بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين، وبعد: تكملة إن شاء الله تعالى لما بدأناه من دروس (الخلل الوهابي في فهم الدين)، ولا زلت مع الخلل الناتج بسبب محاربة التصوف السني الرشيد القائم على التزكية والإحسان، أقول وبالله التوفيق:
هناك مفردات ومسائل عُرف بها أهل التصوف الحق، لها أدلتها من الكتاب والسنّة، ولكن الوهابية أهل الجهل بأدلتها يعترضون عليها بغير وجه حق، ومن ثم يقعون في اهل التصوف ما بين تكفير وتشريك وتبديع وتفسيق، مع ان المتجرد يجد لك مسألة ادلتها عند أهل التصوف، ومن ذلك:
[1]: الاحتفال بالمولد النبوي الشريف: قال الله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، فرسول الله jهو الرحمة العظمى وقد أذن الله لنا بالفرح والسرور بمولد تلك الرحمة قال تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} [يونس: 58]، وقد كان jيعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه إذ سعد به كل موجود وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله jسئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: (فيه ولدت وفيه أنزل علي) ([1]) . وهذا في معنى الاحتفال به، وقد أصل النبي jهذه القاعدة بنفسه كما صح في الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم: لما وصل إلى المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له: إنهم يصومونه لأن الله نجى فيه نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومون شكرا لله على هذه النعمة فقال j(نحن أولى بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه) ([2]) . فهو من باب قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [ابراهيم: 5]، وكذلك يؤخذ من قوله jفي فضل يوم الجمعة: (وفيه ولد آدم) تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبي كان من الأنبياء عليهم السلام فكيف باليوم الذي ولد فيه افضل النبيين وأشرف المرسلين، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ}
و(الاحتفال المولد) إن كان القصد منه التذكير بأيام الله تعالى وذكر فضل النبي jوشمائله واخلاقه بما يقوي الايمان به ويزيد من المحبة له ولسنته، وخلا من المخالفات الشرعية فلا باس به، وقد استحسنه الكثير من العلماء والفقهاء، قال السيوطي رحمه الله تعالى: هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي jوإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف ([3]) .فإن قال قائل: إن الاحتفال بالمولد لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة ضلالة، فالجواب على ذلك: أنه ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول، فهو بدعة محرمة ولو كان الأمر كذلك لحرم جمع أبي بكر وعمر وزيد رضي الله عنهم القرآن وكتبه في المصاحف خوفا على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله عنهم ولحرم جمع عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله: نعمت البدعة هذه([4]) .
ولحرم التصنيف في جميع العلوم النافعة واتخاذ الربط والمدارس والمستشفيات، بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب أو على محرم فهو محرم أو على مكروه فهو مكروه أو على مباح فهو مباح أو على مندوب فهو مندوب وللوسائل حكم المقاصد فكل ما تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة وليشتمل على منكر فهو من الدين ومن ثم قيد العلماء حديث (كل بدعة ضلالة) ([5]) . بالبدعة السيئة ويدل على ذلك قوله j: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء)، ([6]) . وإن قال القائل: إن الاحتفال بمولده jفي شهر ربيع الأول وهو نفس الشهر الذي توفي فيه فلماذا يكون الفرح بولادته ولا يكون الحزن بوفاته؟ فالجواب على ذلك: أن ولادته عليه الصلاة والسلام أعظم النعم علينا ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثت على إظهار النعم، وكتم المصائب والصبر عليها، ولهذا فإنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته jدون إظهار الحزن بوفاته، وإن قال قائل: إن الاحتفال بمولده نوع من الإطراء والتقديس له jمما يؤدي إلى رفع مقامه عن كونه بشرا وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدالله ورسوله) ([7]) .
فالجواب على ذلك: أن هذا الاستدلال غير صحيح لأن الإطراء المنهي عنه هو المشابه لإطراء النصارى بأن المسيح هو ابن الله حاشاه تعالى من ذلك أما إطراء النبي jفي الاحتفال بمولده فلا يعدو عن ذكر فضائله النبوية وأخلاقه المحمدية وقد مدح النبي jاناس من الصحابة وأثنوا عليه، ولم ينكر النبي jعلى أحد منهم ذلك بل وربما أيدهم فهذا كعب بن زهير لما امتدح النبي jبقصيدته، قام النبي jبخلع عباءته عليه وألبسه إياها رضا بصنيعه.
[2]: التبـــــــــــــــرك: من معاني البركة: الزيادة والنماء، والبركة سر إلهي وفيض زاده الله تعالى ونمى به أعمال البر بملازمة القربات، فالبركة بهذا المعنى لون من الرحمة والفضل الرباني، والله تعالى بارك القرآن في ذاته فقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك} [ص: 29] وبارك المنازل فقال: {وقل رب أنزلني منزلا مباركا} [المؤمنين: 29] وبارك الأسرة النبوية من سيدنا إبراهيم فقال: {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} [هود: 73]، وكان النبي jيتبرك بسور القرآن: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي j(كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيده لبركتها) ([8]) .وكان الصحابة يتبركون بشعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أخرج مسلم أنس رضي الله عنه قال: (لما رمى رسول الله jالجمرة نحر نسكه ثم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه فأعطاه أبو طلحة لأم سليم بأمر النبي jثم ناوله شقه الأيسر فحلقه فقال اقسم بين الناس) ([9]) . وكانوا يتبركون بعرقه صلى الله عليه وآله وسلم، أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أن أم سليم رضي الله عنها كانت إذا نام النبي jأخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة ثم جمعته في سك وهو نائم قال فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إلى أن يجعل في حنوطه من السك قال: فجعل في حنوطه) ([10]) .
وكانوا يتبركون بلباسه صلى الله عليه وآله وسلم: أخرج البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه في البردة التي استوهبها من النبي jفلامه الصحابة على طلبها فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي jلعلي أكفن فيها ([11]) .وأخرج مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (هذه جبة رسول الله jكانت عند عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها وكان النبي jيلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) ([12]) . قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه: (وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم) أهـ([13]) .
، وكانوا يتبركون بفضل وضوئه صلى الله عليه وآله وسلم: أخرج البخاري ومسلم عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله jفي قبة حمراء ورأيت بلالا أخرج وضوءا فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن اصاب منه شيئا تمسح به ومن لم يصب منه أخذ من بلل صاحبه) ([14]) .
والحاصل من هذه الأحاديث والآثار هو أن التبرك به jوبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه وكذلك التبرك بالصحابة والصالحين وكل ما هو منسوب اليهم سنة مرغوبة وطريقة محمودة مشروعة.
[3]: السيادة: قال تعالى: {أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا} أفيصح إطلاق لفظ [السيد] على سيدنا يحيى عليه الصلاة والسلام دون سيدنا محمد jوفضله عليه وعلى بقية الأنبياء وسائر المخلوقات معلوم من الدين بالضرورة، على أننا لو نظرنا إلى عموم الآيات لوجدناها داعية إلى احترامه وتقديره عليه الصلاة والسلام ومنها قوله جل جلاله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا}وأخرج مسلم عنه j: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)، ([15]) وقد صح إطلاقه jلفظ السيادة على عدد من أصحابه وأتباعه فمن ذلك قوله jفي حق سعد بن معاذ رضي الله عنه: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) ([16]) . ولو كان غير جائز لقال: قوموا إلى مريضكم ولم يقل إلى سيدكم ولم يأمر الجميع بالقيام بل كان يأمر البعض، وأخرج البخاري عنه jقوله عن الحسن بن علي رضي الله عنهما: (إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) ([17]) .، وأخرج الترمذي قوله j: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ([18]) . وقوله j: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين) ([19]) .، وقوله jللسيدة الكريمة فاطمة الزهراء رضي الله عنها: (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء الجنة)، ([20]) . وحيث أطلق jلفظ السيد على السيدة فاطمة وعلى سيدنا سعد وسيدنا الحسن والحسين رضي الله عنها وسيدنا أبو بكر وسيدنا عمر وعلى الحليم مطلقا فإطلاقنا إياها عليه jأحق وأولى، ولما مر من الأدلة، ولما يحتمه الادب مع الرسول j، قال جمهور المتأخرين من علماء أهل السنة والجماعة بجواز إطلاق لفظ السيادة على سيدنا محمد jفي الصلاة وفي الآذان بل وقال بعضهم: أنه مندوب في جميع الأوقات من صلاة وغيرها.
[4]: الذكر الجماعي: كثير من الآيات القرآنية دلت على جواز الذكر الجماعي، قال تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191]، وقال تعالى {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما}[الأحزاب: 35]، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 41 – 42)]، والأحاديث الشريفة بينت استحباب الذكر الجماعي وحثت عليه: أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله j(إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا،، الحديث)، ([21]) .وأخرج مسلم عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله jخرج على حلقة من أصحابه فقال: (ما أجلسكم؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ علينا قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة)، ([22]) وأخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله j(إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر) ([23]) .
[5]: الذكر الجهري: قال الله تعالى {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم}[آل عمران: 191)]، وقال تعالى {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما}[الأحزاب: 35]، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 41، 42]، وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله jإذ قال: هل فيكم غريب يعني (أهل الكتاب) قلنا: لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب فقال: ارفعوا أيديكم فقولا لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله jيده ثم قال: (الحمد لله اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال أبشروا فإن الله قد غفر لكم) ([24]) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله j(أنا عند ظن عبدي بي،، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) ([25]) . والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم([26]) . قال الشيخ عبدالوهاب الشعراني في الانوار القدسية: (وأجمعوا على انه يجب على المريد الجهر بالذكر بقوة تامة بحيث لا يبقى منه متسع إلا ويهتز من فوق رأسه إلى إصبع قدميه) ([27]) .
وقال الشيخ ابن عطاء الله: وينبغي إن كان الذاكرون جماعة فالأولى في حقهم رفع الصوت بالذكر مع توافق الأصوات بطريقة موزونة فذكر الجماعة على قلب واحد أكثر تأثيرا وأشد قوة فيرفع الحجب عن القلب)، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله j(أنا عند ظن عبدي بي… وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) ([28]) . والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر، وأخرج أحمد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات)، ([29]) . فإن قال قائل: أن هذا معارض بقوله تعالى {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول} فالمقصود به الدعاء، وقيل فراءة القرآن، تعظيما للقرآن الكريم أن ترفع الأصوات عنده، وقيل: أنه خاص بالنبي jلانه معصوم، وأما غيره فمن هو محل الوساوس والخواطر، فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيرا في دفعها، وكذلك قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}، فهو مخصوص بالدعاء، والدعاء بخصوصه الأفضل فيه الإسرار لأنه أقرب إلى الإجابة ولذا قال تعالى {إذ نادى ربه نداء خفيا} وقد نص الفقهاء على أن الجهر بالذكر مشروع مندوب إليه بل هو افضل من الإخفاء، حتى قال الطحاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: (لا يمنع من الجهر بالذكر في المساجد احترازا عن الدخول تحت قوله تعالى {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}([30]) .
[6]: حكم الذكر بالاسم المفرد: الذكر بالاسم المفرد (الله،، الله،، الله) جائز لقوله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ وتبتَّلْ إليه تبتيلاً} [المزمل: 8]، وقوله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ بكرةً وأصيلاً} [الإنسان: 25]، وقوله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91]، وقوله تعالى {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25]، وقد أخرج مسلم عن النبي j: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله)، “([31]) . فهذا اسم مفرد ورد ذكره مكرراً في هذا الحديث، ثم إن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي رَغَّبَتْ في الذكر جاءت عامة ومطلقة لم تخصص ذكراً معيناً، ولم يرد نص شرعي يُحَرِّمُ الذكرَ بالاسم المفرد (الله)، أما اهل التصوف الحق، ففد تواطأ السادة العارفون على ذكره والولوع به، ولا خلاف عندهم في فضله، ولا يصح عندهم الفتح والسير في المقامات إِلا بواسطته، وقالوا: ما دمت ملتفتا إِلى ما سوى الله فلا بد لك من النفي والإِثبات بلا إِله إِلا الله، وما دمت ترى في الوجود سواه، فلا بد من لا إِله إِلا الله، فإِذا غبت في الكل عن الكل استوحشت من نفي لا إِله، ووقفت على إِثبات لفظ الجلالة (الله،، الله)، وقالوا: وصورة ذكر الله بلفظ الجلالة مفردا: أن يحقق الهمزة ويسكن الهاء، وأن يقول: الله،، الله،، حتى ينقطع نفسه، فإِن فتح الهاء وأسقط الهمزة ووصل الهاء باللام المدغمة كان خطئا، فلا يُفتح عليه بشيء، وقالوا: (الله) هو اسم الله الأعظم، ولا ذكر لصاحب مقام فوق الذكر به، وقالوا: وليس للمسافر إلى الله في سلوكه أنفع من الذكر المفرد القاطع من الأفئدة الأغيار، وقالوا: الذكر باسم الله المفرد (الله،، الله،، الله) أسرع في قلع جذور النفس من منابتها من السكين الحاد فهو يزيل علائق الخلق من القلب ويفرغه من الأكوان فترتحل عن قلوب الذاكرين الغفلة حتى يكون الحق ساريا في عروقهم ممزوجا بأرواحهم ويكون المذكور تجاههم لا يغفلون إذا غفل الناس وعندها يتحققون بمقام الإحسان الذي أشار إليه رسول الله jبقوله (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه،)، قال الجنيد: ذاكر هذا الاسم (الله) ذاهب عن نفسه متصل بربه قائم بأداء حقه ناظر إليه بقلبه قد أحرقت أنوار الشهود صفات بشريته، وقال ابن عجيبة: الاسم المفرد (الله) هو سلطان الأسماء وهو اسم الله الأعظم ولا يزال المريد يذكره بلسانه ويهتز به حتى يمتزج بلحمه ودمه وتسري أنواره في كلياته وجزئياته، وقال أبو العباس المرسي: ليكن ذكرك (الله،، الله،، الله)، فإن هذا الاسم سلطان الأسماء وله بساط وثمرة فبساطه العلم وثمرته النور وليس النور مقصودا لذاته بل لما يقع به من الكشف والعيان فينبغي الإكثار من ذكره واختياره على سائر الأذكار لتضمنه جميع ما في (لا إله إلا الله) من العقائد والعلوم والآداب والحقائق، وقد سُئل الشبلي: لم تقول: الله،، الله، ولا تقول: لا إِله إِلا الله؟ فقال: لا أبغي له ضدا، فقال السائل: أريد أعلى من هذا، فقال أخشى أن أوخذ بين وحشية النفي الإِثبات فقال أريد أعلى من هذا فقال: (قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) فزعق السائل ومات، فتعلق أولياؤه بالشبلي فقال لهم: روح دعيت فسمعت فلبت وأجابت فما ذنبي؟ فقال الخليفة: خلّو سبيله، لا ذنب له، وقال الشيخ الأكبر: من أراد أن يفتح عليه بذكر هذا الاسم الشريف فليتخذ خلوة وليترك سائر الأذكار والأوراد غيره، ولابد أن يستحضر أنه يذكر من لا تحصره الأكوان، ومَنْ له الوجود المطلق التام، فبهذا الاستحضار تحصل الثمرة التي هي النور الذي يقع به الشهود والعيان، ولهذا اختاره المشايخ ورجّحوه على سائر الأذكار، وجعلوا له خلوات، ووصلوا به إِلى أعلى المقامات والولايات، وإِن كان منهم من اختار في الابتداء لا إِله إِلا الله وفي الانتهاء الله،، الله… قال ابن حجر في الفتاوى الحديثية: (ذكر لا إِله إِلا الله أفضل من ذكر الجلالة مطلقاً بلسان أهل الظاهر، وأما عند أهل الباطن فالحال عندهم يختلف باختلاف حال السالك، فمن هو في ابتداء أمره ومقاساة شهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها يحتاج إِلى النفي والإِثبات حتى يستولى عليه سلطان الذكر، فإِذا استولى عليه فالأولى له لزوم الإِثبات أعنى: الله،، الله،،) أهــ،([32]) .
وهذا كلام غاية في التحقيق، واهل الله قالوا: إن نفي الشيء إِنما يحتاج إِليه عند حضور ذلك الشيء بالبال، فمن لا يخطر بباله شريك لا يكلف نفي الشريك، والكامل لا يخطر بباله ولا بخياله إِلا الله فيكفيه أن يقول: الله، الله، واعتراض بعض الفقهاء: على الذكر بالاسم المفرد بحجة أنه لا يؤلف جملة تامة مفيدة كما في قولنا: الله كريم، والجواب على ذلك: أن الذاكر بهذا الاسم المفرد لا يكلم مخلوقاً فلا يُشترط أن يكون كلامه تاماً مفيداً، لأنه يذكر الله سبحانه الذي هو عالم بنفسه مطلع على قلبه، وغاية ما قال المعترضون: إِنه لم ينقل عن السلف، كيف وفي السيرة، قول سيدنا بلال الحبشي رضي الله عنه حين كان يعذبه أمية بن خلف أشد العذاب تحت حر شمس مكة: أحد أحد، وسيدنا محمد jيسمع قوله ولا ينكر عليه، وكم من أشياء لم تنقل عن السلف وهي مشروعة، إِذ البدعة تنقسم إِلى سيئة وحسنة، ومن شروط الحسنة: أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، وأن لا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، وأن لا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، وهو هناك احسن من ذكر الله باسمه الأعظم، ومن شروط البدعة السيئة: أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ضلاله، وهل ما سبق من الادلة لا يكفي في إقرار الذكر المفرد، والحاصل: لا يوجد دليل واحد من كتاب الله وسنة رسول الله jينهانا عن ذكر الله عز وجل باسمه المفرد الله، وقد مر بنا كلام الأولياء، فيكفينا التسليم والتصديق، إِذ التصديق بطريقهم ولاية، والاعتراض عيلهم جناية، فلا ينبغي الإِنكار على من يذكر هذا الاسم الشريف.
[7]: المبايعة: المبايعة: (أخذ العهد): قال تعالى {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} [الفتح: (10)]، قال أيضا {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91]، قال أيضا {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} [الإسراء: 34]، واخرج الشيخان عن سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله jقال وحوله عصابة من أصحابه (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) فبايعناه على ذلك([33]) . وعنه رضي الله عنه أيضا أنه قال: (بايعنا رسول الله jعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع في الأمر أهله وأن نقول الحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) ([34]) . وأخرج الترمذي عن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها أنها قالت: أتيت النبي jفي نسوة يبايعنه فقلنا: يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف قال (فما استطعتن وأطقتن) قالت: الله ورسوله أرحم بنا هلم نبايعك يا رسول الله! فقال رسول الله j(إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولي لامرأة واحدة) ([35]) .
[8]: المرشد: المرشد: قال تعالى: {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] فدل على أن قضية المعلم الهادي والدليل المرشد ضرورة لزومية طبعا وشرعا ومن هنا أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ولم يدع الناس لأفكارهم وحدها وإن سمت فإن العقل مهما بلغ فهو محل للخطأ ولأن العلم وحده قد يكون طريق الهلاك والأدلة شتى في تواريخ الفلاسفة والمفكرين بين العقليين وأصحاب المذاهب الاجتماعية المختلفة والواقع المكرر، ومن هنا وجد الإشراف والتوجيه البشري في كل شيء سواء كان وظيفة أو تجارة أو تعليما أو احترافا أو إدارة أو غير ذلك، ومن هنا جاء أمر الله باتخاذ القدوة الصالحة: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} [الممتحنة: 4]، ولا تكون القدوة حسنة إلا إذا كان الله غايتها: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15] {ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} [غافر: 38] {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} [يس: 21] وعندما ذكر الله أنماطا من أهل القدوة الصالحة الداعية إليه تعالى في الأنعام قال لرسوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: (90)]، ولو شاء الله لأنزل كتابا بغير نبي ولكنه لم ينزل كتابا إلا وأنزل معه نبيه ليبين للناس ما نزل اليهم، ربما كان الأخذ السليم عن الكتاب السليم فيه الأجر فقط أما الأخذ عن الشيخ ففيه الأجر وفيه الوصول معا لأن فيه سر الإمداد بالبركة وربط المريد بالحبل المحمدي وذلك اشبه بالتيار الكهربائي لا ينتقل الا بالموصل، وفي قضية جبريل والنبي jمعنى اتخاذ المرشد الهادي والدليل المعلم وإلا فربما كان يكفي النور الإلهي المنقدح في القلب المحمدي عن مصاحبة جبريل والأخذ عنه، وقد طلب سيدنا موسى الشيخ المعلم المرشد الهادي الدليل وسعى إليه حتى وجده في العبد الصالح وتتلمذ عليه ولم يكتف بأنه كان كليم الله، وهل يمكن لأي إنسان أن يقرأ القرآن قراءة صحيحة بغير موفق خبير؟! وكذلك شأن جميع الصناعات والفنون، إن اتخاذ الشيخ مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما رأيت طبعا وشرعا ومؤيدا بالواقع العلمي والتاريخي والموضوعية التي لا تقبل النقاش ومجال اتخاذ الشيخ إن خلا شغله الشيطان بيقين وقد أشار الله سبحانه إلى أهمية القدوة والمرشد بآيات كثيرة منها قوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء: 7] وقوله تعالى {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14]، وقوله {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وقوله {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15] وقوله {الرحمن فاسأل به خبيرا} [الفرقان: 59]، إذن فلابد من هاد ذي قدرة ذي ذكر خبير بوسائل الفرار إلى الله والهجرة إليه وإن لم يكن للمريد شيخ في العلم ضل وافترسه الشيطان واستهواه وجعل إلهه هواه فهلك وما لم يكن للمرء معلم في بقية الصناعات لما أصاب ولما أجاد وربما هلك وهو يطلب الحياة ولابد للسالك أيضا إلى الله من إمام يرشده ويوجهه ويسدده ويكشف له أحابيل الشيطان في العبادات والمعاملات والخطوات النفسية والإرادات القلبية التي قد تكون على صاحبها أخطر من الكفر الصريح لأن من أراد الله هدايته هيء له مرشداً وإلا فقد قال الله تعالى {ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: 17]، وإن المنهج التربوي يحتم وجود معلم ومتعلم والسلوك الصوفي يؤكد بشكل قطعي وجود المربي المعلم والمرشد ويشترط علماء التصوف في هذا المنهج وجود الشيخ المربي الذي سمت روحه إلى درجة الإحسان وعرجت نفسه في معارج الكمال وتهذبت أخلاقه وتنامت قدراته الروحية والعقلية إلى درجة القرب والأنس والطمأنينة الكاملة، والرسول عليه الصلاة والسلام كانت له وظيفة كبرى قبل التعليم وهي التزكية قال تعالى {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 151]، والمعلم دوره خطير في تزكية النفوس وتطهيرها من عيوبها وتخليصها من امراضها ثم الرقي بالنفس إلى مراحل متقدمة في السلوك الإسلامي الصحيح ومكانة المربي هي وراثة للقدوة المحمدية الكاملة ولذا قال الرسول j(العلماء ورثة الأنبياء) ([36]) . والشيخ العارف بالله والعالم بكتابه والمقتدي بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام هو الصادق الذي لابد لنا من الحياة معه والاسترشاد بمواعظه والتأدب في مجلسه وحسن الاستماع له والعمل بالوصايا التي يأمر بها وخاصة إن كانت متقيدة بالدليل الشرعي القاطع، وهو من أولياء الله الذين قال عنهم في كتابه العزيز: {ألا إن اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 62 – 64]، وقد أمر الله تعالى المسلمين أن يعيشوا مع الصادقين قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]، والصادقون في كتاب الله هم كما قال الله تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15]، ولذا نجد أن وجود المربي في العملية التربوية الروحية والسلوك الإيماني والتزكية النفسية حتم مطلوب شرعا وعقلا وعملا، والدليل الشرعي لأهمية المربي والمعلم والمرشد هو قول الله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] فهؤلاء الذين نفروا ليتفقهوا في الدين وليتعمقوا في السلوك التربوي السليم والذين تكاملت صفاتهم النفسية وازداد قربهم إلى الله تعالى سلوكا وفكرا ونضوجا فهم الذين يكونون قادرين على تزكية النفوس وتطهيرها من أمراضها المتعددة، فالشيخ العارف بالله تعالى يختصر لك طريق السلوك فيعطيك خلاصة ما وصل إليه ويعينك على كشف خفايا نفسك وأمراضها لتتخلص منها ولا ريب في أنك بصحبة الشيخ تأخذ منه حالا ترتقي به ولذا قيل: لا تصاحب من لا ينهضك حاله ويدلك على الله مقاله، وقصة نبي الله موسى عليه السلام مع المعلم قد وردت بالتفصيل وترشد السالكين إلى درب العلم اللدني قال الله تعالى عن المعلم الذي اتخذه موسى عليه السلام: {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما، قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} [الكهف من: 65- 69] وهذا دليل شرعي على حاجة الناس إلى المعلم والمربي الذي علم ما لم يعلموا وفقه ما لم يفقهوا، وإن الارتباط الروحي بين الشيخ والمريد يولد الطاقة التربوية للعروج بالمريد السالك في مقامات واحوال السلوك، ومن شروط المرشد: أن يكون عالما بكتاب اله وسنة رسوله jوينبغي أن يكون موصوفا بصفات أهل الكمال ويكون معرضا عن حب الجاه والدنيا وما أشبه ذلك ويكون قد أخذ الطريق عن شيخ محقق تسلسلت متابعته إلى رسول الله jوارتاض بأمره رياضة بالغة من قلة الطعام والكلام والنوم وقلة الاختلاط مع الأنام وكثرة الصلاة والصيام والصدقة ونحو ذلك وبالجملة يكون متخلقا بأخلاق النبي jولا يصلح للتربية والمشيخة المجذوب فإنه وإن ذاق المقصود لكنه لم يذق الطريق إلى الله وكذا لا يصلح للمشيخة السالك فقط، وكان أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى يقول: قد درج أشياخ الطريق كلهم على أن أحدا منهم لم يتصدر للطريق إلا بعد تبحره في علوم الشريعة ولم يكن أحد في عصر ممن العصور إلا وعلماء ذلك الزمان يتواضعون له ويعملون بإشارته.
[8]: الصحبة: قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]، والصادقون: هم الصفوة من المؤمنين الذين عناهم الله تعالى بقوله{من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: 23]، وقال تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28]، الخطاب هنا لرسول الله jمن قبيل تعليم أمته وإرشادها، وقال تعالى {واتبع سبيل من أناب إلي} وقال رسول الله jقال رسول الله j: “إنما مَثَلُ الجليسِ الصالح وجليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ، ونافخ الكير، فحاملُ المسكِ إما أن يُحْذِيَكَ (يعطيك) وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخُ الكيرِ إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد فيه ريحاً منتنة) ([37]) .
[9]: الورد: هو الوظيفة من قراءة ونحو ذلك والجمع أوراد يطلقه الصوفية على أذكار يأمر الشيخ تلميذه بذكرها صباحا بعد صلاة الصبح ومساء بعد صلاة المغرب، والورد يضح ثلاثة صيغ من صيغ الذكر المطلوبة شرعا والتي دعا اليها كتاب الله عز وجل وبينت السنة الشريفة فضلها ومثوبتها: [كلمة التوحيد بصيغة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)] مائة مرة مع التفكير بأنه لا خالق ولا رازق ولا نافع ولا ضار ولا قابض ولا باسط،، إلا الله وحده مع محاولة محو ما يسيطر على القلب من حب الدنيا والأهواء والشهوات والوساوس والشواغل والعلائق والعوائق الكثيرة حتى يكون القلب لله وحده لا لسواه، ولهذا دعانا الله تعالى إلى هذا التوحيد الخالص فقال: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 19)] وكذلك رغبنا رسول الله jفي الإكثار من ترداد كلمة التوحيد وبين أفضليتها ومثوبتها فقال: (أفضل الذكر لا إله إلا الله) ([38]) . (لا إله) نفي لجميع أفراد الآلهة و (إلا الله) إثبات للواحد الحق الواجب لذاته المنزه عن كل ما لا يليق بجلاله فبإدمان الذكر لهذه المقولة ينعكس الذكر من لسان الذاكر إلى باطنه حتى يتمكن فيه فيضيئه ويصلحه ثم يضيء ويصلح سائر الجوارح، أخرج أحمد عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله j(جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله كيف نجدد إيماننا قال: اكثروا من قول لا إله إلا الله) ([39]) . وقال jأيضا: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه) ([40]) .
والصيغة الثانية (الاستغفار): بصيغة [استغفر الله] مائة مرة بعد محاسبة النفس على الزلات لتعود صفحة الأعمال نقية بيضاء وقد أمرنا الله تعالى بذلك بقوله {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} وقال تعالى أيضا {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا} وقد كان رسول الله jيكثر من الاستغفار تعليما لأمته وتوجيها كما روى سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه قوله: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) ([41]) . وعن سيدنا عبدالله بن بسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله jيقول: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا) ([42]) .
والصيغة الثالثة: [الصلاة على النبي j] وقد أمرنا الله تعالى بذلك بقوله {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56]، وكذلك رغب رسول الله jبكثرة الصلاة والسلام عليه فقال: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا) ([43]) . وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله j(من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر سيئات ورفعت له عشر درجات) “”([44]) . وقال jأيضا: (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) “([45]) .
ولما كان الورد منهج وسبيل السالكين إلى الله تعالى وقف الشيطان في طريقهم يصدهم عن ذكر ربهم سبحانه بمغاليط خفية وحجج شتى وتلبيسات منوعة فقد زين الشيطان لبعض الذاكرين أن يتركوا الذكر بحجة أن ذكرهم لا يسلم من الوساوس والذكر لا يفيد إلا إذا كان الذاكر حاضر القلب مع الله تعالى، ولكن مرشدي الصوفية حذروا مريديهم من هذا المدخل الشيطاني الخطير، فقال أحد ساداتنا الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: (لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز)([46]) .وقد يترك بعض المريدين قراءة أورادهم محتجين بكثرة أشغالهم وأعمالهم وعدم فراغهم لها ويوحي إليهم شيطانهم أن هذا عذر مشروع ومبرر مقبول وأنه لا بأس بتأجيل الأوراد لوقت الفراغ ولكن المرشدين حذروا السالكين من الإهمال والتسويف وانتظار الفراغ لأن العمر سرعان ما ينتهي والمشاغل لا تزال في تجدد قال الإمام ابن عطاء الله رحمه الله تعالى في حكمه: (إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس).
[10]: المجاهدة المجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهرة ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى {وجاهدوا في الله حق جهاده} وقوله: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله}وقوله تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وأخرج الترمذي قوله j: (المجاهد من جاهد نفسه في الله) ([47]) . وإذا كانت تزكية النفس فرض عين، وهي لا تتم إلا بالمجاهدة فإن المجاهدة تأخذ حكمها من باب: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فإن قال قائل: إن رجال التصوف يحرمون ما أحل الله من أنواع اللذائذ والمتع وقد قال الله تعالى {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}، فنقول: إن رجال التصوف لم يجعلوا الحلال حراما إذ أسمى مقاصدهم هو التقيد بشرع الله ولكنهم حين عرفوا أن تزكية النفس فرض عين وان للنفس أخلاقا سيئة وتعلقات شهوانية توصل صاحبها إلى الردى وتعيقه عن الترقي في مدارج الكمال وجدوا لزاما عليهم ان يهذبوا نفوسهم ويحرروها من سجن الهوى، وقد تسرع بعض الناس وا التصوف امتدادا لنزعة الرهبنة التي ظهرت في ثلاثة رهط سألو عن عبادة رسول الله jفلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال الثاني: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام وقال الثالث: أما أنا فاعتزل النساء ولا أتزوج ولما عرض أمرهم على رسول الله jصحح لهم أفكارهم وردهم إلى الصراط المستقيم والنهج القويم ، والجواب على ذلك أن التصوف لم يكن في يوم من الأيام شرعة مستقلة ولا دينا جديدا ولكنه تطبيق عملي لدين الله تعالى واقتداء كامل برسوله عليه الصلاة والسلام، وهناك ثمة فرق كبير بين المجاهدة المشروعة المقيدة بدين الله تعالى وبين المغالاة والانحراف وتحريم الحلال وتعذيب الجسد، فالمجاهدة ضرورية للسالك في جميع مراحل سيره إلى الله تعالى، المجاهدة أصل من أصول طريق الصوفية وقد قالوا: (من حقق الأصول نال الوصول ومن ترك الأصول حرم الوصول)
[11]: الحضرة: الحضرة: الحضرة هي حضور القلب مع الله، وهي الركن الهام في طريق القوم، وهذا الركن هو الاجتماع على ذكر الله عز وجل تحت إمارة الشيخ يبدأ بتلاوة القرآن الحكيم، ثم تنشد أناشيد من أقوال العارفين بالله المأخوذة بما فيها من القرآن والسنة وأفهام العلماء بالله، ثم تقوم الجماعة للذكر ويبقون على حالة الذكر حتى يأذن الشيخ بختامها وبعد ذلك يقرأ أحد الإخوة بعض الآيات من القرآن الحكيم ويتم تفسيرها من قبل الشيخ، وهذه الحضرة منقولة ومتوارثة عن كبار الأشياخ العاملين، و(الأصل فيها) قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل عمران: (191)]، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: (41 – 42)]، وقوله j: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فقالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر) ([48]) . وغالب طرق التربية والإرشاد لا تخلو من الحضرة، وذلك للنفع الحاصل فيها من ذكر الله عز وجل ونزول الرحمات، أما (الحركة في الذكر) فهي مما سنه السادات العارفين ولا دليل لمنكرها لأن الأصل في الأشياء الإباحة، أضف أنها سبيل لتحريك القلب والتوجه به نحو الله تعالى، أخرج الإمام احمد عن أنس رضي الله عنه قال: (كان الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله jويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح فقال j(ماذا يقولون؟) فقيل: يقولون: محمد عبد صالح) ([49]) . وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد فدعاني النبي jفوضعت رأسي على منكبيه انظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرف عن النظر اليهم) ([50]) . قال النووي في شرح الحديث: (يزفنون في يوم عيد، هو بفتح الياء وإسكان الزاي وكسر الفاء ومعناه يرقصون وحمله العلماء على التواثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الراقص) أهـ، ([51]) . وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في إحياء علوم الدين: (والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط ولو كان حراما لما نظرت عائشة إلى الحبشة مع رسول الله jوهم يزفنون)، ([52]) . وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله jقال: (أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال إنه مجنون) ([53]) . والشاهد فيه أن الذكر لله تعالى إن كان ساكنا لا موجب لقول الناس عنه مجنون لو لم ير بحالة وهيئة تدفع غيره من الغافلين إلى إلقاء تهمة الجنون عليه، وأخرج احمد عن علي بن أ بي طالب رضي الله عنه: (اختصم علي وجعفر وزيد ابن حارثة في ابنة حمزة فقال لعلي: أنت مني وأنا منك فحجل علي، وقال لجعفر بن أبي طالب أشبهت خلقي وخلقي فحجل وقال لزيد بن حارثة أنت أخونا ومولانا فحجل زيد) ([54]) .
قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عند شرح الحديث: (وحجل بفتح المهملة وكسر الجيم أي وقف على رجل واحدة وهو الرقص بهيئة مخصوصة)، ([55]) . والشاهد رقص هؤلاء الاكابر من لذة خطاب النبي jوقال النووي في الروضة (والرقص ليس بحرام)، ([56]) . وقال الرملي: (لا الرقص) فلا يحرم ولا يكره لأنه مجرد حركات على استقامة واعوجاج ولإقراره jالحبشة في مسجده يوم عيد، ونقل إبراهيم بن عبدالله القلانسي أن الإمام أحمد رضي الله عنه قال عن الصوفية: لا أعلم أقواما أفضل منهم قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون قال دعوهم يفرحون مع الله ساعة، قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغش عليه فقال: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) وقال السنوسي في نصرة الفقير: (وقد تواتر النقل عن الصوفية قديما وحديثا شرقا وغربا أنهم كانوا يجتمعون لذكر الله ويقومون ويرقصون ولم يبلغنا عن أحد من العلماء المعتبرين أنه أنكر عليهم) ([57]) .
، والحاصل: هو ما قيل: (ما في التواجد إن حققت من حرجٍ * ولا التمايل إن أخلصت من بأس)،
[12]: المدد: المدد: هو طلب النصرة والعون والمساعدة، فإذا قال المسلم: مدد يا الله أي أعنِّي وأمدَّني بقوتك وانصرني على عدوي وزدني بالرحمات والبركات وأمدني بالمقدرة على طاعتك ومحاربة نفسي وشيطاني، وإذا قال: مدد يا أولياء الله فمعناه: علمونا مما علمكم الله وأمدونا مما أمدكم الله سبحانه به من العلوم والعرفان وساعدونا بما ينفعنا لسيرنا وأرشدونا في سلوكنا إلى محبة الله بإذن الله، وهناك فرق بين مدد الخالق سبحانه ومدد المخلوق فكلمة مدد تأتي بمعنى المساعدة والمعاونة وهي مستحبة في كل أنواع البر بجميع الطرق التي أجازها الشرع الحنيف، قال الله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2]، فالتعاون بين الخلائق هو من المدد أي المساعدة ونصرة بعضهم لبعض، فلو طلب الإنسان من بني جنسه الإمداد فليس بمعنى أنه يطلب منه كما يطلب من ربه، فإن المدد الحقيقي لا يكون إلا بيد الله، الله سبحانه يمد من يشاء من عباده من خزائن فضله ورحمته بالمعونة متى شاء وكيفما شاء، وأما المدد المجازي، وهو طلب المدد من الأنبياء والاولياء والصالحين، فلا يكون إمدادهم إلا بإذن الله ومشيئته ورضاه وهو بالحقيقة مستمد من إمداد الله تعالى، لقد نسب الله تعالى إلى الملائكة التدبير فقال تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5]، مع أن التدبير كله بيد الله، ولكنه الاسناد المجازي، كما في قوله تعالى على لسان جبريل عليه السلام: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} [مريم: 19]، فالواهب على الحقيقة هو الله، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أرفع درجة وأجل قدرا عند الله من الملائكة عليهم السلام فلذلك أمدهم ببعض صفاته وأجرى على أيديهم الكثير من الخوارق، كما أكرم الله أنبياءه ورسله وأولياءه بشيء من الأسرار التي تجعلهم قائمين بها على نصرة دين الله ويمدون بها من شاؤوا بإذن ربهم ورضاه لإقامة دين الله جل جلاله، وهذا كله من باب المجاز فالمدد الحق بيد الله وحده، وهذه عقيدة كل مسلم، ولكن ذلك لا يمنع من جواز الاسناد المجازي، كما في قوله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52]، مع ان الهداية بيد الله وحده، فالمدد إذاً هو النور الرباني الذي يفيضه الله تعالى على قلوب أنبيائه وأوليائه من الرحمات والبركات، والامر أولا وآخرا بيد الله وحده، فقول السائل: مدد يا رسول الله أي استغفر لي وعلمني مما علمك الله بإذن الله، وقد قال تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64]، فالمغفرة بيد الله وحده، ولكن القرآن دلنا على طلب الاستغفار من رسوله jوهل ذهاب المريض إلى الطبيب طلبا للشفاء، يعد شركا، ام انه من الأسباب المشروعة مع أن الله تعالى هو الشافي على الحقيقة، فإن طلب المريد المدد من شيخه لعلاج ما في قلبه من الآفات والكبائر، مع علمه التام بان الشفاء بيد الله، هذا ما لا بأس به أبدا.
[13]: تقبيل اليد: الذي يمحص الحقائق، ويرجع إلى الأحاديث الصحيحة، وآثار الصحابة الكرام، وأقوال الأئمة المحققين، يجد أن تقبيل يد العلماء والصالحين والأبوين جائز شرعاً، بل هو مظهر من مظاهر الآداب الإسلامية في احترام أهل الفضل والتقى، وإليك بعض النصوص الصريحة في ذلك:
1 – أما ما ورد من الأحاديث: فعن صفوان بن عسال، قال: (قال يهودي لصاحبه: قم بنا إلى هذا النبي، فأتيا رسول الله j، فسألا عن تسع آيات بينات، فذكر الحديث… إلى قوله: فقبلا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي الله)، ([58]) . عن أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدها زارع وكان في وفد عبد القيس، قال: (فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد رسول الله jورجله)، ([59]) . وفي “شرح البخاري” للحافظ ابن حجر العسقلاني:(أن أبا لبابة، وكعب بن مالك، وصاحبيه، قبلوا يد النبي jحين تاب الله عليهم)([60]) .
2 – وأما ما ورد من الآثار: فقد أخرج البيهقي عن الشعبي: (أن زيد بن ثابت صلى على جنازة فَقُرِّبتْ إليه بغلتهُ ليركبها فجاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فأخذ بركابه، فقال زيد بن ثابت: خلِّ عنها يا ابن عم رسول الله j، فقال ابن عباس: هكذا أُمِرْنا أن نفعلَ بالعلماء والكبراء، فقبَّل زيد بن ثابت يد عبد الله وقال: هكذا أمِرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله j)، ([61]) . وأخرج البخاري في “الأدب المفرد” من رواية عبد الرحمن بن رزين قال: (أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفاً له ضخمة كأنها كف بعير فقمنا إليها فقبلناها)، ([62]) . كذا في شرح البخاري لابن حجر العسقلاني ، وعن ثابت: (أنه قبل يد أنس) ([63]) وأخرج أيضاً: (أن علياً قبل يد العباس ورجله) ([64]) .
وفي “غذاء الألباب شرح منظومة الآداب” للعلامة محمد السفاريني الحنبلي قال: (وفي الآداب الكبرى: وتباح المعانقة وتقبيل اليد والرأس تديّناً وتكرّماً واحتراماً مع أمن الشهوة) ([65]) . وقال الحافظ ابن الجوزي في “مناقب أصحاب الحديث”: (ينبغي للطالب أن يبالغ في التواضع للعالم، قال: ومن التواضع تقبيل يده، وَقبَّل سفيانُ بن عيينة والفضيلُ بن عياض أحدهما يد الحسين بن علي الجعفي، والآخر رِجْلَه) كذا في “شرح منظومة الآداب” للسفاريني([66]) .
ومن أقوال فقهاء المذاهب الأربعة: المذهب الحنفي: قال العلامة ابن عابدين في حاشيته: ولا بأس بتقبيل يد الرجل العالم المتورع على سبيل التبرك وقيل: سنة ([67])
والمذهب المالكي: قال العلامة العسقلاني في كتابه (فتح الباري) قال الإمام مالك: إن كانت على وجه القربة إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفة فإن ذلك جائز([68])
والمذهب الشافعي: قال العلامة العسقلاني في كتابه (فتح الباري) قال الإمام النووي: تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه وعلمه أو شرفه أو نحو ذلك من الأمور الدينية لا يكره بل يستحب فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة([69]) .
والمذهب الحنبلي: قال العلامة الاسفاريني في كتابه (غذاء الألباب) قال المروزي: سألت أبا عبدالله – الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله عن قبلة اليد، فقال: إن كان على طريق التدين فلا بأس وإن كان على طريق الدنيا فلا، وقال الحافظ ابن الجوزي في مناقب أصحاب الحديث: ينبغي للطالب أن يبالغ في التواضع للعالم ويذل له، قال: ومن التواضع تقبيل يده كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند قدومهم من غزوة مؤتة([70]) . أما حديث الترمذي: عن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال لا قال: فأيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم ([71]) فالجواب أنه ضعيف، لا يصلح للمعارضة: فقد نقل الحافظ العراقي تضعيفه في المغني عن أحمد والبيهقي، وفيما ذكرناه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
[14]: القيام: أدلة القيام من القرآن الكريم: قال تعالى {واخفض جناحك للمؤمنين} [سورة الحجر الآية(88)]، وقال أيضا: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} فإذا كان تعظيم شعائر الله – وهي البدن المهداة للبيت المعظم- من التقوى وكمال الإيمان، فالأولى تعظيم المؤمن الذي هو أفضل من الحرم، بل أفضل من الكعبة قال سيدنا محمد jمخاطبا الكعبة: «ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك» ([72]) .
ومن وجوه تعظيم المؤمن القيام له، وأدلة القيام من السنة الشريفة: أخرج البخاري ومسلم عن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد هو ابن معاذ بعث إليه رسول الله jوكان قريبا منه فجاء على حمار فلما دنا قال رسول الله j(قوموا لسيدكم) وفي رواية قوموا إلى خيركم) ([73]) . وأخرج البخاري عن سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه في حديث تخلفه عن رسول الله jفي غزوة تبوك قال فيه بعد كلام طويل: (… وانطلقت أتأمم رسول الله jيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنؤوني بالتوبة ويقولون لي: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله jجالس حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني..) ([74]) . واخرج أبو داود والترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحدا كان اشبه سمتا وهديا ودلا برسول الله jمن فاطمة كرم الله وجهها: كانت إذا دخلت عليه قام اليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها([75]) . وأخرج الترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله jفي بيتي فقرع الباب فقام إليه رسول الله jيجر ثوبه فاعتنقه وقبله) ([76]) . وأخرج مالك في قصة سيدنا عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أنه لما فر إلى اليمن يوم الفتح ورحلت امرأته إليه حتى أعادته إلى مكة مسلما فلما رآه النبي jوثب إليه ورمى عليه رداءه، وعلى ذلك فإنّ القيام للقادم من أهل الفضل مستحب وقد جاء فيه أحاديث ولم يصح في النهي عنه شيء صريح، فقد جاء عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه أتاه أبو إبراهيم الزهري فسلم عليه فلما رآه أحمد وثب قائما وأكرمه فلما مضى قال له ابنه عبدالله: يا أبت ! أبو إبراهيم شاب وتقوم إليه؟! فقال: يا بني لا تعارض في مثل هذا ألا أقوم إلى ابن عبد الرحمن بن عوف؟! وهذا كله لا يدخل في قوله j: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار»([77]) .لأن هذا لمن احب ذلك تكبرا لا اكراما لاهل الفضل من العلماء، وقد ذكر العلماء من آداب المتعلم مع شيخه أن يقوم بقيام الشيخ ولا يجلس وهو قائم، اكراما وتوقيرا واحتراما وتعظيما لعلمه وفضله، وأدلة القيام من أقوال فقهاء المذاهب الأربعة: المذهب الحنفي: قال العلامة ابن عابدين في حاشيته: (يجوز، بل يندب القيام تعظيما للقادم كما يجوز القيام ولو للقارئ بين يدي العالم إذا كان ممن يستحق التعظيم) ([78]) .
وفي المذهب المالكي: قال القرافي في كتابه (الفروق): (اعلم أن الذي يباح من إكرام الناس قسمان: (القسم الثاني): ما لم يرد في النصوص وهذا القسم هو ما في زماننا من القيام للداخل من الأعيان، وترك القيام في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدا ([79]) .
وفي المذهب الشافعي: قال العلامة الشربيني في كتابه: (مغني المحتاج) ويسن القيام لأهل الفضل من علم وصلاح أو شرف أو نحو ذلك ولا رياء وتفخيما([80])
وفي المذهب الحنبلي: قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه (مختصر منهاج القاصدين) والقيام على ضربين: (1) قيام على رأسه وهو قاعد فهذا منهي عنه قال j«من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» ([81]) .وهذه عادة الأعاجم والمتكبرين، (2) قيام عند مجيء الإنسان فقد كان السلف لا يكادون يفعلون ذلك . وقد قال العلماء: يستحب القيام للوالدين والإمام العادل وفضلاء الناس وقد صار هذا كالشعار بين الأفاضل فإذا تركه الإنسان في حق من يصلح أن يفعل في حقه لم يأمن أن ينسبه إلى إهانته والتقصير في حقه فيوجب هذا حقدا واستحباب هذا في حق القائم لا يمنع الذي يقام له أن يكره ذلك ويرى أنه ليس بأهل لذلك ([82]) .
فإن قال من لا تحقيق عنده: إن قيام القائم مخالف لقوله j«من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» فالمعنى الصحيح للحديث من أراد أن يقوم الرجال على رأسه كما يقام بين ملوك الأعاجم وليس المراد به نهي الرجل عن القيام لأخيه إذا سلم عليه
[15]: زيارة القبور: أمرنا بزيارتها وزارها رسول الله jوالصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعا قال تعالى {ولا تصل على أحد منهم} أي من المنافقين {مات أبدا ولا تقم على قبره} [سورة التوبة الآية (84)]،معنى هذا أن يقوم الرسول على غير قبور المنافقين كقبور الصالحين وقد فعل هذا مع المرأة التي كانت تقم المسجد، وأما شد الرحال فالممنوع شدها إلى مساجد غير المساجد الثلاثة (الحرام والنبوي والاقصى) بنية فضلها على غيرها، فكل المساجد بعد تلك الثلاثة في الاجر سواء، والصوفية لا ييأسون من الموتى {كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [سورة الممتحنة الآية (13)] وهم يرون أن الموت مرحلة من مراحل السفر الإنساني الكادح إلى الله فالميت عندهم حي حياة برزخية وللميت علاقة أكيدة بالحي بما صح عن رسول الله jمن أحاديث رد الميت السلام على الزائر ومعرفته بتشريع السلام على الميت عند قبره ومحادثته jالموتى (القليب يوم بدر) كما وردت في عدة أحاديث ثابتة، ومن القرآن حسبك قوله تعالى {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} [آل عمران: 17]، فهناك إذن علاقة مؤصلة بين الحى والميت، وإلا الدعاء والسلام على الميت موجهاً إلى الأحجار !!، ومعنا رسول الله jلأهل البقيع، والسلام عليهم وتكليمهم والدعاء لهم، وللأمام ابن قيم الجوزية (تلميذ ابن تميمة، وحواريه، ووارث دعوته) له كتاب الروح وقد أثبت فيه كل مذهب الصوفية، بما لا مزيد عليه، في موضوع الحياة بعد الموت، وعلاقة الأرواح بالأحياء، ولابن أبى الدنيا في ذلك تأليف مفيد، والصوفية يعتقدون: بحق: أن الولي في الدنيا ولى بخصائصه الروحية، ومواهبه الرهبانية، والخصائص والمواهب من متعلقات الرواح، ولا ارتباط لها بالأجسام ألبتة، فالولي حين يموت ترتفع خصائصه ومواهبه مع روحه إلى برزخه، ولروحه علاقة كاملة بقبره، بدليل ما قدمنا من السلام عليه وده السلام… إلخ، ومن هنا جاء تكريم هؤلاء السادة الصالحين من أصحاب القبور، وقد ثبت أن رسول الله jوضع حجراً على قبر بعض الصحابة، وهو عثمان بن مظعون رضى الله عنه ” في أسد الغابة: أنه لما توفي سيدنا إبراهيم بن رسول الله jقال: ” الحق بالسلف الصالح: عثمان بن مظعون “، وأعلم النبي jقبر عثمان بن مظعون بحجر، وكان يزوره “، وقال: ” أتعرف به قبر أخي ” وكان هذا الحديث، بعد حديث على رضي الله عنه بتسوية القبور المشرفة، فاستدلوا به على جواز اتخاذ ما يدل على القبر، وعلى فضل صاحب القبر بلا إغراق ولا مبالغة، رجاء استمرار زيارته، والدعاء له والقدوة به، والصدقة عليه، وحفظ أثره، ومن هنا نقل الميت من مكان إلى مكان أفضل، كما صح في حديث جابر غيره، ثم بالغ بعض الناس في ذلك – بحسن نية من جانب، وخوف اندثار القبر من جانب آخر – فاتخذ الآمر بالتطور الصورة التي تراها، وقالوا: إن الأمر يدور مع علته، وقد كانت علة تسوية القبور، والمنع الأول من زياراتها، هي مخالف الانتكاس والعودة إلى الشرك، وقد استقر الإيمان والتوحيد في قلوب الناس، (وإن أخطأت أحياناً ألسنتهم) فلا باس بعمل ما يذكر الصالحين للقدوة والاعتبار، والقيام بحق صاحب القبر من الزيارة وغيرها.
ومن أدلة زيارة القبور من السنة الشريفة والآثار: قوله j: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها »([83]) . وفي رواية: «فزوروا القبور فإنها تذكر بالموت» ([84]) .
واخرج مسلم عن ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال:؟قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين وإنا إن شاء الله تعالى بكم للاحقون. ([85]) .واخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه انه jقال«((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام)) ([86]) .
أقوال العلماء في زيارة القبور: روى ابن قدامة في المغني أن الإمام أحمد سئل عن زيارة القبور وهل تركها أفضل أو زيارتها؟ فقال: زيارتها أفضل ([87]) .وقال الإمام النووي في المجموع: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور وهو قول العلماء كافة ونقل العبدري فيه إجماع المسلمين ودليله مع الإجماع الأحاديث الصحيحة المشهورة([88]) .
وتجوز الزيارة للنساء: وهذا قول أكثر العلماء وأدلتهم على ما ذهبوا إليه ما يأتي: الدليل الأول: النساء دخلن في عموم الإذن بزيارة القبور المستفاد من قوله j«كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، والدليل الثاني: ما اخرجه البخاري ومسلم عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (مر النبي jبامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري) ([89]) .
ووجه الدلالة بهذا الحديث انه jلم ينكر على المرأة قعودها عند القبر
والدليل الثالث: ما أخرجه مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قلت كيف أقول يا رسول الله؟ قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منكم ومنا والمستأخرين وإنا إن شاء الله تعالى بكم للاحقون([90]) . قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: فيه استحباب هذا القول لزائر القبور وفيه دليل لمن جوز للنساء زيارة القبور([91]) .
وأما حديث: لعن رسول الله jزوارات القبور فقد قال الترمذي بعد أن رواه في جامعه قال: (وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي jفي زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء) ([92]) .
[16]: زيارة قبر النبي j: هي من اعظم القربات لقوله تعالى {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [سورة النساء الآية (64)]، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: زيارة قبر النبي jسنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها فمن السنة المؤكدة قصد المدينة المنورة مهاجر الحبيب الأعظم سيدنا محمد jلمشاهدة الروضة المطهرة من رياض الجنة قال النبي j((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة))([93]) وقال رسول الله j«من زار قبري وجبت له شفاعتي»([94]) .
وكل المسلمين عدا ابن تيمية وابن عبد الوهاب والوهابية يتعلمون آداب زيارة النبي jوكيفيتها: فإذا من الله تعالى على المسلم بالعافية وقدم المدينة فالمستحب له ان يأتي مسجد النبي jفليقل عند دخول المسجد: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وافتح لي أبواب رحمتك ثم يأتي القبر وليقل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته الله صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم آت سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة والمقام المحمود الذي وعدته اللهم أنت قلت في كتابك لنبيك {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [سورة النساء الآية (64)] وإني أتيت نبيك تائبا من ذنوبي مستغفرا فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حال حياته فأقر عنده بذنوبه فدعا له نبيه فغفرت له، اللهم إني اتوجه اليك بنبيك عليه سلامك نبي الرحمة يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي وترحمني اللهم اجعل محمدا أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الأولين والآخرين اللهم كما آمنا به ولم نره وصدقناه ولم نلقه فأدخلنا مدخله واحشرنا في زمرته وأوردنا حوضه واسقنا بكاسه مشربا رويا سائغا هنيا لا نظمأ بعده أبدا غير خزايا ولا ناكثين ولا مارقين ولا جاحدين ولا مرتابين ولا مغضوبا عليهم ولا ضالين واجعلنا من اهل شفاعته ثم يتقدم عن يمينه ثم ليقل: السلام عليكما يا صاحبا رسول الله jورحمة الله وبركاته السلام عليك يا أبا بكر الصديق السلام عليك يا عمر الفاروق اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيرا وغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا إلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم فهذا دعاء كل المسلمين عند قبره j، إلا ابن تيمية وابن عبد الوهاب والوهابية الذين أبى رسول الله jان يدعو لهم بالبركة،
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين،
***
([2]) صحيح البخاري 4/153 ح 3397.
([3]) باب حُسنُ المقصَدَ في عمل المولد، من كتابه الحاوي للفتاوى ص189.
([4]) صحيح البخاري 3/45 ح 2010.
([7]) صحيح البخاري 4/167 ح 3445.
([8]) المصدر السابق 7/131 ح 5735.
([9]) سنن الترمذي 3/246 ح 912.
([10]) صحيح البخاري 8/63 ح 6281.
([11]) المصدر السابق 8/14 ح 6036.
([12]) صحيح مسلم 3/1641 ح 2069.
([13]) شرح صحيح مسلم للنووي 14/44.
([14]) صحيح البخاري 1/84 ح 376، صحيح مسلم 1/360 ح 503.
([15]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2278، مسند أحمد 17/10 ح 10978.
([16]) صحيح البخاري 8/59 ح 6262، صحيح مسلم 3/1388 ح 1786.
([17]) صحيح البخاري 3/186 ح2704.
([18]) مسند أحمد 18/161 ح 11618.
([19]) سنن الترمذي 5/611 ح 3666.
([20]) صحيح البخاري 8/64 ح 6285.
([21]) صحيح البخاري 8/86 ح 6408.
([22]) صحيح مسلم 4/2075 ح2701.
([23]) مسند أحمد 19/498 ح 12522.
([24]) مسند أحمد 28/348 ح 17121.
([25]) صحيح البخاري 9/121 ح 7405.
([26]) صحيح البخاري 1/168 ح 841، فتح الباري 2/259.
([27]) الأنوار القدسية (1: 38)
([29]) مسند أحمد 19/437 ح 12452.
([30]) حاشية الطحطاوي علي مراقي الفلاح ص 318.
([33]) صحيح البحاري 1/12 ح 18، صحيح مسلم 3/1333 ح 1709.
([34]) صحيح مسلم 3/1470 ح 1709.
([36]) صحيح البخاري 1/24 «بَابٌ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ»، سنن أبي داود 5/485 ح 3641.
([37]) صحيح البخاري 7/96 ح 5534.
([38]) سنن الترمذي 5/462 ح 3383.
([39]) مسند أحمد 14/328 ح 8709.
([40]) صحيح البخاري 4/126 ح 3293.
([41]) صحيح البخاري 8/67 ح 6307.
([42]) سنن ابن ماجة 4/721 ح 3818.
([44]) السنن الكبرى 2/77 ح 1221.
([45]) سنن الترمذي 2/354 ح 484.
([46]) إيقاظ الهمم في شرح الحكم (1: 79)
([47]) سنن الترمذي 4/165 ح 1621.
([52]) احياء علوم الدين 2/304.
([53]) مسند أحمد 18/195 ح 11652.
([55]) غذاء الألباب للسفاريني 1/156.
([56]) فتح الباري 7/507. روضة الطالبين 11/229.
([57]) الفتوحات الإلهية ص 282 – 283.
([58]) مسند أحمد 30/22 ح 18097، سنن الترمذي 5/77 ح 2733.
([59]) سنن ابي داود 7/512 ح 5225.
([61]) المدخل الي السنن الكبري للبيهقي ص 137 ح 93.
([62]) الأدب المفرد ص 338 ح 973. فتج الباري 11/48.
([63]) المصدر السابق ص 338 ح 974.
([64]) المصدر السابق ص 339 ح 976.
([65]) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب 1/332.
([67]) حاشية ابن عابدين 5: 254.
([71]) سنن الترمذي 5/75 0 2728.
([72]) سنن ابن ماجة 5/85 ح 3932.
([73]) صحيح البخاري 4/67 ح 3043.
([74]) المصدر السابق 6/3 ح 4418.
([75]) سنن أبي داود 7/506 ح 5218. سنن الترمذي 5/700 ح 3872.
([76]) سنن الترمذي 5/76 ح 2732.
([77]) المعجم الكبير 19/362 ح 852.
([78]) حاشية ابن عابدين 6/384.
([81]) سنن الترمذي 5/90 ح 2755.
([82]) مختصر منهاج القاصدين ص 230.
([83]) صحيح مسلم 3/1563 ح 1977.
([84]) سنن أبي داود 5/138 ح 3235.
([86]) السنن الكبري للنسائي 10/504 ح 10366.
([89]) صحيح البخاري 2/ 79 ح 1283. صحيح مسلم 2/637 ح 926.
([91]) صحيح مسلم بشرح النووي (7: 41 -42
([92]) سنن الترمذي 3/362 ح 1056.