ولا زلت مع الخلل الناتج بسبب محاربة التصوف السني الرشيد القائم على التزكية والإحسان، أقول وبالله التوفيق: الوهابية بما لديهم من هوس تكفيري وتشريكي وتبديعي كفروا اهل التصوف بسبب مفاهيم مغلوطة لدى الوهابية في العبادة ومفردات العبادة وكذلك كفروهم بأنهم عبدوا القبور من دون الله، وكذلك كفروهم بمفاهيم مغلوطة عند الوهابية عن الاتصال والانفصال والاتحاد والحلول ووحدة الوجود والحقيقة المحمدية، وكذك اتهموا اهل التصوف بالشرك الأكبر في مسائل التوسل وبناء المساجد عند قبور الصالحين، وكذلك اتهموا الصوفية بالبدعة في مسائل كلها دل عليها الشرع منها الاجتماع للذكر والجهر بالذكر والذكر المفرد والاحتفال بالمولد والجهر بالصلاة على النبي jعقب الآذان وختم الصوات ورفع اليدين عند الدعاء والاوراد اليومية والحياتية، ومناهج التربية والتزكية، وكلها لها ادلتها الشرعية والخلل عند الوهابية وليس الصوفية، وأتناول في هذه الحلقة بيان تلك التهم تهمة تهمة وقضية قضية وبيان براءة اهل التصوف من أكثرها والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[التهمة الاولى] الوهابية يكفرون اهل التصوف ويتهمونهم بالشرك الأكبر على قضايا السجود والدعاء والتوسل و(المصيبة الكبرى) أنّ الوهابية لم يجعل للعبادة ضابطا يجعلها عبادة، فليس مجرد صرف العمل العبادي خاليا عن الاعتقاد يعتبر عبادة، قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، وما الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة، ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو: ((الاعتقاد))، وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذا الضابط قوله j: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ([1]) .
ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية فيمن تصرف إليه العبادة، وخلاصة الأمر في التعريف الفقهي الصحيح للعبادة: هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة، (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو اعتقاد الألوهية والربوبية في من تصرف غليه العبادة، والصورة هي الفعل أو القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، وما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية أو الإلهية فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله، وما قيل في السجود والدعاء يقال مثله في الذبح، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو الإلهية فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، أو بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا من المحرمات ولكن لا يدخل في باب الشرك الأكبر.
وما قيل العبادات السابقة يقال مثله في النذر، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها، والإلهية ومفرداتها فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر، وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، فرق بين قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[البقرة: 153]، الأول استعانة عبادة والثاني استعانة أسباب، ومن اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله.
وعلى ذلك: فالتعريف الصحيح الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الالوهية: إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد الألوهية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء من الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في ألوهية الله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه.
والسؤال المهم الآن من من اهل التصوف الذين كفرهم الشيخ واخرجهم من الإسلام، كان يعتقد في غير الله الإلهية او الربوبية او استحقاق العبودية، بل (الحاصل): أنّ الشيخ النجدي ألف عشرة نواقض لشهادة التوحيد تُخرج من الإسلام إلى الكفر الأكبر وكلها أو اكثرها طبقها على اهل التصوف طبق هذا الناقض: فقال: [الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر]: طبقه على المسلمين وليس على المشركين، وصدق فيه قول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، (إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)، ([2]) .
وهذا والله ما حدث، انطلق إلى آيات نزلت في الكفار والمشركين الأصليين، فجعلها على المسلمين والموحدين والمؤمنين، فاستحل بمفاهيمه المغلوطة عن العبادة والشرك حرمات المسلمين، وكان يهاجمهم ويسمي ذلك غزوات على المشركين، يستبيح دماءهم وأموالهم وحرماتهم بفهم قاصر للعبادة يخلو من ضابطه الرصين، ألا وهو صرف العمل العبادي لمن يعتقد فيه الربوبية والإلهية من دون الله، واثبات ذلك على مسلمي زمانه دونه خرط القتاد، كما يقولون.
[وجعل الناقض الثاني]: [من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسالهم الشفاعة، ويتوكل عليهم كفر إجماعاً]، وطبقه بمفاهيمه المغلوطة عن الشرك وعن التوسل، على أهل الإسلام وكفرهم به واخرجهم من دين الاسلام مع ان التوسل من اعظم القربات، فالصوفي المحب لرسول الله jيتوسل به إلى الله وليس واسطة على سبيل انه شريك لله في الإلهية والربوبية معاذ الله ولكن على سبيل انه رسول الله واحب الخلق إلى الله، وشفاعته برضا الله وليست إلزاما على الله، فالمشركون كانوا يعتقدون الشفاعة لأصنامهم الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لرسوله jأو لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم،.
(الشيخ ابن عبدالوهاب) ساوى بين المشركين في اتخاذهم آلهتهم واوثانهم وسائط وشفعاء إلى الله مع المسلمين الذين يتوسلون إلى الله بالنبي jوالصالحين من أمته، ووقع الشيخ النجدي في ثلاثة أخطاء، استحل بها دماء المسلمين المؤمنين الموحدين من أمة النبي j، الخطأ الأول: أنّه ظن أن اعتقاد الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر، وتلك مصيبة، لأنّ الشفاعة ثابتة للنبي jوالصالحين من امته، والخطأ الثاني: أنّه جعل ضابط الشرك الأكبر هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء، وتلك مصيبة أخرى لأنّ أصل الوسيلة جائز شرعا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات أصل التوسل وفضيلته، والخطأ الثالث: أنّه لم يفرق بين التوسل الذي أجازه جمهور الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وبين الشرك الأكبر بالله، فانفرط عنده عقد التكفير والتشريك واستحل دماء المسلمين في زمانه في كل مكان استطاع ان يصل إليه لا سيما بنجد والحجاز.
ثلاثة أخطاء كلها طامات استحل بها دماء المسلمين، (الخطأ الأول): ظنّ الشيخ النجدي أنّ الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر: واستدل لذلك بالآية: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 43، 44] وهذا الاستدلال يكون في محله إذا كان اعتقاد الشفاعة المستقلة جبرا على الله، فإن هذا كان اعتقاد المشركين زمان النبي j، (اعتقاد) بالشفاعة الجبرية على الله بما لها من شراكة في الملك والتدبير، ولذلك أبوا ان يقولوا لا إله إلا الله، وكانوا يقولون رغبة عنها ورفضا لها: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، هؤلاء الذين استكبروا عن قول لا إله الا الله، واتهموا النبي jبالجنون هل هؤلاء يعتقدون في الشفاعة كما يعتقد سائر المسلمين ممن يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله عن قبول واعتقاد، سبحانك إن هذا إلا بهتان عظيم، فكيف هان على الشيخ أن يساوي بين هؤلاء وبين المسلمين بل ويصفهم بأنهم أشد كفرا من كفار قريش ومشركيهم ممن عبدوا الاوثان والأصنام، إنا لله وإنا إليه راجعون، و(الخطأ الثاني): ظنّ الشيخ النجدي أنّ ضابط الشرك الأكبر في المسألة هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء دون عقيدة تدفعهم إلى ذلك، وحقيقة الامر أنّ المشركين الأصليين زمان النبي jكانوا يزعمون بالشفاعة الجبرية لآلهتهم التي عبدوها من دون الله، وأما المسلمون زمان الشيخ النجدي فقد كانوا يعتقدون بأنّ الله تعالى أعطى النبي jلواء الشفاعة يوم القيامة، المسلمون موحدون ينطقون الشهادتين ويعتقدون أنّ الشفاعة للنبي jليست استقلالا عن الله، بل ارتضى الله شفاعته كما دلت على ذلك أحاديث الصحاح، فيشفع في حق المقصرين من أمته، والمشركون عباد الاصنام والأوثان يعبدون آلهة من دون الله ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عن الإله الأكبر، بموجب شراكة في ما بين الآلهة في التدبير والتصريف، كما في قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، فهم يعتقدون أنهم شركاء لله ولذلك أبوا ان يشهدوا بلا إله إلا الله، وكانوا يقولون أأنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون، فكيف هان على الشيخ ان يسوى بين هؤلاء وأولئك، وصدق الله تعالى حيث يقول: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} ومن المغالطات التي وقع فيها الشيخ النجدي، أنّه ظن أن اتخاذ الوسائط المجرد بدون أن يصاحبه اعتقاد ألوهية الوسيط هو الموجب لشرك العبادة الشرك الأكبر المخرج من الملة، وسبب هذا الخلل هو الفهم المغلوط لأية سورة الزمر وهو دائما يستدل بها دون أن يدقق في معناها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية (ما نعبدهم إلا)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم عبدوها من دون الله، لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته، وسبب آخر لهذا الخلل ألا وهو الفهم المغلوط لآية سورة يونس، وهو دائما يستدل بها دون أن يدقق في معناها، قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، فالمتدبر لها يفقه منها أمور ضرورية: الأول: الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والثاني: اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، والثالث: تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، والشيخ النجدي لا يفهم المراد من الآيات، ولا يفهم حقائق الإيمان والكفر كما يفهمها اهل التخصص، ولا طبيعة التوحيد والشرك، ولم يستوعب الآيات التي توضح كيف كان الشرك ومعتقداته عند المشركين، ولا يعرف ضابطا يرجع إليه في فهم الآيات انزلها على اهل القبلة، كما جاء في صحيح البخاري: (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)، و(الخطأ الثالث): لم يفرق الشيخ النجدي بين التوسل الذي أجازه جمهور الفقهاء وبين الشرك الأكبر بالله، فانفرط عنده عقد التكفير والتشريك واهدر دماء المسلمين في كل مكان بالحجاز ونجد، فـــ (التوسل): هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل رضا الله، فالله عز وجل أمرنا بالتوسل بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، واعظم وسيلة إلى الله هي رسول الله j، أقرب الخلق إلى الله، واعبد الخلق لله، والمسلمون المتوسلون به يتوسلون على انه رسول الله وليس شريكا مع الله، والشيخ النجدي واتباعه الوهابية يستدلون بأدلة أجنبية عن التوسل، حيث يستدلون بقوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} والآية تصرح بأنهم عبدوهم، وليس توسلوا بهم إلى الله، ويستدلون بقوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً} والمتوسل لم يدع إلا الله، فلا يدعو ولا يعبد إلا الله، ولكنه يبتغي الوسيلة إلى الله وليس وسيلة اعظم من النبي صلى الله عليه وسم والاولياء الصديقين من امته ويستدلون بقوله تعالى {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} فإن هؤلاء المشركين دعوا آلهتهم التي لا تستجيب لهم والمسلم المتوسل لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه، وقد جعل الله لرسوله jالمقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع، (الواضح البين الذي لا ريب فيه): أنه لا علاقة للتوسل بالشرك، الشرك اعتقاد آلهة مع الله والتوسل تقرب إلى الله بما يحبه الله، التوسل طاعة وليس شركا، وشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان، ويزعم أن الرسول الأكرم jساحر كذاب، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8]، الوهابية لا بارك الله في مسعاهم، والنبي jكما جاء في الصحيحين ابى ان يبارك لهم وقال هناك الزلازل والفتن ومنها يخرج قرن الشيطان، الوهابية لا بارك الله في مسعاهم يساوون بين توسل أهل التصوف بالنبي jوبين اتخاذ المشركين وسائط يعبدونهم معمن دون الله ويتخذهم آلهة مع الله، وجمهور فقهاء أهل السنة والجماعة من المدارس الفقهية المتخصصة (المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة يرون جواز التوسل بالصالحين أحياء وامواتا لأن المتوسل إنما يتوسل بهم إلى الله تعالى الحي الذي لا يموت، والتوسل قضية فقهية لا علاقة لها بالتوحيد والشرك، ولكن الوهابية يأبون إلا تكفير اهل التصوف، والمعضلة الكبرى أنهم أخطأوا في تفسير العبادة، وفسروها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهلوا عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله، وكان هذا الغلط في تفسير العبادة هو المزلَّة العظمى، التي استحلوا بها دماءُ لا تحصى من أهل التصوف، نسال الله السلامة، فـــ (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ((للعبادة)): ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد، وكان من نتائج هذا الخلل أنّ جاءوا إلى آيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين، واتهموهم بالشرك الأكبر واستحلوا دماءهم وحرماتهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريرهم للضابط الذي يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا، لقد تطاول الوهابية على اهل التصوف بتلك المفردات ولم يعذروا اهل الجهل فإن اكثر من يقوم بذلك ليس هم سادة اهل التصوف وإنما غالبهم العوام الذين غلبهم الوجد والشوق فقد يأتي احدهم بما يخالف الشرع ولكن قلبه على التوحيد والايمان فأخذت الوهابية أهل الزلازل والفتن وقرون الشيطان العاطل بالباطل والصالح بالطالح فلا بارك الله فيهم فلا بارك الله فيهم فلا بارك الله فيهم.
[التهمة الثانية]: [الوهابية]: يحاولون الصاق التهم باي طريقة على اهل التصوف أولياء الله الصالحين، دون مراعاة للتفريق بين الاولياء والادعياء ودون مراعاة لما ينتاب بعضهم من الشطح الغير مقصودة ودون مراعاة لأمور كثيرة مدسوسة عليهم ثبت بالرهان والدليل القاطع انها مدسوسة على اهل الله، الشاهد تارة يكفرونهم بتهم الاتحاد والحلول، والاتصال والانفصال، وهم من ذلك براء، فللاتحاد والحلول والاتصال والانفصال معان معنوية صحيحة، سيأتي بيناها وهناك من لم يفهم قصد أهل التصوف من مصطلح (وحدة الوجود)، وأن هذه هي حالة شهودية مع الله تعالى يقل فيها احساس العارف بالوجود المحدث، حتى يتلاشى تماما احساسه بهذا الوجود المحدث، فلا يرى في الوجود إلا واجد الوجود بأسمائه وصفاته وأفعاله، فاطلقوا على تلك الحالة (وحدة الوجود) وهي حالة شهودية يشعر بها أهل العرفان، فكفروهم بهذا المصطلح، وهناك من اتهم أهل التصوف بالتفريق بين علوم الظاهر والباطن، وبين الشريعة والطريقة والحقيقة، بما يؤول إلى الاستهانة بالشريعة وأحكام الشريعة، وهذا لا يقول به أهل التصوف الحق، بل هم أول المعترضين عليه، فلم يقل بذلك إلا الأدعياء، وأحيانا يغلب الحال بعض أهل التصوف فيشطح بما لا تقبله الشريعة، وهم في ساعة ذهول لا يقصدها، كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال: اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح، وقد تكون مدسوسة عليه، ولكن هؤلاء الموتورون يصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال، ودون نظر إلى غلبة الحال على بعضهم، وأول من تصدر لعلاج هذه الأخطاء هو الإمام أبو نصر السراج (ت 378 هـ) في القرن الرابع في كتابه اللمع أكثر من ربع الكتاب في الرد على الادعياء والجهلاء من اهل التصوف: [1]: ما يقصده أئمة التصوف من الاتحاد والحلول: هناك اختلاف عظيم بين ما يقصده أهل التصوف السني أهل حضرة الشهود أولياء الله تعالى من الاتصال والانفصال ومن الاتحاد والحلول، وما يفهمه الوهابية عن الاتحاد والحلول، (الاتحاد) معناه – في اللغة – أن تتحد ذاتان من الذوات حتى تصيرا واحدا، والحلول معناه أن تحل ذات داخل أخرى، وكلاهما مستحيل في حق الله تعالى، أذ يستحيل أن يتحد القديم مع المحدث وإلا لما كان قديما أزلياً، ويستحيل أن يحل الأزلي الباقي المنزه عن الفناء وعن الحدود في المحدث الفاني المحدود، وقد أجمع علماء أهل السنة والجماعة على كفر من اعتقد جواز الاتحاد والحلول بهذا المعنى على ذات الله تعالى، وأهل التصوف الحق القائمون على مرتبة الإحسان هم أهل المعرفة بالله وهم أهل التنزيه والتقديس لله، لا يجوز الظن فيهم بأنهم من القائلين بالاتحاد والحلول، ولهذا انبرى للدفاع عنهم تجاه تلك التهمة الباطلة الكثير من العلماء، قال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى – وهو يتعجب من إلصاق هذه التهمة الشنيعة بأهل التصوف أهل المعرفة بالله -: (ولعمري إذا كان عُباد الأوثان لم يتجرؤوا أن يجعلوا آلهتهم عين الله بل قالوا: {ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، فكيف يظن بأولياء الله تعالى أنهم يدعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله عنهم) أهـ ([3]) .
إذن: ما ورد من كلام السادة الصوفية العارفين بالله مما يفيد ظاهرة الحلول والاتحاد؟ لا يقصدوه مطلقاً، وإنما مقصدهم من الكلام معنى آخر بعيد كل البعد عن الاتحاد والحلول الحسي الحقيقي، ألا وهو الاتحاد المجازي المعنوي (الاتصال المجازي)، عندما تصيرَ نفسُ العارف فانية عن الشعور بوجودها، غافلةً عن الشعور بجملتها، شُغلاً بالشهود القلبي في حضرة تجليات أسماء الله تعالى، آنذاك يغيب العارف عن نفسه، ويشعر بأنه يسمع بالله ويبصر بالله ويتكلم بالله، مصداقاً للحديث الصحيح فيما يرويه رسول الله jعن رب العزة سبحانه: {وما يزال عبدي يَتَقَرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحْبَبْته: كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَع به، وبَصَرَه الذي يُبْصِر به، ويَدَه التي يَبْطِش بها، ورِجْلَه التي يَمْشِي بها) [أخرجه البخاري]، وهذا ليس بغريب، فإن النسوة اللاتي قطعن أيديهن ذهلن وفنينّ عن أيديهن في جمال نبي الله يوسف عليه السلام، فبسبب جماله عليه السلام قطعن أيديهن، ولم يشعرن بألم القطع أبدا لأنهن كنّ في حالة فناء عن أنفسهن بجمال يوسف عليه السلام، فكيف بحال من تجلت عليه أنوار المعرفة بالله، فلا يشاهد سوى الحق لاستغراقه فيه بالكلِّية، والخلاصة: هذا الاتحاد يعني فناء العبد في شهود الرب، فيفنى عن كل ما سوى الله، هذا معتقد اهل التصوف الحق اما الادعياء فكل نفس بما كسبت رهينة، وأول من خاصم الادعياء هم اهل التصوف الحق انفسهم.
(تنبيه): قول العارف بالله الشيخ أبي اليزيد البسطامي: (سبحاني)، وقول من قال: (أنا الحق)، وقول من قال (ما في الجبة إلا الله) فقد كان هؤلاء يقولون ذلك وهم في حالة الفناء المعروف عند أهل الحق والتمكين، فإذا أفاقوا أنكروا، وهذا ما يسميه أهل التصوف الشطح، وهم يعبرون به عن كل الألفاظ المستغربة التي يوهم ظاهرها معنى يخالف الشرع، وقد اعتبر أهل التصوف الشطح رعونة ينبغي أن يتنزه عنها الصوفي الكامل، ولكن عذروا قائلها بشروط، أولها: أن يكون الصوفي في حال غياب العقل بسبب شدة الوجد، وأن يتم هذا الشطح والصوفي في حال من عدم الشعور، بمعنى أنه إذا أفاق أنكر ما قاله في حالة الوجد، فالشطح رعونه وظاهره مستشنع لكن باطنه صحيح مستقيم، فالشطح للقول لا للمعنى الحاصل في السر، مع ال (تنبيه): انه ليس كل ما ورد ذكره في كتب الصوفية هو من الشطح الجاري على ألسنتهم بل: استغل كثير من الزنادقة والمستهزئين باب الشطح فادخلوا فيه الكثير من الدسائس والاكاذيب، وحاولوا التشنيع على اهل التصوف، والتصوف: كغيره من العلوم الدينية، لم يَسْلم من الدس والتحريف من هؤلاء الدخلاء والمفترين، فمنهم من أدخل في كتب الصوفية أفكاراً منحرفة، ومنهم من حاول تشويه تاريخ رجال الصوفية، ونزع ثقة الناس بهم، فدَسَّ في كتبهم حوادث وقصصاً من نسج خياله، فيها ارتكاب للمنكرات واقتراف للآثام والكبائر، كما نجد ذلك كثيراً في الطبقات الكبرى للإِمام الشعراني رحمه الله تعالى، وهو منها بريء، وللأسف فهناك من يصدق هذه الاكاذيب، وينسبها إلى عقائد الربانيين اهل الله، وسادة السلوك وأئمة الطريق، نسأل الله تعالى السلامة.
[2]: ما يقصده أئمة التصوف من وحدة الشهود ووحدة الوجود: أهل التصوف الحق هم العارفون بالله الربانيون القائمون على مرتبة الإحسان وهم أهل التنزيه والتقديس لله، لا يجوز الظن فيهم بأنهم يخالفون عقائد الكتاب والسنة كيف وهم أولياء الله، وأعلم الناس بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يُتصور مخالفتهم لعقائد أهل السنة والجماعة الناجية أبدا، كيف وهم أهل العلم اللدني، وأهل المعرفة شهودا، وهم أئمة أهل السنة والجماعة علما ومعرفة وتحقيقا، إذن: لابد من معرفة المنهل الذي منه يغترفون، أهل العرفان لا يعتقدون (وحدة الوجود) بل هم يشهدون هذه الوحدة، فهي حالة شهودية تخص الأولياء إذا بلغوا منازل عالية من السير إلى الله، فهم يقولون بما يشهدون، والقرآن الكريم يؤيد شهودهم، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27]، فالفناء جاء بصيغة الاسم للدلالة على تحقق الفناء، ولا معنى للفناء إلا العدم، وكذلك قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، ولا معنى للهلاك إلا العدم، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) ([4]) . والباطل هو العدم، كما أنّ (الحق) اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: واجب الوجود المتصف بالوجود الدائم، فهو الذي لم يزل ولا يزال، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به سبحانه، فأهل العرفان حكموا بما شهدوا، وأهل العرفان أهل بقاء بالله، به يشهدون، وبه يسمعون وبه يبصرون وبه يتكلمون، فإن قالوا: بوحدة الوجود، فهم قد حكموا بما شاهدوه بالله، فما ذنب اهل العرفان إن شهدوا بما حجب عنه أكثر الخلق، فلا حجة للنافي على المثبت ولا حجة للجاهل على العالم، وفوق كل ذي علم عليم، وإذا نظرنا إلى علماء الأصول من أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: إن وجود الله عز وجل ذاتي تام كامل مستقل لا تأثير لغيره به، هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، كان ولم يكن شيء غيره، أمّا وجود الموجودات فهو حاصل بسبب إيجاد الله عز وجل لها ولولا مشيئة الله تعالى لم تكن لتوجد، وأن وجودها مستمر بإمداد الله تعالى لها بالوجود ولو انقطع الإمداد لعادت عدما كما كانت، فلا اشتراك إلا في الاسم، وأما الحقيقة فلا، إذ لا مقارنة بين الوجود الواجب والوجود الحادث، فإن الله تعالى وجوده لذاته وبذاته، وأما العالم فإن وجوده بالله، متعلق بالمشيئة، فإنه يبقى موجودا بمشيئة الله، ولكن إذا انقطع تعلق المشيئة الإلهية بالعالم، انعدم العالم، فالعالم، مُحدَث، ووجوده بهذه الصفة، ليس إلا وجودًا عابرًا بما هو صائر إلى زوال، بينما الحقُّ تعالى موجود أزلاً، وموجود أبدًا، وبذلك يكون وجود الخلق، قياسًا على وجود الحق، وجودًا اعتباريا، وجود الحقِّ وجود حقيقي، ووجود الخلق وجود اعتباري، فمن لاحظ الفرق الجوهري بين وجود العالم وبين وجود الله تعالى، أيقن أن وجود الخالق حقيقي، ووجود الخلائق اعتباري، فمن لاحظ قوة وجود الحق تعالى بالمقارنة مع وجود العالم، صار وجود العالم بالنسبة إلى وجود الله تعالى وجودا مجازيا، لأنه لا يقوم إلا بإيجاد الله تعالى، كما لا يقوم المجاز إلا بناء على لفظ له معنى حقيقي، والعارفون بالله تعالى قالوا: من نظر الى الموجد الممد سبحانه وتعالى رآه هو الموجود حقيقة، ومن لاحظ الإمداد الرباني لبقاء العالم، رأى الأشياء لولاه سبحانه عدماً، ولذلك قالوا: الوجود الحقيقي واحد وهو الله سبحانه وتعالى ووجود غيره لا يشابه وجوده بحال من الأحوال، أهل المعرفة والإحسان، وأهل المقامات العظام، غلب عليهم الشهود في مقام (أن تعبد الله كأنك تراه) فاستغرقوا في بحر التوحيد والمشاهدة القلبية، ففني أحدهم عن نفسه وعن العالم من حوله، فلا يشهد بقلبه إلا الله، وهؤلاء غابوا عن شهود غير الله، فقالوا بوحدة الوجود، مع استقامتهم على شرع الله تعالى، وهذا القول منهم من الشهود والعرفان وعالي منازل الإحسان، وهي منازل عالية لا يبلغها عامة المؤمنين فلذليك يصعب عليهم تصورها، وليس معنى ذلك إنكارها، فليس كل ما لا يستوعبه المؤمن ينكر وجوده.
[التهمة الثالثة]: ما يقصده أئمة التصوف من الحديث عن الشريعة والطريقة والحقيقة: أهل التصوف الحق هم أهل المعرفة بالله وهم أهل التنزيه والتقديس لله لا يجوز الظن فيهم بأنهم من القائلين بشيء من العقائد المخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة الناجية، ومن ذلك اتهام البعض أهل التصوف بالتفريق بين علوم الظاهر والباطن، وبين الشريعة والطريقة والحقيقة، بما يؤول بهم إلى الاستهانة بالشريعة وأحكام الشريعة، وهذا باطل، لأن من أشهر قواعد أهل الطريق قولهم: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة)، وكيف تخالف الحقيقةُ الشريعةَ وهي إِنما نتجت من تطبيقها، فالشريعة هي الأساس، والطريقة هي الوسيلة، والحقيقة هي الثمرة وهي عبادة الله على الشهود (ان تعبد الله كانك تراه)، وهذه الأشياء الثلاثة متكاملة منسجمة، فَمَنْ تمسَّك بالأولى منها سلك الثانية فوصل إِلى الثالثة، وليس بينها تعارض ولا تناقض، ولذلك يقول الصوفية في قواعدهم المشهورة: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة)، والخلاصة لابد للسالك من الالتزام بالشريعة ومن سلوك الطريق وفق الشريعة للوصول إلى الحقيقة، وهي مشاهدة الالوهية والربوبية والاسماء والصفات بالقلب والروح، ولا يصل السالكون إلى الحقائق إلا بالتزام الشريعة وسلوك الطريقة، قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى: (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة، طِرْ إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) ([5]) . ولا عبرة بالأدعياء، وكل مجال فيه ادعياء، الإسلام أعظم دين على وجه الأرض بل لا يقبل الله تعالى بعد بعثة حبيبه jإلا الإسلام وهناك مسلمون لا يصلون، فهل هذا يمثل عبئا على الإسلام، إنه لا يضر إلا نفسه وكذلك ادعياء التصوف لا يضرون إلا انفسهم، فإذا قال الدعي: إِن المقصود من الدين هو الحقيقة فقط، فمن وصل إليها لا يضره التقصير في الشرائع، فهذا لا يضر إلا نفسه وأول من رد عليه هم الصوفية انفسهم، قال الإمام الغزالي: (من قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة، أو الباطن يناقض الظاهر، فهو إلى الكفر أقرب إلى الإيمان) ([6]) .
وقال أبو يزيد البسطامي: (لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى ارتقى في الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة ” ([7]) .، وقال الجنيد: (إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا) ([8]) .وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: ” نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر ” هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره، وظاهره ظرف باطنه، لولا الظاهر لما بطن، لولا الظاهر لما كان الباطن ولما صح، القلب لا يقوم بلا جسد، بل لولا الجسد لفسد، والقلب نور الجسد) ([9]) .وينكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال، كما مَرَّ بك قوله: (ترك العبادات المفروضة زندقة، وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال) ([10]) .
[التهمة الرابعة: الشطحات]: لقد ظهر هذا المصطلح (مصطلح الشطح) عند الصوفية وهم يعبرون به عن كل الألفاظ المستغربة التي يوهم ظاهرها معنى يخالف الشرع، وقد اعتبر أهل التصوف الشطح رعونة ينبغي أن يتنزه عنها الصوفي، ولكن عذروا قائلها بشروط، أولها: شدة الوجد، بأن يكون الصوفي في حال غياب العقل بسبب شدة الوجد، وأن يتم هذا الشطح والصوفي في حال من عدم الشعور، بمعنى أنه إذا أفاق أنكر ما قاله في حالة الوجد، (تنبيه) ليس كل ما ورد ذكره في كتب الصوفية هو من الشطح الجاري على ألسنتهم بل لقد استغل كثير من الزنادقة والمستهزئين باب الشطح فادخلوا فيه الكثير من الدسائس، إِن ما نراه في كتب الصوفية من الأمور التي يخالف ظاهرها نصوص الشريعة وأحكامها، هي: إِما أن تكون شطحا في حال الوجد، وإِما أن تكون مدسوسة عليهم من قبل الزنادقة والحسدة وأعداء الإِسلام، وإِما أن يكون كلاماً قابلاً للتأويل، تحدثوا به من باب الإِشارة أو الكناية أو المجاز، وإما أن يكون اصطلاحا خاصا بهم لا يعلمه ولا يفهمه إلا أربابه المتخصصون فيه، وهذا موجود في كافة العلوم، فإِن لكل فن من الفنون أو علم من العلوم كالفقه والحديث والمنطق والنحو اصطلاحات خاصة به، لا يعلمها إِلا أرباب ذلك العلم، وللصوفية اصطلاحاتهم الخاصة بهم، كالوقت، والمقام، والحال، والقبض والبسط، والاتصال والانفصال، والتجريد والتفريد، والجمع والتفرقة، والشريعة، والحقيقة، والطريقة، فربما نظر البعض إلى هذه المصطلحات على أنها أمور مبتدعة، فيضلل أصحابها مع أن لها معاني صحيحة في الشرع، شأنها شان كل المصطلحات في كل العلوم، والتصوف لا يُنال بقراءة الكتب، ولا بمعرفة الاصطلاحات أيضا، بل لابد من السلوك مع رجاله ومجالسة أهله،
[التهمة الخامسة]: اتهام اهل التصوف بالوقوع في الشرك الأكبر بسبب مفاهيم مغلوطة عن التوسل والاستعانة والاستغاثة، أقول بالله التوفيق:
[التوسل، الاستعانة، الاستغاثة]: كلها لها معان متقاربة، التوسل: هو أحد أبواب الدعاء والتوجه إلى الله تعالى لقضاء الحوائج، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة} [المائدة: 35]، وأما الاستغاثة: فهي طلب الإغاثة ممن يمملكها على وجه الحقيقة وهو الله عز وجل، أو ممن أعطاهم الله بحوله وقوته القدرة عليها، وهم أنبياؤه وأولياؤه، وأما الاستعانة: فهي طلب العون ممن يملكه على وجه الحقيقة وهو الله تبارك وتعالى أو ممن أعطاهم الله بمنه وكرمه القدرة عليها، وهم أنبياءه وأولياؤه، فيظهر لنا أن التوسل والاستغاثة والاستعانة شيء واحد، لأن المتوسل به أو المستغاث به أو المستعان به على الحقيقة هو الله وأما المتوسل به من العبيد فواسطة ووسيلة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، هذا ولم يختلف أحد من المسلمين في مشروعية التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وغير ذلك، وأما التوسل بالأنبياء والصالحين، فالمقصود به التوسل بمكانتهم عند الله، فما هو في الحقيقة إلا توسل بأعمالهم الصالحة، والمسلم عندما يتوسل بالنبي jأو بالرجل الصالح إنما يتوسل به لما يعلم من كرامته وجاهه عند الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى متصق بصفة تسمى صفة الاختصاص قال عز وجل: {يختص برحمته من يشاء} [آل عمران: 74]، والنبوة والرسالة والولاية الخاصة ليست مكتسبة بل هي محض فضل الهي واجتباء واختصاص رباني يكون بسببها لذلك العبد منزلة عند الله تسمى الجاه، قال تعالى: {الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب} [الشورى: 13] وقال سبحانه في إثبات الوجاهة والمكانة لبعض أنبيائه وملائكته عليه السلام كسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام {وكان عند الله وجيها} [الأحزاب: 13] أي ذا وجاهة، وقال في حق سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام {وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين} [آل عمران آية 45] وقال عن سيدنا جبريل عليه السلام {ذي قوة عند ذي العرش مكين} [التكوير: 20] أي صاحب مكانة، فالإنسان عندما يتوسل إلى الله تعالى بجاه نبي أو ولي فإن ذلك يعني أنه توسل إلى الله تعالى بفعل من أفعاله خلقه لذلك النبي وسماه جاها، وبصفة من صفاته سماها اختصاصا، وهذا من التوسل إلى الله بصفاته وأفعاله وهو مجمع على جوازه عند أهل الحق، والمتوسلون بالرسول jيعلمون حق العلم أن الله تعالى وحده هو النافع والضار ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، ولكنهم يتوسلون إلى الله بأفضل خلقه، طمعا في الإجابة لما للنبي jمن منزلة عند الله، وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)، فيفهم منه الاستعانة المطلقة أما الاستعانة بالأسباب فجائزة، وقد قال تعالى: {استعينوا بالصبر والصلاة}، والحديث الشريف ليس المقصود به النهي عن السؤال والاستعانة بما سوى الله، وإنما المقصود به النهي عن الغفلة عن كون ما جرى من الخير على يد الأسباب فهو من الله مسبب الأسباب، وقد أمرنا القرآن الكريم بالتوسل وذلك بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة} [المائدة:: 35]، واجاز القرآن الاستغاثة بالمخلوق مع العلم واليقين بأن النفع والضر بيد الله وحده، وإنما هي الأسباب وحسب، قال تعالى: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه}، فلو كانت الاستغاثة نوعا من الشرك لم يجز لسيدنا موسى أن يغيث هذا الرجل، وحاشا الأنبياء أن يقروا الناس على ما فيه مخالفة المولى عز وجل، وقوله تعالى {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاوؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما}، فهو دليل على جواز التوسل والاستشفاع بالنبي jفي سائر الأحوال لأنه في قبره الشريف حي يرزق تعرض عليه أعمال أمته فيدعو لهم ويستغفر، والأدلة على جواز التوسل بالنبي وأتباعه من الصالحين أكثر من أن تحصى وأقوى من ان ترد، وعلى جواز هذا الامر جمهور الأئمة الفقهاء، وبه أفتى أكثر فقهاء المذاهب الاربعة المعتمدة.
[التهمة السادسة]: اتهام الصوفية بانهم عباد القبور على فهمهم المغلوط لمسألة: بناء المساجد على قبور الصالحين: وفي الواقع لا حرج في بناء المساجد على قبور الاولياء، ولا حرج في دفن الأولياء في المساجد، وقد قال تعالى في قصة أصحاب الكهف: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21]، قال الفقهاء: قد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبور الصالحين، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا لما سكت عنه القرآن، ولو كان كبيرة لنوه إلى ذلك، لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار، أو السرد التاريخي لها، ويؤيد هذا القول: كون قبر النبي صلى الله عليه و سلم في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه صلى الله عليه و سلم في مسجده، فإن قالوا خصوصية للنبي jقلنا: دفن بجواره أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، لما ضاق المسجد النبوي عن المصلين، أمر الوليد بن عبد الملك، عامله على المدينة المنورة عمر بن عبد العزيز بهدم بيوت أمهات المؤمنين وإدخالها في المسجد توسعة له، فدخل فيه بيت عائشة رضي الله عنها وفيه القبور الثلاثة، ولم ير عمر بن عبد العزيز ولا غيره من العلماء أن إدخال القبور في المسجد مخالف للدين وللحديث، ومباين لمقاصد الشريعة، ولم يعترض على ذلك أحد من العلماء في عصره، وكان الإمام مالك ينشر العلم في مسجد الرسول j، ولم يعترض على ذلك، وكذلك أبو حنيفة والشافعي واحمد، ثم جاء أئمة المسلمين على مر عصور الإسلام لزيارة المسجد النبوي وفيه القبور، ولم ينكروا ذلك، وعلى توالي القرون، والمسجد النبوي يزار من طبقات الأمة على اختلاف أنواعها، وهذا إجماع قطعي، يفيد أن وجود القبر في المسجد لا شيء فيه، وقد تقرر في علم الأصول أن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة، لقول النبي j، (لا يجمع الله أمتي على الضلالة)، أضف إلى ذلك: فقد صلى النبي صلى الله عليه و سلم في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما ورد عنه j، ومنه أيضا ما ذكر في بعض الآثار أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه، ومنه أيضا ما ورد في السيرة أنّ أول من بُنى عليه مسجد في الإسلام كان بناء أبي جندل رضي الله عنه مسجدا على قبر أبي بصير رضي الله عنه في عهد النبي j، ثم إنه على مر عصور الإسلام كان المسلمون إذا مات العالم أو الصالح دفنوه في المسجد، وقد أباح الفقهاء ذلك، ولم يزل الناس يبنون على مقابر الصالحين وأئمة الإسلام شرقاً وغرباً كما هو معلوم، ومما يهون الامر: معرفة رأي الفقهاء على المذاهب الأربعة: فقد قال الأحناف: تكره الصلاة في المقبرة إذا كان القبر بين يدي المصلي بحيث لو صلى وقع بصره عليه فإذا كان القبر خلف المصلي وهو مستقبل القبلة فلا كراهة، وقال المالكية: الصلاة في المقبرة جائزة بلا كراهة إذا خلت عن النجاسة، وقال الشافعية: تكره الصلاة في المقبرة غير المنبوشة، سواء كانت القبور أمامه أو خلفه، أو على يمينه أو على شماله، أما الصلاة في المقبرة المنبوشة بلا حائل فباطلة لوجود النجاسة بها، وقال الحنابلة: أن الصلاة في المقبرة التي تحتوي على أقل من ثلاث قبور صحيحة بلا كراهة إذا لم يستقبل المصلي القبر، وأن استقبله كانت الصلاة مكروهة، فقصارى الأمر عند المذاهب الفقهية أن الصلاة صحيحة مع الكراهة أو بلا كراهة، [وقد سبق الحديث عن ذلك بالتفصيل في الدرس التاسع والعشرون] سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
([3]) اليواقيت والجواهر: 1: 83.
([4]) صحيح البخاري 8/35 ح 6147.
([5]) الفتح الرباني: للشيخ عبد القادري الجيلاني ص29.