(المبحث الأول): ظهور الفرق الإسلامية.
[المفتاح الاول]: ظهور الفرق الإسلامية أمر مقدر: فقد ورد الخبر عن رسول الله – j– واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ومن تلك الروايات:
(الرواية الأولى): عن أبي هريرة – رضي الله عنه قال: قال رسول الله – j– (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أواثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([1]).
و(الرواية الثانية): عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – j– ” ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ” ([2]) .
و(الرواية الثالثة): عن معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – jقام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([3]) .
و(الرواية الرابعة): عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – j: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ([4]) .
[المفتاح الثاني]: قصة بداية ظهور الفرق الضالة: شاءت حكمة الله تعالى أن تضطرم الفتنة على آخر عهد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وتولي كبرها وإثمها غوغاء الأمصار وصفاؤهم، وأدت تلك الفتنة إلى مقتل الخلفة الراشد عثمان رضي الله عنه مظلوما شهيدا مبشرا بالشهادة وبالجنة، واتجهت الأنظار بعد مقتله رضي الله عنه إلى الأمام علي رضي الله عنه، وبويع بالخلافة ليصبح رابع الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالعض بالنواجذ على سننهم، ولم تهدأ الفتنة بعد مبايعة الإمام علي بالخلافة إذ سيطر الغوغاء والسفهاء على جيشه ولم يستطع أن يقتص لدم عثمان رضي الله عنه، فطالبه الصحابيان المبشران بالجنة الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما بدم عثمان وخرجا إلى البصرة مخالفين له فخرج إلى البصرة وقابلهما وتكلم معهما فرجعا عن خلافهما معه وخرجا من عنده راضيين، إلا أن الغوغاء والسفهاء قتلوهما غدرا وغيلة مخافة أن يجتمع أمر الصحابة جميعا على القصاص لدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله وهم قتلته، وكانت قد خرجت مع طلحة والزبير رضي الله عنهما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقصد الإصلاح بين الناس، ولكن بعد مقتل الزبير وطلحة رضي الله عنهما غلبها السفهاء والغوغاء على رأيها وخالفوا أمرها وقاتلوا جيش الإمام علي رضي الله عنه ظنا أنه هو الذي أمر بقتلهما، وكان من موقعة الجمل ما كان، ولولا سفهاء الطرفين ممن لا خلاق لهم ما كانت فتنة ولا قتال، ولما اختلف صحابي مع أخيه فضلا عن قتاله، ثم ما كادت تهدأ تلك الفتنة حتى تجددت المطالبة بدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وكان الصحابي معاوية بن أبي سفيان هو المطالب بدم عثمان بن عفان رضي الله عنه هذه المرة، وذلك لقرابته من الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، والامام علي رضي الله عنه آنذاك لم يستتب له أمر جيشه وذلك لكثرة الغوغاء والسفهاء فيه فكان يريد المهلة حتى يستتب له الأمر ثم يأخذ بدم عثمان، ولكن معاوية لم يمهله وأصر على طلبه لدم الخليفة عثمان رضي الله عنه وقد كان له وجه اجتهاد ولكنه اجتهاد خاطئ وبغي على الإمام الحق، والحق كان مع وكان أقرب إلى الخليفة الرابع الراشد علي رضي الله عنه، وظل الخلاف حتى كانت موقعة صفين وكان فيها ما كان، وأدنى الطائفتين وأقربهما إلى الحق طائفة الإمام الراشد على رضي الله عنه، والبغي من نصيب الطائفة الأخرى، وللصحبة مع النبي jحُرمة عظيمة، لا يتعداها إلا جريء ضال، وجميعهم أكابر وأخطاؤهم مغمورة في بحر حسناتهم، ولا يحق لمن جاء بعدهم إلا ما جاء في قوله تعالى – بعد ذكر فضائل المهاجرين والأنصار -: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
وهكذا وجدنا الإمام علي رضي الله عنه بين تأديب السفهاء والقصاص لدم عثمان رضي الله عنه وبين المطالبين بدم الإمام عثمان رضي الله عنه، وهو أشد ما يكون حرصا على وحدة الأمة ووحدة صفوفها، فإذا بالفتنة الحقيقية تطل برأسها متمثلة في ظهور (الخوارج) وخروجهم عليه، وكانت أول فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الخوارج انتقصوا من الإمام علي وكفروه وخرجوا عليه بعد (صفين) محققين ما أخبر به النبي jمن خروج هؤلاء الضالين الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقاتلهم الإمام علي رضي الله عنه وسن للأمة من بعده إحكام التعامل مع هؤلاء، وبحمد الله تعالى قتل الكثير منهم وتحققت على يديه بشارة النبي j، وعلى النقيض من هؤلاء الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه ظهر (الروافض) وكانوا بمثابة ثاني فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الروافض غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، حيث قدموه على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما تقديم تنقيص لهما واتهام لهما بظلمه وسلب الخلافة منه وهو الأحق بها، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض)، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي jلسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، ومن ساعتها بدأ تمايز أهل الطائفة الظاهرة المنصورة والفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي jوصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، واجتماعهم على تقديم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان على الخليفة الراشد علي، والترضي عنهم جميعا، رضي الله عنهم وأرضاهم، وذلك في مقابل الشيعة الذين خالفوا هدى النبي jوصحابته الكرام رضي الله عنهم، والذين قدموا الإمام علي رضي الله عنه على الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا، تقديم تنقيص واتهام لهما بسلبه حقه، مخالفين بذلك إجماع الصحابة على تقديم الشيخين واتفاقهم على تقديم الخليفة الراشد عثمان على الخليفة الراشد علي رضي الله عنهم جميعا، ثم لم يكتف هؤلاء الضالة بذلك، حتى وقعوا في الصحابة وسفهوهم، ثم آل بهم الغلو إلى تكفير الصحابة والحكم بردتهم جميعا إلا قليلا، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق ولزومهم طاعة أولي الأمر وأئمة المسلمين وخلفائهم وحكامهم ما كانوا على الإسلام وأقاموا شرع الله تعالى، وتحريم الخروج عليهم بالسيف إلا لكفر بواح للمسلمين فيه من الله تعالى، وذلك في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي رضي الله عنه وقتلوه واستحلوا دماء المسلمين وأعراضهم من خلفه.
[المفتاح الثالث]: تمايز السواد الأعظم أهل السنّة والجماعة عن الفرق الضالة: إنّ بداية ظهور وترسيخ هذا القب (أهل السنة والجماعة)، كان مقترنا مع تصالح سيد شباب أهل الجنّة الحسن بن علي رضي الله عنهما مع معاوية رضي الله عنه، وتنازله بالخلافة له، حتى يصلح بين المسلمين ويجمع كلمتهم، ومن ساعتها بدأ تمايز (أهل السنة والجماعة) الذي تمسكوا بالسنة في مقابل الروافض الذين تمسكوا بالبدعة والضلالة، والخوارج الذين تمسكوا بالبغي والعصيان والخروج والفرقة، ومع اجتماع أهل الحق الخالص (أهل السنة والجماعة) ظل الخوارج والروافض تتجارى بهم الأهواء والبدع والضلالات، وهم على قلتهم كما تمادى بهم زمان اختلفوا وانقسموا فيما بينهم إلى فرق داخل الفرق وأهواء داخل الأهواء كلها يخالف بعضه بعضا ويرميها بالكفر والمروق من الدين، وهذا شأن أهل البدعة والضلالة والباطل وصدق الله تعالى حيث يقول: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، فشأن الحق أهله مجتمعون عليه، وشأنه الباطل أهله منقسمون عليه متنازعون فيه والله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الانعام: 159]، فالخوارج انقسموا إلى قريب من عشرين فرقه كلها يكفر بعضها بعضا وسائر المسلمين، والشيعة انقسموا فيما بينهم إلى قريب من ثلاثمائة فرقة لكل مقال يخالف بعضها بعضا ويرميها بالكفر والضلال، ولم ينته الأمر إلى ظهور الخوارج والروافض، فقد امتد الزمان ببعض الصحابة حتى ظهرت (القدرية)، وانقسموا بعد ذلك إلى فرق ضالة تكفر بعضها بعضا، وعلى النقيض منهم ظهر الجهمية الجبرية وفتحوا بابا عريضا نحو الانحلال والزندقة والاحتجاج على الله تعالى بالمعاصي، وعلى النقيض من الخوارج ظهر المرجئة كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوه إيمان العصاة كإيمان الملائكة وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب، وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و (المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الله تعالى وحق أنبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة (الأشعرية)، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة (الماتريدية)، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور العصور توالت ظهور الفرق الضالة التي أخبر النبي jأنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة، وظل أهل الحق خالص (أهل السنة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنة متمسكون فكانوا على مر العصور الطائفة المنصورة والجماعة الناجية فلله الحمد والمنة والفضل والثناء الحسن أن جعلنا في زمرة أهل الحق بعيدين كل البعد عن أهل الأهواء والبدع والضلالات، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان والفرقة.
(المبحث الثاني): أصول البدع الضالة عند الفرق الضالة القديمة
[المفتاح الاول]: أصول الفرق الضالة على مر عصور الإسلام، الخوارج وبدع الخروج والنواصب وبدع النصب والبغض لآل البيت، والشيعة وبدع التشيع والرفض، والمعتزلة وبدع الاعتزال، والجهمية وبدع الجبر والتجهم والمرجئة وبدع الارجاء والمجسمة وبدع التجسيم والحشوية وبدع الحشو ومحاربة اهل التخصص العلمي الإسلامي، والتيمية وبدع التيميين وآخرا الوهابية وبدع الوهابية.
[المفتاح الثاني]: الفرقة الأولى: (الخوارج) ويمكن تعريفهم بتعرفين هما الأشهر: (الأول): أنهم هم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه وقاتلهم ولذا سموا خوارج، و(الثاني): كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمى خارجيًّا، سواءً كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو غيرهم من التابعين لهم بإحسان، وقد بدأ ظهـور الخوارج كفرقة ضالة تكفر المسلمين وتستحل دماءهم وأعراضهم في عام 37 هـ عندما بايع الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم، واتهموا أمير المؤمنين على رضي الله عنه بأنّه رضي بتحكيم الرجال في دين الله تعالى: وأن هذا التحكيم كفر أكبر مخرج من الملة، واعتلوا لذلك بقول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، فكفروه بهذا الزعم الضال، وقد حاول رضي الله عنه أن يزيل ما التبس عليهم من أمر التحكيم وأنه إنما حكم كتاب الله عز وجل وشرط على الحكمين أن يحييا ما أحياه القرآن ويميتا ما أماته القرآن، وبين لهم أن القرآن إنما خط مسطوراً بين دفتين لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال، وأرسل إليهم حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فحاورهم وتاب منهم كثير، وأما الباقون فقد انحازوا عن جماعة المسلمين بمكان يسمى النهروان، وتركهم الإمام علي رضي الله عنه وشأنهم حتى استحلوا دماء المسلمين وأعراضهم، وكان أول من قتلوه عبد الله بن الصحابي الجليل خباب بن الأرت ثم قتلوا ولده وجاريته أم ولده، وانتهى خبرهم إلى الإمام علي رضي الله عنه فسار إليهم في أصحابه حتى إذا اقترب منهم أرسل إليهم أن سلموا قاتل عبد الله بن خباب فأرسلوا إليه إنا كلنا قتلناه ولئن ظفرنا بك قتلناك، فقاتلهم رضي الله عنه وأكرمه الله عز وجل بقتل أكثرهم وصار سيفه في الخوارج سيف حق إلى قيام الساعة، وأهم أصول الضلال عند الخوارج: (أ) غلوهم في الإمامة: فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه، (ب) غلوهم مع أهل القبلة: يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام، ويقولون كل ذنب مغلظ كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان، ويحكمون على صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد. (ت) غلوهم في حق أنفسهم: يقرون لأنفسهم بالإيمان، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم، (ث) يقولون بأن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر مرتد حلال المال والعرض والدم دونما تفصيل أو فقه في الدين، ويقولون بأن كل من وافقه أو سكت عنه فهو كافر مثله، (ج) من صفاتهم يدعون أهل الشرك إلى الإسلام، ويكفرون أهل الإسلام الأصليين، ويطبقون الآيات التي نزلت في المشركين على أهل الإسلام فيكفرونهم ويستحلون حرماتهم، يمرقون من الدين بأدنى شبهة، فهذه صور من غلو الخوارج كلاب أهل النار، ومن أمثلة هؤلاء في زماننا الخوارج المعروفون باسم الدواعش نسأل الله السلامة والهداية.
[المفتاح الثالث]: الفرقة الثانية: (النواصب): قوم يبغضون آل بيت النبي j، أو أحدا منهم أو يبغضون أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه على وجه الخصوص، جاء في لسان العرب: (النواصب قوم يتدينون ببغض علي عليه السلام) ([5]) . وقال ابن حجر: (والنصب بغض علي وتقديم غيره عليه والخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم وتبرءوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة منهم) ([6]) . وقال الذهبي: من تعرض للإمام علي بذم فهو ناصبي يعزر فإن كفره فهو خارجي مارق بل سبيلنا أن نستغفر للكل ونحبهم ونكف عما شجر بينهم) ([7]) .والنواصب فرقة ظهرت في بدايات العصر الإسلامي: كانت تبغض آل البيت أو أفرادا منهم كالإمام علي رضي الله عنه، او الحسين رضي الله عنه، وآل بيت النبي jيدخل فيهم كل مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ: وهم: ذريته، من أبناء الحسن والحسن، وأزواجه أمهات المؤمنين، وبنو هاشم وبنو المطلب، ومواليهم، وهذه الفرقة كانت تفسق الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتشكّك في أفضليته، وكانوا يتهمونه بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وانّه كان طالباً للخلافة لنفسه، وأنّه قاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من الصحابة والتابعين في الجمل وصفين، ومنهم من يقول بأنّه شارك في دم عثمان، ومنهم من يقول: أنه رضى بقتله وفرح بذلك، ومنهم من يقول أنه لم يقاتل بعد وفاة النبي jكافرًا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة في الجمل وصفين والنهروان يريد التنقيص منه، ومنهم من يقول أنّ الحسين رضي الله عنه خرج على إمام زمانه، وكانوا يجوزون قتله، ويستدلون لذلك بقول النبي j: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) ([8]) . وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، والفرق بين الخوارج والنواصب، أنّ النواصب والخوارج كليهما اشتركوا في مناصبة علي العداء، ولكن النواصب يفسقون الإمام علي رضي الله عنه، أما الخوارج فيكفرون الإمام علي رضي الله عنه، وكذلك فإن النواصب يقبلون عثمان أما الخوارج فيكفرونه، وأهل السنة والجماعة يحبون أهل بيت النبي jويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الإسلام، ويتبرؤون من طريقة الخوارج الذين يكفرون آل بيت النبي j، ومن طريقة النواصب الذين يفسقون آل البيت ويؤذون آل البيت بقول أو عمل، وأهل السنة والجماعة ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وأهل السنة والجماعة يمسكون عما شجر بين الصحابة اجلالا لقدرهم وحفظا لفضلهم وحفظا لوصية النبي jفيهم، ومعلوم لكل مسلم أنّ: حب آل البيت إيمان، وبغضهم نصب ونفاق: قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وقوله j: (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) [رواه مسلم]، وتكرار النبي jلهذا الأمر والتأكيد عليه، هو بمثابة اعلان للأمة الإسلامية أن الواجب عليها أن تقدر أهل البيت وأن تنزلهم منازلهم التي أنزلهم إياها القرآن والسنّة رضي الله عنهم وأرضاهم، وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد النواصب الذين ناصبوا للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه العداوة، وعلامة هؤلاء أنّهم كانوا يتهمونه بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وانّه كان طالباً للخلافة، وأنّه قاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من المسلمين في الجمل وصفين، وأنّه لم يكن مقصده تأليف المسلمين وربطهم بإمام واحد، ومن علاماتهم أنّهم يقولون أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه شارك في دم عثمان، أو من يقول: أنه رضى بقتله وفرح بذلك، أو من يقول أنه لم يقاتل بعد وفاة النبي jكافرًا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة في الجمل وصفين والنهروان يريد التنقيص منه، ولا شك أن قولهم في هذا كله قول باطل، ولنا ما جاء في (صحيح مسلم) عن زر قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبيّ jإليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق) ([9]) . وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد النواصب الذين يبغضون الحسن والحسين رضي الله عنهما، والذين نالوا من سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنهما وأرضاهما، فقالوا: إن الحسين بن علي خرج على إمام زمانه، وكانوا يجوزون قتله، لقول النبي j: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) فإن الحسن والحسين سبطا رسول الله jونسلهما إلى يوم القيامة هم آل بيت النبي jوحب الحسن والحسين من علامات الإيمان، ولنا ما جاء الصحيحين عن البراء رضي الله عنه قال: (رأيت النبي jوالحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهم إني أحبه فأحبه) ([10]) .
وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد الروافض النواصب الذين يبغضون أمهات المؤمنين زوجات النبي jرضي الله عنهن وأرضاهن، فكل من سبهن او سب إحداهن فهو ناصبي نجس، أمّا اتهام الطاهرة المطهرة الصديقة التي طهرها القرآن الكريم من الفاحشة فهذا كفر وتكذيب للقرآن، والروافض الانجاس بعضهم يتهم الصديقة بنت الصديق بالفاحشة: ففي تفسير القمي أصل تفاسيرهم المعتمدة هذه الرواية:(قال علي بن إبراهيم في قوله (وضرب الله مثلاً) ثم ضرب الله فيهما (يعني عائشة وحفصة زوجتي رسول الله، مثلاً فقال (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) قال: والله ما عني بقوله فخانتاهما إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحل له أن تخرجين – كذا – من غير محرم فزوجت نفسها من فلان) ([11]) .وكما ترى أن النص ليس فيه تصريح بالأسماء على عادة القوم من الكفر والتدليس عليـه، ولكن في وجود الدولة الرافضية قلت التقيه فصرح عالمهم المجلسي بالأسماء فقال: (وليقيمن الحد أي القائم عليه السلام عند الرجعة وفلانة هي عائشة ” قلت رضي الله عنها ” وفلان هو طلحة بن عبد الله ” قلت رضي الله عنه “) ([12]) .، فأي عداء لآل بيت النبوة بعد هذا الذي عليه هؤلاء، يطعنون في الصديقة بنت الصديق التي برأها الله عز وجل مما قذفها به المنافقون، وتحذر المؤمنين من مجرد سماع هذا الإفك العظيم، فقال تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور: 17]، قال ابن كثير في تفسير الآية: ” أجمع أهل العلم قاطبة على أنّ من سبها ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن ” أ،هـ ([13]) . فمن قذف أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر الصديق، زوجة النبي jفي الدنيا والآخرة رضي الله عنها، بما برأها الله منه، وهي فاحشة الزنا، فهو كافرٌ بإجماع المسلمين، لأنه مكذب لكتاب الله، إذ إن الله سبحانه وتعالى برَّأها من ذلك في كتابه الكريم في سورة النور وجعل اتهامها بالفاحشة إفكا، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فالقرآن الكريم جعل اتهامها افكا، وكتب لها البراءة {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}، وذكر أنّ {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}، وليس أطيب من رسول الله jوليس أطيب من زوجاته أمهات المؤمنين، فالله يقول هي بريئة، والقاذف لها يقول هي زانية، فيكون مكذِّباً لكلام الله، فهذا كافر مرتد عن دين الله، فمن قذفها بما برَّأها الله منه وهو الزنا، فقد كفر بالله العظيم، قال النووي في شرح صحيح مسلم (براءة عائشة رضي الله عنها من الإفك، وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان – والعياذ بالله – صار كافراً مرتداً بإجماع المسلمين، قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا إكرام من الله تعالى لهم) انتهى([14]) وقال ابن تيمية في الصارم المسلول: (فأما من سب أزواج النبي j، فقال القاضي أبو يعلى: “من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف”، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم) انتهى([15]) .
[المفتاح الرابع]: الفرقة الثالثة: (المعتزلة): والمعتزلة اسم يطلق على فرقة ضالة ظهرت في الإسلام في القرن الثاني الهجري ما بين سنة (105 هـ وسنة 110 هـ)، وكان بداية ظهورها على يد واصل ابن عطاء (80 هـ – 131 هـ)، وأصول الضلال عند المعتزلة خمسة، يظنون أنها من أصول الحق الخمسة وهي في حقيقتها أصول الضلال عند المعتزلة، [الأصل الأول]: يسمونه التوحيد وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي، وقد وصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي جميع صفات الله تعالى: من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، ووصلوا إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنّة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثبوتاً، [الأصل الثاني] يسمونه العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به، وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى: وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى: فوقعوا في وصفه – سبحانه – بالعجز، ومن ضلالاتهم المتعلقة بهذا الأصل: أنهم يرون أن أفعال العباد هم الخالقون لها والمحدثون لها، ويرون أن من قال: أن الله تعالى هو خالق أفعال العباد فقد عظم خطأه لأنه نسب إلى الله تعالى: الجور والظلم، ونسب إليه فعل القبيح لأن أفعال العباد أكثرها قبيح، ويرون أن الله عز وجل يجب عليه أبدا فعل الأصلح لأنه إذا لم يفعل ذلك كان ظلماً للعباد ونقصاً لما فيه صلاحهم وخلافاً للحكمة التي يجب أن يتصف بهــا، ومعتقد أهل السنّة أنه لا يجب على الله تعالى شيء، أراد المعتزلة نفي الجور والظلم عن الله عز وجل فوصفوا الله عز وجل بالعجز وعدم كمال القدرة والمشيئة، [الأصل الثالث]: يسمونه الوعد والوعيد: وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء، ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي j، ومفاده أن الله عز وجل وعد المطيعين بالثواب وأنه يفعل ما وعد لا محالة ولا يجوز عليه الخلف وإلا كان كذباً لا ينبغي أن يوصف به الله عز وجل – وهذا حتى الآن لا غبار عليه به قول أهل السنّة والجماعة-، ولكنهم يرتبون على ذلك أن الوعد بالثواب هو بطريق الاستحقاق وأن العبد مستحق لذلك الثواب وليس هو من باب الفضل والتفضل، وهم بذلك مخالفون لأهل السنّة والجماعة، لأن أهل السنّة يرون أن هذا محض فضل الله تعالى: على عباده المطيعين لأنه سبحانه هو الذي يسر لهم الطاعة ونعمه عليهم تكافئ الطاعة وتزيد عليها فأي حق لهم سوى فضل الله عز وجل عليهم بدليل قول أهل الجنة {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ،} [فاطر: 35] فالجنة إنما يحل فيها أهلها بفضل الله، ويصدق هذه الآية الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي – j– قال: (سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحداً الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة) ([16]) . فدخول الجنة محض فضل تفضل الله به على أهل طاعته، ولكنه محض فضل منّ الله عز وجل به من حلمه وعفوه ومغفرته وسعة رحمته وعظيم صفاته، هذا هو فهم أهل السنّة والجماعة لمسائل الوعد، وشتان بين الذي يقول أن دخول الجنة للمطيعين واجب على الله لاستحقاق المطيع ذلك بطاعته كما يقول المعتزلة وبين من يقول أنه محض فضل الله به ومن كمال رحمته تفضل بذلك الفضل على المؤمنين، وهو قول السنة، أما مسألة الوعيد، فإن المعتزلة أتوا فيها بما يضحك الثكلى فقالوا: كما أن الوفـاء بالوعد واجب على الله، كذلك الوعيد فإنه واجب على الله أن يوفي بوعيده، والوعيد معناه كل خبر يتضمن إيصال العقوبة والضرر والعقاب والعذاب إلى الغير مستقبلاً، وعلى ذلك فمن توعده الله بالعذاب أو النار فإنه لا يعفو عنه ولكن يعذبه ويوفي بوعيده وإلا تضمن خطاب الله عز وجل خلف الوعيد وبناءً على هذا الأصل الضال بنوا بأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار خلود الكافرين، مع أتفاق العقلاء على انّ الكريم إذا وعد وفى وإذا اوعد عفا، [الأصل الرابع]: يسمونه المنـزلة بين المنـزلتين: وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين، والمعتزلة بهذا القول خالفت إجماع أهل القبلة بما فيهم الفرق الضالة، فلم يقل بالمنـزلة بين المنـزلتين غيرهم ولا أحد قبلهم، وهذا وحده كاف في بيان ضلال ما ذهبوا إليه، إذ ديننا الحنيف مبني على الاتباع لا الاختراع والابتداع لا سيما في مسائل الاعتقاد التي تتعلق بها اسم الملة وأحكامها، [الأصل الخامس]: يسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر، وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين، وأهل السنّة والجماعة يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه الشرعية منها أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا كان يعقبه منكر أكبر منه، وكذلك فإن حد إنكار المنكر هو تغييره باليد دون استعمال السيف، والسيف عندهم لا يستعمل إلا بضوابط عديدة تضمن صحة تغيير المنكر وإلا فتركه أولى من تغييره، والمعتزلة لا يفرقون في قتالهم بين الفاسق والكافر بخلاف أهل السنّة فإنهم يفرقون بين الفاسق والكافر، بل ويجعلوه في إطار الإسلام ما كان فسوقه لم يخرجه من إطار الملة إلى الكفر بناقض ينقض أصل إيمانه.
[المفتاح الخامس]: الفرقة الرابعة: (المرجئة): و(الإرجاء): في الاصطلاح: هو صفة وعلامة على فرقة ضالة في الاعتقاد وهي المرجئة وإرجاء هؤلاء معناه تأخير العمل عن مسمى الإيمان، فلا يجعلون الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، و (المرجئة): لهم مقالات تدل على إهمال قيمة عمل الجارحة بالكلية منها قول بعضهم (لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة)، وقول بعضهم (المعصية لا تضر صاحب التوحيد) وقول بعضهم (لا يدخل النار مؤمن) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام، وأهل السنّة يقولون لا يخلد في النار مؤمن، والفارق بينهما عظيم فالمرجئة يقولون بعدم دخوله النار ابتداءً وهذا إهمال عظيم لعمل الجوارح وإهدار عظيم للطاعات واستهتار واضح بالمعاصي والذنوب، أما أهل السنّة فيقولون بأنه في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار، ويمكثون في النار ما شاء الله، ويقولون غمسة في النار لا تساويها الدنيا بأسرها بنعيمها ولذاتها، إلا أن أهل التوحيد لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين، وغالب فرق الإرجاء ينفون وجود مكفرات من الأعمال، فسب الله عندهم ليس بكفر إلا إن صاحبه استحلال، وكذلك قتال الأنبياء وقتلهم والسجود للأصنام وإلقاء المصاحف في الحشوش، فيقولون ليست هذه الأعمال كفراً حتى يصاحبها استحلال، وليست كذلك عند أهل السنّة لأنهم يقولون إنها لا تصدر إلا مع انتفاء عمل القلب من الانقياد والتعظيم ولا تصدر بقصد إلا من كافر، ولا يلزم معها استحلال لأنها ملازم لها لا ينفك عنها بحال، ومن مقالاتهم الشنيعة: قولهم ((من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل والملائكة وإن قتل كذا وكذا وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة)) ([17]). وقولهم ” لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة “وقولهم ” ما دون الشرك مغفور لا محالة وأن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات “([18]). وقولهم ” إن الله لا يعذب الفاسقين من هذه الأمة ” أهـ([19]). وقولهم ” لا يدخل النار إلا الكفار فحسب ” ([20]). وقولهم ” من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة إذا مات وإن زنى وإن سرق وشرب الخمر وقذف المحصنات وترك الصلاة والزكاة والصيام إذا كان مقراً بها لم يضره وقوعه على الكبائر وتركه للفرائض وركوبه الفواحش ” ([21]). ومقصدهم من ذلك عدم دخول النار ابتداءً فالنار محرمة عليهم ولا تمس أجسادهم قط، ” قلت ” وبعد جمع أقوالهم الشنيعة في الإيمان أرجو أن تكون الصورة قد اكتملت تجاه هؤلاء الذين يهدرون تماماً قيمة عمل الجارحة وقيمة الطاعة ويستخفون تماماً بالمعاصي والآثام والذنوب وهم مع ذلك يجزمون لأنفسهم بكمال الإيمان فنعوذ بالله من البدعة والضلالة.
[المفتاح السادس]: الفرقة الخامسة: (الجهمية): هم أتباع الجهم بن صفوان وهو ضال مبتدع قال عنه الذهبي ” هلك في زمان التابعين وما علمته روى شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً ” أهـ ـ([22]). وقال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله: ” ذكر قول الجهمية ما تفرد به جهم: الذي تفرد به جهم القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل بالله فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله – سبحانه ! – إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل واختياراً له منفرداً بذلك، كما خلق له طولاً كان به طويلاً، ولوناً كان به متلوناً، وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقتل ” جهم ” بمرو، قتله مسلم بن أحوز المازني في آخر ملك بن أمية ويحكي عنه أنه كان يقول: لا أقول إن الله – سبحانه! – شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء، وكان يقول: إن علم الله – سبحانه ! – محدث، فيما يحكي عنه، ويقول بخلق القرآن، وأنه لا يقال: إن الله لم يزل عالماً بالأشياء قبل أن تكون ” أهـ ـ([23]). ويمكن تلخيص أهم ضلالات الجهمية في هذه الأصول الضالة: (الأصل الأول): تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل، و(الأصل الثاني): القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر، و(الأصل الثالث): القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة، و(الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار، و(الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى: وعذاب القبر، فأما الأصل الأول: (تعطيل أسماء الله عز وجل وصفاته) فحجتهم فيه أن وصف الله تعالى: بصفات موجودة في المخلوق توجب التشبيه فينبغي نفي كل صفة نسبت إلى الله تعالى، ومن هذا الباب عطلوا جميع الصفات دون استثناء وذلك لأن الإنسان وهو مخلوق موصوف بالحياة والعلم والسمع والبصر والكلام وغيرها من الصفات، وقد تقدم الرد على ضلالاتهم في الكتاب الأول، مفاتيح علم التقديس، وأما الأصل الثاني (قولهم بالجبر) فحجتهم فيه أنهم يثبتون لله عز وجل القدرة التامة وأن إثبات القدرة التامة يستلزم الجبر في أعمال الإنسان وأنه مجبور على عمله لا خيار له فيه وعمله بمثابة طوله ولونه وبمثابة حركة الجمادات والنباتات، وأي عاقل سمع كلامهم هذا علم أنه إذا عوقب الإنسان على عمله الرديء وهو لا دخل له فيه البته أن هذا ظلم يتنزه الله تعالى: عنه، فكأنهم إذا جاءتهم الشبهة من باب القدرة نسبوا إلى الله تعالى: الظلم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأهل السنّة يقولون أن للإنسان مشيئة وإرادة واختيار، وكل منا يعلم من نفسه ذلك، فهل القيام بعمل من أعمال الطاعة أو المعصية يشبه رعشة العضلات اللاإرادية أو دقات القلب اللاإرادية دون دخل من الإنسان هذا لا يقوله منصف ولا عاقل، ولكن إرادة الإنسان واختياره داخل ضمن تقدير الله ومشيئته وإرادته، ويجمع الأمرين قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] فأثبت القرآن الكريم المشيئتين بصورة نؤمن بها تثبت لله القدرة التامة والعدل التام والمسئولية الكاملة للإنسان على أفعاله وتصرفات، ثم الجهمية يدخلون من باب الجبر إلى الاحتجاج على الله عز وجل بالمعاصي والذنوب لأنهم يقولون إذا كان الإنسان مجبوراً على عمله فما ذنب ارتكابه الكبائر وهو مجبور عليها، ويلزمهم في ذلك أنه ما ذنب الكافر في وقوعه في الكفر وهنا ينفرط عقد الإيمان بل عقد الملة بأسرها فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأما الأصل الثالث: (ضلالهم في مسائل الإيمان والكفر): فالجهميـة من أشـد الفرق ضلالاً وتفريطاً في حق مسائل الإيمان والكفر، وذلك بانهم قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله فقط ومن عرف الله بقلبه فهو مؤمن، والكفر هو الجهل بالله فقط، ومن أتى بالمعرفة القلبية فهو مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وكإيمان الأنبياء والمرسلين، ومن أتى بالمعرفة والإقرار فلا يضره شيء البتة كما لا ينفع مع الكفر طاعة البتة، وقد مر بنا فيما مضى ضلال تلك الأصول بما يغني عن الرد عليها، والله المستعان، وأما (الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار، فإنّه قد دلت الآيات على بقاء الجنّة والنار، منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وأما (الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى وعذاب القبر، فهذا من الضلال المتعلق بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد فيما لا تعارضه أدلة النقل والعقل، ولا يُخالف قواعد التقديس.
[المفتاح السابع]: الفرقة السادسة: (الشيعة): في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه، بدأ ظهور الرفض في شيعة الإمام علي رضي الله عنه متمثلا في جماعة عبد الله بن سبأ، وهؤلاء (السبئية) – على النقيض من الخوارج – غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض)، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي jلسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وبعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، وكان كل واحد من الحزبين يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية رضي الله عنهم أجمعين وبايعه، على أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله jوسيرة الخلفاء الراشدين وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم وأخذ على هذه الشروط العهود المغلظة باليمين، وتم الصلح وسمي هذا العام عام الجماعة، ولكن التشيع بعددها بدأ يأخذ منحنى عقدي ظهر فيه تأثير جماعة عبد الله بن سبأ اليهودي، وأدخل إلى التشيع عقائد غريبة عن الإسلام شيئا فشيئا حتى استقر للشيعة ثلاث مذاهب أقربها إلى أهل السنّة والجماعة الزيدية، وأبعدها الباطنية الإسماعيلية، فهم على عقائد مكفرة تٌخرج اكثرهم من الإسلام، والفرقة الثالثة وهي الإمامية، والتي بفعل السبأيين اتباع ابن سبأ كالكليني والمفيد والكذوب وغيرهم اقتربت من الإسماعيلية ودخلت الإمامية في مكفرات خطيرة لا سيما بعد تبني الدولة الصفوية لها، وزاد الطين بلة وصول الخميني المغالي في الصفوية إلى سدة الحكم في ايران وتبني المذهب المتطرف من الإمامية، وللتاريخ فإنّ الكليني والمفيد وأعلام الإمامية الذين أسسوا للفرقة الإمامية وألفوا فيه الكتب والمجلدات فإنهم جميعا من أعلام السبئية، ومن أتباع الزنديق عبد الله بن سبأ اليهودي المتأسلم، الذي فعل في الإسلام ما فعل أخوه بولس اليهودي في النصرانية، والملاحظ: أنّ المذهب الشيعي غير ثابت، ومن طبيعته أنه يتطور من وقت لآخر، ويتغير من جيل لجيل، حتى أن ما يعتبر غلواً عند الشيعة الماضين فإنه قد يصبح اليوم من ضرورات المذهب، والملفت للنظر هو كثرة هذه الفرق الشيعية، ولكن من الملاحظ أنّ الفرقة الإثنى عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى.
[1] انحصرت الفرق الشيعية المعاصرة بثلاث فرق، الزيدية والإسماعيلية والإمامية الإثني عشرية، و(الزيدية): أقرب فرق الشيعة إلى مذهب أهل السنّة والجماعة، و(الإسماعيلية): أبعد القوم عن دين الإسلام واكثرهم باطنية خرجوا عن الملة الإسلامية بمكفر من المكفرات، ولذلك عدهم كثير ممن تكلم في فرق المسلمين انهم ليسوا مسلمين، ولا يُعدون من الفرق الإسلامية الضالة أصلا، و(الإمامية) هي أكبر هذه الطوائف الشيعية اليوم عددا، اختلف علماء المسلمين في تقييمهم اشد الاختلاف وذلك لعقيدة غامضة عندهم سموها التقية فيخفون بها ما يبطنون ويظهرون بها خلاف ما يعتقدون فالله أعلم بحالهم ومآلهم لنا الظاهر أنّهم مسلمون ما لم يأت أحدهم بكفر بواح لنا فيه عند الله برهان.
[2] الفرقة الأولى من فرق التشيع:[الزيدية]: (الزيدية): هم من أقرب الفرق الشيعية إلى أهل السنّة والجماعة، حيث تتصف بالاعتدال والقصد والابتعاد عن التطرف والغلو الذي هو سمة الشيعة الإمامية، ولولا الاعتزال الذي اعتقدوه لكانوا أقرب الناس قاطبة إلى أهل السنّة والجماعة، وتنسب الزيدية إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب (80 – 122 هـ) كان تقيّا شجاعا، وقد اتصل برأس المعتزلة واصل بن عطاء، وتدارس معه العلوم، فتأثر به وبأفكاره التي نقل بعضا منها إلى الفكر الزيدي، وبالمقابل تتلمذ أبو حنيفة على الإمام زيد وأخذ منه بعض العلم والفقه، [الأفـــكار والمعتقــدات]: (1) الزيدية يُجيزون الإِمامة في كل أولاد فاطمة، سواء أكانوا من نسل الإِمام الحسن أم من نسل الإِمام الحسين، (2) الإِمامة لديهم ليست بالنص، إذ لا يشترط فيها أن ينص الإِمام السابق على الإِمام اللاحق، بمعنى أنها ليست وراثية بل تقوم على البيعة، فمن كان من أولاد فاطمة وفيه شروط الإِمامة كان أهلاً لها، (3) لا يجوز عندهم أن يكون الإِمام مستوراً إذ لابد من اختياره من قبل أهل الحل والعقد، ولا يتم اختياره إلا إذا أعلن عن نفسه مبيناً أحقيته بالإِمامة، (4) يجوز لديهم وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في قطرين مختلفين، (5) تقول الزيدية بالإِمام المفضول مع وجود الأفضل إذ لا يُشترط أن يكون الإِمام أفضل الناس جميعاً بل من الممكن أن يكون هناك للمسلمين إمام على جانب من الفضل مع وجود من هو أفضل منه على أن يرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا التي يدلي برأيه فيها، (6) معظم الزيدية يقرون خلافة أبي بكر وعمر، ولا يلعنونهما كما تفعل فرق الشيعة، بل يترضون عنهما، ويقرون بصحة خلافة عثمان مع مؤاخذته على بعض الأمور، (7) يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بالذات والصفات، والجبر والاختيار، ومرتكب الكبيرة يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة ولكنه غير مخلد في النار إذ يعذب فيها حتى يطهر من ذنبه ثم ينتقل إلى الجنة، (8) وهم يرفضون التصوف رفضاً قاطعاً، (9) ويخالفون الشيعة الإمامية في زواج المتعة ويستنكرونه، (10) هم متفقون مع السنّة بشكل كبير في العبادات والفرائض سوى اختلافات قليلة في الفروع من مثالها: يقولون “حي على خير العمل” في الأذان، وصلاة الجنازة لديهم خمس تكبيرات، ويرسلون أيديهم في الصلاة، وصلاة العيد تصح فرادى وجماعة، ويحكمون ببطلان الصلاة خلف الفاجر، ويرون أنّ تقليد أهل البيت أولى من غيرهم، ويقولون بوجوب الخروج على الإِمام الظالم الجائر ولا تجب طاعته، ولا يقولون بعصمة الأئمة عن الخطأ، ولا يغالون في رفع أئمتهم على غرار ما تفعله الإمامية والإسماعيلية.
[تأثر الزيدية بالمعتزلة]: انعكست اعتزالية واصل بن عطاء على الزيدية وظهر هذا جلياً في اقرارهم بالأصول الخمسة لدى المعتزلة، وقد تقدم ذكرها، [تأثر الزيدية بقيام الثورة الإمامية بإيران]: جدير بالقول أن الزيدية ظلت لسنوات طويلة زيدية صرفة يحارب أئمتها التشيع والرفض، إلا أن قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 شكل خطرا على الاعتدال الزيدي، خاصة وأن إيران مدّت يدها لهؤلاء في خطتها لتصدير الثورة الرافضية ونشر الرفض في العالم ومنه اليمن، وصارت الكثير من الهيئات والمؤسسات الزيدية تنحى منحى إمامياً اثنى عشرياً، لاسيما الجارودية أتباع الحوثي، وصاروا يقلدون الروافض الإمامية بإحياء مناسباتهم ومجالسهم مثل إحياء ذكرى استشهاد الحسين، وإقامة المجالس الحسينية، وإحياء وفاة بعض الأئمة مثل جعفر الصادق ومحمد الباقر وعلي زين العابدين، واتخاذ بعضهم جبلاً في مدينة صعدة أسموه (معاوية) يخرجون إليه في يوم عاشوراء ويطلقون عليه نيران أسلحتهم، والاحتفال بيوم الغدير، مما يثير الشك في تحولهم تماما إلى المذهب الرافضي الذي كانوا بالأمس يرفضونه ويلعنون متبعيه.
[3] الفرقة الثانية من فرق التشيع: [الإسماعيلية]: (الإسماعيلية): فرقة باطنية، انتسبت إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحيحة، وقد مالت إلى الغلوِّ الشديد لدرجة أن الشيعة الزيدية والاثني عشرية يكفِّرون أعضاءَهَا، ومن فرق الإسماعيلية: الإسماعيلية القرامطية، والإسماعيلية الفاطمية، والإسماعيلية الحشاشون، والإسماعيلية البهرة، والإسماعيلية النصيريون، والاسماعيلية الدروز، [الأفكار والمعتقدات التي تكاد تجمع الإسماعيلية]: (1) ضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل، (2) العصمة لديهم ليست في عدم ارتكاب المعاصي والأخطاء بل إنهم يؤولون المعاصي والأخطاء بما يناسب معتقداتهم، (3) من مات ولم يعرف إمام زمانه ولم يكن في عنقه بيعة له مات ميتة جاهلية، (4) يضفون على الإمام صفات ترفعه إلى ما يشبه الإله، ويخصونه بعلم الباطن ويدفعون له خُمس ما يكسبون، (5) يؤمنون بالتقية والسرية ويطبقونها في الفترات التي تشتد عليهم فيها الأحداث، (6) الإمام هو محور الدعوة الإسماعيلية، ومحور العقيدة يدور حول شخصيته، (7) الأرض لا تخلو من إمام ظاهر مكشوف أو باطن مستور فإن كان الإمام ظاهراً جاز أن يكون حجته مستوراً، وإن كان الإمام مستوراً فلا بد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين، (8) يقولون بالتناسخ، والإمام عندهم وارث الأنبياء جميعاً ووارث كل من سبقه من الأئمة، (9) ينكرون صفات الله أو يكادون لأن الله ـ في نظرهم ـ فوق متناول العقل، فهو لا موجود ولا غير موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا يقولون بالإثبات المطلق ولا بالنفي المطلق فهو إله المتقابلين وخالق المتخاصمين والحاكم بين المتضادين، ليس بالقديم وليس بالمحدث فالقديم أمره وكلمته والحديث خلقه وفطرته، و(الإسماعيلية) في بدايتها كانت إحدى الفرق الشيعية ولكنها غلت في أئمتها أشد من غلو الرافضة، وتأثرت بمؤثرات كثيرة حتى وصل الأمر إلى أن بلغت حد الغلو المخرج من ملة الإسلام حتى اعتبرتها معظم الفرق الإسلامية كافرة وخارجة من الإسلام، لما أسبغوه على إمامهم من صفات تصل به إلى ما يشبه مقام الألوهية، ولقولهم بالتناسخ واستحلال ما حرّم الله. ومن أبرز الفرق الإسماعيلية الباطنية: [(أ) الإسماعيلية القرامطة]: والقرامطة من غلاة الإسماعيلية، ومن شخصياتهم: عبد الله بن ميمون القداح: (260ه)، وحمدان قرمط بن الأشعث (278ه)، وأحمد بن القاسم: الذي بطش بقوافل التجار والحجاج، والحسن بن بهرام (أبو سعيد الجنابي): ظهر في البحرين ويعتبر مؤسس دولة القرامطة، وابنه سليمان بن الحسن بن بهرام (أبو طاهر): حكم ثلاثين سنة، وفي عهده هاجم الكعبة المشرفة سنة 319ه، ونهب هو وأصحابه الحجاج وقتلوهم في المسجد الحرام، وقلع باب البيت، وقبة زمزم والحجر الأسود، وأخذ كسوة الكعبة ففرقها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة وأقام الخطبة في مكة لعبيد الله المهدي بدلاً من الخليفة العباسي المقتدر ثم عاد إلى الأحساء سارقا الحجر الأسود، وبقي عنده لأكثر من عشرين سنة، [(ب) الإسماعيلية الفاطمية (العبيدية)]: قامت الدولة العبيدية الفاطمية على أساس الدعوة الشيعية في ظروف غامضة، والإسماعيلية الفاطمية مرت بعدة أدوار: (أ) دور الستر: من موت إسماعيل سنة 143 هـ إلى ظهور عبيد الله المهدي، وقد اختلف في أسماء أئمة هذه الفترة بسبب السرية، (ب) بداية الظهور: يبدأ الظهور بالحسن بن حوشب الذي أسس دولة الإسماعيلية في اليمن سنة 266هـ وامتد نشاطه إلى شمال أفريقيا واكتسب شيوخ كتامة، (ت) دور الظهور: يبدأ بظهور الإمام عبيد الله الملقب بالمهدي الذي كان مقيما في سلمية بسوريا ثم هرب إلى شمال أفريقيا، وأقام هناك الدولة الباطنية (العبيدية) التي تسمت بالدولة الفاطمية، واستمرت تحكم مصر والحجاز واليمن حتى زوال دولتهم على يد المجاهد صلاح الدين الأيوبي، [(ت) الإسماعيلية الحشاشون]: ومن أبرز شخصياتهم: الحسن بن الصباح: وهو فارسي الأصل وكان يدين بالولاء للإمام المستنصر قام بالدعوة في بلاد فارس للإمام المستور ثم استولى على قلعة الموت وأسس الدولة الإسماعيلية النـزارية، وهم الذين عرفوا بالحشاشين لإفراطهم في تدخين الحشيش، وكان شعار الحشاشين (لا حقيقة في الوجود وكل أمر مباح) ووسيلتهم الاغتيال المنظم والامتناع بسلسلة من القلاع الحصينة، وهم يعتقدون أن الله لم يخلق العالم خلقاً مباشراً بل كان ذلك عن طريق العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية، ويسمونه الحجاب، وقد حل العقل الكلي في إنسان هو النبي وفي الأئمة المستورين الذين يخلفونه فمحمد هو الناطق وعلي هو الأساس الذي يفسر، وعنهم يقول الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: (المنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات واستحلالها، وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم) أهــ، [(ث) الإسماعيلية الدروز]: فرقة إسماعيلية باطنية ادعت ألوهية الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي، يعتبرون أنفسهم منذ ألف سنة مضت في دور الستر وهم شديدو التكتم على عقائدهم، وهذه الطائفة قامت على مبادئ الإسماعيلية وزادت عليها بعض العقائد التي ميزتها كالقول بألوهية الحاكم بأمر الله ورجعته في آخر الزمان، ومن معتقداتهم (1) يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع، (2) ينكرون الأنبياء والرسل جميعاً ويلقبونهم بالأبالسة، (3) يعتقدون بأن المسيح هو داعيتهم حمزة، (4) يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى والمسلمين منهم بخاصة ويستبيحون دماءهم وأموالهم وغشهم عند المقدرة، (5) يعتقدون بأن ديانتهم نسخت كل ما قبلها وينكرون جميع أحكام وعبادات الإسلام وأصوله كلها، (6) حج بعض كبار مفكريهم المعاصرين إلى الهند متظاهرين بأن عقيدتهم نابعة من حكمة الهند، (7) ولا يكون الإنسان درزياً إلا إذا كتب أو تلى الميثاق الخاص، (8) يقولون بتناسخ الأرواح وأن الثواب والعقاب يكون بانتقال الروح من جسد صاحبها إلى جسدٍ أسعد أو أشقى، (9) ينكرون الجنة والنار والثواب والعقاب الأخرويَّيْن، (10) ينكرون القرآن الكريم ويقولون أنه من وضع سلمان الفارسي ولهم مصحف خاص بهم يسمى المنفرد بذاته، (11) يعتقدون أن القيامة هي رجوع الحاكم الذي سيقودهم إلى هدم الكعبة وسحق المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض وأنهم سيحكمون العالم إلى الأبد ويفرضون الجزية والذل على المسلمين، (12) يحرمون التزاوج مع غيرهم والصدقة عليهم ومساعدتهم كما يمنعون التعدد وإرجاع المطلقة، (13) لا يعترفون بحرمة الأخت والأخ من الرضاعة، (14) لا يقبل الدروز أحداً في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه، (15) الدروز تؤمن بالتناسخ بمعنى أن الإنسان إذا مات فإن روحه تتقمص إنساناً آخر يولد بعد موت الأول، فإذا مات الثاني تقمصت روحه إنساناً ثالثاً وهكذا في مراحل متتابعة للفرد الواحد، ويعيش الدروز اليوم في لبنان وسوريا وفلسطين، [(ج) الإسماعيلية البهرة]: وهم إسماعيلية الهند واليمن، تركوا السياسة وعملوا بالتجارة فوصلوا إلى الهند واختلط بهم الهندوس الذين أسلموا وعرفوا بالبهرة، والبهرة لفظ هندي قديم بمعنى التاجر، ومن عقائد البهرة: أنّهم لا يقيمون الصلاة في مساجد المسلمين، وظاهرهم في العقيدة يشبه عقائد سائر الفرق الإسلامية المعتدلة، أما باطنهم شيء آخر فهم يصلون ولكن صلاتهم للإمام الإسماعيلي المستور من نسل الطيب بن الآمر، وهم يذهبون إلى مكة للحج كبقية المسلمين لكنهم يقولون: إن الكعبة هي رمز على الإمام، [(ح) الإسماعيلية (النصيرية)]: فرقة من غلاة الشيعة الباطنية، وقد أرجع أصحاب معاجم الرجال وكتب الملل والنحل المتقدمين سبب تسمية هذه الفرقة إلى محمد بن نصير ويمكن تلخيص أبرز عقائد النصيرية من خلال الجمع بين كل الكتب والمصادر التي تحدثت عنهم بالتالي: (1) حركة باطنية، لها طقوسها وديانتها وعقائدها الخاصة، والتي لا يحق للغير الاطلاع عليها ويتم تداولها بشكلٍ سريٍّ فيما بينهم، (2) هي إحدى فرق غلاة الشيعة، تعود إلى محمد بن نصير الذي كان على عهد الإمامين الهادي والعسكري، (3) جعلوا علياً إلهاً وقالوا بأن الظهور الروحاني بالجسد الفاني كظهور جبرائيل في صورة بعض الأشخاص، (4) يبيحون المحرمات وأباحوا نكاح المحارم ونكاح الرجال، ويستبيحون الزنا بنساء بعضهم لأن المرآة لا يكمل إيمانها إلا بإباحة فرجها لأخيها المؤمن، (5) يؤمنون بتناسخ الأرواح، وأن الإنسان عندما يموت تنتقل روحه إلى جسد جديد إما إنسان آخر في حال عمل الصالح، أو حيوان جراء سلوكه الطالح، وهذا يعد يوم الحساب عندهم، (6) يزعم هؤلاء أن الولاية أعلى من النبوة، لأن الإمام المعصوم – في زعمهم- مصدر الإرادة الإلهية دون وحي أو واسطة لأنه تحت تأثير الإرادة الإلهية المباشرة، وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء النصيريين لا تجوز مناكحتهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يُصلى على من مات منهم ولا يدفن في مقابر المسلمين، (تنبيه): الإسماعيلية الغلاة ليسوا من أهل القبلة أصلا فلا نرى ضلالهم في الإيمان وحسب، بل هم ربما على ملة غير الإسلام نسأل الله السلامة.
[4] [الشيعة الإمامية الاثنا عشرية]: يقال لهم: (الإماميّة) لقولهم: إن النبي jنصّ على استخلاف علي بن أبي طالب من بعده، ويقال لهم: (الجعفرية) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه ابن محمد الباقر، وهو منهم برآء، لأنّهم يكذبون عليه، فقد اخرج ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) بإسناد صحيح إلى المحدّث الحافظ الكبير أبي حفص ابن شاهين (٣٨٥هـ) أنه قال: (رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر بن محمد، وأحمد بن حنبل)، وهو يقصد كثرة الكذب على جعفر الصادق وعلى أحمد بن حنبل، من غلاة المتعصبين لهما، ويقال لهم (الاثنا عشرية) لانهم يقولون بالنص على اثني عشر إماما معصوما، يزعمون أن النبي jنصَّ على إمامة علي بن أبي طالب، واستخلفه بعده بعينه واسمه، وأن عليّاً نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي، وهكذا إلى أن سمّوا اثني عشر إماماً من أولاد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخرهم محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب، وينتظرون خروجه، وهو المهدي المنتظر عندهم، ويقال لهم (الرافضة) لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهما للنبي jبمثابة الوزيران، وقيل سموا بالرافضة لأنهم رفضوا إمامة زيد بن علي فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، رفضه هؤلاء فقال لهم: رفضتموني، فسُمّوا رافضة لرفضهم إياه، ومن عقائد الإمامية الاثني عشرية: (1) التشكيك في حفظ القرآن الكريم، (2) تكفير الصحابة إلا قليلاً منهم، (3) التشكيك في نزاهة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، (4) تكفير المسلمين إلا من كان على مثل عقيدتهم، وكل تلك الطوام يرى كثير من أهل العلم أنها مكفرات، ولكن لنا الظاهر والله أعلم بالسرائر، (تنبيه): عندما تبنت الدولة الصفوية الحكم في إيران، تشددت في انتقاء الآراء لأكثر تشددا في معتقد الإمامية، حتى صارت عبئا كبيرا على الإسلام والمسلمين وحجر عثرة أمام وحدتهم وقوة بأسهم، وكانت على الإسلام وأهله أشد خطرا من الكفار الأصليين نسأل الله السلامة من الفتن، لاسيما عندما وصل الخميني إلى سدة الحكم فحاول القضاء على المد السني في العالم كله، بأنشطته التوسعية في نشر المذهب الإمامي الصفوي وأضعف أهل الإسلام بتحالفاته مع الغرب والشرق وقسم العالم الإسلامي إلى قسمين بأسهم بينهم شديد، وقد أفرت لها المبحث التالي لمعرفة معتقداتهم بعد تبني الآراء الأكثر تشددا وتطرفا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[المفتاح الثامن]: الفرقة السابعة: (الحشوية): الحشوية بتسكين الشين وفتحها: لقب أطلق قديما على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد، ثم أخذوا بظاهر لفظها، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم ” بلا كيف “، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم ي الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف.
[1] أبرز صفات الحشوية: الحشوية لهم مواصفات معينة، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، ينسبون إلى الله تعالى الجوارح والأجزاء والأبعاض، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، وهم لا يحترمون تخصص العلماء، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص، ومن أهم مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، والغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله j، وإلى الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وإلى الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنّة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنّة والجماعة، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها، والغلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
وهم ينتسبون إلى السلف، والسلف برآء منهم، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيين – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة، التي أسّسها وبناها علماء المسلمين طوال القرون، ولذلك فهم من شر الفرق، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف.
[2] لماذا سماهم أهل العلم بالحشوية: (أ) لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف، (ب) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، وبكل ما يخالف صريح العقل، وهم أبعد الناس عن العقل، فالشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، (ت) لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات: لأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات، (ث) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة.
[3] أخطر مشاكل الحشوية عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام: على مر عصور الإسلام ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه: الاتقان في علوم القرآن، وظهر المتخصصون في علم الحديث، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل، وعلم شرح الحديث وبيان معناه، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح، وظهر المتخصصون في الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين (مذاهب)، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام،ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وبعد ظهور الأئمة الثلاث صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، و مع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، ثم عندما اتسعت الفتوحات وبدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، (ب) إنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في: الفوضى العلمية، والفوضى الفكرية، والخطأ في تقييم المواقف واصدار الأحكام، كما يؤدي إلى فوضى التبديع الناشئة عن عدم احترام تخصصات الآخرين، والهجوم على أصحابها واتهامهم بالبدعة والانحراف عن الدين، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم ولا معرفة لأسباب تبني أهل التخصص لهذا الحكم دون غيره، مع أنّ الحق حتما يكون مع أهل التخصص، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
[4] تاريخ تسلسل ظهور الحشوية: وقد سبق الحديث عنها في [(الدرس التاسع) بدعة الحشو التي ادخلها ابن تيمية على ملة الإسلام وهو يزعم انها مذهب السلف.]
[المفتاح التاسع]: الفرقة الثامنة: الفرقة الوهابية: تنتسب إلى النجدي محمد ابن عبد الوهاب، ظهرت في القرن الثاني عشر الهجري فكفرت أكثر المسلمين على وجه البسيطة إلا اتباعها، واستحلت دماءهم واموالهم وحاولت مزاحمة أهل السنة والجماعة في مسماها، بل وحاولت حين غفلة من أهل العلم سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة والجماعة لتنسبه لنفسها، ولكن الميزان النبوي لا زال عاملا، فإن سواد أهل السنة والجماعة على مر عصور الإسلام هم أهل المذاهب العقدية والفقهية والصوفية المعروفة والتي لاقت قبولا عند سواد أهل الإسلام الاعظم، وهؤلاء الوهابية يدعون السلفية، والسلف من بدعهم براء، فهم في العقيدة حشوية مجسمة، وفي الفقه يتتبعون الآراء المتشددة والشاذة ولا يجدون مناسبة للتشفي من أهل المذاهب الأربعة إلا واقتنصوها، وفي التزكية يخاربون التصوف السني الرشيد ويحاربون الاولياء، ولهم مفردات غريبة بالغة في الغلو في التكقير والتشريك والتبديع وديدنهم شن الحروب على أهل التخصص العلمي من مدارس أهل السنّة والجماعة العقائدية والفقهية والسلوكية، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمذهب عقدي أشعري او ماتريدي أو أثري ومذهب فقهي حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي، ومنهاج صوفي للتزكية، وطريقة سلوكية تأخذ بيده نحو رضا الله، إنّ السلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله jبالخيرية، فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف الصالح، ولكن السلفية الحقة الأصيلة بريئة من انتساب الوهابية إليها، بل سلفهم الحشوية والمحسمة والخوارج، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء، وآفتهم اتباع المتشابهات وترك المحكمات فإنا لله وإنا إليه راجعون، والقاعدة عند أهل التخصص أنّ التيميون المغالون في الشيخ ابن تيمية، والوهابيون المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا على منهج أهل السنّة والجماعة الصحيح الصافي، بل هم عند أهل العلم مزيج مريب من فرق الخروج والحشو، وسياتي تناول تلك الفرقة باسهاب وتفصيل في المباحث التالية.
[تنبيه]: أخطر البدع الضالة في زماننا وأشدها خطرا على اهل السنّة والجماعة فرقتان هم الشيعة الإمامية الصفوية، والمتمسلفة التيمية الوهابية ، وكل من يتابع العالم الإسلامي اليوم من أهل العلم بالدين يعلم حقيقة إنّ أخطر الفرق على أهل السنّة والجماعة في زماننا المعاصر: فرقتان: (الفرقة الأولى): هم الإمامية الصفوية الخمينية الاثني عشرية، و(الفرقة الثانية): هم الوهابية التيمية السلفية، وتكمن خطورة هاتين الفرقتين أنّ الأولى تتمسح في حب آل البيت وتدلس على المسلمين بهم، وآل البيت منهم براء، والفرقة الثانية تتمسح في السلف الكرام وتدلس على المسلمين بهم، والسلف الكرام منهم براء، وهاتان الفرقتان هما بحق أخطر الفرق المعاصرة على أهل الإسلام، فلولا الروافض الصفويين لكانت أوروبا اليوم على دين الإسلام لا تعرف دينا غيره، ولولا الوهابيين وبدعهم وضلالاتهم من الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتبديع والتضليل ومحاربة التخصصات الإسلامية في شتى علوم الدين، وطرحهم الموازي لدين الإسلام الحق في كل أبواب الدين والعلم، لكانت الامة الإسلامية اليوم على منهجية علمية واحدة تخترم أهل التخصص وتتفرع لنشر الدين وحمل تكاليف الدعوة والأمانة، والفرقتان هما اضر الفرق على الإسلام وأهله ولولاهما بعد قدر الله تعالى لكانت الأرض كلها إلا قليلا تنتسب إلى الإسلام فإنّا لله وإنّا إليه راجعون،
***
([1]) مسند أحمد 14/124 ح 8396، سنن الترمذي 5/25 ح 2640.
([2]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([3]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597.
([4]) مسند أحمد 19/241 ح 12208، سنن ابن ماجة 5/130 ح 3993.
([6]) مقدمة فتح الباري ج1/ص459.
([7]) سير أعلام النبلاء ج7/ص370.
([8]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1862.
([10]) صحيح البخاري 5/26 ح749 صحيح مسلم 4/1881 ح 2421.
([11]) تفسير القمي 2/377 – بحار الأنوار 22/420.
([16]) صحيح البخاري 8/98 ح 6463.
([17]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة للالكائي 5 / 107.
([18]) نقله عنهم الشهريتاني في الملل 1/139، 1/140.
([19]) نقله عنهم الرازي في كتابه اعتقادات فرق المسلمين ص 70.
([20]) حكى إجماعهم على هذه المقولة السكسكي في البرهان ص 33.
([21]) نقله عنهم الملطي في التنبيه والرد ص 43.