعالى، لأنهم ما عهدوا القدم إلا قدم الزمان وحسب، هؤلاء الحشوية وكرد فعل لخلل المعتزلة ردوا عليهم بخلل جديد فقالوا الحروف قديمة والأصوات أزلية قديمة وغالى المغالون منهم فقالوا الورق الذي كتب عليه القرآن قديم، وهؤلاء ظهروا في زمان الإمام البخاري فرد عليهم بأن القرآن كلام الله قديم ولكن أصواتنا بالقرآن مخلوقة والمسموع كلام الله القديم وأصواتنا وقراءتنا للقرآن من أعمالنا وهي مخلوقة، وتعرض الإمام البخاري للمحنة كما تعرض لها الإمام أحمد ولكن هذه المرة لم تكن من المعتزلة وإنما من حشوية الحنابلة الذين لا علم لهم بالأصول والفرق بين المحدث المخلوق والقديم الازلي، وفضلاء الحنابلة آنذاك على مذهب الإمام أحمد لا يزيدون على قوله (القرآن كلام الله غير مخلوق) ولم يتعرضوا لمسألة الكلام الأزلي القديم، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة ، وهو الحل لكل معضلات المسألة بحمد الله.
الحاصل ظل الهرج والمرج بين المعتزلة والحشوية هذا يقول لا يعقل إلا مخلوقا لأنه أصوات وحروف متعاقبة خاضعة للزمان لا يُعقل إلا أن تكون مخلوقة، وهذا يقول الأصوات أزلية والحروف قديمة، إلى أن شاء الله بالفتح على يد الامام المجدد إمام أهل السنّة والجماعة الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، فجمع ادلة الكتاب والسنّة في مسالة الكلام وأنزل كل دليل على مرتبته الخاصة به فكانت النتيجة هي المذهب الأمثل الذي يجعل كلامَ اللهِ يُطلقُ على مرتبتين: (الأولى):الكلامِ النفسيِّ القديمِ القائمِ بذاتهِ تعالى، و (الثانية) الكلامِ اللفظيِّ الذي نقرؤه (القرآن الكريم)، فالكلام في الأصل كلام الله ، وأصواتنا وقراءتنا مخلوقة دالة على كلام الله ، وبهذا صاغ المذهب الأقرب إلى الحق، ووجد الحل الأمثل لإشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم، والمتمثل في بيان أنّ الكلام النفسي هو الكلام القديم القائم بذات الله وأنه يستحيل (القدم) مع الحرف والصوت، ويستحيل مع القدم ابتداء الكلام أو السكوت، وانه يستحيل مع القدم التغير والحدوث، ثم تفصيل الكلام في الكلام اللفظي (القرآن الكريم) بما يناسب كل مرتبة من مراتب الكلام المتعددة، وبهذا يكون الأشاعرة قد جمعوا بين الأدلة وانزلوا كل دليل على مرتبته الخاصة به، وصاغوا المذهب المختار في صفة الكلام وردوا على المخالفين بأدلة القرآن والحديث وجاءوا بدرر من التنزيه والتقديس المتعلقة بكلام الله القديم، ولكن لما كانت البدع تجري بأصحابها جري الدماء في العروق فقد ظلت المعتزلة على بدعتها وظلت الحشوية على بدعتها وجاء ابن تيمية بمذهب بدعي جديد خليط بين قول الكرامية والسالمية والحشوية وأهل الاعتزل، وهو قوله (قديم النوع حادث الآحاد) وهو من المستحيلات لأنه إذا كان قديما فلن يقبل الحدث وإذا كان حادثا فلن يكون قديما أزليا، ولأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول، الحاصل: أنّ هذا القول الشاذ المستحيل تصوره، قد أماته في مهده أهل الأصول والتخصص وقضوا عليه لتناقضه، حتى جاءت فتنة أهل نجد متمثلة في ظهور الوهابية فأحيوا ما اماته العلماء من أخطاء ابن تيمية وقالوا كما قال بأنّ القرآن قديم النوع محدث الآحاد، فبئس ما يصنعون.
[الفتح الرباني بالكلام النفسي]: أثبت القرآن الكريم (الكلام النفسي) بما لا يدع مجالا للشك، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول النفسي: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد ولم يكن بصوت، ولكن سمعهم الله السميع العليم، وقال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، فالقول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}بصوت يُسمع:، وقال تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، قول النفس: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه {وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ}، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، وقال تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، وقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، والكلام النفسي يقبل معاني القدم فلا يكون بحرف ولا صوت وقد كان فتحا في العلم أن يفرق أهل الأصول ما بين نوعين من الكلام، الكلام النفسي القائم بالنفس، والكلام اللفظي الذي يكون بحرف وصوت.
لقد جمع اهل التخصص العقدي السادة الاشاعرة والماتريدية بين الأدلة وصدق الله {ولا ينبئك مثل خبير}، وانزلوا كل دليل على مرتبته الخاصة به، ولكل كلام مرتبته فكلام القديم سبحانه قديم وكلام المخلوق المحدث محدث مخلوق ولكن كلام الله أنى تصرف فهو كلام الله بلفظه ومعناه، والمسموع هو اللفظ المحدث الدل على كلام الله على الحقيقة وأصواتنا بالقرآن مخلوقة، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، فالقائم بذات الله كلام الله على الحقيقة لفظا ومعنى، والذي نسمعه من القراء هو أيضا كلام الله على الحقيقة لفظا ومعنى ولكن بصوت القارئ ، فالمتلو كلام الله والذي نسمعه كلام الله ولكن بصوت قارئ القرآن، وبذلك نحل الإشكال، فالقرآن أنى تصرف فهو كلام الله والقديم منه ما كان صفة لله قائما بالله، وما كان من المخلوق قائما بالمخلوق من الصوت والحرف فهو محدث، وهذا هو التحقيق ، وأما ما قاله ابن تيمية بأنه قديم النوع حادث الآحاد، فهذا من أمحل المحال إذ الآحاد في مجموعها هي النوع فكيف يكون النوع قديما والآحاد حادثة لا يستقيم هذا عند من يفهم الفرق بين القديم والحادث وهؤلاء أبعد الناس عن معرفة معنى القديم وأنه لا يقبل الحادث، فجاءوا بالمحال واعتقدوه وسار خلفهم كل جاهل يعتقد انها قاعدة سحرية حلت كل المشكلات (قديم النوع حادث الآحاد)، وهيهات هيهات، ثم لا محال أن يكون الكلام القائم بذات الله تعالى مسموع لمن شاء الله ان يتجلى عليه بكلامه فيسمعه الكلام الأزلي القديم الذي بغير حرف ولا صوت، سمعه جبريل عليه السلام، وسمعه الكليم موسى عليه الصلاة السلام، ويسمعه المؤمنون يوم القيامة، بغير ان يحل في ذواتهم لأنه صفة الله وصفات الله لا تحل بالمخلوق، ومعتقد كل مسلم أنّ المسموع والمكتوب والمحفوظ هو القرآن الكريم كلام الله على الحقيقة، وكلام الله تعالى القائم بذاته لا ينفصل عنه، ولا يحل في غيره من المحدثات، وهذه مراتب للوجود، فهناك وجود في الأعيان، وهناك وجود في الأذهان، وهناك وجود في الأسماع، وهناك وجود في الكتابة، فالكتابة تدل على العبارة، والعبارة تدل على ما في الأذهان، وما في الأذهان، صور لما في الأعيان، والأسماع متعلقة بالعبارة، وليس ما في الأعيان بحال في شيء من الأذهان واللسان والقرطاس والآذان، والدليل عليه اننا إذا كتبنا كلمة (النار) على الورقة فإنها لن تحترق لأن كلمة (النار) التي كتبناها على الورقة ليست هي عين النار، وبالتالي فإنّ الأعيان لا تحل فيما سوى الاعيان، واللفظ الدال على تلك الاعيان هو المكتوب والمقروء والمسموع، والكلام كلام الله على الحقيقة، فأي جمال كهذا واي تدقيق واي توفيق اجمل من ذلك وأي تخصص ادق من هذا وقد أمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
ويبقى أمر فرعي يحتاج إلى إيضاح: وهو أنّ المسموع لسيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ما هو؟ ذهب السادة الأشاعرة إلى انه (الكلام النفسي القديم الذي هو ليس بحرف ولا صوت)، يُسمِعه الله تعالى من يشاء من عباده على سبيل خرق العادة، وذهب السادة الماتريدية إلى أن المسموع لهؤلاء هو صوت مخلوق لله تعالى دال على المعنى القائم بنفسه، والذي أراه: أنّ كلام السادة الأشاعرة هو التحقيق في المسألة وان كلام السادة الماتريدية قريب محتمل وهما المدرستان المتخصصتان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة وان كلام المعتزلة خطأ وأنّ كلام الحشوية بقدم الحروف والأصوات محال وان كلام التيمية والوهابية بقدم النوع وحدوث الآحاد من أمحل المحال.
[12] ومن المتشابهات في حديث النبي j، قوله j(خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) ([3]) ما هي مشكلة الصورة: قل ان كان للرحمن صورة فنحن من العابدين المقرين ولكن لا يصح نسبة الصورة إلى الله أبدا كما لا يصح نسبة الولد على الله، لماذا لا يصح نسبة الصورة إلى الله، (الصورة) تخاطيط مركبة واشكال ملونه وأجزاء مضمومة بعضها إلى بعض، وهذا كله يضاد الاحدية والصمدية من سورة الإخلاص، منزه عن الحاجة يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج والصمدية تنفي عن جناب الله تعالى التركيب والصور والأشكال لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن التركيب وقبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول ما صورة الامر وتقصد صفات الامر فإن الأوامر ليس لها صور، مستحيل نسبة الصور الحسية إلى الله، إن آفة هؤلاء الحشوية أنهم لم يدرسوا قواعد التقديس ولم يطلبوا علم العقيدة على يد المتخصصين، فالحذر الحذر أن نسير خلف هؤلاء لانهم ليسوا من ذوي التخصص في العقيدة [وقد سبق تفصيل ذلك في الدرس السادس عشر]
[13]: حديث (أين الله) في حديث مسلم: (((قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة)) ([4]) [وقد سبق تفصيل ذلك في الدرس السابع عشر والثاني والعشرون]
[14]: حديث النزول: يستدلون بحديث النزول لإثبات المكان لله، وانه على العرش حقيقة وانه ينزل منه حقيقة إلى السماء، والحديث في البخاري ومسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له)) ([5]) .
[وقد سبق تفصيل ذلك في الدرس السابع عشر والثالث والعشرون]
، كان هذا ما تيسر في بيان كيف يُحل إشكالات ظواهر المتشابهات من الكتاب والسنة المخالفة لقواعد علم التقديس وردها إلى محكماتها من غير تتبع للمتشابهات ومن غير زيغ ولا فتنة والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
([2]) صحيح مسلم 4/2147 ح 2786.
([3]) صحيح البخاري 8/50 ح 6227، صحيح مسلم 4/2183 ح 2841.
([4]) صحيح مسلم 2/70 ح537، سنن ابي داود5/176 ح3282.
([5]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145، صحيح مسلم 1/521. الباز الأشهب ص95-96.