الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، إنّ من أوجب أخلاق المسلم مع دين الإسلام الانتساب إلى جماعته الناجية (أهل السنة والجماعة): والبراءة مما يخلفها من الفرق، لأنها فرق ضالة تقع تحت الوعيد بالنار، أنه لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة للأسباب التالية: [أولا]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين، [ثانيا]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في السنّة ثاني مصادر الدين، [ثالثا]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين، [رابعا]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي، [خامسا]: هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين، [سادسا]: هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، [سابعا]: هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، لهذا لا يكون إطار الجماعة الناجية إلا إطارهم العلمي والعملي والأخلاقي والسلوكي، وأشرع إن شاء الله تعالى في تفصيل تلك الأسباب السبعة العريضة التي من خلالها نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية إلا أهل السنة والجماعة سواد اهل الإسلام الأعظم.
أقول وبالله التوفيق: [السبب الأول]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين: لماذا؟، لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على الرسول منجما مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على سبعة أحرف وهي لهجات قبائل العرب آنذاك تيسيرا لحفظه، ولم يُجمع القرآن الكريم في السطور كاملاً في عهده e بل كان محفوظاً في صدور الصحابة رضي الله عنهم، وكانت أجزاء منه قد كُتبت على الرقاع، وأُخرى على أغصان النخيل، والأحجار، وما تيسر من وسائل الكتابة في ذلك العصر، وحفظ القرآن في حياة النبي e كثير من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، ومن أمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة، وانتقل الرسول إلى ربه، وكان أكثر هؤلاء حضروا العرضة الأخيرة على النبي e، ولما كثر القتل في القراء في اليمامة، وخشي عمر على القرآن نصح أبي بكر بجمعه، فكلف زيد بن ثابت بجمعه فجمعه، ثم لما مات أبو بكر أخذ هذه النسخة عمر، ثم لما مات عمر صارت النسخة إلى أم المؤمنين حفصة ولما آلت الخلافة لعثمان بن عفان رضي الله عنه، واتسعت الفتوحات الإسلامية وانتشر الصحابة في البلاد المفتوحة يعلمون الناس القران كل بقراءته، ولما لاحظ الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان اختلاف المسلمين في القراءة، أخبر الخليفة بذلك، فأمر عثمان بجمع المصحف على حرفٍ واحد، وأرسل إلى حفصة بنت عمر بأن تسمح له باستخدام المصحف الذي بحوزتها ليجمع القران منه، شَكل عثمان بن عفان لجنة لكتابة المصحف تضم: زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثم دفع إلى زيد بن ثابت والقرشيين الثلاثة المصحف الذي كان عند حفصة بنت عمر، وأمرهم بنسخ مصاحف منها، لتوحيد القراءة وأمر أن توزع على بلاد المسلمين، كما أمر بإحراق ما يخالف هذا المصحف، وعلى ذلك فإن الذي كان له شرف جمع النسخة الأولى هو أبو بكر بإشارة من عمر، والذي كان له شرف النسخ منه وتعميم النسخ على الامصار هو عثمان، وبعد تعميم المصاحف العثمانية على الأمصار، ظهرت مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء، وتفرعت وتعددت مجالاتها، وظهرت داخلها علوم القراءات، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل، وصار أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، لا يشاركهم في جمع القرآن وضبطه غيرهم من فرق الإسلام، وجميع فرق المسلمين عالة عليهم في القرآن وعلومه، وصار لهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – e، منها سبع قراءات مشهورة :1- (قراءة نافع): وهو إمام المدينة في القراءة، وكان إذا تكلم يُشم من فمه رائحة المسك، فقيل له: أتتطيب كلما جلست للإقراء؟ فقال: لا أمسّ طيبا، ولكني رأيت النبي e في المنام يقرأ في فيَّ، وقد أشار إلى هذا صاحب الشاطبية بقوله: فأما كريم السر في الطيب نافع فذاك الذي اختار المدينة منزلا، وراوياه هما: [قالون]، و [ورش]، 2 – (قراءة ابن كثير): هو عبد الله بن كثير بن عبد المطلب القرشي، إمام أهل مكة في القراءة، وراوياه هما: [البَزي]، و [قُنبل]، 3- (قراءة أبي عمرو البصري): وراوياه هما: [الدُوري] و [السُوسي]، 4 – (قراءة ابن عامر الشامي): انتهت إليه رئاسة الإقراء في الشام، وراوياه هما: [هشام بن عمار]، و [ابن ذكوان]، 5 – (قراءة عاصم): هو عاصم بن أبي النجود، كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، وراوياه هما: [شعبة]، و[حفص]: وهو حفص بن سليمان بن المغيرة، كان من أعلم الناس بقراءة عاصم، ومعظم المسلمين في العالم يقرءون القرآن برواية حفص عن عاصم، 6 – (قراءة حمزة الكوفي)، وراوياه هما: [خلف]، و[خلاد]، 7 – (قراءة الكسائي): وهو إمام النحاة الكوفيين، وراوياه هما: [أبو عمر الدُوري]، و [الليث بن خالد]، فهؤلاء هم القرآء السبعة وجميعهم من أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب القرآن فهم الذين جمعوه وهم الذين نسخوه وهم الذين قرؤوه، ولا يستطيع مسلم أن يقرأ القرآن إلا ولهم عليه فيه منه، وهم مرجعه في القرآن ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة، أهل القرآن وخاصته. [السبب الثاني]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في السنّة ثاني مصادر الدين: كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله e، وكان من أكثرهم رواية لحديثه e سبعة من الصحابة هم أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك الأنصاري، وأم المؤمنين عائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث: البخاري، ومُسْلِم، أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج، ويحيى بن سعيد القَطَّان، وعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، ، والإمام أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وابن أبي حاتم، فهؤلاء وأمثالهم ومن جاء بعدهم من تلامذتهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب السنّة وحفظ السنّة، ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة، سواد اهل الإسلام الأعظم.
[السبب الثالث]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين: الإجماع هو أحد مصادر التشريع الإسلامي وهو المصدر الثالث من المصادر الشرعية للأحكام عموماً بعد الكتاب والسنة، وكان ظهوره بسبب القضايا المستجدة التي طرأت بعد وفاة الرسول فصار كونه مصدر ضرورة لابد منها، ولكون النبي حذر من الفرقة والاختلاف وحثّ على الاجتماع في أحاديث كثيرة، ولا بد في الإجماع أن يستند إلى أصل من الكتاب والسنة، اللذان هما الوحيان والمصدران الأولان الأساسيان للتشريع، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع، وكان الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم كان إذا عزبهم أمر جمعوا رؤوس الصحابة واستشاروهم في كل ما يستجد من أمر وما يطرأ من معضلة ودرسوا معهم الأمر دراسة يصدرون في أفعالهم عنها، ومثال ذلك ما فعله أبوبكر الصديق فقد جمع الصحابة عند جمع القرآن وعند حرب المرتدين وفي الأراضي المفتوحة في الشام والعراق وبهذه السنة التي سنها كثر إجماع الصحابة في كثير من المسائل. وكذلك فعل عمر في عدة أمور منها، وقوع الطاعون في الشام وعند انتخاب الخليفة بعده عندما طُعن وغيرها، والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة كل آل البيت، هم أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب السنّة وحفظ السنّة، ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة، سواد اهل الإسلام الأعظم. [السبب الرابع]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي: في الفقه وفي العقيدة وفي التزكية، أقول وبالله التوفيق، بعد ضبط الصحابة لأهم مصادر الاستدلال الشرعية وهي القرآن والسنة والإجماع، أقام كل صحابي من علماء الصحابة مدرسة لتعليم التابعين العلم، وظهرت التخصصات العلمية الإسلامية، التخصص في علوم الفقه والشريعة، التخصص في علوم أصول الدين والعقيدة، التخصص في علوم التزكية والتربية والسلوك والأخلاق، (أولا التخصص في الفقه) احتاج المسلمون إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام) فظهرت مدرسة الفقه، وانتسب إليها طلاب العلم، وعرفوا باسم الفقهاء، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين (مذاهب) ولم تسمى (فرق)، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية، وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا، والاختلاف فيها اختلاف تنوع وليس تضاد، ولا يدخل في الاختلاف المذموم، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة، لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي أو العالم لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تُخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة، مع العلم بأنّها (المذاهب الفقهية) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الفقه بالدين، ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة، سواد اهل الإسلام الأعظم، (التخصص في العقيدة): استفحل أمر الفرق الضالة، وأصول تلك الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم (الخوارج) و(الروافض) و(المعتزلة) و(الحشوية)، والتي كان أهم أسباب ظهورها هو الجهل بالدين، أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق، وأهم من ذلك كله تتبع المتشابه الذي حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7}، ففي هذه الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان، فإنّ تتبع المتشابه في آيات الإيمان أدى إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم، ونسبة لوازم التجسيم من الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما لأنهم أهل حشو لا أهل تخصص ورسوخ في العلم، ومما يدل على ذلك أنهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات، وخطر هؤلاء جسيم لأنهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الحشو والجفاء والبدعة، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة والرسوخ في العلم بهما، وهم أبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية المتشابهة، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، بل الشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، والكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة بهذا، وليس لهم مستند في ذلك إلا التشبث بالمتشابهات، أما أهل السنة والجماعة المتخصصين في العقيدة، فالعمدة عندهم في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى أحد صمد غني حميد ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك، ومحكمات القرآن تؤكد ذلك، ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول في سورة الإخلاص ثلث القرآن: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، منزه عن المثيل والكفء والشبيه والسمي: كقوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، أي لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين،، وكقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وكقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وكقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام:100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وكقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه: 110] ولو كان له كفء أو شبيه أو مثيل لأحاطت به علوم البشر، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، والأدلة على ذلك كثيرة جدا في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها، ولكن لجهل الحشوية بهذا العلم خاضت في هذا الباب بما نهى الله تعالى عته، أخذوا بظواهر المتشابهات، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، أما طريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، هذا هو فعل المتخصصين الراسخين في العلم.الشاهد، لما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة، لبيان عقائد الفرقة الناجية، والرد على الفرق الضالة، فظهرت مدارس العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة): وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم: الإمام أحمد ابن حنبل، والإمام أبو الحسن الأشعري، والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والجهمية والمرجئة، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها غالب فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب علماء السادة الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وهذه المدارس الفاضلة الثلاث تمثل أهل السنة والجماعة في باب العقيدة، وعلماؤها هم أهل الفقه الأكبر في الدين، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة، والتفريق بين المحكم والمتشابه، عملاً بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7}، ففي المحكم تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم والفقه في الدين، لأن المحكم أصل العلم، {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، وفي المتشابه: تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة والحشوية، وبين الجهمية والمعتزلة، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى، وبما صح من قول رسوله e، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله e، وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه، طبعا هذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، ثم لما كان الوقف – في الآية – محتملاً على لفظ الجلالة (الله) أو على قوله قوله تعالى (والراسخون في العلم)، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد، اتسع إطار أهل السنة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله، الشاهد اتسع إطار العقيدة الحقة الناجية التي عبرت عنها تلك المدارس الثلاث (المدرسة الأثرية) وعليها غالب فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب علماء السادة الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منها فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة وعلوم العقيدة، ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة، سواد اهل الإسلام الأعظم، (التخصص في التزكية والإحسان): (مع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”) [أخرجه مسلم]، وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، والتصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التزكية والإحسان،، ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة، سواد اهل الإسلام الأعظم، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول e، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
[السبب الخامس] أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض، ومن هذه الوسطية والاعتدال نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة، سواد اهل الإسلام الأعظم. [السبب السادس]: هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، صح الخبر عن رسول الله e واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، فقد أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e:(تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)([1]) .وأخرج الترمذي: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([2]) . ، وأخرج أبو داود: عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – e قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([3]) . وماروي عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – e: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ([4]) . وبعد: فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وقد صحح روايات هذا الحديث جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي والألباني وغيرهم من المحققين كثير، لقد تمايز أهل الطائفة الظاهرة المنصورة والفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي e وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، واجتماعهم على تقديم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان على الخليفة الراشد علي، والترضي عنهم جميعا، رضي الله عنهم وأرضاهم، وذلك في مقابل الشيعة الذين خالفوا هدى النبي e وصحابته الكرام رضي الله عنهم، والذين قدموا الإمام علي رضي الله عنه على الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا، تقديم تنقيص واتهام لهما بسلبه حقه، مخالفين بذلك إجماع الصحابة على تقديم الشيخين واتفاقهم على تقديم الخليفة الراشد عثمان على الخليفة الراشد علي رضي الله عنهم جميعا، ثم لم يكتف هؤلاء الضالة بذلك، حتى وقعوا في الصحابة وسفهوهم، ثم آل بهم الغلو إلى تكفير الصحابة والحكم بردتهم جميعا إلا قليلا، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق ولزومهم طاعة أولي الأمر وأئمة المسلمين وخلفائهم وحكامهم ما كانوا على الإسلام وأقاموا شرع الله تعالى، وتحريم الخروج عليهم بالسيف إلا لكفر بواح للمسلمين فيه من الله تعالى، وذلك في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي رضي الله عنه وقتلوه واستحلوا دماء المسلمين وأعراضهم من خلفه، وعلى ذلك فهم أحق المسلمين بوصف (ما أنا عليه وأصحابي)، في حديث: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)، وهم احق الناس بوصف (الجماعة) في حديث: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة)، نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة. [السبب السابع]: أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، فقد أخرج الامام ابن ماجه فى سننه كتاب الفتن باب السواد الأعظم بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله e، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “([5]) . وأخرج الحاكم في المستدرك من حديث ابن عمر: قال رسول الله e: « لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدا » وقال: « يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار » ([6]) . وأخرج الحاكم أيضا عن طريق أخر؛ عن ابن عمر، قال: قال رسول الله e: (لا يجمع الله هذه الأمة – أو قال أمتي – على الضلالة أبدا، واتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار) ([7]) . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (لا يجمع الله تعالى هذه الأمة على ضلالة أبدا ويد الله مع الجماعة هكذا واتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار) ([8]) . وأخرج الداني في السنن الواردة في الفتن، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله e: « لا يجمع الله أمتي أو هذه الأمة على ضلالة أبدا، ويد الله على الجماعة هكذا، اتبعوا السواد الأعظم، فإن من شذ شذ في النار([9]) .وبالجملة فالحديث مشهور المتن وله أسانيد كثيرة وشواهد عديدة في المرفوع وغيره، وقد اخذ به التابعون وكانوا كثيراً ما يطلقون على السنتهم هذا القول، وكذلك الأئمة العلماء الأعلام، ولا نجد سوادا أعظم من هذه الامة سوى (أهل السنة والجماعة) هم أهل السنة الذين يهتمون بسنة النبي e أشد اهتمام، وهم أهل الجماعة يحرصون عليها أشد الحرص، وهم في مجموعهم يمثلون سواد المسلمين الأعظم والذي قارب اليوم المليار وسبعمائة مليون مسلم على وجه الأرض يزيد أهل السنة والجماعة فيهم على نسبة الثمانين بالمائة، وهم الذين ينتسبون إلى السنّة ويلقبون باسمها، دون من تسمى بغير اسمها كسائر الفرق الضالة الشيعة والخوارج والإباضية والمعتزلة والمجسمة وغيرها، وهم (أهل السنة والجماعة) كل من اعتقد بصحة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ويؤمنون بعدالة كل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ويحبون آل بيت النبي e، وهم (أهل السنة والجماعة): أهل القرآن تلاوةً وتدبراً وفهماً وحفظاً وتفسيراً، وهم (أهل السنة والجماعة): أهل السنة النبوية تدوينا وحفظا وتمسكا وهديا، وهم (أهل السنة والجماعة) أهل الفقه في الدين، ويأخذون الفقه عن المذاهب الأربعة المتخصصة في الفقه، وهم (أهل السنة والجماعة): أهل الفقه الأكبر في الدين، استقر لهم في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، (الأولى): المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل وعليها فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم، و(الثانية): الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواء علماء أهل السنة والجماعة وجمهورهم الأعظم، و (الثالثة): الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وعليها غالب السادة الأحناف، إلا من مال إلى حشو أو اعتزال، ولا يمكن فصل إحدى تلك المدارس عن إطار أهل السنة والجماعة بحال، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة وهم (أهل السنة والجماعة) يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، ومن أشهرها عند أهل السنة والجماعة الطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية والطريقة الدسوقية والطريقة البرهانية والطريقة القادرية والطريقة التيجانية، وكلها تنتمي في أصولها العريضة إلى أهل السنّة والجماعة الناجية، إلا من شذ، ولا عبرة بالشاذ، ونحن نتكلم على مجمل الداخلين في إطار أهل السنّة والجماعة الناجية إن شاء الله تعالى، وبعد: فهذا هو الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة، سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول e، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم، والنجاة في أحاديث التفرق لا تنطبق إلا عليهم، فإنهم الجماعة الناجية سواد أهل الإسلام الأعظم، وإلى هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية تلك الحلقة، وقد تناولت فيها بيان لماذا لا تكون الجماعة الناجية إلا أهل السنة والجماعة لا أحد سواهم.
وملخص تلك الأسباب: [الأول]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين، [الثاني]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في السنّة ثاني مصادر الدين، [الثالث]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين، [الرابع]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي، [الخامس]: هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين، [السادس]: هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، [السابع]: هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللَّهُمَّ انْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا , وَعَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا , وَزِدْنَا عِلْمًا يارب العالمين، اللهم واجعل أعمالنا ونياتنا خالصة لوجهك الكريم، إلى ها هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية تلك الحلقة، وقد تناولت فيها: أخلاق المسلم مع دين الإسلام الانتساب إلى جماعته الناجية (أهل السنة والجماعة)، أستودعكم الله، وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
***
([2]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([3]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597. سنن ابن ماجة 5/128 ح 3991. السنة لابن أبي عاصم 1/32 ح 63, [ وقال الألباني: الحديث صحيح قطعا لأن له ست طرق أخرى عن أنس، وشواهد عن جمع من الصحابة].
([4]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([5]) سنن ابن ماجة 5/96 ح 3950.
([6]) سنن الترمذي 4/466 ح 2167.